وقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٥١].
وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [سورة الزمر: ٤٤].
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥].
وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [سورة النجم: ٢٦].
وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ: ٢٢ - ٢٣].
الشروح
الكلام على الشفاعة من عدة أوجه:
أولًا: من حيث تعريفها:
الشفاعة في اللغة: مأخوذة من الشفع، وهو الزوج، ضد الوتر؛ لأن الأشياء: إما شفع، وإما وتر، قال تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣]، فمادة (شفع) تدل على الزوجية والإثنينية، بخلاف الفردية.
وأما في الاصطلاح: فالشفاعة: سؤال الخير للغير، وأقرب الاستعمالات لها في لغتنا المعاصرة قولهم: (الواسطة). قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. فكأن الشافع، لما انضم إلى المشفوع له، صارا شفعًا، بعد أن كان وترًا.
[ ١ / ٢٧١ ]
ثانيًا: الفرق بين الشفاعة عند الله والشفاعة عند غيره:
وينبغي أن يعلم أن الشفاعة عند الله ﷿ ليست كالشفاعة عند ملوك الدنيا، وعدم التمييز بين هذا وهذا هو الذي أوقع المشركين فيما وقعوا فيه من الشرك العظيم. فإن الشفاعة عند ملوك الدنيا تكون مقبولة: إما رغبة، أو رهبة، فحينما يتقدم الشافع عند ملك، أو سلطان، أو أمير، أو كبير؛ ليشفع لفلان، فإن شفاعته تقع دون إذن مسبق، بل يفجؤه بها، وقد يقبل شفاعته رغبة في استمالته، أو دفعًا لسخطه، وهذان الاحتمالان منتفيان في حق الله ﷿، فإن الله ﷾ لا يستكثر بعباده من قلة، ولا يستعز بهم من ذلة، ولا يقبل شفاعة الشافعين ليستقوي بهم، ولا ليدفع شرهم وخطرهم، حاشا وكلا، فالله هو القوي العزيز، الذي له القوة جميعًا، وله العزة جميعًا، وهو الغني الحميد، الذي له ملك كل شيء، وخلقه مضطرون مفتقرون إليه.
ثالثًا: شروط الشفاعة:
الشفاعة حق خالص له سبحانه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]. ووجه كونها لله جميعًا: أن الشفاعة عند الله ﷿ لا تكون صحيحة إلا بشرطين:
الشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع، دليل هذا الشرط قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فلا يملك أحد أن يشفع عند الله إلا بعد إذنه. أما الشفاعة عند المخلوقين فلا يشعر ذلك السلطان، أو الكبير، أو الأمير، أو الوزير، إلا وقد أدلى الشافع بشفاعته، دون إذن مسبق، أما في حق الله فلا بد من إذن مسبق؛ لأن الشفاعة له.
الشرط الثاني: رضاه عن المشفوع له، والدليل على هذا الشرط، قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وقد جمع الله تعالى بين هذين الشرطين في آية النجم، فقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] أي: من بعد أن يأذن الله لمن يشاء من الشافعين، ويرضى عن المشفوع لهم، فتبيّن بهذا معنى قول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤].
رابعًا: الحكمة من الشفاعة:
فإن قال قائل: إذا كان الأمر كذلك، وصارت الشفاعة لا تحصل إلا بإذن
[ ١ / ٢٧٢ ]
للشافع، ورضا عن المشفوع له، فما الداعي للشفاعة؟ الجواب عن هذا أن يقال: إن ذلك لإظهار كرامة الشافعين؛ من الأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين، ومنزلتهم عند ربهم، بجعلهم سببًا لحصول المراد. لا كما فهمها المشركون، أنها نوع إدلاء على الله تعالى، كما عند ملوك الدنيا.
خامسًا: أنواع الشفاعة:
الشفاعة المذكورة في القرآن، نوعان:
١ - شفاعة مثبتة. وهي ما جمعت شرطي قبول الشفاعة: إذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له. كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فأثبت الشفاعة بشرطيها.
٢ - شفاعة منفية. وهي الشفاعة للمشركين، لتخلف شرطيها، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، أو التي توهمها المشركون لآلهتهم، كما قال قائلهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وكقولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فأبطل الله تعالى ذلك.
