هذا الباب الذي عقده المصنّف هو بعنوان الخوف من الشرك، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب، ومناسبته لما قبله.
أراد المصنّفُ بالبابِ أن يذكر النصوصَ التي تُبيِّنُ وجوبَ الخوفِ من الشرك والتحذيرَ منه، وما يترتب على الوقوع فيه من الخسران الأبدي، والعذاب السرمدي؛ لأنَّه أعظم ذنبٍ عُصِيَ اللهُ به، فينبغي للمؤمن أن يخاف منه ويحذره، ويعرف أسبابه ومبادئه وأنواعه؛ لئلا يقع فيه، فما خاف الشركَ إلا مؤمنٌ، وما أَمِنَهُ إلّا جاهل.
ومناسبة الباب للتوحيد ولما قبله: أنَّه لما ذكر المؤلف التوحيد ومعناه وفضله وثواب من حققه، ناسب أن يذكر الخوف من ضدّه وهو الشرك، وقد قال المتنبي:
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٣)، وله شاهد من حديث أنس أخرجه البخاري (١٢٩).
(٢) فيه مسائل: الأولى: الخوف من الشرك. الثانية: أن الرياء من الشرك. الثالثة: أنه من الشرك الأصغر. الرابعة: أنه أخوف ما يُخاف منه على الصالحين. الخامسة: قرب الجنة والنار. السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد. السابعة: أن من لقيه لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار ولو كان من أعبد الناس. الثامنة: المسألة العظيمة: سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام. التاسعة: اعتباره بحال الأكثر؛ لقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم، الآية (٣٦)]. العاشرة: فيه تفسير (لا إله إلا الله) كما ذكره البخاري. الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك.
[ ٦٤ ]
وبضدها تتميز الأشياء (^١)
المسألة الثانية: الشركُ لغةً: بمعنى: الحصّةِ والنصيب، وكونِ أحد الشيئين فأكثر خليطًا مع آخرَ في أمرٍ ما، حسّيًا كان أو معنويًا.
والشركُ جمعه أشراك، كشبر وأشبار، والإشراك إفعالٌ، وهو جعل الشيء خليطًا مع آخر في حصة ونصيب (^٢).
وأما في الشرع فله معنيان: عامٌ وخاصٌ.
١ - المعنى العام: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه سبحانه، وبعبارة أخرى: هو تشبيه المخلوق بالخالق ﷿ (^٣).
_________________
(١) هذا عجز بيت، وصدره: ونذَيمهم وبهم عرفنا فضله. انظر: الحماسة المغربية (١/ ٤٧٣)، والوساطة بين المتنبي وخصومه (ص: ٢٧٨).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (١٠/ ١٧ - ١٨)، لسان العرب (١٠/ ٤٤٨ - ٤٤٩)، القاموس المحيط (٣/ ٣٠٨).
(٣) ووجه هذا يتضح بما ذكره الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، حيث قال: من خصائص الألوهية: التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعلق الدّعاء والخوف والرّجاء والتوكل به وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى، وجعل من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورا، فضلًا عن غيره شبيهًا لمن الأمر كله له. ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب- كل ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لله وحده، ويمتنع عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره، فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره، فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثل له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله. ومن خصائص الألوهية: العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل، هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله، فقد شبهه به في خالص حقه. منهاج التأسيس والتقديس، لعبد اللطيف بن عبد الرحمن (ص: ٢٨٥).
[ ٦٥ ]
ويندرج تحته ثلاثة أنواع:
الأول: الشرك في الربوبية: وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الربوبية، أو نسبةُ شيءٍ منها إلى غيره، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير لهذا الكون ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر الآية: (٣)] (^١).
_________________
(١) وللشرك في الربوبية نوعان، ذكرهما ابن القيم، الأول: شرك التعطيل: وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: وما رب العالمين؟ وقال لهامان: ابن لي صرحًا، لعلي أطلع إلى إله موسى، وإني لأظنه من الكاذبين، والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًّا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد. ومن هذا: شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثم خالق ومخلوق، ولا ها هنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق. ومن هذا: شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها. النوع الثاني: شرك من جعل معه إلهًا اخر، ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا وأمه إلهًا، ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة. ومن هذا: شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته، ولهذا كانوا أشباه المجوس. الداء والدواء (١/ ٢٩٩).
