الكرامية والحنابلة! بل لم يوافقه إلا فريق قليل من أهل القبلة.
حتى حذاق الفلاسفة فإنهم من خصومه في هذا الباب، كما ذكر القاضي أبو الوليد بن رشد الحفيد الفيلسوف، مع فرط اعتنائه بالفلسفة، وتعظيمه لها، ومعرفته بها، حتى يأخذها من أصولها فيقرأ كتب أرسطو وذويه، ويشرحها ويتكلم عليها ويبين خطأ من خالفهم مثل ابن سينا وذويه، وصنف كتبًا متعددة مثل كتاب «تهافت التهافت» في الرد على أبي حامد فيما رده على الفلاسفة في كتاب «تهافت الفلاسفة» وكتاب «تقرير المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال» وغير ذلك، قال في كتابه الذي سماه «مناهج الأدلة في الرد على الأصولية» وقد ضمن هذا الكتاب بيان الاعتقاد الذي جاءت به الشريعة ووجوب إلقائه إلى الجمهور. كما جاءت به الشريعة، وبيان ما يقوم عليه من ذلك البرهان، للعلماء، كما يقوم به ما يوجب التصديق للجمهور. وذكر فيه ما يوجب على طريقته أن لا يصرح به للجمهور، وذكر فيه ما يوجب من الأمور، التي قام عليها البرهان على طريقة ذويه، كما ذكر أنه لا يصلح في الشريعة، أن يقال: إن الله جسم أو ليس بجسم، مع أنه يقول في الباطن، إن الله ليس بجسم. ومع هذا فأثبت الجهة باطنًا وظاهرًا، وذكر أنه
[ ١ / ٢٣٥ ]
قول الفلاسفة فقال:
«فإن قيل: فما تقولون في صفة الجسمية هل هي من الصفات التي صرح الشرع [بنفيها عن الخالق؟ أو هي من المسكوت عنها؟ فنقول: إنه من البين من أمر الشرع] أنها من الصفات المسكوت عنها، وهي إلى التصريح بإثباتها في الشرع أقرب منها إلى نفيها، وذلك أن الشرع قد صرح بالوجه واليدين في غير آية من الكتاب العزيز، وهذه الآيات قد توهم أن الجسمية هي من الصفات التي فضل فيها الخالق المخلوق، كما فضله في صفة القدرة والإرادة وغير ذلك من الصفات، التي هي مشتركة بين الخالق والمخلوق [إلا] أنها في الخالق أتم وجودًا؛ ولهذا صار كثير من أهل الإسلام إلى أن يعتقد في الخالق أنه جسم لا يشبه سائر الأجسام، وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن تبعهم. والواجب عندي في هذه الصفة أن يجري فيها على منهاج الشرع، فلا يصرح فيها بنفي ولا إثبات، ويجاب من سأل عن ذلك من الجمهور بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ
[ ١ / ٢٣٦ ]
شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١] وينهي عن هذا السؤال، وذلك لثلاثة معان:
أحدها: أن إدراك هذا المعنى، ليس هو قريبًا من المعروف بنفسه، برتبة واحدة ولا رتبتين ولا ثلاث، وأنت تتبين ذلك من الطريق التي سلكها المتكلمون في ذلك فإنهم قالوا: إن الدليل على أنه ليس بجسم؛ أنه قد تبين أن كل جسم محدث. وإذا سئلوا عن الطريق التي فيها يوقف على أن كل جسم محدث، سلكوا في ذلك الطريق التي ذكرناها من حدوث الأعراض، وأن ما لا يتعرى من الحوادث حادث. وقد تبين لك من قولنا إن هذه الطريقة ليست برهانية، ولو كانت برهانية لما كان في طباع الغالب من الجمهور أن يصلوا إليها.
وأيضًا فإن ما يصفه هؤلاء القوم من أنه سبحانه [له] ذات وصفات زائدة على الذات. يوجبون بذلك أنه جسم أكثر مما ينفون عنه الجسمية، بدليل انتفاء الحدوث عنه، فهذا هو
[ ١ / ٢٣٧ ]
السبب الأول في أنه لم يصرح الشرع بأنه ليس بجسم.