وكما وقع المشركون الأوائل في إشكالية الشفاعة، وقع فيها المشركون المتأخرون، فصار الذين يقصدون الأولياء والقبور، ويدعون الصالحين إذا أُنكر عليهم ذلك، قالوا: هؤلاء يشفعون لنا عند الله، فنحن ندعوهم لمقامهم ومنزلتهم، وقربهم، عند الله، فهم وسائط بيننا وبين الله، ونحن مسلمون، نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وليس حالنا كحال المشركين، فيقال: لا فرق، بين ما وقع فيه الأوائل من دعاء غير الله ﷿ وما وقعتم فيه، فإن قلتم: نحن ندعو صالحين، فقد دعوا صالحين: كاللات الذي كان يلت السويق للحجاج، والملائكة هم أقرب الخلق لله ﷾، وعيسى ﵇، وأمه الصديقة، فكانوا يستشفعون بالصالحين، كما تفعلون، ومع ذلك أبطل الله صنيعهم، وأكفرهم بذلك، فلا فرق بين الفعلين.
وأما قولكم: نحن نشهد أن لا إله إلا الله، فيقال: إن شهادة أن لا إله إلا الله تعني أن لا معبود بحق إلا الله، وألا تصرف العبادة لغير الله، فإن أخللتم بذلك فقد نقضتم شهادتكم.
[ ١ / ٢٧٣ ]
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كانت مسألة الشفاعة من المسائل التي أشكلت على أهل الإشراك، ففهموها على غير وجهها، ووقعوا بسبب ذلك في الشرك الأكبر، احتيج إلى بيانها غاية البيان.
واستدل المصنف -رحمه الله تعالى- بقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١].
قوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ النذارة: هي الإعلام بأمر مخوف، وضدها: البشارة، وهي الإعلام بأمر مرجو، ودعوة المرسلين قائمة على البشارة والنذارة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥] فالرسل دومًا مبشرين ومنذرين، يبشرون بوعد الله، وينذرون من وعيده. ومرجع الضمير في قوله: ﴿بِهِ﴾ أي: بالقرآن العظيم.
قوله: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ فلا ينتفع بالنذارة إلا المؤمن باليوم الآخر، فالإيمان باليوم الآخر هو الذي يحمل العبد على أن ينتفع بالمواعظ، أما من لا يؤمن بالبعث، ولا باليوم الآخر، فلا تؤثر فيه القوارع والمواعظ؛ لأنه يظن أن منتهى الأمر أن يموت، ويتحلل جسده، ويصبح ترابًا، وأما من علم بأن ثّمة يوم آخر؛ يجازى المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، فإنه تنفعه النذارة. فكأن الأمر بالنذارة، هنا، باعتبار حصول أثرها. وقوله: ﴿أَنْ يُحْشَرُوا﴾ أي: أن يجمعوا، ويساقوا إلى ربهم،
قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ﴾ الولي: مشتق من الولْي، وهو القرب والدنو، فليس لهم من دون الله ولي يحول بينهم وبين الله ﷿.
قوله: ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ سمي الشفيع شفيعًا؛ لأن الشافع ينضم إلى المشفوع له، فصار شفعًا بعد أن كان المشفوع له وترًا.
قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] غاية هذه النذارة ونتيجتها حصول التقوى. وتقوى الله ﷿ تعني: أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله تعالى وقاية، بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وليست الوقاية أن يتخذ شفيعًا، أو وليًا يدعوه من دون الله، فهذه لا تزيده من الله إلا بعدًا.
[ ١ / ٢٧٤ ]
مناسبة الآية للباب:
مطابقة للترجمة، وهي نفي الاعتماد على الشفعاء، دون إيمان وتقوى.
فوائد الآية:
١ - إثبات الشفاعة لله ﷾، فلا يستقل بها أحد.
٢ - النذارة بالقرآن العظيم، وأنه أعظم المواعظ.
٣ - إثبات اليوم الآخر.
٤ - فضيلة الخوف من الله واليوم الآخر.
٥ - وجوب إفراد الله ﷾ بالدعاء، وعدم دعاء غيره.
