وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف: ١٠٨].
الشرح:
المقصود بالدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله: الدعوة إلى التوحيد. ومعنى الشهادة: الاعتقاد بالجنان، المعبر عنه باللسان،، المصدق بعمل الأركان، بأن لا معبود بحق إلا الله.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما ذكر المصنف ﵀ حقيقة التوحيد، وفضله، وتحقيقه، والخوف من الشرك، رأى ﵀ أنه لا يتم ذلك إلا بالدعوة إليه، فعقد هذا الباب. وهذا من حسن ترتيبه - وكل موحد يذوق حلاوة التوحيد يجد في نفسه دافعًا للدعوة إليه، كأثر متعدٍ بعد الأثر اللازم، فالأثر اللازم: أن يقوم في قلب الإنسان تحقيق التوحيد، والأثر المتعدي: الدعوة إليه.
قوله: " ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] " هذه الآية تتضمن المنهج الرشيد لكل داعية إلى الله، والخطاب موجه للنبي ﷺ ولأمته من بعده. وقد اشتملت على ستة معالم دعوية:
الأول: قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾: الحق واحد لا يتعدد، فإفراد السبيل دليل على أن الطريق واحد، وأن الحق واحد لا يتعدد، بينما طرق الباطل كثيرة، قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
[ ١ / ٨٩ ]
وليس الأمر كما يزعم بعض المنحرفين من زنادقة الصوفية، ودعاة توحيد الأديان، وغيرهم، بأن جميع الطرق تُؤدي الله، هذا زعم باطل، فليس إلا الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وقال ﷺ: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به، إلا كان من أصحاب النار" (^١)، رواه مسلم.
الثاني: قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾: الإخلاص؛ فمن شأن المؤمن أن يدعو إلى الله، لا إلى نفسه، ولا إلى جماعته، ولا إلى حزبه، ولا إلى أي شيء آخر، سوى الله ودينه، وشرعته.
الثالث: قوله: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾: البصيرة: هي العلم، والبينة، بالشرع، وبالواقع، فمن شأن الداعية أن يكون عالمًا بمراد الله سبحانه، عارفًا بالواقع.
الرابع: قوله: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾: التعاون على البر والتقوى، فإنه قد نبّه بهذا على معنى التعاون والاجتماع، ومنع الاختلاف والتفرق.
الخامس: قوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزيه رب العالمين في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، من أعظم مقاصد الدعوة، فيجب أن تصطبغ هذه الدعوة بالتنزيه.
السادس: قوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: البراءة من الشرك وأهله.
مناسبة الآية للباب:
مطابقة للترجمة، فإن قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] تدل على أنه يدعو إلى عبادة الله، والإخلاص له في ذلك، وهذا هو معنى شهادة: أن لا إله إلا الله.
فوائد الآية:
١ - أنّ الحق واحد لا يتعدد؛ لأنه وحّد (السبيل).
٢ - الرد على من صوّب جميع الطرق والأديان والملل، وزعم أنها توصل
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته برقم (١٥٣).
[ ١ / ٩٠ ]
إلى الله، من زنادقة الصوفية، حتى قال كبيرهم الذي علمهم الزندقة، ابن عربي الطائي الأندلسي:
لَقد كُنْتُ قبلَ اليومِ أُنْكِرُ صَاحِبي … إِذَا لَم يَكُنْ دِيني إِلَى دِينِهِ دَانِي
فَقدْ صَار قَلبي قَابلًا كُل صُورةٍ … فَمَرْعَى لِغِزْلَانٍ وَدِيرٍ لِرُهْبَانِ
وَبَيتٌ لَأوثانٍ وَكَعبةُ طَائِفٍ … وَألوَاحُ تَوراةٍ وَمصْحَفُ قُرآنِ
أَدينُ بدينِ الحبِ أينَ تَوجَهتْ … ركائبُهُ، فَالحبُ دِيني وَإيماني (^١).
وقال أيضًا:
عَقَدَ الخلائقُ فِي الإلهِ عَقَائِدَ … وَأنَا اعتقدتُ جَميعَ مَا اعتَقَدُوهُ (^٢).
فهؤلاء الزنادقة يسوغون كل طريق، ويزعمون أن كل مشرك، وعابد وثن، على حق، وهذا من أكفر الكفر، وهو نتيجة لقولهم بالاتحاد ووحدة الوجود، وهي عقيدة كفرية.
٣ - الرد على من قال: لا إنكار في مسائل الخلاف، والصحيح: إنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد، فمن اجتهد واستفرغ وسعه، وهو من أهل الاجتهاد، والعلم، والورع، وتوصل إلى أمر ما، فإنه لا يُنكر عليه. وأما قول: "لا إنكار في مسائل الخلاف"، فهذا يقتضي غلق باب العلم والبيان والنصيحة، وتسويغ الخطأ.
٤ - وجوب الإخلاص، فيجب على الداعية إلى الله أن يتعاهد قلبه، ويفرغه من حظوظ الدنيا ونزعاتها. وما أحوج طلبة العلم إلى هذا الأمر، فإن طالب العلم إذا كتب الله له القبول، حصل له حظوة وتصدُّر وإكرام، فعليه أن يعلم أن هذا محض فضل الله عليه، فلا يستطيل بهذا على عباد الله، ولا يستقضي به الحاجات، ولا يستغل منزلته لمصالحه، بل يجعل عمله خالصًا لله ﷾، ولا يهين علمه، ويدنس نقاءه، بل يصون علمه، ويحفظ مكانته، كما قال علي بن عبد العزيز الجرجاني ﵀:
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ صَانُوهُ صَانَهُم … وَلَوْ عَظّمُوهُ فِي النُّفوسِ لَعَظَّما
_________________
(١) الأبيات له في الكشكول (١/ ٣٠).
(٢) البيت للحلاج في ديوانه (ص: ٧٦)، وينسب أيضًا لابن عربي، وهو الأصح.
[ ١ / ٩١ ]
وَلَكِنْ أَهَانُوهُ فَهَانُوا وَدَنّسُوا … مُحيّاهُ بِالأطْمَاعِ حَتّى تَجَهَّمَا (^١).
