إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم
مُّسْلِمُونَ﴾ (٢)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤).
_________________
(١) محاضرة اختار عنوانها وأمر بإعدادها وأشرف على إلقائها، وسمعها من أولها إلى آخرها، وأقرّها وعلّق عليها سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀، وذلك بعد صلاة المغرب من يوم الخميس الموافق ١٠/ ٥/١٤١٨هـ، في الجامع الكبير "جامع الإمام تركي بن عبد الله" ﵀ بمدينة الرياض.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.
(٣) سورة النساء، الآية: ١.
(٤) سورة الأحزاب، الأحزاب: ٧٠ - ٧١.
[ ٣ ]
أما بعد فإنَّ أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (١).
لا شك أنَّ الأعمال والأقوال إنما تصح وتقبل إذا صدرت عن عقيدة صحيحة، فإن كانت العقيدةُ فاسدةً غير صحيحة بطل ما يتفرع منها من أعمال، وهذا يؤكد أنَّ تعلُّم العقيدة الصحيحة من أهم المهمات وأعظم الواجبات؛ لأن قبول الأعمال موقوف عليها، والسعادة في الدنيا والآخرة لا تكون إلا بالتمسكِ بها والسلامةِ مما ينافيها، والعقيدةُ الصحيحةُ هي عقيدةُ الفرقةِ الناجيةِ المنصورة: أهل السنةِ والجماعة، وهي مبنية على الإيمان الصادق بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره وما يتبع هذه الأصول ويدخل فيها، وما يتفرع منها، وجميع ما أخبر الله به، وما أخبر به رسوله - ﷺ -.
والأصل في ذلك قول الله - ﷿ -: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (٢) الآية، وقال - ﷿ -: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِالله وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٣)، وقال
_________________
(١) انظر: خطبة الحاجة التي كان رسول الله - ﷺ - يعلمها أصحابه، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، ص٣ - ٣٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٥.
[ ٤ ]
- ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِالله وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ (١)، وقال - ﷾ -: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله
يَسِيرٌ﴾ (٢)، وقال - ﷿ -: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٣)، وفي حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - أن جبريل - ﵇ - سأل النبي - ﷺ - عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (٤)، هذه هي أصولُ عقيدةِ أهل السنةِ والجماعةِ إجمالًا. ولكن ما هو مفهومُ العقيدة؟ ومن هم أهلُ السنةِ والجماعة؟ وما أسماؤُهم وصفاتهم؟ وما أصولُ عقيدَتِهم تفصيلًا؟ وما الذي يدخل في هذه الأصول؟ وما الذي يتفرع منها من أمور العقيدة؟ وإلى الإجابة على ذلك بالتفصيل والاختصار في المباحث الآتية:
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١٣٦.
(٢) سورة الحج، الآية: ٧٠.
(٣) سورة القمر، الآية: ٤٩.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة (رقم ٥٠)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، (برقم ٨).
[ ٥ ]