الكلام على الباب في مسائل:
_________________
(١) أخرجه البزار (كما في كشف الأستار ١٠٦)، وعزاه الهيثمي في المجمع (١/ ١٠٤) إلى الطبراني في الأوسط، وحسنه العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ١٧)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٤٤٧٩).
(٢) أخرجه معمر بن راشد في جامعه (ص: ٤٥٩)، والطبري في التفسير (٦/ ٦٤٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٥٦)، وقال ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٨٤)، وهو صحيح بلا شك، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٠٤): «إسناده صحيح».
(٣) فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الأعراف. الثانية: تفسير آية الحجر. الثالثة: شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله. الرابعة: شدة الوعيد في القنوط.
[ ٣٢٠ ]
المسألة الأولى: المقصود بالباب: التأكيد على وجوب أن يكون العبد معلقًا قلبه بين رجاء الله وعدم القنوط، وبين الخوف من الله وعدم الأمن من مكره، ولقد ضلَّ أقوام غلَّبوا الرجاء، وأقوام غلَّبوا الخوف.
فالمراد بالباب: التنبيه على أنَّ الأمن من مكر الله من أعظم الذنوب، وأنَّه ينافي التوحيد، كما أنَّ القنوط من رحمة الله كذلك، ولذا قال بعض السلف: «من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن» (^١).
• واعلم أنَّ من صفات المكذبين للرسل أنَّهم يأمَنُون من مكر الله، فإذا رأوا النعم تأتيهم اطمأنوا وأمِنوا من عذاب الله مع أنَّهم مستحقون له، والواجب على المسلم أن يجعل في قلبه الخوف من الله، لاسيما عند فعل المعصية وكذا الطاعة، وهذا هو هدي المسارعين للخيرات، ولذا ورد في الحديث عن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون، الآية (٦٠)]. قالت عائشة ﵂: «هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ ﷿» (^٢).
المسألة الثانية: ورد في نصوص الباب أمورٌ من الكبائر، ولها ارتباط بالباب، وهي:
١. القنوط من رحمة الله: وهو استبعاد الخير والإحسان منه، ومن ذلك
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٠/ ٨١).
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ١٥٩)، والترمذي (٣١٧٥)، وابن ماجه (٤١٩٨)، والحاكم (٣٤٨٦)، وحسنه الألباني في الصحيحة (١٦٢).
[ ٣٢١ ]
استبعاد الفرج وتيسر الأمر المتعسّر، ومن ذلك ما يقع من بعض العصاة إذا كثرت ذنوبهم، فربما قنطوا من رحمة الله ومن توبته عليهم، والمسلم يسمع من النصوص ما يجعله لا يقنط، ومنها:
أ- ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر، الآية (٥٣)].
ب- «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللَّهَ يَغْفِرُ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (^١).
• واعلم أنَّ أقرب الناس للقنوط هم الذين لا يعرفون الله، أما الذين يعرفونه فهم لا يقنطون، لعلمهم بسعة رحمته.
ولذا ورد أنَّ قدامة بن عبد الله ﵀ شرب الخمر بعد تحريمها هو وطائفة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة، الآية (٩٣)]، فلما ذكروا ذلك لعمر بن الخطاب ﵁ اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنَّهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصرّوا على استحلالها قُتِلوا، وذلك أنَّ هذه الآية نزلت لما حرم الله الخمر وكان تحريمها بعد وقعة أحد قال
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٣٨)، والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٦٥)، وأبو يعلى (٤٢٢٦)، والطبراني في الدعاء (١٨٠٥)، والضياء في المختارة (١٥٤٤ - ١٥٤٥). وأخرجه الترمذي (٣٥٤٠)، عن أنس وحسنه من غير هذا الوجه، وبغير هذا اللفظ، والحديث أصله في صحيح مسلم (٢٧٤٩) من حديث أبي هريرة بلفظ قريب.
[ ٣٢٢ ]
بعض الصحابة: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فأنزل الله هذه الآية؛ مبيّنًا فيها أن من طعم الشيء في الحال التي لم يُحرّم فيها فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين (^١)، كما كان من أمر استقبال بيت المقدس.
ثم إنَّ أولئك الذين فعلوا ذلك يُذمّون على أنَّهم أخطأوا وأيسوا من التوبة، فكتب عمر إلى قدامة يقول له: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ (٣)﴾ [غافر، الآيات (١ - ٣)]. ما أدري أي ذنبيك أعظم؟ استحلالك المحرم أولًا؟ أم يأسك من رحمة الله ثانيًا؟
٢. اليأس من روح الله: وقيل: هو بمعنى القنوط، وقيل: بينهما فرق، وهو أنَّ القنوطَ أشدُّ اليأس، وقيل: بل المراد هنا بالقنوط: القنوط من رحمة الله واستبعاد حصول المطلوب، وباليأس: أن يستبعد زوال المكروه.
٣. الأمن من مكر الله: ومكر الله هو أنَّه إذا عصاه عبده وأغضبه، أنعم عليه بأشياء يظن أنَّها من رضاه، وإنما هي استدراج. قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والمعنى: استدراجه بالنعم حتى يأخذه على غره.
وقال ابن تيمية: «هو إيصال الشر إلى الغير بطريق خفي» (^٢).
وهذه الأمور وردت في حديث ابن عباس، وقد ورد في الآية أن من أمِنَ مكر الله، فهو من الخاسرين.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٠٥٠)، وابن حبان (٥٣٥٠) من حديث البراء مختصرًا، وأخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٨٠٨) مطولًا، من طريق الحسن مرسلًا، وفي الباب عن أبي هريرة وغيره.
(٢) بيان الدليل (ص: ٢٣١)، وانظر: التعليق على فتح المجيد (ص: ٣٨).
[ ٣٢٣ ]
المسألة الثالثة: ورد في الباب قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾، فهل يوصف الله بالمكر؟
* قال أهل العلم: المكرُ في محلِّه محمودٌ، وهو في مقابلة مكر الماكر يدل على القوة، ولذا لا يجوز أن تصف الله بالمكر على سبيل الإطلاق، وإنما في مقابلة المكر ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ فمكرُ الله ورد في النصوص في مقابلة من مكرَ بأنبيائه وأوليائه، وهذا من الصفات التي تثبت لله مقيدة، قال ابن القيم: «المكرُ: إيصال الشيء الي الغير بطريقٍ خفي، وكذلك الكيدُ والمخادعةُ، ولكنه نوعان: قبيحٌ وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه، وحسنٌ وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له، فالأول مذموم، والثاني ممدوح، والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يُحمَد عليه عدلًا منه وحكمة، وهو تعالى يأخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب، لا كما يفعل الظلمة بعباده» (^١).
المسألة الرابعة: ورد في الباب الأمر بالخوف من الله وعدم الأمن من مكره، وورد الأمر بالرجاء وعدم اليأس من رحمته، فبأيهما يعمل الإنسان وأيهما يقدم؟
* كلاهما مأمور به، فالخوف يقبض ويردع عن المعصية، والرجاء ينشِّط للطاعة، ولكل من الخوف والرجاء أحوالٌ يُغلَّبُ فيها ويقدّم:
* فيغلّب الخوف من الله على الرجاء:
عند المعصية، وعليه حينها أن يتذكر شدّة عقوبته سبحانه كي يرتدع ويتوب.
* ويغلّبُ الرجاء على الخوف:
١. عند التوبة من الذنوب؛ كي يقوى قلبه لقبول التوبة ولا يقنط.
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٣٣).
[ ٣٢٤ ]
٢. عند قرب الأجل؛ كي يموت على حسن ظن بالله، وقد قال ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ» (^١).
* وأما عند فعل الطاعات فعليه أن يجمع بين الخوف أن لا تقبل، والرجاء وحسن الظنّ بالقبول، وهذا ما عليه المسلم الحق.
وقد قال أبو علي الروذباري: «الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت» (^٢).
* وثمة أحوالٌ خاطئة تقع في الخوف والرجاء ليست على الصواب وهي مذمومة ومنها:
١) الرجاءُ من المُصِرِّ على المعاصي، أو المفرِّط في الواجبات.
٢) الخوفُ الذي يصل بصاحبه إلى القنوط من رحمة الله.
والمراد: أن لا تغلّب أحدهما، فمن الناس من يقول: أنا الرجل الصالح، صاحب الطاعات، فيفتنه الشيطان، ومنهم من يقول: أنا صاحب الذنوب التي لن يقبلها الله، فيغويه الشيطان، ويقنط.
* خلاصة الباب: أنَّ تعظيم الله يتم بالخوف منه وعدمِ الأمن من مكره، ومع هذا عدم القنوط من رحمته، والتوسط بين هذين هو هدي المسلم الحق، وكلا الطرفين مذموم.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٨٧٧) من حديث جابر.
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٣٧).
[ ٣٢٥ ]