٥ - أن العلم من شروط الدعوة، فلا يتصدى للدعوة إلى الله جاهل؛ لأن الجاهل إذا دعا أفسد أكثر مما أصلح. ومن الناس من يشتغل بالدعوة إلى الله بلا علم، فيسأله الناس، فيفتيهم برأيه، وقد قال النبي ﷺ: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (^٢)، وليس معنى ذلك أن يسكت طالب العلم عن بيان الحق الذي يعلمه، فمن علم مسألة فهو بها عالم، فليبلغها لغيره، ولا يتجاوزها إلى ما لا يعلم. وقد كان الأئمة ﵏ لا يفتون بما لا يعلمون، حتى إن رجلًا أتى إلى الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، من مكان بعيد، وسأله عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها: لا أدري، وأجاب عن أربع، فقال الرجل: يا أبا عبد الله، كيف أرجع إلى قومي، قال: ارجع إليهم، وقل لهم: إني سألتُ مالكًا في أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين: لا أدري (^٣)، فينبغي لطالب العلم أن يتحرى، ويتوقى أن يقول على الله بغير علم؛ لأنه موقِّع عن رب العالمين.
٦ - ضرورة العلم بالحال؛ لقوله: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] والبصيرة هي التمييز بين الأمور، فينبغي أن يعرف حال المخاطبين، وحال المدعوين، وحال الناس، وتقلبات الأحوال؛ ليعينه ذلك على تنزيل الدليل الشرعي على الواقع، وتكييف المسألة تكييفًا صحيحًا، فيستدل استدلالًا صحيحًا، ليحكم حكمًا صحيحًا. وهذا يحصل - بتوفيق الله - بالدربة.
٧ - وجوب التعاون بين الدعاة؛ لقوله: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فينبغي لأهل الطريق الواحد، والمنهج الواحد: أن يتعاونوا على البر والتقوى، وليس من لازم
_________________
(١) محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء (١/ ٥٢) والتذكرة الحمدونية (٢/ ٩٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم برقم (١٠٠) ومسلم في العلم، باب رفع العلم وقبضه برقم (٢٦٧٣).
(٣) الشرح الكبير لابن قدامة (١١/ ٣٩١) وفي تمهيد اختلاف في عدد المسائل التي سُئل عنها، حيث قال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٧٣): "عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري".
[ ١ / ٩٢ ]
ذلك: أن لا يحصل بينهم اختلاف في الاجتهاد، فلم يزل الناس يختلفون في الفروع، حتى أصحاب النبي ﷺ ربما اختلفوا في بعض الفروع؛ في الفرائض وغيرها، ولكن هذا الخلاف كما قيل: لا يفسد للود قضية؛ لأن الكل قصده التوصل للحق، وقد استفرغ وسعه، والكل متفقون على أن المرجع الكتاب والسنة، فينبغي للدعاة إلى الله أن يتعاونوا، وألا يمنعهم خلاف يسير أن يكونوا جبهة واحدة؛ لأن الخلاف شر، وقد أمر الله عباده بالتعاون على البر والتقوى، فقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقال نبيه ﷺ: "وكونوا عباد الله إخوانًا" (^١). فينبغي لطلبة العلم أن يرسِّخوا هذا المفهوم في قلوبهم، وأن يعلموا أن من مقاصد الشريعة: الألفة، والتعاون، والتواد، وأن لا يستزلهم الشيطان تحت أي مسمى، أو دعوة، إلى التشاجر، والتنازع، والاختلاف، والفرقة، وأن يميزوا بين ما يستحق المفاصلة من المسائل الكبرى، وبين المسائل التي يسوغ فيها الخلاف.
٨ - وجوب تنزيه الله ﷾؛ لقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ وقد كان النبي ﷺ ينزه ربه أعظم التنزيه، فلما جاءه جماعة من الأعراب، فقال أحدهم: فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، قال رسول الله ﷺ: "ويحك! أتدري ما تقول؟ " وسبح رسول الله ﷺ، فما زال يسبح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: "ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك! أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماواته لهكذا" (^٢)، فينبغي أن يعظم العبد ربه:
- في ذاته: فيعتقد أن له ذاتًا لا تشبه الذوات، سبحانه وبحمده، وأن كل ما خطر بباله من سمات المخلوقين، وشيات المحدثين، فالله ليس كذلك.
- في أسمائه: فيعتقد له الأسماء الحسنى التي بلغت الغاية في حسنها.
- في صفاته: فيعتقد له صفات الكمال التي لا يتطرق إليها النقص بوجه من الوجوه، فكل لازم يلزم على صفات الآدميين، فيه نقص، أو عيب، أو مماثلة، فالله بريء منه، ومنزه عنه،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر برقم (٦٠٦٥) ومسلم في البر والصلة والآداب، باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر برقم (٢٥٥٩).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب في الجهمية برقم (٤٧٢٦) وضعفه الألباني.
[ ١ / ٩٣ ]
- في شرعه: فيعتقد أن شرع الله منزه عن الظلم، والقصور؛ لأن من الناس من يظن أن الله شرع شرائع تصلح قبل أربعة عشر قرنًا، ولم تعد صالحة الآن، فيقال لهؤلاء: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. فمن تنزيه الرب، تنزيه شرعه، فلا يظن في شرعه نقصًا بوجه من الوجوه؛ ولما أنشد بعض الزنادقة منتقدًا قطع اليد في السرقة، فقال:
يدٌ بِخمْس مِئينَ عَسجدٍ وُدِيَتْ … مَا بالُهَا قُطعتْ فِي رُبعِ دِينارِ؟
تَحكُّمٌ مَا لنا إِلَّا السَّكوتُ لهُ … وَأنْ نَعُوذ بِمولانا منَ النَّار (^١).
أجابه بعض العلماء قائلًا:
عِزُّ الأمانةِ أغْلاها وَأرْخصها … ذُلُّ الخِيانةِ، فافْهمْ حِكمةَ الْباري (^٢).
- في قدره: فينزهه عن الظلم والحيف، والعجز، ويعتقد أن الله لا يقضي قضاء إلا لحكمة، ولا يقضي على عبد المؤمن قضاء إلا كان خيرًا له، فليست المقدورات خبط عشواء، ولا ضربة لازب، بل كل شيء عنده بمقدار، فينزه الله تعالى في جميع هذه الأمور.
٩ - البراءة من المشركين، والنفرة منهم؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] ونسمع في الآونة الأخيرة، من بني جلدتنا، من يسمي مسألة الولاء والبراء: ثقافة الكراهية! مع أن هذه الكراهة كراهة أمر الله بها شرعًا، فيجب أن نحب ما يحب الله، ونبغض ما يبغض الله، كما نسمع كثيرًا التعبير بلفظ " احترام الآخَر"، يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا، أو مشركًا! بما يقتضي مودته! والواجب علينا أن نبيِّن له الحق الذي هدانا الله إليه، وندعوه إليه، ولا نعتدي عليه، لا أن نغض الطرف عن ضلاله، وندعه في غيه.
