الكلام على الباب في مسائل:
الأولى: مناسبة الباب للتوحيد:
* من جهة أنَّ الصبر على القدر مأمورٌ به وواجب، وبقوة الصبر على المكاره في مراد المعبود سبحانه تُعلَمُ صحة عبادة المرء ومحبته، فالصابر يتحمل المشاقّ لأجل الله، فأعظمهم محبةً وتوحيدًا أشدُّهم صبرًا (^٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٥٥٩)، وابن ماجه (٤٠٣١)، وأبو يعلى في المسند (٤٢٥٣)، والبيهقي في الشعب (٩٣٢٥)، وقال الترمذي: حسن غريب، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢١١٠).
(٢) فيه مسائل: الأولى: تفسير آية التغابن. الثانية: أن هذا من الإيمان بالله. الثالثة: الطعن في النسب. الرابعة: شدة الوعيد في من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية. الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير. السادسة: إرادة الله به الشر. السابعة: علامة حب الله للعبد. الثامنة: تحريم السخط. التاسعة: ثواب الرضا بالبلاء.
(٣) التعليق على فتح المجيد للعبد اللطيف (٣٨ - ٣٩)، ونقله عن مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٤٣٨) بتصرف.
[ ٣٢٧ ]
* ومن جهة أخرى، فقد يتمادى به الأمر حتى يقع في الكفر، حينما يسبُّ ربه، لأجل قَدَره، ولذلك نبّه المؤلف على هذا.
المسألة الثانية: منزلة الصبر في دين الإسلام عظيمة، قال الإمام أحمد: ذكره الله في تسعين موضعًا من كتابه، وفي الحديث: «مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (^١).
• واعلم أن الصبر ثلاثة أنواع:
١ - على طاعة الله. ٢ - عن معصية الله. ٣ - على أقداره.
والمراد هنا الثالث، وتعريفه: حبسُ النفسِ عن الجزع، وحبسُ اللسان عن التشكي والتسخط، والجوارحِ عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما.
المسألة الثالثة: للإنسان مع الصبر على الأقدار أربعة أحوال: السخط، الصبر، الرضا، الشكر.
فالصبر واجب، والرضا مستحب، وأرفع منه الشكر، وأما التسخط فمحرم، ودلّ على ذلك حديث أبي هريرة ﵁: «اِثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» (^٢).
وحديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ» وقد ورد في الباب أفعالٌ من التسخط ومما لا يجوز عند المعصية، وهي:
١. النياحة على الميت، والنَوح أصله التناوح وهو التقابل، ثم استعمل في
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٦٩)، ومسلم (١٠٥٣) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) أخرجه مسلم (٦٧).
[ ٣٢٨ ]
اجتماع النساء وتقابلهن في البكاء على الميت (^١).
ثم صارت النياحة تطلق على رفع الصوت بالبكاء والندب، وهو تعداد محاسن الميت وهذا من التسخط.
٢. ضرب الخدود: وخص الخدّ لكونه الغالب، وإلّا فضربُ بقيةِ الوجه مثله.
٣. شقّ الجيوب: والجيب ما يُفتَحُ من الثوب ليدخل فيه الرأس، وشَقُّه: إكمال فتحه إلى آخره، وهو من علامات التسخط (^٢).
٤. الدعاء بدعوى الجاهلية: وهو «ندب الميت» قاله ابن تيمية (^٣)، وقال غيره: «هو الدعاء بالويل والثبور»، وقال ابن القيم: «الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية، ومثله التعصب إلى المذاهب والطوائف والمشايخ، وتفضيل بعضهم على بعض، يدعو إلى ذلك ويوالي عليه» (^٤)، قال صاحب التيسير: «والصحيح أن دعوى الجاهلية تعم ذلك كله» (^٥).
وهذه الأشياء المذكورة هي من التسخط، وقد ورد الذمُّ لها من وجهين:
١) أنَّها من الكفر: أي من خصال الكفر وشُعَبِه، فأطلق الكفرَ على من قامت به خصلة من هاتين الخصلتين، لكن ليس من قامت به شعبةٌ من شعب الكفر
_________________
(١) هدي الساري، لابن حجر (ص: ١٩٩).
(٢) نيل الأوطار (٧/ ٤٨٦).
(٣) إقتضاء الصرط المستقيم (ص: ٢٣٣).
(٤) زاد المعاد (٢/ ٤٣١).
(٥) تيسير العزيز الحميد (ص: ٤٤٤).
