فيا من لا يعرف من كلمة الإخلاص ما عرفه عوام المسلمين! ارجع إلى نفسك، وتأمل ما وقعت فيه، أما علمت أن لا النافية إنما وضعت لغة لنفي الجنس تنصيصا؟ والجنس الذي وضعت له لا بد له من أشخاص متعددة في الخارج، قديمة وحديثة، يعبدها كل مشرك؟ وليست كليا لا يوجد إلا في الذهن؟
فإن هذه الدعوى الباطلة لم يقل بها مسلم في معنى كلمة الإخلاص، حتى المشركين في لغاتهم لا يعرفون أن هذا معناها، ولا أنها سلبت مفهوم الإله، بل عرفوا كلهم أن من دعاهم إلى أن يقولوا: "لا إله إلا الله". فإنما أراد منهم ترك ما كانوا يعبدونه من أصنامهم وأوثانهم، وطواغيتهم التي كانت عندهم يعبدونها من دون الله.
أما قريش والعرب، فأخبر الله -تعالى- عنهم أنهم لما قال لهم رسول الله ﷺ: "قولوا لا إله إلا الله" ٦ قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ٧ إلى قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ٨، وآلهتهم: اللات والعزى ومناة التي
_________________
(١) ١ سورة نوح آية: ٢٣. ٢ سورة الأعراف آية: ٧٠. ٣ سورة هود آية: ٥٤. ٤ سورة النحل آية: ٣٦. ٥ سورة الزمر آية: ١٧. ٦ الترمذي: تفسير القرآن (٣٢٣٢)، وأحمد (١/٢٢٧) . ٧ سورة ص آية: ٥. ٨ سورة ص آية: ٦.
[ ٣٥٤ ]
كانت حول الكعبة، فهذا هو المراد من هذه الكلمة من لغتهم، لا يعرفون غير ذلك.
فمعنى النفي في هذه الكلمة ترك عبادة الأوثان، والبراءة منها، والكفر بها، وعداوتها، وعداوة من عبدها. وقد كان العرب يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك". والشريك إنما هو أوثانهم، أشركوها مع الله في العبادة، واتخذوها أندادا كما قال -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ١، ومفهوم الإله الذي لا يوجد إلا ذهنا لا يوصف بالاتخاذ ولا بالمحبة، بل ولا له ثبوت.
وتأمل ما فهمه أعداء الرسل لما دعتهم الرسل إلى أن يعبدوا الله وحده.
قال -تعالى- عن قوم هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ ٢، وقالوا: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ ٣، عرفوا أنه دعاهم إلى ترك عبادتها والبراءة منها، قال -تعالى-: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤.