في الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنّ أخنع اسم عند الله، رجل تسمّى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله" قال سفيان: مثل: شاهان شاه (^١).
وفي رواية: "أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه" (^٢).
قوله: "أخنع" يعني: أوضع.
الشرح::
عقد المصنف هذا الباب في كتاب التوحيد ليُبيِّن ما ورد من الذم، والنهي عن التسمي بهذا الاسم المطلق المشعر بمشاركة الله تعالى في الربوبية؛ لأن الله تعالى هو الذي يقضي ما يشاء، ويحكم ما يريد، فالقضاء المطلق، والحكم المطلق إنما هو لله ﷿، فإذا قيل: "قاضي القضاة" دلّ وأشعر بمعنى الإطلاق، بخلاف لو قيد فقيل: قاضي المدينة الفلانية، أو البلد الفلاني، وكذلك لو قيل: قاضي قضاة الديار الفلانية، أو القطر الفلاني، فهذا تقييد سائغ.
قوله: "ونحوه" أي: ما يقاس عليه، كأن يقال مثلًا: ملك الأملاك، أو سلطان السلاطين، وكذلك في الاصطلاحات الصوفية: سيد السادات، والقطب الأعظم، ونحو هذه العبارات التعظيمية. ولا شك إن التفاخر بالألفاظ من استزلال الشيطان، والذي ينبغي للمؤمن الاتضاع لله ﷾، ومجافاة هذه الألقاب
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الآداب، باب تحريم التسمي بملك الأملاك، وبملك الملوك برقم (٢١٤٣).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الآداب، باب تحريم التسمي بملك الأملاك، وبملك الملوك برقم (٢١٤٣).
[ ٢ / ٦٠٢ ]
المفخمة. ومن الناس من يفخم نفسه بهذه الألقاب، وهو مخلوق ضعيف، فهذه نزعة منحرفة شاذة، وقد قال النبي ﷺ: "إنّ الله أوحى إليّ أن تواضعوا" (^١)، وقال: "وما تواضع عبد لله إلا رفعه" (^٢)، والعكس بالعكس؛ كلما تعالى وانتفش وضعه الله تعالى، وشواهد هذا كثيرة. فالتواضع، والاخبات من صفات أهل الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]. فينبغي أن يتصف العبد بالإخبات لله ﷿.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
التسمي بأسماء، والتلقب بألقاب تشعر بمشاركة الله فيما هو من خصائصه نوع من اتنديد، والشرك في الربوبية.
قوله: "في الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن أخنع اسم عند الله" " وبيّن المصنف ﵀ معنى (أخنع) فقال: "قوله: "أخنع" يعني: أوضع" فالخنوع: هو الضعة المذمومة التي تدل على الدناءة، والنذالة.
قوله: "رجل تسمّى ملك الأملاك" فهو آدمي لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا؛ لو آلمه ضرسه لسهر الليل، لا يصبر عن طعام أو شراب، ولا يمسك الأذى في بطنه، ثم مع ذلك، يتسمّى "ملك الأملاك"!، كما قيل:
أَلْقَابُ مَمْلَكَةٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِها … كَالهِرِ يَحْكِي انِتفَاخًا صَوْلَةَ الأَسَدِ (^٣).
قوله: "لا مالك إلا الله" فالملك المطلق لله ﷿، وأما الملك المقيد فللبشر، لأنه ملك نسبي، كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] وقال الله:
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار برقم (٢٨٦٥).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع برقم (٢٥٨٨).
(٣) البيت لابن رشيق القيرواني، في نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (١/ ٢١٣) وفي ديوان ان رشيق (٥٩) وهي في وفيات الأعيان (٤: ٥٢) لابن عمار الأندلسي.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] واللام للتمليك، وهو ملك محدود، زمانًا، ومكانًا، وقدرًا، ولذلك يموت ابن آدم ويخلف ما وراءه لوارثه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] فالملك الذي تنسبه إلى نفسك حين تقول: هذا البيت ملكي، وهذا الكتاب ملكي، وهذه السيارة ملكي، إنما هو ملك نسبي، والمالك حقًا هو الله، لا مالك إلا هو، وفي هذا رد على من تسمى (ملك الأملاك) ونازع الله تعالى في أخص خصائصه.
"قال سفيان" هو سفيان بن عيينة الهلالي، أبو محمد الكوفي، ثقة، حافظ، فقيه، إمام، حجة. مات سنة ثمان وتسعين ومائة ﵀
قوله: "مثل: شاهان شاه" هذه لفظة أعجمية، ولا زال العجم إلى وقت غير بعيد يستعملونها، يقولون عن زعمائهم: "شاهان شاه" أو: الشاه، ومعناها: (ملك الملوك) وهذه الرواية عند مسلم في صحيحه.
قوله: "وفي رواية: "أغيظ رجل على الله" " أي أبغض رجل. والغيظ بمعنى: الغضب، والبغض، والسخط، والأسف، والمقت، وكلها كلمات متقاربة، تضاف إلى الله، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨] وقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ [غافر: ٣٥]. وهذه صفات فعلية تليق بالله ﷿، وليس في إضافتها إلى الله نقص بوجه من الوجوه.؛ والله تعالى يحب، ويبغض، كما قال النبي ﷺ: "إنّ الله يبغض كل جعظري (^١) جواظ (^٢) سخاب (^٣) بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة" (^٤)، ويحب من عباده ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]،
_________________
(١) الجعظري: الفظ الغليظ المتكبر .. النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٧٦).
(٢) الجواظ: الجموع المنوع. وقيل الكثير اللحم المختال في مشيته .. النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣١٦).
(٣) السخب والصخب: بمعنى الصياح. النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٤٩).
