عقد المصنّف هذا الباب فيما يتعلّق بالبركة والتبرّك، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: أراد المصنّف ﵀ بهذا الباب بيان حكم من تبرّك بالأشجار
[ ١١٩ ]
والأحجار، ونحوها من القبور والبقع وغيرها، وبيان أنَّها من الشرك وأفعال المشركين.
والبركة لغة: النماء والزيادة (^١)، وقيل: كثرة الخير وثبوته.
والتبرك: طلبُ البركةِ والخير من الغير، يقال: باركه الله، وبارك فيه، وبارك عليك، وبارك له (^٢).
وأما مناسبة الباب لما قبله: فإنَّ هذا الباب مكمِّل للأبواب قبله؛ لأنَّ ما قبله في لبس الحلقة وفي التمائم وتعليقها وأنَّها من الشرك، فبيّن هنا أنَّ من الشرك التبرّك بالأشجار ونحوها؛ لما فيها كلّها من الاعتقاد بغير الله أنَّه ينفع ويضرّ، ومعلوم أنَّ الذي يقدر على جلب النفع ودفع الضرّ هو الله ﷻ.
المسألة الثانية: يمكن أن يذكر في باب التبرّك ضوابط مهمة ينبغي التنبه لها:
١. أنَّ البركة لا تثبت في شيء من الأشياء إلّا بدليل شرعيّ؛ لأنَّ الأصل النفي لها وعدم ثبوتها، وهي أمرٌ توقيفي لا اجتهادي.
٢. أنَّ ما يُتبَرَّكُ به من الأعيانِ والأقوالِ والأفعالِ والأزمانِ التي تثبت فيها البركة بطريق الشرع، إنّما هي سببٌ للبركة وليست بواهبةٍ لها.
•مثاله: ماء زمزم سبب للبركة وليس واهبًا للبركة بذاته، ومِثلُه بقيّة الأمور المباركة مِنْ مطعومٍ وموطنٍ وزمانٍ وغيره.
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (١٥/ ٣٤٧)، ولسان العرب (١٠/ ٣٩٥).
(٢) انظر: جلاء الأفهام لابن القيم (٣٤٧).
[ ١٢٠ ]
٣. اعلم أنَّ التبرّك قسمان: أ- مشروع. ب- ممنوع.
أما التبرّك المشروع فتحته صور:
١ - التبرّك بذات النبيّ ﷺ وعَرَقِه وثيابِه: فهذه لا تكون إلّا للنبيّ ﷺ وهي منقطعة بوفاته، إلا ما نفصل منه فيصح ولو بعد وفاته، كشعره لو وُجِد.
٢ - التبرّك بالأقوال: كقراءة القرآن وقراءة البقرة، وقد ورد فيها: «أَخْذُهَا بَرَكَةٌ» (^١)، والتبرك بكل شيء بحسبه، فالتبرك بالقرآن بتلاوته، وهكذا.
٣ - التبرّك بالأفعال: كأكلة السحر، ففيه بركة، وكذا الاجتماع على الطعام يباركه الله «اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» (^٢)، والتبرك بهذه الأطعمة يكون بأكلها.
٤ - التبرّك بالأمكنة: بالمساجد عمومًا، والمساجد الثلاثة-المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى- خصوصًا.
والتبرّك بالمساجد يكون: بالإكثار من الصلاة والتعبد فيها، ولا يكون بالتمسّح بترابها وجدرانها ونحو ذلك؛ لأنّ التبرّك عبادةٌ ويشترط فيها المتابعة.
٥ - التبرّك بالأزمنة: كليلة القدر ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان، الآية (٣)] ويوم الجمعة وشهر رمضان، وعشر ذي الحجة، والتبرّك فيها يكون بالاجتهاد بالعبادة.
٦ - التبرّك بالأطعمة: كماء زمزم، والحبّة السوداء، والعسل واللبن.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٠٤) من حديث أبي أمامة.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٧٦٤)، وابن ماجه (٣٢٨٦)، وأحمد (١٦٠٧٨) من حديث وحشي بن حرب، وإسناده حسن.
