الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مراد المصنّف من الترجمة بيانُ أمرين:
١ - أنَّ أداء العبادة لأجل نيل حظٍّ من الدنيا، شركٌ ينافي كمال التوحيد الواجب.
٢ - وأنَّ الواجب على الإنسان أن يخلص أعماله لله، ولا يخلط ذلك بشيء من أمور الدنيا، وذلك لأنَّ العبادة إنّما طلبها الله، وهو الذي يجازي ويحاسب، ويعلم ما في الضمائر، فمن الغبن أن ينصب المرء في العبادة، وينوي بذلك دنيا زائلة.
قال سفيان الثوري: «إنَّ أقبح الرغبة أن تطلب الدنيا بعمل الآخرة» (^١).
فإن قيل: فما الفرق بين هذه الترجمة وبين ترجمة الباب قبله؟
* فالجواب: بينهما عموم وخصوص، فيجتمعان في أنَّ كلًا منهما عملٌ لغير الله، ويختلفان في قصدهما، فذاك أراد الثناء، وهذا أراد الدنيا، وكلاهما خاسر، لكن الثاني أهون.
المسألة الثانية: اعلم أنَّ الأصل أنَّ المرء تكون أعماله لله، لا يريد بها أمرًا من أمور الدنيا، وقد جاء ذم من عمل الطاعة وأراد بها أمرًا دنيويًا، في نصوصٍ ذكر المصنف منها آيةً وحديثًا.
* أما الآية: فقوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٥٤)، والبيهقي في الشعب (٦٥٣٨).
[ ٣٤٣ ]
وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾، والمعنى: أنَّ من أرادوا الدنيا، فإننا نعطيهم ونوفّر لهم ثواب أَعْمَالِهم في دنياهم، في الصحة والسرور في المال والأهل والولد، وَهُمْ لا يُنقَصون.
وقد فُسِّرت الآيةُ بتفسيراتٍ، لعل من أحسنها تفسير قتادة ﵀ حيث قال: «من كانت الدنيا همّه وطِلبته ونيّته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يُفضِي إلى الآخرة وليس له حسنةٌ يُعطى بها جزاءً، وأما المؤمنُ فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة» (^١).
وهذه الآية وإن كانت في الكفار، إلّا أنَّه لما كان من يعمل لغير الله، وإنما للدنيا قد شاركهم في القصد لغير الله صار حكمهما واحدًا (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبري في التفسير (١٢/ ٣٤٨)، وابن أبي حاتم في التفسير (٢/ ٣٥٨).
(٢) وقد سئل الإمام محمد بن عبد الوهاب عن الآية، فذكر أنها يدخل فيها أنواع مما يفعله الناس، وخلاصة كلامه:
(٣) العمل الصالح من صلاة وصدقة وصلة وإحسان وترك ظلم ونحو ذلك، لكن لا يريد به ثواب الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته أو حفظ أهله وعياله، أو إدامة النعمة عليهم، ولا همّ له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا قد يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة من نصيب، وهذا النوع ذكره ابن عباس.
(٤) وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكر مجاهد أن الآية نزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالا صالحة ونيته رئاء الناس، لا طلب ثواب الآخرة، وهذا ورد في الباب الذي قبله.
(٥) أن يعمل أعمالا صالحة يقصد بها مالًا، مثل أن يحج لمال يأخذه، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو يجاهد لأجل المغنم، فقد ذكر- أيضًا- هذا النوع في تفسير هذه الآية، وكما يتعلم الرجل القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد فقط، لا لأجل الله.
(٦) أن يعمل بطاعة الله مخلصًا في ذلك، لكنه على عمل يكفره كفرًا يخرجه عن الإسلام، مثل اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار، إذ أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام، وتمنع قبول أعمالهم، فهذا النوع- أيضًا- قد ذكر في هذه الآية عن أنس وغيره.
[ ٣٤٤ ]
* وأما الحديث: فقوله: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ …».
وعبدُ الدينار: طالِبُه الحريصُ على جمعه، القائمُ على حفظه، لا يرضى ولا يغضب ولا يحبّ ولا يُبغِض إلّا لأجله، سمّاه عبدًا له لشدّة شغفه وحرصه عليه، ولكونه هو المقصود بعمله، وكلُّ من توجه بقصده لغير الله، فقد جعله شريكًا له في عبوديته.
ووصفهُ بأنَّه عبدٌ ولم يقل مالك ولا جامع المال؛ لأنَّه منغمس في محبة الدنيا وشهواتها.
فدعى النبيّ ﷺ عليه بأن ينتكس، وإذا أصيب بشوكة فلا أخرجها، وقد ذكر النبيّ ﷺ في الحديث علامة من يريد الدنيا فقط قال ﷺ: «إِنْ أُعْطِيَ رَضِي، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ».