[ ٦٦ ]
الثاني: الشرك في الأسماء والصفات: وهو تسوية غير الله بالله في شيء منها، والله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: (١١)] (^١).
الثالث: الشرك في الألوهية: وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الألوهية، كالصلاة والدعاء والاستغاثة والذبح ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة الآية: (١٦٥)].
٢ - المعنى الخاص: وهو أن يتخذ للهِ ندًا يدعوه كما يدعو الله، ويسأله الشفاعة كما يسأل الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويحبّه كما يحب الله، وهذا هو المعنى المتبادر من كلمة «الشرك» إذا أُطلِقت في القرآن أو السنة.
* وينقسم الشرك إلى قسمين: أكبر، وأصغر.
أ) الشرك الأكبر: وهو اتخاذ ندٍّ مع الله، يُعبد كما يُعبد الله، وهو ناقلٌ من ملة الإسلام محبطٌ للأعمال، فمثاله في الاعتقادات: اعتقاد أنَّ غير الله يستحق العبادة، ومثاله في الأعمال: الذبح لغير الله، ومثاله في الأقوال: دعاءُ غيرِ
_________________
(١) وللشرك في الأسماء والصفات نوعان: الأول: شرك مَنْ شبّه الله بخلقه، كمن يقول: له يدٌ كيدي، أو استواء كاستوائي، أو سمعٌ كسمعي أو نحو ذلك، وهذا هو شرك المشبهة. وثانيهما: تسمية الآلهة بأسماء الله تعالى، كتسمية المشركين آلهتهم بأسماء مشتقة من أسماء الله تعالى، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
[ ٦٧ ]
الله فيما لا يقدر عليه إلّا الله (^١).
ب) الشرك الأصغر: وحدّه بعض العلماء بأنه كل ما كان ذريعةً إلى الأكبرِ
_________________
(١) ومن أمثلة الشرك الأكبر وصوره: ١) شرك الدعوة -الدعاء-: قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. ٢) شرك النية والإرادة والقصد: وذلك أن ينوي بأعماله الدنيا أو الرياء أو السمعة، إرادة كلية كأهل النفاق الخُلَّص، ولم يقصد بها وجه الله والدار الآخرة، فهو مشركٌ الشرك الأكبر، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. ٣) شرك الطاعة: وهو مساواة غير الله بالله في التشريع والحكم، فالتشريع والحكم حق جعله الله لنفسه قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يُوسُف: ٤٠]، وقال سبحانه في هذا النوع من الشرك: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشّورى: ٢١]، فمن ادعى أن لأحدٍ من الناس سواءً -علماء أو حكامًا أو غيرهم- حق التشريع من دون الله أو مع الله، فقد أشرك مع الله إلهًا آخر في حق الله وحده، وكفر بما أنزل من عند الله، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. وروى ابن جرير في «تفسيره» من طريق أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ؟ قَالَ: «لَا، كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شيئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شيئًا حَرَّمُوهُ» وقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَابن عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُمَا فِي تَفْسيرِها: «إِنَّهُمُ اتَّبَعُوهُمْ فِيمَا حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا». ٤) شرك المحبة: والمراد محبة العبودية المستلزمة للإجلال والتعظيم والذل والخضوع، التي لا تنبغي إلا لله وحده لا شريك له، ومتى صرف العبد هذه المحبة لغير الله فقد أشرك به الشرك الأكبر، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، ويأتي ذكر ما يتعلق بالمحبة في بابٍ خاص.
[ ٦٨ ]
ووسيلةً للوقوع فيه، ونهى عنه الشرع وسمّاه شركًا، ولا يُخرِجُ من المِلّة (^١).
وقد يكون في الأعمال، ومن ذلك يسير الرياء كما قال ﷺ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ: الشركُ الْأَصْغَرُ، قَالُوا: وَمَا الشركُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ».
وقد يكون في الأقوال: ومنه الحلف بغير الله، كما ثبت عن النبي ﷺ قوله: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشركَ» (^٢).
وقد يصيرُ الشركُ الأصغرُ شركًا أكبر، بحسب ما يقوم بقلب صاحبه (^٣) (^٤).