أما السبب الثاني: فهو أن الجمهور يرون أن الموجود هو المتخيل والمحسوس، وأن ما ليس بمتخيل ولا محسوس فهو عدم. فإذا قيل لهم: إن هاهنا موجودًا ليس بجسم ارتفع عنهم التخيل فصار عندهم من قبيل المعدوم، ولا سيما إذا قيل: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا أسفل، ولهذا اعتقدت الطائفة الذين أثبتوا الجسمية في الطائفة التي نفتها عنه سبحانه أنها معطلة واعتقدت الذين نفوها في المثبتة أنها مكثرة.
وأما السبب الثالث: فهو أنه إذا صرح بنفي الجسمية، عرضت في الشرع شكوك كثيرة؛ مما يقال في المعاد وفي غير ذلك، منها ما يعرض من ذلك في الرؤية التي جاءت بها السنة الثابتة، وذلك أن الذين صرحوا بنفيها فرقتان: المعتزلة والأشعرية. فأما المعتزلة فدعاهم هذا الاعتقاد إلى أن نفوا الرؤية. وأما الأشعرية فأرادوا أن يجمعوا بين الأمرين فعسر ذلك
[ ١ / ٢٣٨ ]
ذلك عليهم، ولجأوا في الجمع إلى أقاويل سوفسطائية نومي إلى الوهم الذي فيها عند الكلام في الرؤية.
ومنها أنه يوجب انتفاء الجهة من بادئ الرأي عن الخالق سبحانه كونه ليس بجسم، فترجع الشريعة متشابهة، وذلك أن بعث الأنبياء ابتنى على أن الوحي نازل عليهم من السماء، وعلى ذلك انبنت شريعتنا هذه. أعني أن الكتاب العزيز نزل من السماء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] وانبنى نزول الوحي من السماء على أن الله في السماء، وكذلك كون الملائكة تنزل من السماء وتصعد إليها، كما قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] .
وبالجملة جميع الأشياء التي تلزم القائلين بنفي الجهة على ما سنذكره بعد عند التكلم في الجهة.
ومنها أنه إذا صرح بنفي الجسمية، وجب التصريح بنفي
[ ١ / ٢٣٩ ]
الحركة، فإذا صرح بنفي هذا عسر ما جاء في صفة الحشر، من [أن] الباري يطلع [على] أهل المحشر، وأنه الذي يلي حسابهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] وكذلك يصعب تأويل حديث النزول المشهور، وإن كان التأويل إليه أقرب منه إلى أمر الحشر، مع أن ما جاء في الحشر متواتر في الشرع. فيجب أن لا يصرح للجمهور بما يؤول عندهم إلى إبطال هذه الظواهر، فإن تأثيرها في نفوس الجمهور إنما هو إذا حملت على ظاهرها، وأما إذا أولت فإنما يؤول الأمر فيها إلى أحد أمرين: إما أن يسلط التأويل على هذه وأشباه هذه من الشريعة، فتتمزق الشريعة كلها، وتبطل الحكمة المقصودة منها. وإما أن يقال في هذه كلها: إنها من المتشابهات، وهذا كله إبطال للشريعة، ومحو لها من
[ ١ / ٢٤٠ ]
النفوس، من غير أن يشعر الفاعل لذلك بعظيم ما جناه على الشريعة: مع أنك إذا اعتبرت الدلائل التي احتج بها المؤولون لهذه الأشياء تجدها كلها غير برهانية؛ بل الظواهر الشرعية أقنع منها -أعني أن التصديق بها أكثر- وأن تتبين ذلك من قولنا في البرهان الذي بنوا عليه نفي الجسمية، وكذلك يتبين ذلك في البرهان الذي بنوا عليه نفي الجهة على ما سنقوله بعد، وقد يدلك على أن الشرع لم يقصد التصريح بنفي هذه الصفة للجمهور [عن النفس -أعني الجسمية- لم يصرح الشرع للجمهور] بما هي النفس. فقال في الكتاب العزيز: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥] وذلك أنه يعسر قيام البرهان عند الجمهور على وجود موجود قائم بذاته ليس بجسم، ولو كان انتفاء هذه الصفة مما يقف عليه الجمهور، لاكتفى بذلك الخليل