٦ - إبطال دعاوى المشركين الذين يزعمون أن أولياؤهم شفعاء لهم عند الله ﷿.
ثم استدل المصنف بقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] وهذه الآية تدل على أن الشفاعة خالصة لله ﷾، وليست لأحد، فهو الذي يأذن للشافع أن يشفع لمن ارتضى من عباده. ولهذا فإن نبينا ﷺ يوم القيامة يذهب فيسجد تحت العرش، ويحمد الله تعالى بمحامد، كالمستأذن، فحينئذٍ يقال له: "يا محمد ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعطه" (^١).
ولنبينا ﷺ شفاعة خاصة وشفاعة عامة:
١ - الشفاعة الخاصة: لا يشاركه فيها أحد، وهذه ثلاثة أنواع:
الأول: الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود، وهي شفاعته ﷺ لأهل الموقف أن يقضى بينهم، فإن الخلائق يوم القيامة إذا طال بهم المقام، ودنت منهم الشمس قدر ميل، أو ميلين، وساخ العرق في الأرض سبعين ذراعًا، حتى إن منهم من يلجمه العرق إلجامًا، وبلغ منهم الجهد كل مبلغ، فزعوا إلى آدم ﵇ وقالوا: اشفع لنا عند ربك، فيحيلهم آدم على نوح، ويحيلهم نوح على إبراهيم،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [نوح: ١] إلى آخر السورة برقم (٣٣٤٠) ومسلم في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها برقم (١٩٤).
[ ١ / ٢٧٥ ]
ويحيلهم إبراهيم على موسى، ويحيلهم موسى على عيسى، وكل من سبق، باستثناء عيسى، ﵈، يذكر ذنبًا أذنبه، فيستحي من الله أن يشفع، ويقول: نفسي نفسي، ويذكر فضل من بعده، حتى يؤول الأمر إلى نبينا ﷺ، فيقول: "أنا لها" (^١)، فيأتي، فيسجد تحت العرش، ويفتح عليه بمحامد، يقول: "لا أحسنها الآن") ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فيقول: يا ربي! أمتي، أمتي. فيكون أول من يقضى بينهم أمة محمد ﷺ، فهذه هي الشفاعة العظمى التي قال الله تعالى عنها: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
الثاني: شفاعته ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، ولا يشاركه في هذه الشفاعة أحد، كما قال في الحديث الصحيح: "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك" (^٢).
الثالث: شفاعته ﷺ في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب؛ وذلك أن العباس بن عبد المطلب ﵁ سأل النبي ﷺ وقال له: يا رسول الله إن عمك أبا طالب كان يحوطك، وينصرك في مكة، فهل نفعته بشيء؟ فقال: "نعم، وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح" (^٣)، وقال: "أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين، يغلي منهما دماغه" (^٤)؛ فالمشركون في الأصل لا تنفعهم شفاعة الشافعين، لكن هذه حالة استثنائية نفع النبي ﷺ فيها عمه، فأُخرج من الدرك الأسفل من النار، وخفف عنه، فنُعل بنعلين، يغلي منهما دماغه، وهو أهون أهل النار عذابًا.
٢ - الشفاعة العامة: وهي التي يشترك فيها النبي ﷺ مع غيره من الأنبياء،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم برقم (٧٥١٠) ومسلم في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها برقم (١٩٣).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قول النبي ﷺ: "أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعًا" برقم (١٩٧).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه برقم (٢٠٩).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب أهون أهل النار عذابًا برقم (٢١٢).
[ ١ / ٢٧٦ ]
والصديقين، والشهداء، والصالحين، حتى الفَرَط يشفع في والديه، وهذه أنواع خمسة:
أحدها: الشفاعة فيمن استحق النار من عصاه الموحدين: أن لا يدخلها.
