هذا الباب في الإنكار على من أراد التحاكم إلى غير الله ورسوله، وبيانِ
_________________
(١) أخرجه الواحدي في أسباب النزول (٣٣١) من طريق الكلبي عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم (٣/ ٩٩١)، وابن المنذر (١٩٤٣) عن مجاهد مرسلًا نحوه.
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥)، وابن بطة في الإبانة (٢٧٩)، والبيهقي في المدخل (٢٠٩)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٢١٣)، وسيأتي الحكم عليه في الشرح.
(٣) فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النساء، وما فيها من الإعانة على فَهْم الطاغوت. الثانية: تفسير آية البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة، الآية (١١)]. الثالثة: تفسير آية الأعراف: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف، الآية (٥٦)]. الرابعة: تفسير: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ بَيْنَ [المائدة، الآية (٥٠)]. الخامسة: ما قاله الشعبي في سبب نزول الآية الأولى. السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب. السابعة: قصة عمر مع المنافق. الثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ.
[ ٣٥٦ ]
أنَّ التحاكم يكون إلى رسول الله، وذلك من لوازم شهادة أنَّه رسول الله، والكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مناسبة الباب للتوحيد:
أ- إمّا أن يقال: أنَّ من مقتضى التوحيدِ التحاكمَ إلى شرع الله، والتحاكمُ إلى غيرِ شرعه سبحانه قدحٌ في التوحيد.
ب- أو يقال: إنَّ التوحيد مبني على الشهادتين، وما مضى من الأبواب هو في معنى شهادة أن لا إله إلا الله، فنبه في هذا الباب على شيء مما يتعلق بشهادة «أنَّ محمدًا رسول الله»، وأنَّها تتضمن تحكيم شرعه وطاعته.
المسألة الثانية: هذا الباب هو فيما يتعلق بالتحاكم إلى الله ورسوله، والتحاكم إليهما هو التحاكم إلى الشرع كما لا يخفى، وخلاف ذلك التحاكم إلى غير الشرع.
واعلم أنَّ الكلام في الحكم بغير ما أنزل الله يتناول ثلاثة أطراف:
١ - المشرِّع. ٢ - الحاكم بذلك التشريع. ٣ - المتحاكمون إليه.
أولًا: المشرِّع: ويراد به من شرَّع القوانين وخالف الشرع: فمن شرّع أمرًا خلاف الشرع فقد كفر؛ لأنَّه ناقض الشرع وخالفه، ولأن التشريع حقٌ إلهيٌ، فمن نازع الله فيه فقد كفر.
ثانيًا: الحاكم بغير ما أنزل الله: فهذا له حالتان:
١. أن يكون هذا الأمرُ منه على الدوام، فهو يحكم بغير شرع الله، كالذي يأتي بالقوانين ويجعلها محلّ الحُكمِ بما أنزل الله، فالمقرر عند أكثر العلماء أنَّ هذا كفرٌ ورِدَّةٌ، وأنَّ حكمَه حكم من سنَّ القوانين، بل حُكِيَ الإجماعُ على
[ ٣٥٧ ]
هذا، قال ابن كثير معلّقًا على قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾: «ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكَمِ المشتملِ على كل خير، الناهي عن كل شرٍّ وعدل، إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستندٍ من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان، الذي وضع لهم اليَساق -وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه-، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدِّمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ومن فعل ذلك منهم فهو كافرٌ يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله» (^١).
وقال الشنقيطيّ: «وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه، مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله ﷺ، أنّه لا يَشكّ في كفرهم وشركهم إلّا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم» (^٢).
وهذا الأمر كان موجودًا في الجزيرة في زمن دعوة المجدد، وكانوا يسمون ذلك: السُلُوم، أو سوالف البادية، أو شرع قبيلة كذا، ويتحاكمون إليها، وقد أنكر العلماء هذا الأمر، قال ابن سحمان: «فإن كثيرًا من الطوائف المنتسبين إلى الإسلام قد صاروا يتحاكمون إلى عادات آبائهم، ويسمون ذلك
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ١٣١).
(٢) أضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٢٥٩).
[ ٣٥٨ ]
الحق بشرع الرفاقة، كقولهم شرع عجمان، وشرع قحطان، وغير ذلك، وهذا هو الطاغوت بعينه، الذي أمر الله باجتنابه» (^١).
