وقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورةالنساء: ٤٨، و١١٦].
وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [سورة إبراهيم: ٣٥].
وفي الحديث: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" فسُئل عنه، فقال: "الرياء" (^١). (رواه أحمد، والطبراني، والبيهقي)
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار" (^٢)، رواه البخاري.
ولمسلم: عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار" (^٣).
الشرح:
قوله: "باب: الخوف من الشرك": حقيقة الخوف: قال الجرجاني: (توقع حلول مكروه، أو فوات محبوب) (^٤)، وهو غريزة إنسانية جبل الله عليها بني آدم.
والخوف أنواع: منه ما يكون عبادة يُتَقرب به إلى الله ﷿، ومن ذلك توقي الشرك وأسبابه، ومنه ما يكون خوفًا طبيعيًا جبليًا غريزيًا، كالخوف من السبع،
_________________
(١) أخرجه أحمد ط. الرسالة برقم (٢٣٦٣٠) وقال محققو المسند: "حديث حسن".
(٢) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] برقم (٤٤٩٧).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار برقم (٩٣).
(٤) التعريفات. ص: ١٣٧، ط: دار الكتاب العربي.
[ ١ / ٧٨ ]
والأفعى، والنار، والغرق، ونحو ذلك، ومنه ما يكون شركًا، أو معصيةً. وسيفرد المصنف له بابًا مستقلًا.
قوله: "من الشرك" الشرك تقدم تعريفه، وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما ذكر المصنف ﵀ حقيقة التوحيد، وفضله، وتحقيقه، وما يترتب عليه من الآثار الحميدة، ناسب أن يذكر ما يضاده، وهو الشرك، وأن يحذر منه، لأن الشرك:
١ - أظلم الظلم.
٢ - وهو تنقص لرب العالمين.
٣ - وهو عدل غيره به سبحانه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
٤ - وهو صرف خالص حقه لغيره.
٥ - وهو مناقض للمقصود من الخلق والأمر، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
٦ - وهو تشبيه للمخلوق القاصر، الناقص، الضعيف، بالرب الغني، القادر، الكامل من جميع الوجوه. لكن المحجوبين عن الله ﷿ لا يبصرون هذا القبح في الشرك، فلهذا يهيمون في عبادة الأصنام، ودعاء الأنداد.
قوله: "وقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] " المغفرة مشتقة من (الغفْر) وهو: الستر والتجاوز، ومنه سُمي المغفر الذي يجعل على الرأس مغفرًا؛ لأنه يستر الرأس ويقيه.
قوله: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾: أي: لا يغفر إشراكًا به، قلّ، أو كثر.
قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: ما دون الشرك، وهي الكبائر، والصغائر، فقيد مغفرتها بالمشيئة.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، فإنها توجب الخوف من الشرك؛ لأن الله لا يغفره، وشيء لا يغفره الله ﷿ حريٌّ بأن يخاف منه.
[ ١ / ٧٩ ]
قوله: "وقال الخليل ﵇" الخليل: هو إبراهيم ﵇؛ وسمي الخليل لكمال عبوديته، ومحبته لله، والخلة: أعلى درجات المحبة؛ لأنها تتخلل القلب. قال بشار:
قد تخللت مسلك الروح مني وبه سمي الخليل خليلًا
قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي﴾ أي: اجعلني في جانب، والشرك في جانب آخر، وهذا كناية عن شدة المباعدة.
قوله: ﴿وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ الأصنام: جمع صنم، وهو ما صُور على هيئة ذوات الأرواح من إنسان، أو حيوان، أو طير. وأما الوثن: فقيل: هو ما عبد من دون الله على صورة نصب، أو بيت، أو أسطوانة، أو عمود، أو شجر، أو قبر، ونحو ذلك، فكل ذلك يُسمى وثنًا،. وقيل: إن الوثن يشمل الصنم؛ أخذًا من قول إبراهيم ﵇: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وهم كانوا يعبدون الأصنام، فدل ذلك على أن لفظ الوثن يعم الصنم.