الثاني: الشفاعة فيمن دخل النار من عصاة الموحدين: أن يخرج منها، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الله تعالى يقول: "اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا" (^١)، وهذان النوعان أنكرتهما المعتزلة، والرافضة، والإباضية، لأنهم على عقيدة واحدة في باب الوعد والوعيد، فينكرون الشفاعة، ويثبتها أهل السنة للأدلة المتكاثرة في الصحاح، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، الدالة على إخراج من شاء الله إخراجه، ويقال لهؤلاء الذين أخرجوا بعد أن امتحشوا: "الجهنميون"، وفي الحديث: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال بخطاياهم- فأماتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحمًا، أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر (^٢)، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحِبَّة تكون في حميل السيل" فقال: رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ قد كان بالبادية (^٣).
الثالث: الشفاعة فيمن تساوت سيئاتهم وحسناتهم أن يدخلوا الجنة، وهؤلاء هم أهل الأعراف، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] فهؤلاء تنالهم شفاعة الشافعين فيدخلون الجنة.
الرابع: الشفاعة في رفع درجات بعض أهل الجنة؛ حيث يشفع لبعض أهل
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] برقم (٧٤٣٩) ومسلم في الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية برقم (١٨٣).
(٢) (ضبائر ضبائر): منصوب على الحال، وهو جمع ضبارة، بفتح الضاد وكسرها، أشهرها الكسر، ويقال فيها أيضًا إضبارة، قال أهل اللغة الضبائر: جماعات متفرقة. شرح النووي على مسلم (٣/ ٣٨).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار برقم (١٨٥).
[ ١ / ٢٧٧ ]
الجنة أن ترفع درجاتهم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١].
الخامسة: الشفاعة في دخول بعض المؤمنين الجنة بلا حساب ولا عذاب؛ ويدل على هذا النوع حديث عكاشة بن محصن الأسدي، حين أخبر النبي ﷺ عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فخاض الناس في ذلك، كما تقدم في أول كتاب التوحيد، ثم قال عكاشة بن محصن: "ادع الله أن يجعلني منهم" قال: "أنت منهم" (^١).
فهذه ثمانية أنواع من أنواع الشفاعة. وأهل السنة يثبتونها جميعًا، ويختص النبي ﷺ بثلاثة منها، لا يشاركه فيها أحد.
قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ الاستفهام للنفي، والمعنى: لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، فدلت على إثبات هذا الشرط العظيم، وهو إذن الله للشافع أن يشفع.
قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (كم): هي التكثيرية الخبرية، أي: ما أكثر! وخص السماوات لأنها منازل الملائكة الكرام، وقد قال النبي ﷺ: "إن السماء أطت (^٢)، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله" (^٣)، فالسماء معمورة بالملائكة الكرام، وهؤلاء الملائكة في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئًا، ومعنى "لا تغني" أي: لا تجدي ولا تنفع، إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء من الشافعين، ويرضى عن المشفوع لهم.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) الأطيط صوت الأقتاب، وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها، أي أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أنقلها حتى أطت. وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة،. النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٥٤).
(٣) أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء برقم (٤١٩٠) والترمذي ت شاكر في أبواب الزهد، باب في قول النبي ﷺ: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا" برقم (٢٣١٢) وحسنه الألباني.
[ ١ / ٢٧٨ ]
ثم قال المصنف ﵀:
"قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] "
قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: أدعيتم من الآلهة المزعومة من أشجار، وأحجار، وكواكب، وصالحين، سوى الله ﷿، وهذا أسلوب تحدي وتعجيز.
قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ والذرة: هي النملة الصغيرة، وهذا هو الذي فهمه المخاطبون، ولا وجه أن يقال: إن الذرة في الآية يراد بها الذرة الفيزيائية، المتناهية في الصغر، التي لا ترى بالعين المجردة، كما يقوله بعض المعاصرين، من دعاة الإعجاز العلمي في القرآن! فالواقع أن الله ﷾ خاطب الناس بما يعرفون، فالذرة التي ذكرت في القرآن هي المعهودة لديهم، مثل بها للتدليل على أدق الأشياء وأصغرها، ولم يكن معلومًا عندهم أن المادة تتكون من ذرات، وأن الذرة تتكون من بروتون، ونيترون، وغير ذلك من المعلومات التفصيلية.
قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ أي: أن هؤلاء المدعوين الذين أشركتموهم مع الله ﷿، لا يملكون استقلالًا، ولا يملكون مشاركة.
