«القرطبي» .
وقال «أبو بكر محمد بن موهب المالكي» في شرح رسالة «أبي محمد بن أبي زيد»: «وأما قوله: «إنه فوق عرشه المجيد بذاته» فإن معنى: فوق وعلى عند جميع العرب واحد، وفي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ تصديق ذلك، قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] وقال في وصف الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٥٠] وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] ونحو ذلك كثير، وقال النبي ﷺ للأعجمية التي أراد سيدها أن يعتقها: «أين ربك؟ فأشارت إلى السماء» ووصف النبي ﷺ أنه عرج به من الأرض إلى السماء، من سماء إلى سماء، إلى سدرة
[ ١ / ١٧٥ ]
المنتهى، وإلى ما فوقها، حتى قال: لقد سمعت صريف القلم، وأنه وصف من فرض الصلوات أنـ[ـه] كل ما هبط من مكانه، فلقي موسى في بعض السموات، فأمره بالتخفيف عن أمته، عاد يصعد ثم سأل إلى أن انتهى إلى خمس صلوات في اليوم والليلة.
[ ١ / ١٧٦ ]
وقد تأتي [لفظة «في»] في لغة العرب بمعنى: فوق، وعلى ذلك قول الله ﷿: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] يريد: عليها وفوقها. وكذلك قوله فيما وصف عن فرعون أنه قال في قصة السحرة: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] يريد عليها، قال الله ﷿: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] الآيات كلها، قال أهل التأويل العالمون بلغة العرب: يريد فوقها، وهو قول مالك مما فهمه عن جماعة من أدرك من التابعين، مما فهموه عن الصحابة، مما فهموه عن النبي ﷺ، أن الله في السماء، يعني: فوقها وعليها. ولذلك قال الشيخ أبو محمد: «إنه فوق عرشه المجيد»، ثم بين أن علوه على عرشه وفوقه، إنما هو بذاته، لأنه بائن عن جميع خلقه
[ ١ / ١٧٧ ]
بلا كيف، وهو في كل مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته، إذ لا تحويه الأماكن، لأنه أعظم منها، وقد كان ولا مكان، ولم يحل بصفاته عما كان، إذ لا تجري عليه الأحوال، لكن علوه في استوائه على عرشه، هو عندنا بخلاف ما كان قبل أن يستوي على العرش لأنه قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] و«ثم» أبدًا لا تكون أبدًا إلا لاستئناف فعل يصير بينه وبين ما قبله فسحة، فهو سبحانه وإن كان لا يزول ولا يحول فقد يزيل المخلوقات دونه، ويحيلها كيف يشاء، فصار بكونه على عرشه في وصفنا بخلاف ما كان قبل ذلك، هذا حكم وصفنا لاستوائه على عرشه سبحانه، ففرق بين ذاته وعلمه من جملة الحكم والمعنى، إذ لا تخلو الأماكن من علمه، وهو بائن عن جميعها بذاته، وإن كان محيطًا بها جميعًا عظمة وجلالًا» .
إلى أن قال: «وقوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] فإنما معناه عند أهل السنة على غير الاستيلاء والقهر والغلبة والملك الذي ظنت المعتزلة، ومن قال بقولهم: إنه معنى الاستواء، وبعضهم يقول: إنه على المجاز دون الحقيقة، ويبين
[ ١ / ١٧٨ ]