أهل السنّةِ والجماعة يُثبتون ما أثبتَهُ الله - ﷿ - لنفسه، وما أثبتَه له رسولُهُ - ﷺ -،
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: ٢٥.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨.
(٣) سورة الحج، الآية: ٦٢.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٦٣.
(٥) سورة سبأ، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب من جاهد نفسه في طاعة الله، برقم ٦٥٠٠، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، برقم ٣٠.
[ ١٦ ]
من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ويُمِرّونها كما جاءت مع الإيمان بما دلّت عليه من المعاني العظيمة، فكل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسولُهُ من جميع الأسماء والصفات أثبتوه على الوجه اللاَّئق به تعالى، إثباتًا مفصلًا على حدِّ قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وينفون عنه ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله - ﷺ - نفيًا إجماليًّا غالبًا على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ والنفي يقتضي إثباتَ ما يُضادُّه من الكمال، فكل ما نفى الله عن نفسه من النقائص فإن ذلك يدل على ضِدِّهِ من أنواع الكمال، وقد جمع الله النفي والإثبات في آية واحدة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فهذه الآية تضمنّتْ تنزيه الله من مُشابَهةِ خلقه: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وفي أولها ردٌّ على المشبِّهَةِ وهو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وفي آخرها ردّ على المعطلة وهو قوله تعالى:
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وفي أولها نفي مُجمل، وفي آخرها إثبات مفصل. وقال الله - ﷿ -: ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لله الأَمْثَالَ إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١)،وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ - وأتباعهم بإحسان. نَقَلَها عنهم أئمةُ أهل السُّنّةِ (٢)،قال الوليد بن مسلم ﵀: سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية فقالوا: «أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف» (٣)،وقد ذكر أهل السنة كلام الأئمة على قوله - ﷿ -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٧٤.
(٢) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للالكائي، ٣/ ٥٨٢، برقم ٨٧٥، و٩٣٠.
(٣) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ٣/ ٥٨٢.
[ ١٧ ]
الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وأن ذلك يدل على علوِّ الله على خلقه كما قال - ﷾ -: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١)،وقال - ﷿ -: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾ (٢)،قال أبو القاسم اللالكائي ﵀: «فدلت هذه الآية أنَّهُ تعالى في السماء وعلمه مُحيطٌ بكلِّ مكان من أرضه وسمائه، وقال: وروى ذلك من الصحابة: عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأمُّ سلمة - ﵃ -، ومن التابعين ربيعةُ بن أبي عبد الرحمن، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان، وبه قال من الفقهاء مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل (٣).
وسئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول ومِنَ الله الرِّسالة، وعلى الرَّسول البلاغ، وعلينا التَّصديق» (٤)، وقال رجل للإمام مالك ﵀: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال: «الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالًاّ وأَمَر به فَأُخرِج» (٥).
_________________
(١) سورة فاطر، الآية: ١٠.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٦١.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، ٣/ ٤٣٠.
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، ٣/ ٤٤٢، برقم ٦٦٥.
(٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، ٣/ ٤٤١ برقم ٦٦٤، وجوّد إسناده ابن حجر في فتح الباري، ١٣/ ٤٠٦.
[ ١٨ ]