فإبراهيم ﵇ دعا ربه بأن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام، وهو إمام الموحدين؛ وهذا يدل على خطر الشرك؛ وضرورة الخوف من الوقوع فيه؛ ولهذا قال إبراهيم التيمي ﵀ تعليقًا على هذه الدعوة: "من يأمن البلاء بعد الخليل؟! " (^١)، فإذا كان إبراهيم ﵇ الذي هو خليل الرحمن، والذي حقق التوحيد لله ﷿ في مواقف مشهورة عظيمة، يخشى على نفسه أن يقع في الشرك، فكيف يأمن الإنسان على نفسه بعد إبراهيم؟!
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، وهو أن دعاء إبراهيم ﵇ ربه أن يجنبه وبنيه الشرك، وهو إمام الحنفاء، دليل على أن الشرك أمر مخوف، حقيقٌ بالحذر منه.
فوائد الآيتين:
١ - أنّ الشرك أعظم الذنوب.
_________________
(١) تفسير القرطبي (٩/ ٣٦٨).
[ ١ / ٨٠ ]
٢ - أن الشرك لا يغفر، وظاهر الآية يتناول الأكبر والأصغر، فيدخل الأصغر في الموازنة بين الحسنات والسيئات.
٣ - أنّ ما عدا الشرك من الذنوب فإنه تحت المشيئة والإرادة؛ لقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فإن شاء الله تعالى عفا عنه ابتداءً، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه، ومآله إلى الجنة بسبب حسنة التوحيد.
٤ - الرد على الخوارج القائلين بكفر مرتكب الكبيرة.
٥ - الخوف من الشرك، وأن هذا دأب الأنبياء، ومنهم الخليل.
٦ - مشروعية الدعاء للأبناء، والأهل، والقرابة. وقد استجاب الله دعاء إبراهيم ﵇ في ابنيه إسماعيل، وإسحاق؛ فعصمهما من الشرك، ببركة هذا الدعاء، وجعلهما نبيين، وأما الذرية: فإنه لما قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]
وفي المقابل لا يشرع للإنسان أن يدعو على بنيه؛ وفي الحديث الصحيح: أن رجلًا كان مع النبي ﷺ، وكان معه بعير قد أرهقه، فقال له: يا ملعون، لشدة تغيظه على بعيره، فقال النبي ﷺ: "انزل عنه، فلا تصحبنا بملعون، لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم" (^١).
٧ - الرد على من زعم أنه لا يقع شرك في هذه الأمة، وأنها في مأمن من الشرك، كدعاة الشرك الذين يزعمون أن أمة محمد ﷺ لا يمكن أن يقع فيها الشرك، أرادوا بذلك أن يسوغوا شركهم وباطلهم. بل الحق أن الشرك أمر مخوف شرعًا، وممكن عقلًا وقدرًا. وسوف يعقد المصنف ﵀ بابًا يدل على ذلك، وهو باب: (أن من هذه الأمة من يعبد الأوثان)، وساق فيه قول النبي ﷺ: "حتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان" (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر برقم (٣٠٠٩).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها برقم (٤٢٥٢) وأحمد ط الرسالة برقم (٢٢٤٥٢) وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط مسلم". وصححه الألباني.
[ ١ / ٨١ ]
ثم قال المصنف ﵀:
"وفي الحديث: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" فسُئل عنه، فقال: "الرياء" " هذا الحديث لم يخرجه المصنف ﵀، وقد أخرجه الإمام أحمد، كما تقدم، والطبراني (^١)، والبيهقي (^٢)، والبغوي (^٣)، وجمعٌ من المحدثين، وهو حديث حسن؛ وهو من رواية محمود بن لبيد. والمنذري ﵀ يشكك في سماعه من النبي ﷺ، حيث قال: محمود بن لبيد قد رأى النبي ﷺ، لكن كان صغيرًا، ولم يسمع منه (^٤)، فلعله سمع هذا الحديث من غيره، ومما يُؤيد ذلك: أن الطبراني ﵀ روى هذا الحديث بسنده عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج عن رسول الله ﷺ (^٥)، وقد قال المنذري: إسناده جيد (^٦)، وقال العراقي: رجاله ثقات (^٧)، وقال الهيتمي: رجاله رجال الصحيح (^٨)، وقال ابن حجر: إسناده حسن (^٩).