(٤) أخرجه ابن حبان في كتاب العلم، باب الزجر عن كتبة المرء السنن مخافة أن يتكل عليها دون الحفظ لها، ذكر الزجر عن العلم بأمر الدنيا مع الانهماك فيها، والجهل بأمر الآخرة ومجانبة أسبابها برقم (٧٢).
[ ٢ / ٦٠٤ ]
و﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، و﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، و﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، لما فيه من النهي عن التسمي ب (قاضي القضاة) و(ملك الملوك) وما أشبه ذلك.
فوائد الحديث:
١ - تحريم التسمي بقاضي القضاة، بإطلاق.
٢ - وجوب احترام جناب الرب، ومراعاة الألفاظ.
٣ - فضل التواضع والإخبات.
٤ - إثبات صفة الغيظ لله ﷿؛ وأنه يتفاضل؛ لأنه على وزن أفعل تفضيل.
٥ - قرن الأحكام بعللها؛ لقوله: "لا مالك إلا الله" فبعد أن حكم علّل.
مسألة: حكم الألقاب المفخمة مثل: شيخ الإسلام، وحجة الإسلام، أو آية الله، أو الإمام: هذه الألفاظ ليست من جنس قاضي القضاة، وسلطان السلاطين، وسيد السادات؛ لأنها لا تفيد الإطلاق، ومنازعة الأمر والتدبير، والحكم الكوني، وإنما تدل على تبحر في الشريعة.
فشيخ الإسلام: يعني أنه قد بلغ الإمامة في الدين، وبات مرجعًا لأهل الإسلام، وشيخًا لهم، وحجة الإسلام: يراد أنه عالم بحجج الإسلام ودلائله، ليس المقصود أنه هو أحد مصادر الاحتجاج؛ لأن الاحتجاج فقط بالكتاب والسنة والإجماع، وإنما المراد: أنه عالم بالحجاج وأدلة الإسلام، لا أنه هو بنفسه معصوم.
ويبقى النظر بعد ذلك: هل ينطبق اللقب على من أطلق عليه أم لا؟ فلو أطلق على طالب علم مبتدئ لم تصح الدعوى. لكن حينما يقال: شيخ الإسلام ابن تيمية، لم تنكر، لأنه جدير بهذا اللقب. وهكذا أئمة السلف المتقدمين فإنهم حقيقون بهذه الألقاب، كعبد الله بن المبارك، أو الإمام البخاري، فيُسلَّم ويُقبَل.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
وأما آية الله: فكل مخلوق آية من آيات الله، كما قال أبو العتاهية:
وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيةٌ … تَدُلّ عَلَى أنّهُ الواحِدُ (^١).
وغالبًا ما يُستخدم هذا اللقب عند الروافض، لتبجيل مشايخهم، وهم ليسوا جديرين بذلك، فليسوا آية في العلم، بل هم آية في الجهل.
أما (الإمام) فيصح الوصف به؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. والإمام من يؤتم به، ويُقتدى به في الأمور الشرعية. ويبقى النظر بعد ذلك هل يستحق هذا الوصف أم لا؟ وقد جرى توسع في ذلك، فصار بعض الناس يطلق لقب "الإمام" على من ليس بإمام، وليس متبوعًا، وربما كان كثير العلم، لكن لم يبلغ مرتبة الإمامة؛ لأن الإمامة تكون للعلماء المتبوعين، مثل: أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وسفيان الثوري وابن عيينة، والأوزاعي، وأمثالهم. أما آحاد العلماء فيقال عنه: عالم، ومفتي، وفقيه، ومحدث، وأصولي، ومفسر وما أشبه ذلك.
وينبغي لطالب العلم، في هذا الزمن، زمن التباهي، ألا يتشوف لهذه الألقاب والرتب العلمية؛ من دكتور، وأستاذ، إلى غير ذلك، لكن إن خرج ذلك مخرج الخبر والتصنيف الوظيفي فلا بأس، أما التزين به، والتطلع له، فهذا انحراف في النية، وعلى الإنسان أن يغتبط بنعمة الله عليه أن أحل في قلبه العلم والإيمان، فهذا أعظم مفروح به، ولا تغني هذه الألقاب عنه شيئًا. وهل سمعتم يومًا بأنه قيل: سماحة الإمام أبو بكر الصديق؟ أو فضيلة الشيخ عمر بن الخطاب؟ يقال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ أجمعين-، كانوا أقل الناس تكلفًا، وأعمقهم علمًا - فقد أصابوا كبد الحقيقة، وباشروا لب الدين؛ واستغنوا بذلك عن الألقاب، وإنما يتطلب هذه الألقاب من يريد أن يرقع عيبه.
_________________
(١) ديوان أبي العتاهية (ص: ٣٦).
[ ٢ / ٦٠٦ ]
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك.
لقول الرسول ﷺ: "إن أخنع اسم عند الله ﷿ رجل تسمى ملك الأملاك" وهذه ليست صيغة نهي، لكنها تفيد النهي وزيادة، وهو والذم.
الثانية: أن ما في معناه مثله، كما قال سفيان.
الذي في معناه: كقاضي القضاة، وحاكم الحكام، وشاهان شاه في الفارسية، كما قال سفيان.
الثالثة: التفطن بالتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه.
يشير المصنف ﵀ إلى أنه ينبغي التفطن إلى أن هذا التسمي يستجلب غضب الله وغيظه، ولو لم يقصد المرء ذلك.
الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله سبحانه.
أي: أن ترك هذه الأسماء المبهرجة إنما يجب أن يكون احترامًا لجناب الرب ﷾، وتحقيقًا لتوحيده، وعدم منازعته شيئًا من خصائصه.
[ ٢ / ٦٠٧ ]