٢. أن يكون ذلك في قضيةٍ أو قضايا قليلةٍ وليست دائمة، وهو يعلم أنَّه عاصٍ بتحكيم غير شرع الله، إنما ارتكبه لهوى أو ظلمٍ ونحوه، فهذا لا يَكفُر، بل حكمه أنَّه مرتكبٌ للذنب، قال ابن القيم: «إن اعتقد وجوبَ الحكمِ بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانًا، مع اعترافه بأنَّه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر» (^٢)، فيكون كفرًا أصغر بقيود ثلاثة:
١ - أن يكون في قضية أو قضايا قليلة.
٢ - أن يعلم أنَّه مخطئٌ عاصٍ مستحقٌ للعقوبة.
٣ - أن يكون الدافع لذلك الهوى والعدوان ونحوهما، لا الاستخفاف أو الاستحلال، أو اعتقاد أنَّ غيرَ شرعِ الله أفضل أو مساوٍ، أو يجوز الحكم به.
ثالثًا: المتحاكم لغير شرع الله: فمن تحاكم إلى من يحكِّمُ غير شرع الله له أحوال:
١) أن يكون مُجبرًا ملزمًا بذلك، فليس عليه شيء، كمن رُفع به عند محكمة تحكم بالقوانين.
٢) أن يذهب باختياره ورغبته، ويرى أن الحكم بذلك جائز سائغ، فهذا كفر.
_________________
(١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٠/ ٥٠٣).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٣٤٦).
[ ٣٥٩ ]
٣) أن يرى أنَّ الحكم بذلك لا يجوز، ومع هذا يذهب برغبته واختياره، فهذا ليس بكفر، لكنه على خطر عظيم، ومن هذا من يذهب ويرفع عند محكمة تحكم بالقوانين، وهو يرى أنه عاصٍ بذلك.
ويدخل في التحاكم إلى القوانين التحاكم إلى كل جهة وإدارةٍ شرعت أحكامًا مخالفة لشرع الله.
والجامع لذلك: هو أنَّ من شرع أمرًا مخالفًا للشرع فهو من هذا، وما لم يدخل فالأصل أنَّ لولي الأمر أن يجعل من الأمور التي لا تخالف الشرع وتضبط الناس.
ومن صور التحاكم إلى غير شرع الله تعالى ما يلي:
١. ما وقع في زمن التتار، كما ذكر ابن كثير في تفسيره (^١)، حيث إنَّهم حكموا بكتاب ودستور صنعه جنكيز خان، ويسمى (الياسق) أو (الياسه) وفيه مجموعة من أحكامٍ اقتبسه من شرائع شتى، وفيه أحكام أخذها عن مجرد نظره، وصار في بنيه شرعًا، يقدمونه على الحكم بالكتاب والسنة.
٢. التحاكم إلى الهيئات الدولية التي تحكم بقوانين البشر، وتخالف شرع الله.
٣. التحاكم إلى محاكم الكفار في بلادهم، وهو غير ملزم بذلك، ويستطيع التحاكم لغيرهم.
فأما إن اضطر للتحاكم لمحاكم البلاد الكافرة، فيجوز- والله أعلم- بقيود ثلاثة:
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ١٣١).
[ ٣٦٠ ]
١) كراهة التحاكم إليهم.
٢) أن لا يأخذ المتحاكم إليهم أكثر من حقه.
٣) أن يكون ما يطالب به من حقٍ تقرّه الشريعة.
وحينها لا يُعتبر هذا من التحاكم إلى الطاغوت؛ لأنَّ المتقدّم إنما يأخذ حقّه الذي أقرّته الشريعة فقط، وهذا من شريعة الله، ومحكمةُ البلد وسيلةٌ لتنفيذ ما أقرّته الشريعة، وهو مضطر لهم.
٤. العمل ببعض الأنظمة واللوائح التي فيها مخالفة لشرع الله، كما يحصل في بعض الجهات في بعض الدول أن تسنّ قوانين وأنظمة مخالفة لشرع الله، فمن علم بها فليس له التحاكم إليها؛ لأنَّها مخالفة لشرع الله تعالى.