قوله: "أخوف ما أخاف عليكم" أي: أشد ما أخاف عليكم، والمخاطبون هم الصحابة -رضوان الله عليهم-، فمن بعدهم من عموم الأمة من باب أولى.
قوله: " "الشرك الأصغر" فسُئل عنه، فقال: "الرياء" " الرياء: مشتق من المراءة والرؤيا، أي: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس وحمدهم. وسيعقد المصنف ﵀ بابًا في الرياء. فالنبي ﷺ لكمال شفقته ورحمته بأمته، خاف على أمته أن يقعوا في الشرك الأصغر؛ فكأنه لما رأى أن الله ﷾ عرّفهم بحقيقة الشرك الأكبر، وهو عبادة الأصنام، فعرفوا ذلك، خشي أن يتسلل إلى قلوبهم شيء أهون من ذلك، وهو التصنع، والتجمل للناس، وهو الرياء، فيطيل الإنسان قيامه وركوعه وسجوده لما يرى من نظر الناس إليه، أو يتصدق بالمال لكي يقال: فلان كريم، أو ما أشبه ذلك.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم (٤٣٠١).
(٢) شعب الإيمان برقم (٦٤١٢).
(٣) شرح السنة برقم (٤١٣٥).
(٤) الترغيب والترهيب (١/ ٣٤).
(٥) المعجم الكبير للطبراني (٤/ ٢٥٣).
(٦) الترغيب والترهيب (١/ ٣٤).
(٧) تخريج الإحياء (١٢٩٩/ ٣).
(٨) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ٨٠٧ (١/ ١٠٢).
(٩) بلوغ المرام من أدلة الأحكام (ص: ٥٨٠).
[ ١ / ٨٢ ]
ومن صور الشرك الأصغر:
١ - قول الإنسان: ما شاء الله وشئت، فيعطف بالواو التي تقتضي التسوية.
٢ - الحلف بغير الله، كقول بعض الناس: والنبي، أو والكعبة، أو والأمانة، ونحو هذه الألفاظ.
٣ - أن يتخذ الإنسان سببًا لم يجعله الله سببًا، كمن يربط في عضده خيطًا، أو يضع في يده حلقة يستدفع بها العين.
٤ - وضع القلائد والتمائم في رقاب البهائم أو الأطفال.
٥ - قول بعض الناس: مطرنا بنوء كذا وكذا.
٦ - قول بعض الناس: لولا فلان، وما أشبه ذلك.
فالشرك الأصغر يكون في النيات، والألفاظ، والأفعال، التي لا تبلغ حد الشرك الأكبر، وسيأتي لها أبواب مفردة.
وبين الشرك الأكبر، والأصغر، عدة فروق:
الفرق الأول: أن الشرك الأكبر مخرج عن الملة، والشرك الأصغر لا يخرج عن الملة.
الفرق الثاني: الشرك الأكبر لا يغفره الله أبدًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، وأما الشرك الأصغر فقيل: إنه يمكن أن يغفره الله تعالى، كما يغفر الكبائر، وقيل: لا يغفره الله أبدًا، عملًا بعمومات النصوص.
الفرق الثالث: أن الشرك الأكبر صاحبه مخلد في النار، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] وأما الشرك الأصغر: فإن صاحبه لا يخلد في النار، حتى لو دخلها بسبب رجحان سيئاته على حسناته، فإن مآله إلى الجنة بعد أن يطهر بالنار.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، لأن فيه الخوف من الشرك الأصغر، ومن باب أولى الأكبر، فالشرك ينبغي أن يخاف منه، بنوعيه؛ أكبره وأصغره.
[ ١ / ٨٣ ]
فوائد الحديث:
١ - شدة الخوف من الوقوع في الشرك، ومنه الشرك الأصغر، لدقته، وخفائه؛ فهو يتسلل إلى النفوس، ولا يُعلم به.
٢ - كمال شفقة النبي ﷺ على أمته، كما وصفه ربه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
٣ - تأصيل تقسيم العلماء للشرك إلى قسمين: أكبر وأصغر؛ فالأكبر: هو تسوية غير الله بالله، فيما هو من خصائص الله، والأصغر: وهو ما دون ذلك.