_________________
(١) البيتان للمعري في نكث الهميان في نكت العميان (ص: ٣٦) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص (١/ ١٤٣).
(٢) البيت لعلم الدّين السخاوي. معاهد التنصيص على شواهد التلخيص (١/ ١٤٣).
[ ١ / ٩٤ ]
قال المصنف ﵀:
عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذ إلى اليمن، قال له: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة: أن لا إله إلا الله" (^١).
وفي رواية: "إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تُؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتقِّ دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" (^٢)، أخرجاه.
ولهما: عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه" فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فأتى به فبصق في عينيه، ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال: "أنفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" (^٣)، يدوكون: يخوضون.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة برقم (١٤٥٨) ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام برقم (١٩).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎ برقم (٧٣٧٢).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب فضل من أسلم على يديه رجل برقم (٣٠٠٩).
[ ١ / ٩٥ ]
الشرح:
قوله: "عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذ إلى اليمن": هو معاذ بن جبل، صاحب رسول الله ﷺ، وقد تقدم ذكر طرف من ترجمته، وكان من فقهاء الصحابة، وشبانهم، وأتقيائهم، وكان النبي ﷺ يحبه، ويعده للمهام الدعوية والعلمية، فقد استخلفه على مكة، وبعثه إلى اليمن، وكان هذا البعث -على الصحيح- في السنة العاشرة من الهجرة؛ ولهذا لم يشهد معاذ وفاة رسول الله ﷺ، بل قدم المدينة بعد وفاة النبي ﷺ.
قوله: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب" قال له ذلك لما بعثه إلى اليمن قاضيًا، ومعلمًا، وجابيًا، حتى يكون على بينة، ويستعد لدعوتهم، ويعرف الواقع الذي يواجهه. فإن اليمن تعاقب عليه ممالك عدة، وأديان مختلفة، ففيه اليهود، والنصارى، والمشركون، وفيهم من أسلم.
قوله: "فليكن أولُ ما تدعوهم إليه شهادةَ: أن لا إله إلا الله" يجوز في لفظ "أول" الرفع والنصب، فالأول على اعتبار أنه اسم (كان) والثاني على أنه خبرها مقدم، ويجوز في لفظ (شهادة) الرفع والنصب، فالأول على اعتبار أنه اسم (كان) مؤخر، والثاني على أنه خبر (كان). فبدأ بالدعوة إلى "شهادة أن لا إله إلا الله" لأنها الأهم.
قوله: "فإن هم أطاعوك لذلك" أي: شهدوا، وانقادوا، ووحدوا الله ﷾، وعبدوه، وكفروا بما سواه، فهذه أول منزلة.
قوله: "فأعلمهم أن الله افترض عليهم" أي: أوجب عليهم.
قوله: "خمس صلوات في كل يوم وليلة" بدأ بأهم العبادات العملية، وهي الصلوات الخمس المعلومة: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، فإنها عمود الدين، وتالية الشهادتين، كما رتبها النبي ﷺ في حديث أركان الإسلام، وهو قوله: "بني الإسلام على خمس" (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ: "بني الإسلام على خمس" برقم (٨) ومسلم في الإيمان، باب أركان الإسلام ودعائمه العظام برقم (١٦).
[ ١ / ٩٦ ]
قوله: "فإن هم أطاعوك لذلك: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة" ثنى بأهم العبادات المالية، وهي الزكاة، وهكذا هي في حديث مباني الإسلام المشار إليه سابقًا. وهذه الصدقة هي المفروضة، وهي الزكاة، فإن الزكاة تُسمى في كتاب الله صدقة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ولكن إذا قرنت الصدقة بالزكاة صار المراد بالزكاة الفرض الواجب، والمراد بالصدقة النافلة.
قوله: "تُؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم" استدل العلماء بهذا على عدم جواز إخراج الزكاة من البلد؛ وقيل بجواز ذلك لأن النبي ﷺ كان يبعث المصدقين إلى القبائل، وأحياء العرب، فيأتون بصدقات أقوامهم. لكن الأصل أن تصرف الزكاة في نفس البلد؛ لأن نفوس فقراء البلد تتعلق بما في أيدي أغنيائهم، فلا يناسب أن تخرج من بين أيديهم، فإن طرأ على هذا الأصل ما يجعل نقل الزكاة أفضل من صرفها في البلد، فلا مانع من نقلها، كأن يدف بالناس دافة، وتقع مجاعة في أحد بلدان المسلمين، فيخرج الناس زكاتهم إليهم، فيصبح المفضول فاضلًا.
قوله: "فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم": أي: إن هم أقروا بما تقدم، لا سيما آخرها، وهو الزكاة "فإياك" كلمة تحذير، أي: تجنب أموالهم النفيسة، كأن يكون عند الإنسان إبل، فليس للمصدق أن يختار كرائم الإبل، ويدع رديئها لصاحب المال، بل يأخذ من الوسط، وكذا البقر والغنم، والخارج من الأرض.
قوله: "واتقِّ دعوة المظلوم" نبّهه على أمر دقيق لكونه حاكمًا وقاضيًا وجابيًا، وهو العدل، وتجنب الظلم، فلا يقع في سلطانه شيء من التجاوز.
قوله: "فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" لأنها تخرج من نفس مكلومة مظلومة، فترتفع مع الغمام، حتى يقول الله لها: "لأنصرنك ولو بعد حين" (^١)؛
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الصيام، باب في الصائم لا ترد دعوته برقم (١٧٥٢) والترمذي ت شاكر في أبواب الدعوات برقم (٣٥٩٨).
[ ١ / ٩٧ ]
ولهذا ينبغي للإنسان أن يحذر من الظلم بجميع صوره، فإن الظلم مرتعه وخيم، وعاقبته بئيسة، سواء أكان ظلم النفس، أو ظلم الغير، إلا أن ظلم الغير أشد؛ لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة، وحق الله مبني على المسامحة، فظلم النفس قد يعفو الله عنه بالدعاء، والاستغفار، والتوبة الخالصة، فإنه الله يغفر الذنوب جميعًا، ولكن ظلم العباد في أعراضهم، وأموالهم، وأنفسهم محفوظ، قد لا يلقى الظالم من ظلمه إلا في عرصات القيامة، ولن يقول له في ذلك الموقف: اذهب، فأنت في حل! قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧] فالواجب على المؤمن أن يبرأ من الظلم، قليله، وكثيره، ويراجع حساباته، ويتحلل ممن ظلمه، قبل أن لا يكون درهم ولا دينار؛ ليخرج من هذه الدنيا خفيف الظهر؛ فلهذا ختم النبي ﷺ بهذه الوصية العظيمة.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لتضمنه الدعاء إلى شهادة: أن لا إله إلا الله، وفي رواية عند البخاري: "إلى أن يوحدوا الله"، وهذا يدل على أن معنى: شهادة أن لا إله إلا الله: هو توحيد الله، ويتبين أن أعظم ما ينبغي أن يُعتنى به هو توحيد الله ﷿، فهو أعظم المهمات.