[ ١٢١ ]
وأما التبرّك الممنوع فتحته أنواع:
١ - التبرّك بالأمكنة المباركة على غير ما ورد في الشرع: كتقبيل جدران الكعبة، والتمسح بها وبتربة المسجد، أو بمقام إبراهيم، ونحو ذلك.
٢ - التبرّك بالقبور، والدعاء عندها للتبرك بها.
٣ - التبرّك بمقامات الأنبياء: كغار ثور وحراء، أو الطور الذي كلّم الله فيه موسى ﷺ ونحوها، والسفر إليها والتعبد عندها، وكذلك الأمكنة التي صلّى فيها النبيُّ ﷺ، فلا يشرع تتبعها؛ لأنَّها لم تقع منه تقصدًا.
٤ - التبرّك بأزمنةٍ معينة: كمولد النبيّ ﷺ، والإسراء والمعراج، ويوم بدر، وفتح مكّة بنوع من التعظيم والعبادة.
٥ - التبرّك بذواتِ الصالحين وآثارهم: فهذا لم يشرع، ولم يؤثر عن أحد.
• وعلى هذا: فالتبرك بآثار الصالحين، والتمسّح بهم، وبثيابهم، وبعرقهم، ونحو ذلك قياسًا على النبيّ ﷺ خطأٌ من عدة أوجه:
١ - عدم المقاربة فضلًا عن المساواة للنبيّ ﷺ في الفضل والبركة.
٢ - عدم تحقق الصلاح، فإنَّه لا يتحقق الصلاح إلا بصلاح القلب، وهذا لا يطلع عليه.
٣ - أنَّ الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غير النبيّ ﷺ، لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه (^١).
فإن قيل: ورد في الصحيح أن عتبان بن مالك ﵁ دعا النبيَّ ﷺ إلى
_________________
(١) انظر: تيسير العزيز الحميد (١٤٣).
[ ١٢٢ ]
منزله ليصلي فيه، فيتخذه مصلى «فجاء النبيّ ﷺ، فصلى في بيته» (^١) أليس فيه دليل على جواز التبرك بآثار الصالحين؟
* فالجواب من أوجه:
أ- لم يقصد عتبانُ أن يتبرّك بموضع صلاة النبيّ ﷺ، وإنما قصدَ أن يُقِرَّهُ الرسولُ ﷺ على الصلاة جماعةً في داره عند عدم استطاعته حضور الجماعة.
ب- لو كان القصد التبرّك بموضع صلاة النبيّ ﷺ؛ لبقي هذا الموضع يتبرّك به الورثة فمن بعدهم، كما نقل عن بعض الصحابة في تبركهم بشعر النبيّ ﷺ وقدَحه.
المسألة الثالثة: يقرّر أهل العلم أنَّ التبرك بالأشياء المحرمة، كذوات الصالحين أو المواضع التي لم يثبت فيها شيء ونحو ذلك، أنَّه محرَّم ومن الشرك، ثم يقولون:
* يكون شركًا أصغر: إن اعتقد أنَّه سببٌ للبركة والتمسها منه.
* ويكون شركًا أكبر: إن اعتقد أنَّ منه البركة، كما أنَّها من الله، كأن يقول: يا عبد القادر الجيلاني بارك لي في زوجتي، أو يا بدوي مُنَّ علي بكذا، فهذا صرف العبادة لغير الله.
المسألة الرابعة: ترد على ألسنة الناس عبارات عديدة في البركة، وهي تختلف في حكمها.
الأولى: قول (هذه من بركتك أو من بركاتك): وهي جائزة على الأقرب، ويدل
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٢٤)، ومسلم (٣٣).
[ ١٢٣ ]
لها ما ورد في حديث عائشة ﵂ في قصة التيمم وفيه: «أن أسيد بن حضير ﵁ قال: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ» (^١)، وقالت عائشة ﵂: «فَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا» (^٢)، أي: جويرية أم المؤمنين.
