عقد المصنّف هذا الباب للكلام على طاعة العلماء والأمراء، أحكامها، وأقسامها، والكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مناسبة الباب للتوحيد:
هذا الباب من مقتضى التوحيد، إذ أنَّه معلوم أنَّ العبادة تكون بطاعة الله، فإذا عُلِم أنَّ الطاعة بامتثال أمر الله هي العبادة، نبّه المصنف بهذه الترجمة على وجوب اختصاص الله بهذه الطاعة التي فيها تحليل أو تحريم، وأنَّه لا يطاع في هذا الأمر سواه إلّا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله.
المسألة الثانية: يدخل في الباب طاعة كل مخلوق في تحريم حلال أو تحليل حرام، وإنما ذكر في الباب العلماء والأمراء؛ لأنَّهم أولى من يطاع في مثل هذا، إذ هم أولوا الأمر، وحث الله على طاعتهم بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء، الآية (٥٩)]. لكن طاعتهم تبعًا لطاعة الله.
فلو أطاع أحدٌ عالم ضلالة، أو أميرًا على تحليل محرمٍ أو تحريم حلال،
[ ٣٥٠ ]
فهو داخل في هذا الباب.
المسألة الثالثة: من أطاع هؤلاء في التحليل والتحريم فقد اتخذهم أربابًا، وهذا يتبين من وجهين:
١ - لأنَّه عدّهم مُشَرِّعين مع الله، والتشريعُ حقٌّ لله سبحانه.
٢ - لأنَّه قدّم طاعتهم على طاعة الله.
وهذا الأمرُ له أمثلة، ومنها: أنَّ بعض الناسِ يطيع علماء السوء، ويقدم أمرهم على ما ورد عن الرسول.
• ومن ذلك: أنَّ من الناس من يسمع من النصوص الدالة على تحريم تعظيم القبور ونحو ذلك، ثم هو يخالف ذلك؛ لأجل هوى في نفسه، أو يقول: إنَّ علماءنا يفعلون هذا، وهذا خللٌ كبير، وجِماعُ هذا: أن يطيعهم في تحليل حرامٍ وعكسه.
المسألة الرابعة: ساق المصنف للدلالة على الترجمة نصوصًا:
١) قول ابن عباس ﵄: «يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ، أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ، وَتَقُولُونَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟!».
وهذا اللفظ الذي ذكره المصنف ليس له وجود في كتب السنة، ولعله ساقه بالمعنى، وقد ورد عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: «تَمَتَّعَ النبيّ ﷺ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنْ الْمُتْعَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سيهْلِكُونَ، أَقُولُ: قَالَ النبيّ ﷺ، وَيَقُولُون: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٣٣٧)، وابن حزم في حجة الوداع (٣٩١)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٣٧٨)، والضياء في المختارة (١٠/ ٣٣١).
[ ٣٥١ ]
وفي لفظٍ ذكره ابن عبد البر فقال ابن عباس: «وَاللَّهِ مَا أَرَاكُمْ مُنْتَهِينَ حَتَّى يُعَذَّبَكُمُ اللَّهُ، نُحَدِّثُكُمْ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُونَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» (^١).
ومراد ابن عباس: أنَّ النص لا يعارض بقول أحدٍ كائنًا من كان، والشاهد: مقالة ابن عباس، وإلّا فمسألة التمتع في الحج فيها خلاف.
فإذا كان هذا قول ابن عباس في الخليفتين الراشدين، فكيف بمن ترك قول رسول الله ﷺ لقول من هو دونهم؟! قال الشافعي: «أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَبَانَتْ لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدَعَهَا لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ» (^٢).
قال ابن القيم: «فهلاّ قال ابن عباس، وعبد الله بن عمر: أبو بكر وعمر أعلم برسول الله ﷺ منا، ولم يكن أحدٌ من الصحابة، ولا أحدٌ من التابعين يرضى بهذا الجواب في دفع نصٍّ عن رسول الله ﷺ، وهم كانوا أعلم بالله ورسوله، وأتقى له من أن يقدّموا على قول المعصوم رأى غير المعصوم» (^٣).