ولا يجوز أن يقال: لا حاجة الآن إلى الدعوة إلى التوحيد كما يقول بعض الجاهلين، فالحاجة باقية ما دام على وجه الأرض كافر، وما دام الشرك موجودًا، فالمسلمون اليوم مطالبون بالدعوة إلى توحيد الله، وعدم التشاغل بالأمور الفرعية على حساب الدعوة إلى التوحيد، بل يجب أن تكون العمدة في الدعوة إلى الله ﷿ الدعوة إلى توحيده أولًا؛ لأن لها ما بعدها، فالقلب إذا عرف وجهته، وقبلته، ووحّد خالقه، فما بعده تبع له. وهذه طريقة القرآن، وطريقة النبي ﷺ، فقد كان النبي ﷺ يكتب إلى ملوك الأرض: من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم: السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: أسلم تسلم (^١)، ولقد سمعتُ مرةً
_________________
(١) أخرجه البخاري في باب بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ؟ برقم (٧) ومسلم في المغازي (الجهاد والسير، باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل برقم (١٧٧٣).
[ ١ / ٩٨ ]
بعض المتحدثين يقول: انتهى زمن "أسلم تسلم"! ويجب أن نخاطب الغرب بلغته، لغة العلم! هذا انحراف منهجي. فكيف ندع طريقة النبي ﷺ، وطريقة القرآن، لطرائق محدثة؟!
إن أحوج ما يحتاج إليه الشرق والغرب اليوم، هو توحيد رب العالمين، فقبل أن نشتغل ببيان محاسن الشريعة، ومقاصدها، يجب أولًا أن نضبط الأساس والقاعدة، وهو التوحيد، ومعرفة الغاية من خلق العباد، فإذا أرسينا هذا الأساس فكل ما بعده يبنى عليه.
فوائد الحديث:
١ - مشروعية بعث الدعاة لتعريف الناس بدين الإسلام، كما كان النبي ﷺ يصنع. فينبغي لولاة الأمر من المسلمين أن يرسلوا الدعاة إلى مشارق الأرض ومغاربها؛ لدعوتهم إلى دين الله.
٢ - أن أول الواجبات: توحيد الله؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
٣ - الرد على المتكلمين الذين زعموا أن أول واجب هو النظر، أو القصد إلى النظر، أو الشك،
٤ - تفسير شهادة: أن لا إله إلا الله، وأنها تعني توحيد الله، وترك عبادة ما سواه، كما جاء في الرواية الثانية للبخاري: "أن يوحدوا الله".
٥ - أنه لا يقبل من كافر دعوى الإسلام إلا بالتلفظ بالشهادة.
٦ - التدرج في الدعوة، والبداءة بالأهم فالمهم؛ لقوله: "فإن هم أطاعوك لذلك".
٧ - أنه ربما كان الإنسان عالمًا، قارئًا، مثقفًا، لكنه لا يعرف توحيد الله الذي هو أعظم العلوم؛ لقوله: "إنك تأتي قومًا أهل كتاب" فهؤلاء قوم عندهم كتاب، ومع ذلك لم ينفعهم كتابهم، فلا عجب أن نجد في هذه الأمة من قد يكون فقيهًا، أصوليًا، وهو لم يضبط التوحيد.
٨ - مراعاة أحوال المخاطبين؛ لقول النبي ﷺ: "إنك تأتي قومًا أهل الكتاب" فلما كان المدعوون أهل كتاب، كان الخطاب الموجه لهم يختلف عن
[ ١ / ٩٩ ]
الخطاب الموجه للمشركين؛ لأن لأهل الكتاب حجج، وشبهات، وإيرادات، قد لا تبدو للأميين الذين لا يعلمون؛ ولهذا سمى الله ﷾ مَنْ سوى أهل الكتاب ب"الذين لا يعلمون" كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة: ١١٨] وأما أهل الكتاب فعندهم أصل علم يرجعون إليه، فربما وقع منهم جدال؛ ولذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فينبغي للداعية إلى الله أن يعرف ما هو مقبل عليه، حتى يعد للأمر عدته، فمن يناظر الرافضة مثلًا، عليه أن يحيط علمًا بشبهات القوم، فقد يواجهونه بشبهة تطرق سمعه لأول مرة، فيعجز عن الرد عليها، وتفنيدها، مع أن شبهاتهم داحضة، كما قال الشاعر:
حُججٌ تَهافتْ كَالزُّجاجِ تَخَالها … حًقًا وكُلُّ كَاسِرٍ مَكْسُورُ (^١).
٩ - عِظَم أمر الصلاة؛ فإنه ثنى بها بعد الشهادة، فأمر الصلاة عظيم؛ ولهذا ينبغي التمسك بها، والحث عليها، وتعظيمها. وبعض المنسوبين إلى العلم اليوم، تجد شغله الشاغل أن يقرر أن صلاة الجماعة، أو الصلاة في المسجد، ليست واجبة! أي فائدة من هذا التقرير؟! فالذي ينبغي أن نعظم أمر الصلاة، كما عظمها الله، ورسوله ﷺ، وأن نعظم أمر الجماعة، كما عظمها الله، وعظمها نبيه ﷺ، وقد جاء ابن مسعود ﵁ أنه قال: "ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يهادى بين الرجلين، حتى يُقام في الصف" (^٢)، فأين الحكمة والفقه عند من يقرر ضد ذلك؟! هذا في الحقيقة نقص في الفقه، فينبغي تعظيم الصلاة، وأداؤها كما كانت تُؤدى على عهد رسول الله ﷺ بأوقاتها، وأركانها، وخشوعها، وسائر أحوالها. ولو أقام المسلمون صلواتهم كما ينبغي، لاستقامت أمورهم الدينية والدنيوية؛ ولهذا شبه النبي ﷺ الصلوات الخمس بتشبيه بديع، فقال: "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم، يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ " قالوا: لا يبقى
_________________
(١) البيت بلا نسبة في طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: ١٥٤).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب صلاة الجماعة من سنن الهدى برقم (٦٥٤).
[ ١ / ١٠٠ ]
من درنه شيء، قال: "فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا" (^١)، وجعل الله تعالى من أخص أوصاف المؤمنين الخشوع، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
١٠ - عظم أمر الزكاة، وأنها قرينة الصلاة؛ لكونها أحد أركان الإسلام، وكونها حق الله في المال.