لكن لا ينبغي أن تُقال لمن لا يُعرف منه خير وصلاح.
وكذا لا تقال عند حصول أمرٍ من الله لا علاقة للإنسان به، كالمطر مثلًا، فالمطر من الله وحده.
الثانية: قول: (تباركت علينا): فلا تجوز؛ لأنَّ (تبارك) من خصائص الله، فلا تقال لغيره، وقد أشار لهذه ابن القيم (^٣).
وأجازها بعض العلماء، منهم الشيخ بكر أبو زيد (^٤).
الثالثة: قول (كُلّك بركة): فالأولى أن لا تُقال؛ لأنَّها على خلاف الحقيقة؛ إذ فيها مبالغة، فالإنسان ليس كلّه بركة.
* ومنها: (أبرك الساعات أن نراك)، فهذه معلوم أنَّها تقال على سبيل الإكرام والاحتفاء، ومع هذا فالأولى أن لا تقال؛ لأنَّ أبرك الساعاتِ ساعةٌ تطيع فيها الله، ولئن كان اللقاءُ بالإخوان في الله طاعة، إلّا أنَّه قد لا يكون أبرك
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٦٧٢)، ومسلم (٣٦٧) من حديث عائشة.
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٢٧٧)، وأبو داود (٣٩٣١)، وابن الجارود في المنتقى (٧٠٥)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٧٤٨)، وابن حبان في الصحيح (٤٠٥٤)، والحاكم (٦٧٨١)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٧٤).
(٣) في بدائع الفوائد (١/ ١٨٧).
(٤) معجم المناهي اللفظية للشيخ بكر أبو زيد ص (٦٢٨).
[ ١٢٤ ]
الأوقات.
المسألة الخامسة: استدل المصنّف في الباب بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم، الآيات (١٩، ٢٠، ٢١، ٢٢)]. ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف، الآية (١٣٨)].
والمعنى: أنَّ الله يقول للمشركين الذين يعبدون الأصنام -وفي مقدمتها هذه الأصنام الثلاثة المشهورة- هل نفعتكم هذه الأصنام بشيء؟ هل دفعت عنكم الضرّ؟ هل جلبت لكم رزقًا أو نفعًا؟ ومعلوم أنَّهم لا يقدرون على الجواب.
قال القرطبي: «قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٌ وَحُمَيْدٌ وَأَبُو صَالِحٍ (اللَّاتَّ) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ … وَالْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ: (اللَّاتَ) بِالتَّخْفِيفِ» (^١) (^٢).
* أما على القراءة الأولى: فقال الأعمش: «سمّوا اللات من الإله، والعزى من العزيز» ا. هـ. فقد اشتقّوها من اسم الله، قال ابن كثير: «كانت صخرة بيضاء يتبركون بها ويطلبون قضاء الحوائج، وكانت لأهل الطائف، وكانوا يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش» (^٣) ا. هـ.
ولم تزل موجودة حتى أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة، فهدمها وحرقها بالنار، وذلك في السنة الثامنة.
_________________
(١) وقال الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤٨): وأولى القراءتين بالصواب عندنا في ذلك: قراءة من قرأه بتخفيف التاء.
(٢) تفسير القرطبي (١٧/ ١٠٠ - ١٠١)، وانظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٤٥)، وتفسير البغوي (٤/ ٣٠٨).
(٣) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٥٥).
[ ١٢٥ ]
• وعلى هذا: يكون علاقة الآية بالباب من جهة التبرك بالأحجار.
* وأما على القراءة الثانية: فقد قال ابن عباس: «كَانَ رَجُلًا يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحَاجِّ؛ فَلَمَّا مَاتَ عَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ فَعَبَدُوهُ» (^١).
ومعنى اللتّ: أن يأتي بالسويق ويجعل فيه السمن فيطعمه الحجاج.
• وعلى هذا: فيكون من باب التبرّك بالأموات، وهو من شرك القبور.