[ ١ / ٢٤١ ]
في محاجة الكافر حين قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] الآية: لأنه كان يكتفي بأن يقول له: أنت جسم والله ليس بجسم، لأن كل جسم محدث، كما يقول الأشعرية وكذلك كان يكتفي بذلك موسى ﵇، عند محاجته لفرعون في دعواه الإلهية، وكذلك كان يكتفي ﷺ في أمر الدجال، في إرشاد المؤمنين إلى كل ما يدعيه من الربوبية، في أنه جسم والله ليس بجسم، بل قال ﵇: «إن بكم ليس بأعور» فاكتفى
[ ١ / ٢٤٢ ]
في الدلالة على كذبه بوجود هذه الصفة الناقصة، التي ينتفي عند كل أحد وجودها ببديهة العقل في الباري سبحانه. فهذه كلها كما ترى بدع حادثة في الإسلام، هي السبب فيما عرض فيه من الفرق، التي أنبأنا المصطفى ﷺ أنها ستفترق أمته إليها.
فإن قال قائل: فإذا لم يصرح الشرع للجمهور، لا بأنه جسم ولا بأنه غير جسم، فما عسى أن يجابوا به في جواب «ما هو»؟ فإن هذا السؤال طبيعي للإنسان وليس يقدر أن ينفك عنه، ولذلك ليس يقنع الجمهور، أن يقال لهم في موجود وقع الاعتراف به أنه لا ماهية له، لأنه ما لا ماهية له لا ذات له؟
قلنا: الواجب في ذلك أن يجابوا بجواب الشرع، فيقال لهم: إنه نور، فإنه الوصف الذي وصف الله به نفسه في كتابه
[ ١ / ٢٤٣ ]
العزيز على جهة ما يوصف الشيء بالصفة التي هي ذاته، فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] وبهذا الوصف وصفه النبي ﷺ في الحديث الثابت فإنه جاء أنه قيل له ﵇: «هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه» [و] في حديث الإسراء أنه لما قرب ﷺ من سدرة المنتهى، غشى السدرة من النور، ما حجب بصره عن النظر إليها، أو إليه سبحانه، ففي مسلم «إن لله حجابًا من نور لو كشف لأحرقت سُبُحات وجهه
[ ١ / ٢٤٤ ]
ما انتهى إليه بصره» وفي بعض روايات هذا الحديث «سبعين حجابًا من نور» .
وينبغي أن يعلم أن هذا المثال هو شديد المناسبة للخالق سبحانه، لأنه يجتمع فيه أنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه، وكذلك الأوهام، مع أنه ليس بجسم والموجود عند الجمهور، إنما هو المحسوس، والمعدوم عندهم هو غير
[ ١ / ٢٤٥ ]
المحسوس. والنور لما كان أشرف المحسوسات وجب أن يُمثل به أشرف الموجودات. وهنا أيضًا سبب آخر موجب أن يسمى به نورًا. وذلك أن حال وجوده في عقول العلماء الراسخين في العلم عند النظر إليه بالعقل، هي حال الأبصار عند النظر إلى الشمس بل حال عيون الخفافيش، وكان هذا الوصف لائقًا عند الصنفين من الناس.
وأيضًا فإن الله ﵎ لما كان سبب الموجودات، وسبب إدراكنا لها، وكان النور مع الألوان هذه صفته -أعني أنه سبب وجود الألوان بالفعل، وسبب رؤيتنا له- فالحق ما سمى الله ﵎ نفسه نورًا. وإذا قيل: إنه نور لم يعرض شك في الرؤية التي جاءت في المعاد. فقد تبين لك في هذا القول الاعتقاد الأول الذي في هذه الشريعة في هذه الصفة، وما حدث في ذلك من البدعة، وإنما سكت الشرع عن هذه
[ ١ / ٢٤٦ ]