١١ - بيان مصرف من مصارف الزكاة الثمانية؛ وهم الفقراء والمساكين. والفقير والمسكين عند الانفراد كل واحد يعم الآخر، وعند الاجتماع يستقل كل منهما بمعنى، فإذا اجتمعا في نص واحد، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] فالفقير أشد حاجة وأبلغ، فهو الذي لا يملك كفايته إلى الحول، والمسكين هو الذي يملك كفايته إلى نصف الحول.
١٢ - عدم إخراج الزكاة من البلد إلا لحاجة؛ لقوله: "تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم".
١٣ - أنه يحرم على السعاة أخذ كرائم الأموال ونفائسها، وإنما يأخذون من الوسط، لا الرديء، ولا الكريم، إلا أن يرضى رب المال، فإن رضي فهو قربة له.
١٤ - التحذير من الظلم؛ لقوله: "واتقّ دعوة المظلوم".
١٥ - أن دعوة المظلوم مستجابة؛ لقوله: "فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".
١٦ - أن أحوج الناس لاتقاء الظلم من كان له ولاية وسلطان.
قوله: "ولهما: عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر": هو سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري، الخزرجي، كانت وفاته سنة (٨٨ هـ) وكان من شبان الصحابة وفتيانهم، وقد عُمِّر ﵁ حتى جاوز المائة. ويوم خيبر هو يوم من غزوات النبي ﷺ غزا فيه اليهود القاطنين في خيبر.
وكان لليهود مساكن في جزيرة العرب، أعظمها: المدينة، فقد كان فيها
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا، وترفع به الدرجات برقم (٦٦٧).
[ ١ / ١٠١ ]
ثلاث قبائل من اليهود: (بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير) وكان لهم مساكن في خيبر، ومساكن في فدك، التي تسمى الآن "الحايط"، وقد تم إجلاؤهم من المدينة، وأول من أجلي منهم بنو قينقاع، ثم بنو النضير، ثم بنو قريظة.
وأما أهل خيبر، فقد خرج إليهم النبي ﷺ بعد صلح الحديبية، في السنة السابعة من الهجرة، وحاصر حصونهم المنيعة، وفتح الله تعالى على يديه، ثم أقرهم النبي ﷺ على سكناها ما شاء، فقال: "نقركم فيها ما بدا لنا" (^١)، فزارعهم مزارعة. ثم لما كان زمن عمر بن الخطاب ﵁ لم تعد حاجة إليهم، فأجلاهم إلى أذرعات من بلاد الشام.
ويوم خيبر ليس يومًا واحدًا، بل كان عدة أيام، والمقصود هنا يوم معين، حصل فيه تمنع أحد الحصون على النبي ﷺ، فلم يتمكن المسلمون من فتحه، "فقال النبي ﷺ: "لأعطين الراية غدًا، رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه".
قوله: "لأعطين" اللام لام القسم، والنون نون التوكيد، أي: والله لأعطين، فحلف وهو الصادق البار، من غير يمين ﷺ، لكنه أراد أن يؤكد الأمر.
قوله: "الراية" هي العَلَم الذي يلتئم حوله الجيش، حتى لا يتفرقوا، ويرجعوا إليه عند الكر والفر؛ لأن طريقة القتال فيما مضى، تختلف عما هي عليه اليوم، فجموع الجيش يحصل منهم كر وفر، وإقبال وإدبار، فلا بد لهم من راية يرجعون إليها، وحامل هذه الراية هو القائد الذي تصدر منه الأوامر، فلذلك وعد النبي ﷺ أن يعطي الراية في اليوم التالي رجلًا هذه صفته: "يحب الله ورسوله" وهذه شهادة ممن لا ينطق عن الهوى، ويا له من وسام شرف، وتزكية.
قوله: "ويحبه الله ورسوله" وهذه أعظم من الأولى، فإن حصول محبة الله ورسوله له، ثمرة لمحبته الله ورسوله. "يفتح الله على يديه" وهذه بشارة، ومنقبة ثالثة، فتحقق له ثلاثة أمور:
١ - الشهادة له بأنه يحب الله ورسوله.
٢ - الشهادة له بمحبة الله ورسوله له.
_________________
(١) شرح معاني الآثار برقم (٣٠٩٤).
[ ١ / ١٠٢ ]
٣ - الشهادة له بأن الله يفتح على يديه.
قوله: "فبات الناس يدوكون ليلتهم" أي: تلك الليلة التي تسبق الغد الموعود. ومعنى: (يدوكون) أي: يخوضون، ويُعملون فكرهم في مَنْ يكون ذلك الرجل؟ وأيهم يُعطاها؟
قوله: "فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ " أي: جاؤوا وقت الغداة، مبكرين، وكلهم يرجو أن يُعطاها، وحق لهم بعد هذا الثناء العطر أن يتمنوا ذلك، حتى إن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "فو الله ما تمنيت الإمارة إلا يومئذٍ، وجعلت أنصب صدري له، رجاء أن يقول: هو هذا" (^١) فكان يتطاول في الصف؛ ليراه النبي ﷺ، طمعًا في الحصول على هذه المنقبة، وهذا من حرص الصحابة على الخير، وحبهم له، ويدل على صفاء نية عمر، ﵁، وصدقه، ومحبة الصحابة بعضهم لبعض؛ لأنه يتكلم عن أخ له، وهو علي بن أبي طالب.
قوله: "فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " " علي ﵁ ابن عمه، وزوج ابنته فاطمة، وأول من آمن من الصبيان، وأحد المبشرين بالجنة، وكان استشهاده عام أربعين للهجرة.
قوله: "فقيل: هو يشتكي عينيه" اعتذروا له بأنه يشتكي عينيه؛ لرمد أصابهما.
قوله: "فأرسلوا إليه، فأتي به" أمر النبي ﷺ بإحضاره. ومن العجب أن يُعطى الأمر من لم يسأله، ويمنع من سأله، فالذين كانوا متشوفين له، وغدوا إلى رسول الله ﷺ لم ينالوا ما تمنوا، والذي لم يحضر لعذر، دُعي به، وأُحضر إلى النبي ﷺ.
قوله: "فبصق في عينيه ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع " يعني: تفل فيهما بريقه المبارك، فبرأت عيناه، كأن لم يصبهما ألم قط! وهذا من علامات النبوة، وأمثال هذا كثير في سيرة النبي ﷺ؛ فقد كان يمسح على موضع الوجع فيبرأ بإذن الله، فهو ﷺ مبارك في أموره العلمية، والعملية. وهذا من خصائصه ﷺ، فلا يصح أن يُطلب من أحد الصالحين أن يبصق أو يمسح على أحد.