قال صاحب التيسير: «ولا تخالف بين القولين، فإنَّ من قال: إنَّها صخرة لم ينف أن تكون صخرة على القبر أو حواليه، فعظمت وعبدت تبعًا لا قصدًا، فالعبادة إنّما أراد بها صاحب القبر» إلى أن قال ﵀: «فتأمَّل فعل المشركين مع هذا الوثن، ووازن بينه وبين بناء القباب على القبور، والعكوف عندها ودعائها وجعلها ملاذًا عند الشدائد» (^٢).
* وأما العزى: فتقدم قول الأعمش أنَّها من اسم الله (العزيز).
قال ابن جرير: «كانت شجرة عليها بناءٌ وأشياءٌ بنخلة بين مكة والطائف كانت قريش تعظمها» ا. هـ، ولذلك قال أبو سفيان يوم أُحد: «لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ» (^٣)، ولما فتح النبيّ ﷺ مكّة أرسل خالد بن الوليد، فأتاها فقطع السمرات الثلاثة التي عندها، وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبيّ ﷺ فأخبره، فقال ارجع فإنك لم تصنع شيئًا، فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة -وهم حجبتها- امتنعوا في الجبل، وهم يقولون: يا عزى يا عزى، فأتاها خالد،
_________________
(١) أخرج البخاري (٤٨٥٩) شطره الأول، وأخرجه الطبري بتمامه في التفسير (٢٢/ ٤٨).
(٢) تيسير العزيز الحميد (١٣٧).
(٣) أخرجه البخاري (٣٠٣٩).
[ ١٢٦ ]
فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها، فعلاها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: تلك العزى (^١).
• وهذا: لأنّ الواقع أنَّ المشركين ليست عبادتهم لهذه الأصنام، وإنّما عبادتهم للشياطين فهي التي تدعوهم إلى عبادتها، وهى التي تكلمهم أحيانًا ويظنّون أنّ الصنم هو الذي يتكلم، أو أنّ الميّت هو الذي يتكلم (^٢).
* وأما (مناة) فاختُلِف في اشتقاقها:
١. فقيل: من اسم الله المنان.
٢. وقيل: سُمِّيت مناة؛ لكثرة ما يُمنى-أي يراق- عندها من الدماء للتبرك بها.
* وكان موضعها بالمُشلَّلِ عند قديد، بين مكة والمدينة، وكانت للأوس والخزرج، وكانوا يُهلّون منها للحج، فلما فتح النبيّ ﷺ مكة أرسل علي بن أبي طالب إليها فهدمها.
* وقوله: ﴿الْأُخْرَى﴾: أي المتأخرة وضيعة القدر.
وإنما خُصّت هذه الثلاثة: لأنَّها أشهر الأصنام عند العرب وأعظمها، فبيّن الله لهم أنَّها لم تنفعهم ولم تضرهم هذه الأصنام.
* وقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾: استفهام إنكاري للمشركين الذين إذا جاء أحدهم ولدٌ ذكر استبشر، وإذا جاءه أنثى ظل وجهه مسودًا، ومع ذلك
_________________
(١) أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة (٢/ ١٢٦)، والنسائي في الكبرى (١١٤٨٣)، وأبو يعلى في المسند (٩٠٢)، وأبو نعيم في الدلائل (٤٦٣)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٧٧).
(٢) انظر: إعانة المستفيد (١/ ١٥٨).
[ ١٢٧ ]
يقولون: الملائكة بنات الله.
وقيل: يجوز أن يراد أنَّ اللات والعزى ومناة إناث، وقد جعلتموها لله شركاء، ومن شأنكم أن تحقروا الإناث، وتستنكفون أن يولدن لكم أو ينسبن إليكم، فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أندادًا لله وتسموهم آلهة؟
قال صاحب التيسير: «ما أقرب هذا القول إلى سياق الآية» (^١).
وقوله: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾: أي جائرةٌ باطلة، إذ نزَّهتم أنفسكم عن البنات، ونسبتموها لله.
• واعلم أنَّ مستند الكفار والمشركين في عبادتهم للأصنام أمران:
١ - حُسْنُ ظنِّهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، والظنُّ لا يغني من الحق شيئًا.
