١ - أنَّه أول أمرٍ فرضه الله على نبيه ﷺ، فقد فرضه الله قبل الصلاة والصوم وبقيّة الأركان، ولا يصح إسلام عبد حتى ينطق به، ويعتقده، وهذا يجعل له مزيّة عن غيره من الأوامر.
وتوحيد الله هو الأمر الذي خلق الله الخليقة لأجله، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات، الآية (٥٦)].
قال ابن كثير: «ومعنى الآية: أنَّه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنَّه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم» (^١).
٢ - وهو الأمر الذي تضافر الأنبياء على الأمرِ به، فما مِنْ نبيّ إلّا وأمر به ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل، الآية (٣٦)]. وهم وإن اختلفت شرائعهم إلّا أنَّهم يتفقون في الأمر بتوحيد الله تعالى، قال ﷺ: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» (^٢).
٣ - تتجلى أهمية التوحيد؛ من حيث إنَّه بتحقيقه ينال الفرد والمجتمع الأمن، أمن الدنيا، وأمن الآخرة.
* أما أمنُ الدنيا: فإنَّ سببه الحقيقي ليس كثرة الجيوش والقوى والعتاد، وإنما توحيد الله تعالى، وفي الواقع خير شاهد على هذا.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٢٥).
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٤٣)، ومسلم (٢٣٦٥) من حديث أبي هريرة، وهذا لفظ مسلم.
[ ٨ ]
* وأما أمنُ الآخرة: فإنَّه يُنال بالدين، وأكملُ الناسِ في الآخرة أمنًا هم الموحّدون، وأقلُّهم أمنًا هم المشركون، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام الآية (٨١، ٨٢)]، وقد ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال: «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بِشركٍ، أَوَ لَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لَا تُشركْ بِاللَّهِ إِنَّ الشركَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ؟» (^١).
وحين تصلح عقائد الناس، ويستقيم توحيدهم، فإنَّ الله ينزل عليهم من خيراته، وعند فساد الاعتقاد يحلّ بالعباد مقتُ الله، ففي حديث عياض بن حمار ﵁، أنَّه ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ …» (^٢)، وذلك المقت حين أطبق الشرك في الأرض.
قال ابن تيمية: «ومن تدبّر أحوال العالم، وجد كل صلاح في الأرض، فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله ﷺ، وكل شرّ في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدوّ وغير ذلك، فسببه مخالفة الرسول ﷺ والدعوة إلى غير الله، ومن تدبّر هذا حق التدبّر، وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه وفي غيره، عمومًا وخصوصًا، ولا حول ولا قوة إلّا بالله!» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٦٠)، ومسلم (١٢٤).
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٦٥).
(٣) مجموع الفتاوى (١٥/ ٢٥).
[ ٩ ]
٤ - أن ترك التوحيد يترتب عليه الوقوع في الشرك، وهنا تكمن أهميته، بخلاف غيره من العلوم كالفقه ونحوه.
٥ - أن هذا الباب مِنْ أشد الأبواب التي سعى الشيطانُ لإغواءِ العباد فيه، وصرفِهم عن حقيقته، فما زال الشيطانُ بالناس يسعى لإيقاعهم في الشرك، حتى وقع فيه فئامٌ من الناس كثير، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن- حين ذكر وقوع الشرك في دولة بني بويه، وانتشار بعض أمور الشرك-: «فلما كان بعد زمن البخاري من عهد بني بويه الديلمي، فشا في الرافضة التجهم، وأكثر أصول المعتزلة، وظهرت القرامطة ظهورًا كثيرًا، وجرت حوادث عظيمة، وعُبدت الأموات في هذا المصر وغيره، حتى ادّعوا فيهم التصرف في الكون من دون الله تعالى؛ فما زال هذا الشرك يزداد حتى ملأ الأرض قاصيها ودانيها، وما زال الغرباء ينكرونه، لكنهم أقلُّ القليل لا يُسمع لهم، ولا يطاع» (^١).
وجوانب أهمية التوحيد كثيرة جدًا، وما ذكرته إنّما هو إشارةٌ يسيرةٌ جدًا، ولأجل هذا كان لزامًا على طالب العلم أن يعتني بتعلم التوحيد، وأن يعلِّمه غيره من عامة الناس وخاصتهم، لا سيّما في هذه الأزمان المتأخرة التي كثرت فيها الشبهات، وتعددت أسباب الانحراف والزيغ، ورأينا من وقع في خوارم التوحيد أو مبطلاته، برغم أنَّ البعض ربما يظن أنَّه عرف التوحيد فلا يحتاج لدراسته، ولكن حينما تأتي المحكّات تتبين الحقائق.
وحين نقول: «علم الاعتقاد» فإن المراد أمران:
الأول: علم توحيدِ العبادة، وهو ما يُعرَف باسم التوحيد، ويتناول توحيد الألوهية، والربوبية.
_________________
(١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١١/ ٥١٧).
[ ١٠ ]
وهذا العلم ألّف فيه كثيرًا، ومما ألف فيه: هذا الكتاب.
الثاني: علمُ الاعتقاد العام، ويشمل جُلَّ مسائلِ الاعتقاد مما يجب على المسلم اعتقاده: الأسماء والصفات، والإيمان، والقضاء والقدر، والكرامات، ونحوها من مسائل الاعتقاد التي يذكرها العلماء في عقائدهم.
* وقد صنَّف العلماء في هذا وأكثروا، ولم يكن ذلك حكرًا على مذهب معين، بل لكل المذاهب الأربعة عناية في هذا، ولعل من أشهر ما يتدوال من المتون في هذا:
١. عقيدة الإمام الطحاوي، وشرحها، لابن أبي العز الحنفي.
٢. مقدمة ابن أبي زيد القيرواني في الاعتقاد، لابن أبي زيد المالكي.
٣. العقيدة الواسطية، لابن تيمية الحنبلي.
٤. عقيدة السلف وأصحاب الحديث، للصابوني الشافعي.
وقد صنف العلماء كتبًا سموها باسم [التوحيد] كالتوحيد لابن خزيمة، ولابن منده، وغيرها، وهي في إثبات الأسماء والصفات، حيث يذكرون فيها صفات الله تعالى والرد على من نفاها، ووجه تسمية السلف كتبهم المؤلفة في إثبات الصفات كتب التوحيد؛ لأنَّ نفي ذلك وإنكاره والكفر به إنكار للصانع وجحد له، وإنما توحيده إثبات صفات كماله وتنزيهه عن التشبيه والنقائص.
[ ١١ ]