٢) استشهد بإنكار الإمام أحمد على أقوامٍ ثبت عندهم الحديث بسند صحيح، ثم هم يخالفونه إلى قول الثوري أو غيره مما يكون فيه مخالفة للحديث، إما لعدم علم الإمام به أو عدم ثبوته عندهم أو لغير ذلك، فيأتي من يأتي من الأتباع، ويوافق هذا الإمام، مع أنَّه يرى نصًا وحديثًا صريحًا يخالف مذهبه، فالإمام معذور إذا لم يبلغه أو لم يصح عنده الخبر، إنّما الإشكال فيمن صحّ عنده ثم خالفه لقول بشر، وإذا نوقش في هذا ربّما قال:
_________________
(١) جامع بيان العلم (٢٣٧٧).
(٢) إعلام الموقعين (١/ ٦).
(٣) زاد المعاد (٢/ ١٩٦).
[ ٣٥٢ ]
لم يكن هذا الحديثُ ليخفى على الإمام، وإنما له توجيه، فربما أنَّه منسوخ أو متأول أو غير ذلك، وقال قائلهم: كل حديثٍ لم يأخذ به إمامنا، فهو مؤول أو منسوخ.
فهؤلاء يُخشى عليهم من أمرين:
١. الفتنة، وهي الشرك كما ورد في الآية، ويكون هذا بأن يتدرج بهم الأمر حتى يقعوا فيه.
٢. أن يصيبهم عذاب أليم؛ لمخالفتهم أمر النبيّ ﷺ، وتقديم قول أحد من الأمة على أمر الله أو أمر رسوله ﷺ.
وورد عن الأئمة الأربعة وغيرهم أنَّهم نهوا عن تقليدهم إذا خالف قولهم الدليل والآية، وعن بعضهم: إذا صحّ الحديث فهو مذهبي، وقد قال أحمد: «لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي، وخُذ من حيث أخذوا» (^١).
٣) حديث عدي بن حاتم ﵁ أنَّ الله ذكر أنَّ اليهود والنصارى قد اتخذوا الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، وهذا الأمر يحتاج لبيان، وبيانه في:
المسألة الخامسة: طاعة العلماء والكبراء في تحليل الحرام ثلاث صور:
١. أن يعلموا أنَّهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ، اتّباعا لرؤسائهم، مع علمهم بأنَّهم خالفوا دين الرسول ﷺ، فهذا كفر، وقد جعلوهم أربابًا مع الله، وإن لم يكونوا يصلّون لهم ويسجدون.
_________________
(١) انظر: أصل صفة صلاة النبي ﷺ، للألباني (١/ ٢٤) للأهمية، فقد نقل عن الأئمة الأربعة أقوالهم في تقديم الحديث على قولهم، ﵏ جميعًا.
[ ٣٥٣ ]
٢. أن يكون اعتقادُهم وإيمانُهم بتحريمِ الحرامِ وتحليل الحلال ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلمُ ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنَّها معاصٍ، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب.
٣. أن يتابعوهم جهلًا فيظنّوا أن ذلك حكم الله، فهذا:
أ- إن لم يمكنه التعلم فلا شيء عليه؛ لحديث: «مَنْ أُفْتِىَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، كَانَ إثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ» (^١).
ب- وإن أمكنه معرفة الحق بنفسه، فهذا مفرط آثم.
* خلاصة الباب: أنَّ التشريعَ والأمرَ كلَّه لله، فهو المطاعُ بإطلاق، وكذا رسوله ﷺ، وما عداه فطاعتهم مقيدة بحدود الشرع، مع اعتقادنا أنَّهم غير معصومين، وأن الميزان هو الشرع.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٢١)، والدارمي (١٥٩)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٥٩)، وأبو داود (٣٦٥٧)، وابن ماجه (٥٣)، والطحاوي في شرح المشكل (٤١٠)، والحاكم (٣٥٠)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٦٠٦٨).
[ ٣٥٤ ]