الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالترجمة: لما ذكر في الباب السابق تفسير التوحيد
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٨/ ٤٧٣).
(٢) وفيه مسائل: الأولى: التغليظ في لُبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك. الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه ما أفلح، فيه شاهد لكلام الصحابة أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر. الثالثة: أنه لم يُعذر بالجهالة. الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة بل تضر؛ لقوله: «لا تزيدك إلا وهنًا». الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل ذلك. السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئًا وُكِل إليه. السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة فقد أشرك. الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك. التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليلٌ على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر، كما ذكر ابن عباس في آية البقرة. العاشرة: أن تعليق الودع من العين من ذلك. الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له. أي: لا ترك الله له.
[ ٩٣ ]
ومعنى (لا إله إلّا الله)، بدأ هنا بذكر ما يُضادُّ ذلك من أنواع الشرك الأكبر والأصغر.
وقرّر في هذا الباب أنَّ من أنواع الشرك -الذي سبق التحذير منه في الأبواب السابقة- لبس الحلقة والخيط ونحوهما مما يعلق بالبدن، أو على الدابة أو السيارة، أو على الأبواب وغيرها من الأشياء التي يُعتقد أنَّها ترفعُ البلاء وتزيله بعد حصوله، أو تدفع البلاء والشرّ وتمنع وقوعه.
والحلقة: كل شيء استدار من حديد وذهب وفضة ونحوها، والخيط معروف.
ويلحق بهما ما كان نحوهما: كالودعة والتميمة والمسمار والخرزة، وجِلد التمساح يوضع على البيت أو المحل، وكذا من يلبس السوارة باعتقاد دفع الحسد، أو العينِ، ومن يلبس خاتمًا، أو يضع عند رأس المولود سكينًا، أو غير ذلك مما يعتقد فيه دفع الشر والبلاء أو الحسد، فكل هذه الأمور وضعها شرك؛ لأنَّه تعلق بغير بالله، والواجب أن تتعلق القلوب بالله، فهو الذي بيده دفع الضر ورفعه.
واعلم أنه ليس معنى هذا عدم الأخذ بالأسباب، بل إن الشريعة جاءت بإثبات الأسباب، وأنَّ لها تأثيرًا بقدرة الله تعالى وما وضعها فيها، ولكن مثل هذه الأمور ليست أسبابًا لرفع البلاء ودفعه.
• وعلى هذا: فما ثبت أنَّه سببٌ لرفع البلاء أو دفعه، إمّا من جهة الشرع، أو من جهة التجربة بما لا يخالف الشرع فإنَّه يعمل به، وما عدا ذلك فلا يعمل به.
•مثال ما ثبت من جهة الشرع أنَّه سبب: ماء زمزم والعسل، والحبة السوداء،
[ ٩٤ ]
وغيرها مما ورد في الشرع أنَّه سببٌ للشفاء.
•مثال ما ثبت من جهة التجربة أنَّه سببٌ: بعضُ العلاجات والأدوية مما جُرِّب وثبت انتفاع المريض به بإذن الله، وليس بمحرّمٍ، كالخمر والسحر وغيرها.
فإذا أثبتت التجربة أنَّه ينفع بإذن الله، ولم يكن محرمًا فإنَّه يستعمل.
أمّا ما لم يثبت لا في الشرع ولا في التجربة أنَّه سببٌ لرفع البلاء أو دفعه فلا يستخدم، كتعليق الخيط على اليد أو الرقبة، أو وضع جلود الذئاب والتماسيح وغيرها في البيت أو السيارة ونحو ذلك، أو تعليق المصاحف ونحوها في السيارة أو الدكان، أو غير ذلك مما يكون مخلًا بالعقيدة.
المسألة الثانية: لبس الحلقة والخيط ونحوها؛ لرفع البلاء ودفعه قسمان:
١. إذا علّقها معتقدًا أنَّها بذاتها تنفع وتدفع الضر: فشرك أكبر؛ لأنَّه اعتقد أنَّ هناك متصرفًا بالنفع والضرّ غير الله.
٢. أن يعتقد أنَّها سببٌ لرفع البلاء أو دفعه: فشرك أصغر.
المسألة الثالثة: ذكر المصنّف في الباب آية وثلاثة أحاديث.