قوله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي: معين أو معاون، فهو غني عن معاونتهم؛ كما يعاون الخدم والحشم، الأمير أو السلطان، فنفى الله عنهم ثلاثة أمور، وبقي أمر رابع؛ وهو الشفاعة: قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ هذا هو الاحتمال الرابع الذي يمكن أن يتعلق به المشركون، وهو أن يقول قائلهم: سلَّمنا وأقررنا أن هؤلاء المدعوين: لا يملكون ذرة استقلالًا، ولا مشاركة، ولا مظاهرة، لكن لمدعوينا مقام وجاه، يدلون به على الله ﷿، فما دام لهم هذه المنزلة، فنحن
[ ١ / ٢٧٩ ]
نتعلق بهم وندعوهم! فلذلك محق الله تعالى المتعلق الأخير بقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ فلم يبق شيء يتعلق به المشركون. فهذه الآية العظيمة أبطلت جميع ما يمكن أن يحتج به دعاة الشرك، وهي من أعظم آيات التوحيد.
مناسبة الآيتين للباب:
ظاهرة، لما فيها من الرد على المشركين الذين يتعلقون بالأولياء، ويطلبون منهم الشفاعة.
فوائد الآيتين:
١ - الرد على المشركين الأوائل والمتأخرين.
٢ - مشروعية المجادلة والمناظرة للمخالفين؛ لأن الله ندب نبيه لذلك، فقال له: ﴿قُلْ﴾، وأملى عليه ما ينبغي أن يقول، فلا بد أن يكون في أهل الإسلام من ينتدب للرد والمناظرة، وهكذا كان، فإن العلماء قد انبروا لذلك، وكانوا على ضربين: منهم من يصنف ابتداءً في بيان مسائل الدين الأصلية والفرعية. ومنهم من ينصب نفسه للرد على أهل البدع والمخالفين، وكلا الأمرين مطلوب، ويحسن أن يجمع العالم بينهما؛ فأحدهما في جانب البناء، والثاني في جانب الصيانة.
٣ - قطع جميع الأسباب والمتعلقات التي يتعلق بها المشركون وهي: الملك، والمشاركة، والمعاونة، والشفاعة، وأنها خالصة لله تعالى.
٤ - إثبات الشفاعة؛ وذلك من قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، فالاستثناء يدل على وجود شفاعة مثبتة، وهي التي تكون بإذنه.
٥ - أن المشركين الذين استشفعوا بمعبوداتهم، لا تنفعهم تلك الشفاعة؛ ولهذا ذمهم الله، فقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥].
[ ١ / ٢٨٠ ]
ثم قال المصنف-﵀:
قال أبو العباس: نفى الله عن من سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك، أو قسط منه، أو أن يكون عونًا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبيّن أنها لا تنفع إلا لم أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء: ٢٨]. فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون، هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه، ويحمده؛ لا يبدأ بالشفاعة أولًا، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تُعط، واشفع تشفع (^١).
وقال أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" (^٢)، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.
وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه، وينال المقام المحمود" (^٣).
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك؛ ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيّن النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. ا. هـ كلامه" (^٤).
الشرح:
قوله: "قال أبو العباس" هذه كنيته، وأما لقبه فشيخ الإسلام، وتقي الدين أيضًا، واسمه: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، ولد سنة ٦٦١ هـ، وتوفي سنة ٧٢٨ هـ، وشهرته تغني عن تعريفه، فهو شيخ الإسلام حقًا، ومجدد الدين صدقًا. ﵀.
قوله: "نفى الله عن من سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٧٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب الحرص على الحديث برقم (٩٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٧٨).
(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٧٩).
[ ١ / ٢٨١ ]
لغيره ملك، أو قسط منه، أو أن يكون عونًا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبيّن أنها لا تنفع إلا لم أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون، هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه، ويحمد، لا يبدأ بالشفاعة أولًا، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تُعط، واشفع تشفع" (^١).
هذا في حديث الشفاعة المشهور: أن النبي ﷺ يقول: "فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجدًا، فيقول: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع" (^٢)، فهو ﷺ لم يبدأ بطلب الشفاعة، ولكن مُنحت له.