فمن كانت هذه حاله، فإنَّه يستحق أن يُدعى عليه بما يسوءه في العواقب.
المسألة الثالثة: الأعمال الصالحة إذا وقع معها نيّةُ أمرٍ دنيوي لا تخلو من حالات ثلاث:
أولًا: مَنْ قصد الدنيا فقط، وليس في قلبه شيء من قصدِ التعبّد؛ فحكمه
[ ٣٤٥ ]
أن عمله حابط، وليس له من الأجر شيء، وقد وقع في الشرك.
* والدليل: حديث أبي بن كعب ﵁ أنَّ النبيّ ﷺ قال: «بَشِّر هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ، وَالدِّينِ، وَالنَّصر، وَالتَّمْكِينِ فِي الأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الآخِرَةِ نَصيبٌ» (^١).
ولأنَّ الله أخبر عن حبوط عمله كما في الآية: ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ [هود، الآية (١٦)].
قال ابن القيم معلقًا على الآية: «الله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهو النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه، فإذا أحبط ما ينجو به وبطل لم يبق معه ما ينجيه، فإن كان معه إيمان لم يُرِد به الدنيا وزينتها، بل أراد الله به والدار الاخرة لم يدخل هذا الايمان في العمل الذى حبط وبطل وأنجاه إيمانه من الخلود في النار، وإن دخلها بحبوط».
وقال أيضًا: «من كانت الدنيا مُرادَه ولها يعمل في غاية سعيه، لم يكن له في الأخرة نصيب» (^٢).
• مثاله: من يصلي أو يصوم، أو يحج، وليس في قلبه شيء من التعبد، بل يريد بذلك أمرًا دنيويًا من مال أو منصب أو نحوه.
لكن قال العلماء: «هذا العمل على هذا الوصف لا يصدر من مؤمن، فإنَّ
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ١٣٤)، والحاكم (٧٨٦٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٨٣٣ - ٦٨٣٤)، وفي الدلائل (٦/ ٣١٧)، والبغوي في شرح السنة (٤١٤٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٨٢٥).
(٢) عدة الصابرين (١٣٧).
[ ٣٤٦ ]
المؤمن ولو كان ضعيف الإيمان، لابد أن يريد الله والدار الآخرة».
ثانيًا: من قصد بالعمل الصالح وجه الله، وقصد الدنيا، وهو: المُخَلِّط.
• وله أمثلة: منها من جاهد لإعلاء كلمة الله، ولنيل الغنيمة، ومن توَّلى الأذان للأجر، وللراتب، أو درّس العلوم الشرعية يريد العلم والفائدة، ويريد المال، ونحو ذلك؛ فهذا له حالات ثلاث:
أ- أن يكون الغالبُ عليه إرادة وجه الله، ويريد الدنيا في نفس العمل، فيجوز، ولكن يكتب له من الأجر بقدر ما نوى.
* والدليل على الجواز:
١. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة، الآية (١٩٨)].
٢. حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سريَّةٍ تَغْزُو، فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلاَّ كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سريَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ، إِلاَّ تَمَّ أُجُورُهُمْ» (^١).
ب- أن يتساوى القصدان: فهذا ينقص أجرُه بقدرِ ما نوى من الدنيا.
قال السعدي: «وأما من عمل العمل لوجه الله ولأجل الدنيا، والقصدانِ متساويان أو متقاربان، فهذا وإن كان مؤمنًا فإنَّه ناقص الإيمان والتوحيد والإخلاص، وعمله ناقص؛ لفقده كمال الإخلاص» (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٩٠٦).
(٢) القول السديد (ص: ١٣٢).
[ ٣٤٧ ]
ج- أن يكون الغالب عليه إرادة الدنيا، فهذا محرم، وعدّه بعض العلماء من الشرك الأصغر.
ثالثًا: من عمل العمل الصالح، وقصد به وجه الله وحده، وأخذ في مقابل عمله الديني جُعلًا ماليًا؛ كالمجاهد الذي يترتب على جهاده غنيمةٌ أو رَزقٌ، وكما لو أخذ من الأوقاف التي تُجعَل على المساجد والمدارس والوظائف الدينية لمن يقوم بها، فهذا لا تثريب عليه، ولا يضرّ أخذه هذا المال في إيمانه وتوحيده، لكونه لم يُرِد بعمله الدنيا، وإنّما أراد الدين، وقصد أن يكون ما حصل له معينًا له على قيام الدين.
* خلاصة الباب: أنَّ العمل الصالح يجب أن يراد به وجه الله، ولا يقصد به شيئًا من أمور الدنيا، فالدنيا كلها أحقر وأقلّ من أن تنويها في عبادةٍ تتقرب بها لله.
[ ٣٤٨ ]