* فأمّا الآية: فهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر، الآية (٣٨)]. والخطابُ فيها موجّهٌ إلى محمد ﷺ أنْ قُلْ للمشركين الذين توجهوا إلى غير الله: أخبروني عن الذين تدعون من دون الله وتعبدونهم، وتسألونهم من الأصنام والأوثان والأشجار والقبور والأضرحة، وكل ما يُعبد من دون الله، إن أراد الله إصابتي بضرٍّ مِنْ فقر أو شدةٍ أو بلاءٍ أو موتٍ أو غيره، هل تتمكن هذه من كشف الضرّ النازل عمن دعاها؟
[ ٩٥ ]
وهذا سؤال استنكار ونفي، والمعنى: لا تقدر على كشف الضرّ عمن دعاها، ولذا فالمشركون يمرضون ويُقتلون، ولا تقدر معبوداتهم أن تدفع عنهم ذلك.
وكذلك لو أراد الله أن يأتي بخيرٍ من غنى أو صحة وغيرها من النعم، فهل يقدر أحد من المعبودات أو أحد من الخلق أن يمنع نزول الرحمة علي؟ والجواب: لا يقدر أحدٌ، بل لو اجتمع الخلق على أن يردوا نعمةً أراد إنفاذها ما قدروا.
قال مقاتل: «فسألهم النبيّ ﷺ، فسكتوا ولم يقدروا على الإجابة».
ولذلك قال الله بعد ذلك السؤال: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ هو كافيني فأفوض أمري إليه، وأتوكل عليه، فعليه يتوكل المتوكلون، ومتى ما صدق توكل العبد على ربه فلن يضره شيء، وفي الحديث: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ» (^١).
فإن قيل: إن المشركين لا يعتقدون هذا في معبوداتهم، وإنّما يعتقدون أنَّها وسائط وشفعاء عند الله، وأمّا كشف الضرّ وجلبُ النفعِ فهو من الله وحده؟
* الجواب: وحتى مع هذا فلماذا لا يدعون من بيده جلبُ النفع ودفعُ الضرّ،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣)، والحاكم (٣/ ٥٤١ - ٥٤٢)، من طرقٍ عن ابن عباس، قال الترمذي: حسن صحيح، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٤٦٠): وقد روي هذا الحديثُ عن ابن عباس من طرق كثيرة، من رواية ابنه علي، ومولاه عكرمة، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن عبد الله، وعمر مولى غُفْرة، وابن أبي مليكة، وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٩٥٧).
[ ٩٦ ]
أما هذه المعبودات فلا تقدر حتى على نفسها أن تجلب لها نفعًا أو تدفع عنها ضرًّا، فليست جديرة بأن تُعبد.
إذا تقرر هذا: فاعلم أنه إذا كانت الأصنام وغيرها مما يُعبد مِنْ دون الله لا تملك نفعًا ولا ضرًّا، فليست أسبابًا لرفع البلاء أو حصول المطالب؛ فيقاس عليها كل ما ليس بسببٍ شرعي أو قدري، فيعتبر اتخاذهُ شركًا بالله، ولا فرق بينه وبين اعتقاد المشركين بأصنامهم ومعبوداتهم.
* وأما الأحاديث:
فأولها: حديث عمران بن حصين ﵁: أَنَّ النبيّ ﷺ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ فَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟» قَالَ: هَذِهِ مِنَ الْوَاهِنَةِ. فقَالَ: «انْزِعْهَا؛ فَإنَّها لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا». والحديث إسناده ضعيف (^١)، ولكن له شواهد، عن ثوبان وأبي أمامة عند الطبراني، وكلاهما ضعيف، إلّا أنّ النهي عن التمائم فيه أحاديث تقويه، ومنها ما ذكره المصنف بعد ذلك.
والحديث فيه النهي عن الخيط ونحوه، وبيان ذلك: أنَّ فيه أنَّه ﷺ رأى
_________________
(١) ووجه ضعفه: أن الحسن البصري -الراوي عن عمران بن حصين-، لم يسمع من عمران، ذكر هذا يحيى القطان، وابن المديني، وابن معين، وأبو حاتم، والدارقطني، وغيرهم، ثم إنَّه يرويه عنه مبارك بن فضالة، وهو ضعيفٌ عند جماعة، كالنسائي وابن معين، ومنهم من قوّاه، وقال أبو زرعة وأبو داود: «إذا قال: حدثنا فهو ثقة»، وتوسط ابن حجر في حاله، فقال: «صدوق يدلس ويسوي». انظر: تهذيب التهذيب (١٠/ ٣١)، وهو في هذا الحديث قد عنعن ولم يصرح بالسماع، ولأجل هذا فالحديث إسناده ضعيف؛ لأجل هاتين العلتين.