قوله: "وقال أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" (^٣)، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله" دل ذلك على أنه لا بد من إذن الله للشافع أن يشفع، بدليل قوله: "واشفع تشفع"، ولابد من رضاه عن المشفوع له، وشرط الرضا: أن يكون من أهل التوحيد والإخلاص، لقوله: "من قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه"، وإن شابته شائبة كبيرة، لا تبلغ الشرك ..
قوله: "وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه، وينال المقام المحمود" (^٤)، هذه حقيقة الشفاعة: أنها تفضل ورحمة من الله ﷿ على من أراد الله تعالى أن يرحمه؛ وذلك بواسطة شفاعة هذا الشافع، الذي أذن له بها، فيكرمه الله على رؤوس الخلائق، بأن يجيز شفاعته، ولا شك أن ذلك كرامة له، ودليل على منزلته عند الله ﷾، وبهذا يتبين فضل الشفاعة، قال الله ﷿: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] فالمقام المحمود هو الشفاعة العظمى، وهو
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٧٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم برقم (٧٥١٠) ومسلم في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها برقم (١٩٣).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب الحرص على الحديث برقم (٩٩).
(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٧٨).
[ ١ / ٢٨٢ ]
شفاعته ﷺ لأهل الموقف: أن يُقضى بينهم، وإنما سمي "المقام المحمود" لأن جميع الخلائق تحمده على هذا العمل، الذي كان سببًا في خلاصهم، بعد هذا الموقف الطويل، فلهذا قال ﷺ: "وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة" (^١).
قوله: "فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك؛ ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيّن النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. ا. هـ كلامه" (^٢)، فدل ذلك على وجود نوعين من الشفاعة؛ منفية، ومثبتة كما سبق.
وبناء عليه: فإن هؤلاء الذين يضيعون أعمارهم في دعاء غير الله ﷿، ويتقربون إلى المقبورين والأولياء، ويقولون: نحن في سترك يا فلان، أو نحن في حسبك، ونحن كذا وكذا؛ يخاطبون هذا الميت المقبور، الذي لا يملك لنفسه، ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا، إنما يهدرون أعمارهم، ويفسدون أديانهم، ويرغبون عن الطريق السوي، وهو دعاء الله ﷿، وسؤاله مباشرة.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيات.
أي الواردة في هذه الباب، وقد تقدم بحمد الله.
الثانية: صفة الشفاعة المنفية.
وهي التي تطلب من غير الله، التي كان عليها المشركون.
الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة.
وهي التي تطلب من الله، فتجمع شرطين:
١ - إذن الله للشافع أن يشفع.
_________________
(١) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب المناقب برقم (٣٦١٦) وضعفه الألباني.
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٧٩).
[ ١ / ٢٨٣ ]
٢ - ورضاه عن المشفوع له.
الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود.
وهي له ﷺ لأهل الموقف؛ ليقضى بينهم، كما قال الله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] فهذا المقام المحمود هو شفاعته لهم.
الخامسة: صفة ما يفعله ﷺ، وأنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد، فإذا أُذن له شفع.
وهذا قد جاء في حديث الشفاعة المتفق عليه، ونبَّه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية.
السادسة: من أسعد الناس بها؟
هو من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه؛ وهذا فضل عظيم؛ ولهذا قال النبي ﷺ لأبي هريرة: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث" (^١)، فليحقق العبد هذا في نفسه، وليقل: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه، أي: لا معبود بحق إلا الله، وليمرر هذا المعنى على قلبه، في مختلف الأوقات، فإن هذا من أعظم أسباب حصول الشفاعة من النبي ﷺ.
السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله.
لأنه شرط لها الإخلاص القلبي، المنافي للشرك.
الثامنة: بيان حقيقتها.
كما عبّر شيخ الإسلام ﵀ بقوله: "وحقيقته أن الله ﷾ هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص -يعني أهل التوحيد- فيرحمهم، ويكون ذلك بواسطة من أراد الله أن يكرمه".
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب الحرص على الحديث برقم (٩٩).
[ ١ / ٢٨٤ ]