المسألة الثالثة: وردت نصوص عديدة تدل على وجوب التحاكم إلى شرع الله وحكمه، وساق المصنف بعضًا منها:
١) ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ وقد ذكر المؤلف للآية سببي نزول:
١. ما ورد عن الشعبي في تحاكم يهودي ومنافق، وطلبِ المنافق من اليهودي التحاكم إلى اليهود؛ لأنَّهم يأخذون الرشوة.
٢. أنَّها نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: «نترافع إلى النبيّ ﷺ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ: أكذلك؟ قال: نعم. فضربه بالسيف فقتله».
[ ٣٦١ ]
وهي نماذجُ تعطي صورًا للتحاكم الذي ذمّه الله، ولذا قال ابن كثير بعد ذكر سبب النزول: «والآيةُ أعمُّ من ذلك كله، فإنَّها ذامّةٌ لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ها هنا» (^١).
واعلم أنَّ الآية دليلٌ على كفر التحاكم لغير شرع الله، فالله تعجّب من زعمهم أنهم مؤمنون، مع أنهم يحكمون بغير شرع الله، وما ذلك إلّا لأنَّ دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب.
ثم أُتْبِعت هذه الآية بآية في الموضوع، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. ثم علقه وقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وفيها:
١ - أنَّه لا يجوز للمسلم التحاكم إلى غير الكتاب والسنة.
٢ - أنَّه عدّ التحاكم إليه من تحقيق الإيمان، فلا يتمّ إيمان امرئٍ إلّا بذلك.
٢) قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء، الآية (٦٥)].
وسبب نزولها قصة الأنصاري مع الزبير ﵁، وقيل: بل نزلت في اليهودي والمنافق الذين تحاكما إلى الطاغوت، ورجح الطبري الثاني (^٢).
وعلى القول بأنَّه في قصة الزبير -وهو ثابت عند البخاري (^٣) -، فإذا كان
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٤٦).
(٢) تفسير الطبري (٨/ ٥٢٤).
(٣) صحيح البخاري (٢٧٠٨).
[ ٣٦٢ ]
هذا الأمر نزل في مخاصمةٍ في سيل ماء، فما بالك بمن لم يرض بقضاء النبيّ ﷺ وحكمه في أصول الدين وفروعه، وصدَّ الناس عن ذلك.
قال ابن القيم: «فأقسم سبحانه بأجلِّ مُقسَمٍ به -وهو نفسه ﷿ على أنّه لا يثبت لهم الإيمان، ولا يكونون من أهله، حتى يُحَكِّموا رسول الله ﷺ في جميع موارد النزاع، في جميع أبواب الدين، فإنّ لفظة «ما» من صيغ العموم .. ولم يقتصر على هذا حتى ضمّ إليه انشراح صدورهم بحكمه، حيث لا يجدون في أنفسهم حرجًا -وهو الضيق والحَصَر- من حكمه، بل يقبلوا حكمه بالانشراح، ويقابلوه بالتسليم، لا أنّهم يأخدونه على إغماض، ويشربونه على قذى، فإنَّ هذا مناف للإيمان، بل لابدّ أن يكون أخذه بقبول ورضا وانشراح صدر.
ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضمّ إليه قوله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فذكر الفعل مؤكدًا بمصدره القائم مقام ذكره مرتين، وهو التسليم والخضوع له والإنقياد لما حكم به طوعًا ورضًا، وتسليمًا لا قهرًا ومصابرة، كما يسلم المقهور لمن قهره كرهًا، بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيده الذي هو أحبّ شئ إليه، يعلم أنَّ سعادته وفلاحه في تسليمه إليه ويعلم بأنه أولى به من نفسه وأبرّ به منها وأقدر على تخليصها، فمتى علم العبد هذا من رسول الله ﷺ واستسلم له، وسلم إليه، انقادت له كل علّة في قلبه، ورأى أن لا سعادة له إلّا بهذا التسليم والانقياد» (^١).
٣) عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ».
_________________
(١) الرسالة التبوكية (ص: ٢٥).
[ ٣٦٣ ]
والحديث أخرجه البيهقي وأبو الشيخ في كتاب الحجة، وأبو نعيم في الأربعين من رواية نعيم بن حماد، عن عبد الوهاب الثقفي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو به، وصححه النووي ﵀.