ثم قال المصنف ﵀:
"وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار"، رواه البخاري" (من): اسم شرط، و(مات) فعل الشرط، "وهو يدعو" جملة حالية، أي: يسأله، ويطلبه، ويستغيث به، وجواب الشرط وجزاؤه قوله: "دخل النار". فمن مات وهو يدعو لله ندًا، أي: وهو مقيم على الشرك، دخل النار. والند: المثيل والنظير والشبيه.
ولا شك أنه لا يجوز اتخاذ الأنداد، قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]
مناسبة الحديث للباب:
أن الشرك موجب لدخول النار، فلهذا كان الخوف منه مطلوبًا.
فوائد الحديث:
١ - الخوف من الشرك.
٢ - أن من دعا من دون الله نبيًا، أو ملكًا، أو إنسانًا، أو جنيًا، أو حجرًا، أو شجرًا، أو أي شيء من الأشياء؛ فإنه يدخل النار، لأن كلمة: "ندًا" نكرة في سياق الشرط تدل على العموم، فالدعاء لا يكون إلا لله، والعبادة لا تكون إلا له.
٣ - أن الشرك لا يغفره الله؛ لعموم قوله: "من مات وهو يدعو من دون لله ندًا دخل النار".
[ ١ / ٨٤ ]
ثم قال المصنف ﵀:
"ولمسلم: عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله وهو لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار" ". هذا الحديث رواه مسلم، وهو متضمن لما جاء في حديث ابن مسعود السابق، وزائد عليه، فإن النبي ﷺ ذكر في هذا الحديث جملتين شرطيتين:
أولاهما: قوله: "من لقي الله" أي: من وافى الله تعالى يوم القيامة، وهذه اللقاء لقاء تام؛ لأنه تحصل به الرؤية، وتكليم رب العالمين، تكليم رضا، "وهو لا يشرك به شيئًا": جملة حالية. "دخل الجنة": هذا الدخول إما أن يكون دخولًا أوليًا؛ وذلك في حق من ليس عليه إلا اللمم، أو عليه كبائر غفرها الله له، وإما أن يكون دخولًا مآليًا، في حق من شاء الله أن يعذبه بكبيرته، ثم يصير إلى الجنة، فهذان الصنفان يدخلان الجنة إما دخولًا أوليًا، أو دخولًا ختاميًا.
الثانية: قوله: "ومن لقيه يشرك به شيئًا" هذا اللقاء ليس كاللقاء الأول؛ لأن هذه بمعنى: الموافاة، فلا يحصل لهم فضل النظر إلى وجه الله الكريم، ولا التكليم، إهانةً لهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. "دخل النار" يعني: دخولًا مؤكدًا محققًا مؤبدًّا؛ لأنه مات مشركًا.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما فيه من التخويف البليغ من الشرك؛ إذ أن مصير المشرك النار.
فوائد الحديث:
١ - الخوف من الشرك.
٢ - فضل التوحيد.
٣ - أن أثر التوحيد أعظم من أثر الأعمال، فمن لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة.
٤ - قرب الجنة والنار، فما هي إلا مجرد حالة في القلب؛ فمن وحّد الله تعالى
[ ١ / ٨٥ ]
بقلبه، ولم يدع غيره، فهو من أهل الجنة، ومن أشرك معه غيره، فهو من أهل النار.
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: الخوف من الشرك.
الخوف من الشرك: لكونه لا يغفره الله تعالى؛ ولأن إبراهيم إمام الحنفاء، قد خاف منه، ودعا الله أن يجنبه إياه؛ ولكون بعضه خفيًا.
الثانية: أن الرياء من الشرك.
لتسمية النبي ﷺ له بذلك، في قوله: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" فسُئل عنه، فقال: "الرياء".
الثالثة: أنه من الشرك الأصغر.
لأن النبي ﷺ جعل الرياء تعريفًا للشرك الأصغر.
الرابعة: أنه أخوف ما يُخاف منه على الصالحين.