المسألة الثالثة: يجب على كل مسلمٍ أن يخافَ من الوقوع في الشرك،
_________________
(١) وهذا تعريف أغلبي، وإلا فقد يندّ منه بعض المسائل مما يكون وسيلة للشرك الأكبر، ولكنه ليس بشرك، وذلك كالصلاة لله عند القبر، فهذا بدعة، ونحو ذلك.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥) من حديث ابن عمر، وسيأتي تخريجه.
(٣) والشرك الأصغر على نوعين: النوع الأول: الشرك الظاهر: وهو ما يقع في الأقوال والأفعال، فشرك الألفاظ كالحلف بغير الله تعالى، فقد سمع ابنُ عُمر رجلًا يحلفُ: لا والكعبة، فقال له ابنُ عمر: إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَنْ حلَفَ بغيرِ الله فقد أشركَ»، وشرك الأفعال كلبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه، فمن اعتقد أن هذه أسباب لرفع البلاءِ ودفعه فهو شرك أصغر، وأما إن اعتقد أنها تدفع البلاء بنفسها فهذا شرك أكبر. النوع الثاني: الشرك الخفي: هو الشرك في النيات والمقاصد والإرادات، كالرياءِ والسمعة كمن يعمل عملًا مما يتقرب به إلى الله، فيُحسن عمله من صلاةٍ أو قراءةٍ؛ لأجل أن يمدح ويثنى عليه.
(٤) انظر: مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد. (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الأول) (ص: ٢٩٥)، فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٥١٦) نور التوحيد وظلمات الشرك في ضوء الكتاب والسنة للشيخ سعيد بن وهف القحطاني (ص: ٤٤).
[ ٦٩ ]
وأن لا يأمن من ذلك، وأورد المصنف قول الخليل ﵈: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم الآية: (٣٥)]، أي: اجعلني وبَنيَّ في جانب، والأصنام في جانب، وباعد بيننا وبينها.
فإذا كان إبراهيم ﵈ وهو سيدُ الحنفاءِ، ومَن حارب الوثنية وأوذي في ذلك أذى كبيرًا، وهاجر من بلده إلى بلد آخر دعوة للتوحيد، ومع هذا يخاف على نفسه الوقوع في الشرك، ويسأل الله أن يجنّبه وبنيه عبادة الأصنام، فما ظنك بغيره؟! لا شك أنَّه أولى بالخوف من الشرك وعدم الأمن من الوقوع فيه، ولهذا قال إبراهيم التيمي: «ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟!» (^١).
وبهذا تعرف خطأ بعض الناس وجهلَهم حينما قالوا: إن الشرك بعيدٌ منا، ونحن أهلُ توحيد، فوقعوا في الشرك وهم غافلون.
فإن قيل: فما المراد بقوله (وبَنيّ) وهل استجاب الله دعاء إبراهيم ﵈ بذلك؟
* قيل: المراد بهم من كان مِنْ صُلبِه وهم إسماعيل وإسحاق، واختاره صاحب التيسير (^٢)، وعليه فإنَّ الله استجاب دعاءه.
* وقيل: المراد بهم من كان من ذريته وما توالد منهم، ورجحه العثيمين، وعليه فإنَّ الله استجاب في بعض ذريته دون بعض.
المسألة الرابعة: ساق المصنّف في الباب حديث محمود بن لبيد مرفوعًا:
_________________
(١) تفسير الطبري (٧/ ٤٦٠).
(٢) هو الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، حفيد المؤلف، ولد عام (١٢٠٠ هـ)، وقتله إبراهيم باشا عام (١٢٣٣ هـ) حين استولى على الدرعية، وكتابه تيسير العزيز الحميد أول شرح لكتاب التوحيد.
[ ٧٠ ]
«أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، فسئل عنه، فقال: الرِّيَاءُ».
والمصنّف أورد الحديث مختصرًا، وتمامه: «قَالَ: الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ ﷿ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟»، وفي هذا الحديث حذّر النبيّ ﷺ أمّته من الشرك وخافه عليهم، مع أنَّ خطابه المباشر كان للصحابة وهم أفاضل الناس، ومع هذا خاف عليهم الشرك.
وأشدُّ ما خافه عليهم ﷺ: الشرك الأصغر، الذي من صوره: الرياء.
والرياءُ: هو أن يأتي بالعبادة؛ ليراه الناس، فيمدحوه على عبادته.