[ ٣٢٩ ]
يصير كافرًا الكفر المطلق، حتى يقوم به حقيقةُ الكفرِ، كما أنَّه ليس من قامت به شعبةٌ من شُعَبِ الإيمان يصيرُ مؤمنًا الإيمان المطلق، حتى يقومَ به أصلُ الإيمان، وفرقٌ بين الكفر المعرف بأل، وذلك المخرج من الملة، كما في قوله: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ» (^١)، وبين الكفر المُنَكَّرِ في الإثبات، فذلك يقتضي التشديد والزجر.
٢) أنَّه ليس منا من فعل ذلك: وهي من نصوص الوعيد، ووردت في عدة أحاديث، واختلف الأئمة في تأويلها، وذهب الثوري وأحمد: «إلى كراهة تأويلها، لتكون أبلغ في الزجر وأوقع في النفوس» (^٢).
المسألة الرابعة: أنَّ المؤمن يرضى عن الله في أقداره، ويصبر على قضائه، ويدعوه لذلك أمور:
١ - أنَّه يعلم أنَّ ذلك بقدر الله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: بقدره وإرادته الكونية القدرية، وحكمته التامة ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد، الآية (٢٢)].
٢ - أنَّ مَنْ صبر، واستسلم لقضاء الله، عوّضه عما فاته من الدنيا هُدىً في قلبه ويقينًا صادقًا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيرًا منه، ولذا أورد المصنف قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن، الآية (١١)]، قال علقمة: «هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ، فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ».
٣ - أنَّ مثل هذه المصائب هي مكفرات ذنوب، ولذا أورد المصنّف في
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٢) من حديث جابر.
(٢) فتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٦٤).
[ ٣٣٠ ]
الباب قوله ﷺ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ، عَجَّلَ لَهُ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا …»، فكون التكفير يقع في الدنيا أهون، وقد نقل الشارح عن ابن تيمية قوله: «المصائب نعمة؛ لأنَّها مكفراتٌ للذنوب، وتدعو إلى الصبر، فيثاب عليها، وتقتضي الإنابةَ إلى الله، والذلَّ له والإعراض عن الخلق» (^١).
٤ - أنَّ الله يوقع الابتلاء على من يحبهم، ليرفع درجاتهم، ويختبر صدق محبتهم، ولذا أورد المصنف قوله ﷺ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا اِبْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَى، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ».
فأفاد الحديثُ أنَّ الرضا بالبلاء عبادة، وأنَّ السخطَ محرم، وأنَّ عاقبة الرضى الثواب، وطمأنينة القلب، وعاقبة السخط الحسرةُ، والتألم لأجل المصيبة، فلا هو كسب الأجر على المصيبة، ولا هو صبر واحتسب فهوَّنها الله عليه.
المسألة الخامسة: ذكر ابن تيمية أنَّ الصبر على الأقدار التي تقع على العبد بغير اختياره من المصائب نوعان:
النوع الأول: نوعٌ لا اختيار للخلق فيه: كالأمراض وغيرها من المصائب لا السماوية، فهذه يسهل الصبر فيها؛ لأن العبد يشهد فيها قضاء الله وقدره، وأنَّه لا مدخل للناس فيها، فيصبر، إما اضطرارًا، وإما اختيارًا.
النوع الثاني: ما يحصل بفعل الناس في ماله أو عرضه أو نفسه، فهذا النوع يصعب الصبر عليه جدًا؛ لأن النفس تستشعر المؤذي لها، وهي تكره الغلبة، فتطلب الانتقام، فلا يصبر على هذا النوع إلا الانبياء والصديقون، وكان
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص: ٤٤٦)، ولم أجد هذا الكلام في المطبوع من كتب ابن تيمية، فلعله بالمعنى.
[ ٣٣١ ]
نبينا ﵈ إذا أوذي يقول: «رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» (^١)، وأخبر عن نبيّ من الأنبياء أنَّه ضربه قومه فجعل يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (^٢) فجمع في هذه ثلاثة أمور: العفو عنهم، والاستغفار لهم، والاعتذار عنهم بأنهم لا يعلمون.
وهذا النوع من الصبر عاقبته النصر والهدى والسرور، والأمن والقوة في ذات الله، وزيادة محبة الله ومحبة الناس له وزيادة العلم (^٣).
* خلاصة الباب: أنَّ الصبر على قدر الله وعدم التسخط منه، طاعة من الطاعات، وأنَّ التسخط على قدر الله نقص في التوحيد؛ لأنَّ مدبر الأقدار هو الله، والاعتراض على قدره هو اعتراض على حكمته، ومن وقع في هذا فهو لم يحقق الرضا بالله ربًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣١٥٠)، ومسلم (١٠٦٢) من حديث ابن مسعود.
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٧٧)، ومسلم (١٧٩٢) من حديث ابن مسعود.
(٣) جامع المسائل، لابن تيمية (١/ ١٦٧).
[ ٣٣٢ ]