ولكن ضعفه طائفة من أهل العلم، منهم ابن عساكر (^١)، وابن رجب (^٢)، حيث قال: تصحيح هذا الحديث بعيد جدًا، من وجوه منها:
١ - أنَّه تفرد به نعيم بن حماد المروزي، وقد ضعفه طائفة وقالوا: «عنده مناكير»، وقال ابن معين: «ليس بشيء ولكنه صاحب سنة».
٢ - أنَّه اختلف فيه على نُعيم.
٣ - وفي إسناد عقبة بن أوس متكلم في روايته عن ابن عمرو.
فالصواب ضعف الحديث، لكن مع هذا فمعناه صحيح، وأصله في القرآن (^٣).
والشاهد في الحديث: أنَّ العبد لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان الواجب، حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول ﷺ من الأوامر والنواهي، فيحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه، ولا يجد في نفسه حرجًا من أوامر الدين، ويعتقد أن المشرع هو الله.
المسألة الرابعة: قد عدّ الله التحاكم إلى غيره إفسادًا في الأرض، وتحاكمًا إلى حكم الجاهلية، وساق المصنف في هذا آيتين:
_________________
(١) طرق الأربعين، لأبي القاسم بن عساكر (٢/ ٥٩).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٩٥).
(٣) انظر: تيسير العزيز الحميد، للشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ (ص: ٥٠٥).
[ ٣٦٤ ]
١. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾
٢. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
ووجه الشاهد من الآيتين: أنَّ التحاكم إلى غير الله ورسوله هو من أعمال المنافقين، وهو من أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح للأرض إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله وهو سبيل المؤمنين.
واعلم أنَّ الإفساد المعنوي الذي يحصل بتحكيم غير شرع الله أعظمُ من الإفسادِ الحسيّ الذي يترتب عليه الإيذاء للناس في دنياهم، بل لا مقارنة بينهما.
المسألة الخامسة: التحاكم إلى غير شرع الله هو من اتباع أهل الجاهلية في ضلالهم، وقد ساق المصنف قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة، الآية (٥٠)].
وخلاصة القول في تفسيرها: أنَّ الله أنكر على كل من خرج عن حكم الله، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، وترك الحكم بشرع الله في كل القضايا كفر بالله سبحانه كما تقدم.
المسألة السادسة: أورد المؤلّف في الباب ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه قتل من أراد التحاكم إلى غيره، وهذا الأثر أتى به الشيخ بصيغة التمريض (قيل)، وقد ذكره الواحدي في أسباب النزول معلقًا عن الكلبي عن أبي صالح، وهذا مع تعليقه إسنادٌ ضعيف، لكن ورد له شاهد ذكره ابن تيمية في الصارم المسلول، ومع هذا فهو ضعيف؛ لأنَّه مرسل، ومن رواية ابن لهيعة (^١)،
_________________
(١) الصارم المسلول على شاتم الرسول، لابن تيمية (ص: ٣٨).
[ ٣٦٥ ]
نعم ساق صاحب التيسير له شاهدًا ثم قال: «فهذه القصة مشهورة متداولة بين السلف والخلف تداولًا يغني عن الإسناد، ولها طرق كثيرة ولا يضرها ضعف إسنادها» (^١).
لكن هذا فيه نظر والله أعلم، فليس للقصة طرق يعتمد عليها، ولذا قال ابن باز ﵀: «القصة فيها نظر، وإنما يقال: القصة وقعت بسبب يهودي ومنافق، قال اليهودي: نتحاكم إلى محمد ﷺ، وقال المنافق: نتحاكم إلى حكامكم، وقيل: إنَّه كعب بن الأشرف، لعلمه أنَّه يأخذ الرشوة، فنزلت الآية، هذا أصح ما قيل، والله أعلم» (^٢).
* خلاصة الباب: أنَّ التشريع مما يختص به الله تعالى، وعلى هذا فمن جعل مشرّعًا غير الله، أو شرَّع هو شيئًا يخالف ما شرعه الله، أو تحاكم إلى من يحكم بغير شرع الله فقد وقع في المحذور.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد (ص: ٥١٠).
(٢) شرح كتاب التوحيد (ص: ١٩٧).
[ ٣٦٦ ]