لأن النبي ﷺ خاطب بذلك الصحابة -رضوان الله عليهم- وهم خير القرون، فالصالح قد يأتيه الشيطان من هذا الجانب؛ لأنه يرى أن المنزلة والرفعة بالصلاح، والدين، والعلم، فقد يسعى لتحصيلها لبلوغ هذه المنزلة، أو يرائي بها. وليس معنى ذلك أن يترك الإنسان طلب العلم، أو فعل الطاعات خوف الرياء؛ لأن من الناس من يختل عنده الميزان، فيدع بعض الأعمال الصالحة خوفًا من الوقوع في الرياء، ليس هذا مراد النبي ﷺ قطعًا، وإنما مراده: أن يحرص الإنسان على العمل الصالح الخالص.
الخامسة: قرب الجنة والنار.
حيث أخبر النبي ﷺ أن من مات غير مشرك دخل الجنة، ومن مات مشركًا
[ ١ / ٨٦ ]
دخل النار، فلم يجعل بينه وبينهما شيئًا إلا الموت على ذلك.
السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد.
كما في حديث جابر ﵁، فقد جمع في حديث واحد بين قوله: "من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة" وبين قوله: "ومن لقي الله يشرك به دخل النار".
السابعة: أنه من لقيه لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار، ولو كان من أعبد الناس.
وهذا غير ممتنع، بل واقع! فإنه يوجد من يجتهد في العبادة ويقع في الشرك، فلا ينتفع بعمله، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] لأنه لم يكن خالصًا لله ﷿؛ ولما سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ عن عبد الله بن زيد بن جدعان، وكان من أشراف قريش، وكان يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: "لا ينفعه، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" (^١). وروي عن الحسن قال: لما قدم عمر بن الخطاب ﵁ الشام، أتاه راهب، شيخ كبير، متقهل (^٢)، عليه سواد، فلما رآه عمر بكى، فقال له: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك؟ قال: هذا المسكين! طلب أمرًا فلم يصبه، ورجا رجاء فأخطأه، وقرأ قول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٢ - ٤] (^٣). فهذا الراهب في عبادة سنين طويلة، ولكن على شرك؛ لأنه يدعو المسيح وأمه، فلم يغن عنه ذلك شيئًا، بل زاده من الله بعدًا، وسخطًا.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل برقم (٢١٤).
(٢) أي: شعث وسخ، يقال: أقهل الرجل، وتقهل. النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٢٩).
(٣) تفسير القرطبي (٢٠/ ٢٧).
[ ١ / ٨٧ ]
الثامنة: المسألة العظيمة: سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام.
فيجب على كل أحد أن يخاف من الشرك، ولا يدَّعي أنه بمأمن من الوقوع فيه، بل يتوقاه. وكلما عظم توحيد العبد، عظم خوفه من الشرك، فبينهما تلازم، فهذا خليل الرحمن يدعو ربه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام، ولذا قال إبراهيم التيمي: "ومن يأمن من البلاء بعد إبراهيم" (^١)، ومن الناس من يظن أنه بمنأى ومعزل عن الشرك، وأنه لا يمكن أن يقع فيه، وهذا الطمأنينة هي التي أدت بمشركي هذا الزمان إلى أن يستزلهم الشيطان إلى الوقوع في صور الشرك المختلفة.
التاسعة: اعتباره بحال الأكثر؛ لقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة إبراهيم: ٣٦].
أي: أن الأصنام كانت فتنة لكثير من الناس، فاعتبر إبراهيم ﵇ بحال الأكثر، وهذا دليل على أننا عند التقويم، والاستنتاج، والتحليل، نعتبر بحال الأكثر، فالأكثرية معتبرة، إلا فيما خالف نصًا.
العاشرة: فيه تفسير: لا إله إلا الله، كما ذكره البخاري.
أي: أن معنى: لا إله إلا الله: إفراد الله بالعبادة، والبراءة ممن عبد سواه، وألا يجعل له ندًا، فإن البخاري ساق الحديث، وهو قول النبي ﷺ: "من مات وهو يدعو لله ندًا دخل النار" تحت باب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
الحادية عشر: فضيلة من سَلِم من الشرك.
فمن سلم من الشرك دخل الجنة، وأي فضيلة أعظم من هذه؟! ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
_________________
(١) تفسير الطبري برقم (١٧/ ١٧).
[ ١ / ٨٨ ]