[ ٩٧ ]
هذا الرجل وفي يده حلقةٌ من صُفْرٍ -والحلقة: الشيء المستدير يدار على العضد أو الذراع، والصُفر: نوع من المعدن معروف-، فاستفهم منه منكرًا، وقال: ما هذه؟! ويحتمل أنَّه استفهامٌ عن سببٍ لبسه لها، فأخبر الرجل: أنه لبسها لتقيه من الواهنة، والواهنة: عرقٌ يأخذ في المنكب، وفي اليد كلها فيرقى منها، قاله ابن الأثير (^١)، فأمره أن ينزعها ويطرحها، وقال له: إنَّها لا تزيدك إلا وهنًا.
وهذا الإنكار منه ﷺ يفيد: أن وضع الحلقة لرفع البلاء أو دفعه من الشرك؛ ولذا نفى الفلاح عمن فعل هذا.
فإن قيل: كيف قال له: «إنها لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا» أي: أنها تمرضه وتوهنه، وقد تقرر أنها ليس لها أثرٌ في رفع البلاء ودفعه؟
* أجيب عن هذا بجوابين:
١ - أنَّ هذه الحلقة ليس لها تأثير بذاتها، وإنما يعاقب الله من وضعها على شِركه بنقيض قصده (^٢).
٢ - أنَّ من علّق مثل هذه الأمور تجده يتعلق بها، ولا يتعلّق بالله، فيكون دائمًا في قلق وخوف يتخوف من كل شيء (^٣) (^٤).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٣٤).
(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد (١٢١).
(٣) انظر: إعانة المستفيد (١/ ١٣٩).
(٤) فإن قيل: قوله في الحديث: «فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» تفيد أنَّه لو مات وهو لم يتب منها ما أفلح أبدًا؛ لأنَّه مشرك، وظاهر هذا أنَّه لم يعذر بجهله، فكيف يجاب عن هذا مع ما تقرر من العذر بالجهل؟ * ثمة ثلاثة أجوبة قد تذكر: ١. أنَّ الحديث ضعيف، وقد سبق تفصيل ذلك. وأهل العلم يقررون أنَّ الجهل بالنسبة لكونه عذرًا هو على ضربين: أ- جهلٌ يعذر فيه الإنسان: وهو الذي لا يكون ناشئًا عن تفريط وإهمال، كمن نشأ في بادية ولا يجد من يعلمه فهذا يعذر. ب- جهلٌ لا يعذر فيه: وهو ما كان ناشئًا عن تفريط وإهمال مع وجود من يعلّمه، كمن يكون في مدينة أو قرية أو بادية وعنده من يعلّمه لكنّه فرَّط، فلا يعذر. ٢. ورد في رواية عند الخلاّل في السنة (١٦٢٣) أن عمران ﵁ قال له: «وَلَوْ مُتَّ وَأَنْتَ تَرَى أنَّها نَافِعَتُكَ، لَمِتَّ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ الْفِطْرَةِ» فيحمل الحديث على أنَّه يرى أنَّها تنفعه. ٣. أن يقال: إنَّ هذا من أحاديث الوعيد، والسلف يمّرون أحاديث الوعيد كما جاءت، ويكرهون أن تتأوّل بتآويل تخرجها عن مقصود النبيّ ﷺ.
[ ٩٨ ]
وثاني الأحاديث: عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً، فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ».
وفي رواية: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ».
فأما اللفظ الأول: فهو من طريق خالد بن عبيد المعافري، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة، وصحّح إسناده الحاكم، وقال المنذري: إسناده جيد.
ولكن هذا فيه نظر؛ إذ فيه خالد بن عبيد، محكوم عليه بالجهالة، لم يرو عنه غير حيوة بن شريح، ولم يوثّقه غيرُ ابن حبان، ولذا ففيه ضعفٌ (^١).
وأما اللفظ الثاني: فهو من طريق يزيد بن أبي منصور، عن دخين الحجري، عن عقبة، وإسناده حسن، فيه يزيد قال عنه أبو حاتم: ليس به بأس، وكذا قال
_________________
(١) وقد ضعف الألباني الحديث كما في السلسة الضعيفة (٣/ ٢٦٨).
[ ٩٩ ]
ابن حجر في التقريب، وقال الذهبي: صدوق، وبقيّة رجاله ثقات.
* واللفظان فيهما النهي عن تعليق التميمة معتقدًا فيها النفع، وأنَّ هذا من الشرك؛ لأنَّ جلب النفع ودفعَ الضُرِّ لا يقدر عليه إلّا الله.
* فقوله: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً»: أي علّقها على نفسه أو ولده، أو تعلّق بها قلبه.