قوله: "فأعطاه الراية، وقال: "أنفذ على رسلك" " أي: امض على مهلك
_________________
(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٣/ ١١١٠).
[ ١ / ١٠٣ ]
وهيِّنتك، دون عجلة أو ضجيج؛ لأن التروي من قبل قائد الجيش، يعينه على الوصول إلى مقصوده، فينبغي أن يمضي على هذه الصفة. وجاء في بعض الروايات: "أنفذ على رسلك ولا تلتفت" فمضى علي، ﵁، ثم بدا له أن يستفهم من النبي ﷺ، فقال، تلقاء وجهه، غير ملتفت: "يا رسول الله، علام أقاتلهم؟ " (^١)، وهذا مثال بديع على حرص الصحابة على امتثال أمر النبي ﷺ.
قوله: "حتى تنزل بساحتهم" الساحة: الفناء المحيط بحصونهم، أي: امض، لا يردك شيء، حتى تقف قريبًا من حصنهم،
قوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام" هذا هو الشاهد من الحديث، وهو أن أول ما يبدأ به: الدعوة إلى دين الإسلام، والدعوة إلى شهادة: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وهؤلاء القوم قد دُعوا من قبل، فإن النبي ﷺ لما بادأهم بالقتال دعاهم للإسلام، فدل قوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام" على أن الدعوة إلى الإسلام تكرر على المخالف، ولا يقال: يُكتفى بالدعوة الأولى.
قوله: "وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه" أي: في الإسلام، فليس الدخول في الإسلام مجرد قول مجرد باللسان، أو دعوى لا حقيقة تحتها، بل لا بد أن يدرك الداخل في عقد الإسلام حقيقة هذا الدين، وماذا يعني انتماؤه له؟ وماذا يعني أن يقول: لا إله إلا الله. وكثير من الناس يظن أن الإسلام هو أن يقول: أنا من المسلمين، ولا يدرك أن مقتضى ذلك هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، وما يستتبع من حقوق، كحق الله في الصلاة، وحق الفقير في الزكاة، ونحو ذلك.
قوله: "فو الله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا" أقسم النبي ﷺ، وهو البار الصادق من غير قسم، بما يرغبه في إقناعهم في الدخول في الإسلام. والمقصود بالرجل هنا ليس الذكر خاصة، وإنما جنس الإنسان، رجلًا كان أو امرأة؛ لأن هذا لا يختص بالرجال دون النساء، ولكنه عبّر بالرجال لأنهم أهل الشوكة المحاربين.
قوله: "خير لك من حمر النعم" حمر النعم، هي الإبل الحمر، أنفس أموال العرب، فهداية الله على يديه رجلًا واحدًا، خير له من كرائم الإبل.
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٨/ ٥٢٢) والمستدرك على الصحيحين للحاكم (٣/ ٤٠).
[ ١ / ١٠٤ ]
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما فيه من الدعوة للإسلام، وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، فهذا مطابق تمامًا لقوله: "لا إله إلا الله".
فوائد الحديث:
١ - جواز القسم لغرض التأكيد، ولو لم يستحلف؛ لقوله: "لأعطين" ولقوله: "فو الله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا".
٢ - إثبات صفة المحبة لله ﷿؛ لقوله: "ويحبه الله".
٣ - أن المحبة تقع من الجانبين، من العبد لربه، ومن الرب لعبده، ولكن لكلِّ محبة تليق به، فلله تعالى له محبة تليق به، وللآدمي له محبة تليق به.
٤ - الرد على من أنكر صفة المحبة، من المتكلمين، ومنهم الأشاعرة، الذين يقولون: لا يُحِب ولا يُحَب، ويؤولون أو يحرفون المحبة من العبد لربه: بطاعته، والمحبة من الرب لعبده: بالإحسان إليه، ولا يثبتون محبة حقيقية، بدعوى عدم المناسبة بين القديم والمحدث، إلى غير ذلك من الكلام المزخرف، الذي لا طائل من ورائه، ولا يجوز أن تعارض به نصوص الكتاب والسنة؟!
فيقال لهؤلاء: أأنتم أغير على الله من رسول الله ﷺ؟! أأنتم أصدق من الله قيلًا وحديثًا؟! ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]
٥ - علامة من علامات النبوة، وهي إخباره بأمر مستقبل، وهو الفتح؛ لقوله: "يفتح الله على يديه" فما كان لرسول الله ﷺ أن يخبر بأمر مستقبل مغيب إلا بوحي من الله.
٦ - فضيلة ظاهرة لعلي بن أبي طالب ﵁، فهذا الحديث من أعظم الأحاديث الدالة على مناقبه ﵁.
وأصحاب النبي ﷺ، عمومًا، لهم فضل عام، ومنزلة وفضيلة على سائر قرون الأمة، كما قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
[ ١ / ١٠٥ ]
وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] وقال النبي ﷺ: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (^١)، ومع هذا الفضل العام للصحابة، فلكل واحد منهم فضل خاص، فقد يكون لأحدهم من الفضائل ما ليس للآخر، لكن القاعدة: أن الفضل الخاص لا يقضي على الفضل العام، والمنقبة التي تكون لأحدهم لا تقضي على أن يكون غيره أفضل منه، فلأبي بكر ﵁ فضائل، ولعمر فضائل، ولعثمان فضائل، ولعلي فضائل، ولطلحة، وللزبير، وعائشة، ونحو ذلك، كل له فضائل، لكن عند النظر إلى مجموع الفضائل يتبين أن: أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ: أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين-.
وقد اختلف بعض السلف في المفاضلة بين علي وعثمان، فمنهم من قدم عليًا، ومنهم من قدم عثمان، ومنهم من توقف. أما في مسألة الخلافة: فإن السلف ﵏ لم يختلفوا أبدًا في ترتيبهم في الخلافة، وأن أحق هذه الأمة بالخلافة بعد نبيها: أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين-.
ولم ينازع في مسألة الخلافة إلا الروافض، ولا عبرة بخلافهم، حتى إن الزيدية، من فرق الشيعة، مع تفضيلهم لعلي، ﵁، يثبتون خلافتهم، ويقولون بإمامة المفضول مع وجود الفاضل. وأما الفضل فقد اتفقت الأمة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، ثم عمر، وأخبر بذلك علي نفسه في حديث متواتر عنه، حيث قال وهو يخطب على منبر الكوفة: "إن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر" (^٢)، وقال: "من فضلني على أبي بكر وعمر جلدتهم حد المفتري" (^٣)، وهذا منقول عنه بالتواتر.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد برقم (٢٦٥٢) ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم برقم (٢٥٣٣).
