ثم إن هذا الرجل سمع بما كتبته على قوله من الرد والإبطال. فأجاب بقوله: قلنا: إنما يلزم هذا لو أريد بالمستثنى منه فرد خاص جزئي، وإنما أريد منه المفهوم العام المتناول لأفراد المعبود بحق سواء كانت في الذهن أو في الخارج.
(فالجواب): أنه عدل عن قوله الأول إلى ما هو أفظع منه وأشنع، فزعم أن المستثنى منه إنما أريد منه المفهوم العام المتناول لأفراد المعبود بحق، فصرح بأن المستثنى منه إنما أريد منه المفهوم العام المنفي مرادا، فصار المفهوم العام المنفي له أفراد.
ومعلوم أن الأفراد لا توجد في الذهن وإنما توجد في الخارج، فتراه يحوم حول الباطل ويتهافت. وأعظم من هذا قوله: إن المفهوم العام المنفي متناول لأفراد
[ ٣٥٠ ]
المعبود بحق فجعل للمعبود بحق، أفرادا منفية بلا، وكلها حق، فكيف يجوز أن ينفي ما هو حق؟ وكيف تكون الأفراد كلها حقا؟
فتدبر يتضح لك الحال. فهذه فنون من الضلال والإلحاد يبديها تارة، ثم يأتي بما هو أعظم منها وأبين في الضلال والمحال، والمنفي بلا في كلمة الإخلاص لا يكون حقا، بل هو الباطل كما دل عليه الكتاب والسنة وما عليه المسلمون، والحق في كلمة الإخلاص هو المستثنى، وهو الله -تعالى- ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ١ لا شريك له في إلهيته، ولا في ربوبيته، ولا في أفعاله، ولا مثل له، ولا كفء له، ولا ند له، وكل معبود سواه فباطل، ومن لم يعتقد هذا فليس بمسلم.
ولا يخفى أنه يلزم على قول هذا أن للكلي أفرادا معبودة، فإذا كانت كلها معبودة بحق جاز أن تقصد بالعبادة، وهذا دين المشركين الذي بعث الله رسله بإنكاره وإبطاله كما قال -تعالى-: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢ وقال -تعالى-: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ٣. والآيات في المعنى كثيرة جدا، فمن عبد مع الله غيره فقد ألحد وأشرك. وكل هذه العبارات التي ذكرها هذا في ورقته ينكرها كل من له عقل.