وإنّما اشتد خوفُ النبيّ ﷺ على أصحابِه من الشرك الأصغر وهو الرياء دون الأكبر؛ لأنَّ الداعي إلى الرياء أقوى، فهو أخوف ما يخاف على الصالحين، بخلاف الداعي إلى الشرك الأكبر؛ فإنَّه ضعيفٌ في قلوب المؤمنين الكاملين، وهذا لا يعني أن يأمن الإنسانُ على نفسِه من الشرك الأكبر، فقد أخبر النبيّ ﷺ أنَّه سيقع في أمته عبادة الأوثان (^١)، فعلى المسلم أن يحذر من الشرك الأكبر والأصغر.
واعلم أنَّ الرياء أمره عظيم، ولا يأمن منه تمامًا إلّا الموفق، فالإخلاص عزيز، والنفس تحبّ العلو، ولا يتأتّى حجبها وترويضها إلّا بالعلم بالله والمجاهدة للنفس.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧١١٦)، ومسلم (٢٩٠٦) من حديث أبي هريرة، قال: قال رَسُول اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الخَلَصَةِ» وَذُو الخَلَصَةِ: طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ.
[ ٧١ ]
وإذا كان حُبُّ الظهورِ داءً بُلي به الكثير، فإنَّ الرياء يقرب ممن أحبّ الظهور، وقد قال ابن القيم: «لَا يجْتَمع الْإِخْلَاص فِي الْقلب، ومحبة الْمَدْح وَالثنَاء والطمع فِيمَا عِنْد النَّاس، إِلَّا كَمَا يجْتَمع المَاء وَالنَّار، والضب والحوت» (^١).
والرياء: هو الشرك الخفي، وإنّما صار شركًا؛ لأنَّ فيه نوع إشراك في صرف العبادة، فالمرائي مراده من فعله نظر المخلوق إليه وثناؤه ومدحه، وإنّما صار خفيًا؛ لأنَّه يخفى عن الناس، وقد ورد عند مسلم: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (^٢).
المسألة الخامسة: ساق المصنّف في الباب حديثي ابن مسعود، وجابر ﵄، في بيان التحذير من الشرك والتخويف منه.
فأمّا حديث ابن مسعود فهو قوله ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا، دَخَلَ النَّارَ»، والنّد: هو النظيرُ والشبيهُ والمثيل.
واتخاذ النّدِ من دون الله نوعان:
١ - شركٌ أكبر: بأن يجعل لله ندًا في أنواع العبادة، أو بعضها كالدعاء أو نحوه.
٢ - شركٌ أصغر: وهو ما يكون من نوع الشرك الأصغر، كيسير الرياء، وقول: ما شاء الله وشئت.
وأما حديث جابر ﵁، فهو قول النبيّ ﷺ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ».
_________________
(١) الفوائد (ص: ١٤٩)، وراجع بقية كلامه في هذا الفصل، فإنه في غاية النفاسة.
(٢) أخرجه مسلم (٢٩٨٥).
[ ٧٢ ]
ومعنى الحديث: أنَّه من مات وعنده شيء من الشرك فإنَّه يدخل النار، وقد يكون دخولًا مطلقًا، وهذا لمن كان شركه أكبر، وقد يكون دخوله مقيدًا، وهذا لمن كان شركه أصغر، وأما من مات غير مشرك، بل موحد فإنَّه يُقطَعُ له بدخول الجنة، لكن إن كان صاحبَ كبائر مُصِّرًا عليها فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عفا عنه ودخل الجنة مباشرة، وإلا عُذِّبَ في النار ثم دخل الجنة، وإن لم يكن صاحب كبائر ولا ذنوب فإنَّه يدخلها مباشرة، وقد ورد عن أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سرقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سرقَ، ثلاثًا، وقال في الرابعة: على رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ» (^١).
* ودلالة الحديثين متقاربة: فكلاهما دلّ على التخويف والتحذير من الشرك؛ لأنّ عقوبة من وقع فيه أن يدخل النار، ولو قلّ شركه؛ لأنَّه أطلق الشرك في الحديث، فيدخل فيه قليل الشرك وكثيره، وهذا يوجب الخوف منه.
* وخلاصة الباب: أنَّه يجب على الإنسان أن يكون على خوف من الوقوع في الشرك، صغيره وكبيره، وينبني على خوفه: أن يحذر من كل طرائق الشرك ووسائله، وأن يتعلم التوحيد وضده، كي يأمن من الوقوع في الشرك.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٨٢٧)، ومسلم (٩٤).
[ ٧٣ ]