(٢) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٨٨٠) وقال محققو المسند: "إسناده صحح على شرط الشيخين".
(٣) تاريخ دمشق لابن عساكر (٣٠/ ٣٨٣).
[ ١ / ١٠٦ ]
وبناءً عليه: فحصول هذه المزية لعلي بن أبي طالب ﵁ يوم خيبر، لا يقتضي أن يكون أفضل من أبي بكر، وعمر، وعثمان، ﵃، كما ادعت الرافضة، وإنما يدل على أنه هو الأفضل في مقام القيادة الحربية، وفتح الحصون، وما أشبه ذلك، بالإضافة إلى ما أثبت له النبي ﷺ من محبة الله ورسوله.
٧ - حصول البلاء على المسلم، بمرض ونحوه، ويكون ذلك تكفيرًا للسيئات، ورفعة للدرجات، وابتلاءً واختبارًا، فهذا علي ﵁ من سادات الصحابة، يبتلى في عينيه، بل إن البلاء من صفات الأنبياء، كما قال النبي ﷺ: "إن من أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (^١)، فإن كان في دينه شدة زيد له في البلاء، وإن كان في دينه رقة خفف عنه البلاء. فالبلاء ليس بالضرورة علامة عقوبة للإنسان، وإن كان يجب عليه أن يحاسب نفسه، ويتهمها، ولكن لا يخرجه ذلك إلى حد الإحباط والقنوط، بحيث يرى كل ما يقع عليه عقوبة، فقد يكون ابتلاء من الله ﷿ ليستخرج ما في نفسه من عبودية، ومحبة، وخوف، ورجاء، وتوكل، واستعانة، واستغاثة، وقد يكون تكفيرًا للسيئات، وقد يكون رفعة للدرجات، فعلى العبد المؤمن أن يتلقى أقدار الله المؤلمة بهذه الروح، فإن الله لا يقضي على المؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له.
٨ - بركة النبي ﷺ بآثاره الحسية؛ لقوله: "فبصق في عينيه فبرأ كأن لم يكن به وجع".
٩ - علامة أخرى من علامات النبوة؛ وهو أنه برئ كأن لم يكن به وجع.
١٠ - وفيه جملة من آداب القتال:
الأول: سرعة النفاذ، وهو المضي والعزم، فلا يرده شيء، ولا يلتفت يمنة ولا يسرة.
الثاني: أن يصدر على رسله، ولا يجلب بالأصوات، وغير ذلك؛ لأن الحرب خدعة، بحيث يأتي عدوه في مكمنه.
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٢٧٠٧٩) وقال محققو المسند: "حديث صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن".
[ ١ / ١٠٧ ]
الثالث: أن ينزل بساحة القوم، حتى يجعلهم أمام المواجهة، لقوله: "حتى تنزل بساحتهم".
١١ - البداءة بالدعوة إلى الإسلام لقوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام".
١٢ - الرد على من اتهم الإسلام بأنه انتشر بالسيف، أو أنه دين دموي، فإن الفاتحين المسلمين يبدؤون بعرض الإسلام على المخالفين، ليحقنوا دماءهم، ويصونوا أموالهم، فلو كان الإسلام كما يزعم المستشرقون وأذنابهم متشوفًا للدماء؛ لما كان هناك عرضٌ للإسلام، ولهجموا على العدو وأفنوهم، وأزهقوا أرواحهم، واستباحوا أموالهم، لكنه يرغبونهم في الإسلام، وإذا أسلموا كانوا مثلنا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، فلا يوجد أمة تصنع هذا بأعدائها ومخالفيها، حتى قال المستشرق الفرنسي جوستاف لوبون: "لم يعرف التاريخ فاتحًا أرحم من المسلمين".
١٣ - وجوب التفقه في الدين لمن تولى إمارة، أو قيادة، سيما ما يتعلق بأبواب الجهاد.
١٤ - فضل الدعوة إلى الله، فإن من اهتدى على يديه رجل واحد، حاز أجرًا عظيمًا، وكان له مثل أجره، دون أن ينقص من أجره شيء.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله ﷺ.
لقوله: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، فإن كان قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ معطوفًا على الضمير في ﴿أَدْعُو﴾ فهو دليل على أن أتباعه هم الدعاة إلى الله، وإن كان معطوفًا على الضمير المنفصل ﴿أَنَا﴾ فهو صريح في أن أتباعه هم أهل البصيرة فيما جاء به، دون غيرهم، وكلا المعنيين حق (^١).
_________________
(١) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص: ١١) ومعاني القرآن للفراء (٢/ ٥٥) والكشاف للزمخشري (٢/ ٣٢٦) والبحر المحيط (٥/ ٣٤٦) والدر المصون (٦/ ٥٦١) ومفتاح دار السعادة، ص (١٦٧ - ١٦٨).
[ ١ / ١٠٨ ]
الثانية: التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيرًا لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه.
لقوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، وهي مسألة دقيقة تتطلب تعاهد القلب وتنقيته.
الثالثة: أن البصيرة من الفرائض.
لقوله: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾، والبصيرة فعيلة، صيغة مبالغة؛ فهي في القلب، والبصر في العين؛ لأن البصر يدرك المحسوسات، والبصيرة تدرك الحقائق، والمراد بالبصيرة هنا: العلم الذي يميز به بين الحق والباطل، فهي دعوة قائمة على العلم، والبيان، والحجة، والبرهان، وليست كسائر الدعوات التي يُدعى إليها لداعي الهوى والشهوة، بغير حجة ولا برهان.
الرابعة: من دلائل حسن التوحيد: أنه تنزيه الله تعالى عن المسبة.
لقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فنزه الله أن يكون له شريك، فدل ذلك على أن إفراده بالعبادة، الذي هو التوحيد، أصل عظيم، مأمور به.
الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله.
كون الشرك مسبة لله تعالى ظاهر غاية الظهور؛ لأن المشرك يجعل لله ندًا، يصرف له العبادة، فهو متنقص لله تعالى، بزعمه أن له سبحانه شريكًا، يستحق أن تصرف له العبادات. أو بتشبيهه بالمخلوقين، فكان من شرط التوحيد تنزيه لله عن هذه المسبة العظيمة.
السادسة: وهي من أهمها: إبعاد المسلم عن المشركين؛ لئلا يصير منهم، ولو لم يشرك.
لقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فيجب أن يجانب المسلم المشركين، حتى ولو لم يكن على ملتهم، ولا ينخرط فيهم.
[ ١ / ١٠٩ ]
السابعة: كون التوحيد أول واجب.
لحديث معاذ ﵁: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة: أن لا إله إلا الله".
الثامنة: أنه يبدأ به قبل كل شيء، حتى الصلاة.
لقوله: "فليكن أول" ثم قال: "فإن هم أطاعوك لذلك" على الترتيب، فذكر الصلاة.
التاسعة: أن معنى: "أن يوحدوا الله" معنى شهادة: أن لا إله إلا الله.
وذلك بالجمع بين الروايتين، فتفسر إحداهما الأخرى.
العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها، أو يعرفها، ولا يعمل بها.
ومراده بقوله: "وهو لا يعرفها أو يعرفها" أي: شهادة أن لا إله إلا الله؛ لقوله: "فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله" إذ لو كانوا يعرفون (لا إله إلا الله) ويعملون بها؛ ما احتاجوا إلى الدعوة إليها؛ فلهذا أمر النبي ﷺ أن يبادئ هؤلاء القوم -مع أنهم أهل كتاب- بالدعوة إلى شهادة: أن لا إله إلا الله، فإنهم إما لم يعرفوها، أو عرفوها، ولم يعملوا بها.
الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج.
لقوله: "فإن هم أطاعوك لذلك".
الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم.
لأنه بدأ بالتوحيد، وثنى بالصلاة، وثلث بالزكاة.
الثالثة عشرة: مصرف الزكاة.
وهم الفقراء؛ لقوله: "تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم".
[ ١ / ١١٠ ]
الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم.
لأنه قد يظن الجابي للزكاة من قوله: "تُؤخذ من أغنيائهم" أن أخذ كرائم الأموال أولى، صونًا لحق الله، فدفع ذلك ببيان أن المتعين هو الأخذ من الوسط، لا من الكرائم.
الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال.
لقوله: "وإياك وكرائم أموالهم" لأن معنى: (إياك) احترز واتقِّ، فهي تدل على النهي والتحذير.
السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.
لقوله: "واتقِّ دعوة المظلوم" ويكون اتقاؤها بعدم ظلمه، بأي نوع من أنواع الظلم، وهذا لا يختص بالزكاة فقط.
السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب.
لقوله: "فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" أي: ليس لها ما يصرفها، ولو وُجد في المظلوم مانع من موانع الإجابة، كأن يكون مطعمه حرامًا، أو غير ذلك، وليس من شرطها أن يكون المظلوم مؤمنًا، فدعوة الكافر المظلوم تصعد إلى الله تعالى؛ لأن كفره على نفسه؛ ولأن الله قد تكفّل بنصرة المظلوم، كما جاء في الحديث: "وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" (^١)، والتاريخ مليء بصفحات أمم سادت ثم بادت بسبب دعوات المظلومين والمعذبين. قال الحافظ ابن رجب ﵀: "فالغالبُ أنَّ الظالمَ تُعجَّل له العقوبةُ في الدنيا، وإنْ أُمهل" (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم (٣٧١٨) والبيهقي في شعب الإيمان برقم (٧١٠١) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (١١٧).
(٢) تفسير ابن رجب الحنبلي (١/ ٣٢٥).
[ ١ / ١١١ ]
الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد: ما جرى على سيد المرسلين، وسادات الأولياء من المشقة، والجوع والوباء.
كما جرى للنبي ﷺ وأصحابه يوم فتح خيبر، وفي غيرها، من البلاء والمشقة والعنت، ووجه كون ذلك من أدلة التوحيد: أن الصبر والتحمل في مثل هذه الأمور يدل على إخلاص الإنسان في توحيده، وأن قصده الله، ولذلك صبر على البلاء، فيتحقق التوحيد: استعانة بالله، وتوكلًا عليه، ودعاء إليه.
التاسعة عشرة: قوله: "لأعطين الراية .. إلخ"، علم من أعلام النبوة.
ووجه كونه كذلك، قوله: "يفتح الله على يديه" حيث أخبر بأمر غيبي فتحقق.
العشرون: تفله في عينيه عَلَمٌ من أعلامها أيضًا.
أي: تفله في عيني علي -رض الله عنه-، حصل به الشفاء، وهذا من علامة نبوته ﷺ.
الحادية والعشرون: فضيلة علي ﵁.
وهي فضيلة ظاهرة، فقد أخبر ﷺ أنه "يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله".
الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة، وشغلهم عن بشارة الفتح.
أي: أن الصحابة -رضوان الله عليهم- اشتغلوا تلك الليلة في التشوف لحصول هذه المنقبة
لأنفسهم، طمعًا في فضل الله، ولم يفكروا في الغنائم والفتح، وإنما فكروا فيمن يُعطى الراية، وهذا يدل على فضلهم؛ لأنهم آثروا المنقبة المتعلقة بالآخرة على الفتح والغنائم.
الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر؛ لحصولها لمن لم يسع لها، ومنعها عمن سعى.
فالذين غدوا وبكروا وتشوفوا لم يقع لهم ذلك، والذي لم يحضر، ولم يسع سيقت إليه، فهذا دليل على الإيمان بالقدر، وإن كان هذا لا يمنع المؤمن
[ ١ / ١١٢ ]
من السعي في مصالحه، لكن مشيئة الله نافذة، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩].
الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: "على رسلك".
أدب من آداب القتال، وهو أن يمضي الإنسان على مهله، دون ضجيج، ليباغت العدو.
الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.
لقوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام".
السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دُعوا قبل ذلك، وقوتلوا.
فلا شك أن النبي ﷺ قد دعاهم أولًا، ولما أرسل إليهم حملة ثانية كُررت عليهم الدعوة؛ لعلهم يستجيبون.
السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة؛ لقوله: "أخبرهم بما يجب".
فمن الحكمة أن تُرتب الأمور ترتيبًا حسنًا، فيبتدئ أولًا: بعقد الإسلام، فإن هم قبلوا به، انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن تفاصيله ولوازمه.
الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله تعالى في الإسلام.
فينبغي على من دخل في عقد الإسلام أن يعلم بأن دخوله في عقد الإسلام يستلزم حقوقًا لله تعالى.
التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يده رجل واحد.
لقوله: "فو الله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" وهذا ثواب عظيم، فلا يزهد بالدعوة الفردية.
الثلاثون: الحلف على الفتيا.
لقوله: "فو الله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا" وهذا مما يبيح الحلف دون استحلاف.
[ ١ / ١١٣ ]