٢ - حظُّ أنفسهم في رياستهم واتباع أهوائهم، وأضرُّ شيءٍ على الإنسان أن يتَّبع ما يهوى ويترك الهدى.
وإذا تقرر هذا فاعلم أن وجه مناسبة الآية للباب: هي أنَّ الذين يعبدون هذه الأصنام يعتقدون أنَّها تنفعهم وتضرهم، وهم يتبرَّكون بها ويتقربون إليها ويذبحون لها ويدعونها، فعدّ اللهُ عملهم شركًا.
• فيؤخذ من هذا: أن كُلَّ من تبرَّك بشجرٍ أو قبر أو حجرٍ أو غير ذلك، قاصدًا بذلك جلب النفع أو دفع الضر، فقد شابههم في شركهم.
• واعلم: أنَّ الذي يفعله بعضُ معظّمي القبورِ اليوم هو من جِنس ما كان يفعله
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص: ١٤٣).
[ ١٢٨ ]
أصحاب الأصنام، فقد ذكر ابن هشام: «أنَّ العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوتٌ تُعظَّمُ كتعظيم الكعبة، لها سدنةٌ وحُجَّابٌ، ويُهدى لها كما يُهدى للكعبة، ويُطاف بها ويُنحَرُ عندها، وهم يعرفون فضل الكعبة عليها؛ لأنَّهم كانوا يعرفون أنَّها بيت إبراهيم ﵈ ومسجده» (^١).
المسألة السادسة: ذكر المصنّف في الباب حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، ويَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُ أَكْبَرُ، إنَّها السُّنَنُ، قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف، الآية (١٣٨)]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ «.
ومضمون الحديث: أنَّه لما فتح النبيُّ ﷺ مكّة خرج إلى حنين، وهو وادٍ بين مكّة والطائف -وكانت غزوة حنين في السنة الثامنة في شهر شوال وقصتها معروفة-، وكان معه الصحابة، ومعه قومٌ قريبوا عهدٍ بكفر -كما قال أبو واقد ﵁ وإنّما قال هذا ليعتذر عن طلبهم وسؤالهم، إذ إنَّ غيرهم لا يجهل ذلك، ولو وقر الإيمانُ في قلوبهم لما سألوا هذا، وكان للمشركين سدرةٌ يعكفون عندها ويلزمون مكانها تبركًا بها، وكانوا أيضًا يُعَلِّقون عليها أسلحتهم طلبًا للبركة.
فلما رأى هؤلاء القومُ حدثاءُ العهد بالإسلام تلكَ السدرةَ أعجبهم عملُ المشركين، وظنّوا أنَّ هذا الأمرَ سائغٌ، فطلبوا من النبيّ ﷺ أن يجعل لهم
_________________
(١) سيرة ابن هشام (١/ ٨٣).
[ ١٢٩ ]
شجرة مثلها يُعَلِّقون عليها ويعكُفون حولها -وهم قصدوا بهذا التقرُّبَ إلى الله - فقال النبيّ ﷺ: «اللهُ أَكْبَرُ» تعجبًا واستعظامًا له وتنزيهًا لله عن هذا العمل، إذ كيف يقولون هذا وهم آمنوا بأنَّه لا إله إلّا الله؟! ولكن: «إنَّها السُّنَنُ»، والسنن: الطرق، أي: أنَّ السبب الذي أوقعكم في هذا هو التشبُّه، فقاس الرسول ﷺ ما قاله الصحابة على ما قالته بنو إسرائيل لموسى وطلبوه منه، حيث إنَّه لما نجاهم الله وأغرق فرعون وقومه مروا في طريقهم على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا: يا موسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، فقال موسى;: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، أي: أنَّ الذي أوقعكم في هذا هو جهلكم بالتوحيد، وعلى هذا فالتشبه بالكفار في عبادتهم وتقاليدهم أمرٌ خطير.