والتميمة: خرزاتٌ كانت العرب تُعلِّقُها على أولادهم يتَّقون بها العين، ويُلحَقُ بها كلُ ما يُعَلَّق باعتقاد دفع العين ونحوه.
* وقوله: «فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ»: دعاء من النبيّ ﷺ عليه بألّا يتم الله له أموره، قال بعض العلماء: «وهذه الدعوة أثرها واضحٌ، فأنت ترى من يُعَلِّقون مثل هذه الأمور من أكثر النَّاس خوفًا وحزنًا وهمًا، بعكس الموحدين المعتمدين على الله» (^١).
* وأما الوَدَعَةُ: فهي واحدة الودع، وهي أحجارٌ تستخرج من البحر تشبه الصدف، يعلّقونها على صدورهم يتقون بها العين.
* وقوله: «فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ»: أي لا جعله في دعةٍ وسكونٍ، وهذا دعاء عليه من النبيّ ﷺ أن يُعامَل بنقيضِ مقصوده.
* وقوله في اللفظ الآخر: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ»: إنّما كانت شركًا؛ لأنَّه أراد دفع القدر المكتوب عليه، وطلب دفع الأذى من غير الله الذي هو النافع الضار، وتعلق قلبه بغير الله، ومعلوم أنَّ المخلوق عاجز.
وأما كون هذا الشرك أصغر أو أكبر فقد سبق ذكره في المسألة الثانية.
_________________
(١) إعانة المستفيد (١/ ١٤١).
[ ١٠٠ ]
ثالث الأحاديث: حديث حذيفة ﵁: «أنَّه رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيْطٌ مِنَ الْحُمَّى فَقَطَعَهُ وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف، الآية (١٠٦)] «.
والحديث أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وعروة بن الزبير لم يثبت له سماعٌ من حذيفة، ولكن له متابع، وهو أبو ظبيان حصين بن جندب الكوفي، أخرج روايته الخلاّل في السنة، فقد يتقوى الأثر بالوجهين.
ومعناه كذلك له أصلٌ، فالنهي عن تعليق الخيوط، وكذا الإنكار على من وضع ذلك باليد ثابت، والأدلة دالة عليه.
* وقوله هنا: «خَيْطٌ مِنَ الْحُمَّى»: الحمّى: ارتفاعُ الحرارة في الجسم، فهذا الرجل ربط الخيط من أجل أن يتقي الحمى.
* وقوله: «فَقَطَعَهُ»: قال صاحب التيسير: وفيه إزالة المنكر باليد بغير إذن الفاعل، وإن كان يظنّ أنَّ الفاعل يزيله، وأنَّ إتلاف آلات اللهو والمنكر جائزة، وإن لم يأذن صاحبها (^١).
* وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف، الآية (١٠٦)]. المراد بهذا: المشركون الذين يؤمنون بتوحيد الربوبية، ويشركون بالألوهية، فلا يؤمن أكثرهم بالربوبية إلا وهم مشركون في الألوهية، قال ابن عباس: «تَسْأَلُهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ وَمَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَيَقُولُونَ: اللَّهُ، فَذَلِكَ إِيمَانهمْ وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ» (^٢).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (١٢٤).
(٢) أخرجه الطبري في التفسير (١٦/ ٢٨٦)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٢٠٣٤ - ١٧٤١٧).
[ ١٠١ ]
فهم جمعوا بين الإيمان بوجود الله وربوبيته، وبين الإشراك بعبادته، وكذلك بعض المسلمين جمع بين الإسلام، وبين الشرك في وضع هذه التمائم.
وأنت ترى أنَّ الآية هي في الشرك الأكبر، بينما وضع الخيط هو من الشرك الأصغر -على التفصيل السابق- ولكن هذا الصنيعَ من حذيفة ﵁ في استدلاله بآيةٍ في الشرك الأكبر على أمرٍ من الشرك الأصغر استدلال صحيح، وقد قال المصنّف في مسائل الباب: فيه أنَّ الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر، وهذا يفعله المؤلّف في هذا الكتاب.
ومناسبة الحديث للباب: من جهة أنَّ حذيفة ﵁ أنكر وضع الخيط، وعدّه من الشرك، وأزاله من اليد.
* خلاصة الباب: أنَّه يجب على الإنسان أن يعلِّق قلبه بالله، وأنَّ من علَّق شيئًا على بدنه أو متاعه من بيت أو سيَّارة أو دابَّة، أو لبس على يده أو عنقه باعتقاد أنَّ ما وضعه يدفع البلاء أو يرفعه، فإنَّ هذا من الشرك بالله على التفصيل المتقدم.
[ ١٠٢ ]