بل إنَّ أوَّل حدوث الشركِ في جزيرة العرب إنما كان بسبب التشبّه بالكفار، حين ذهب عمرو بن لُحَيّ إلى الشام فوجدهم يعبدون الأصنام فأعجبه ذلك، فجلبها إلى الحجاز.
فإن قيل: الآية: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فيها طلبُ إله من دون الله، أمّا الصحابة فإنَّهم إنما طلبوا شجرة يعلقون عليها، فكيف يكونان سواء؟!
فالجواب: طلبُ هؤلاء الصحابة من النبيّ ﷺ، هو من جنس مطلق المشابهة للكفار، لا أنَّها مماثلة في الشرك بعينه.
قال ابن تيمية: «فأنكر النبيّ ﷺ مجرّد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلّقين عليها سلاحهم، فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟» (^١).
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٤٤).
[ ١٣٠ ]
وقال الشاطبي: «فإنَّ اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله، لا أنَّه هو بنفسه» (^١).
والمراد: أنَّ مجرد مطلق المشابهة بين الفريقين لا تُخرِجُ من الملة، فالصحابة طلبوا ولم يفعلوا، ثم إنهم كانوا حدثاء بكفر (^٢).
ومناسبة الحديث للباب ووجه الشاهد منه: أنَّ النبيّ ﷺ أنكر على هؤلاء طلبهم التبرك بالأشجار، وجعله مثلَ طلب بني إسرائيل أن يكون لهم إلهٌ، فهذا مثلُ هذا وإن اختلف اللفظ، فاختلاف الألفاظ لا يؤثر مع اتفاق المعنى، وحينها يقال: من طلب البركة من شيء ولم يثبت أنَّ فيه بركة، فإنَّ فعله محرم ولا يجوز.
* وإذا تقرر هذا فثمة فوائد تؤخذ من الحديث، أهمها اثنتان:
١) أنَّ تعظيم غير المعظم قد يوقع في الشرك، حينما يغلو المرء به.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: «فإذا كان اتخاذ شجرة؛ لتعليق الأسلحة والعكوف عندها اتخاذ آلهة مع الله، مع أنَّهم لا يعبدونها ولا يسألونها، فما الظنُّ بما حدث مِنْ عُبَّادِ القبور مِنْ دُعاء الأموات والاستعانة بهم والذبح والنذر والطواف بقبورهم، وتقبيل أعتابها وجدرانها والتمّسح بها وجعل السدنة والحجّاب لها؟! وأي شبهٍ بين هذا وبين تعليق الأسلحة على شجرة تبركًا» (^٣).
وأهل القبور يقولون: إنَّ فعلهم هذا ليس بشرك، وإنّما هو توسلٌ ومحبة
_________________
(١) الاعتصام (٢/ ٢٤٦).
(٢) انظر: التعليق على فتح المجيد للشيخ عبد العزيز العبد اللطيف (ص: ١٢).
(٣) تيسير العزيز الحميد (١٤١).
[ ١٣١ ]
للأولياء والصالحين!
فيقال لهم: وإن سمّيتموه توسلًا أو محبّة أو وفاءً للصالحين فإنَّه في الحقيقة شرك، فالذي يتبرَّك بالحجر أو الشجر أو القبر بالتوجه له بالدعاء، فقد اتخذه إلهًا وإن كان يزعم أنَّه ليس بإله.
٢) أنَّ حسن المقاصد لا يغير من الحكم الشرعي شيئًا، فهؤلاء الصحابة قصدهم حسن، ومع هذا أنكر عليهم النبيّ ﷺ وغضب، وجعل مقالتهم مثل مقالة بني إسرائيل، فدلّ على أن المقاصد الحسنة لا تبرّر الغايات السيئة المبتكرة.
* خلاصة الباب: أن البركة توقيفيةٌ، فلا تثبت إلا بنص، وأن التبرك بما ثبت في البركة يكون على وفق الشرع، وأن من تبرك بشيء على خلاف مقتضى الشرع فقد وقع في المحذور، والله أعلم.
*
[ ١٣٢ ]