عن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون، فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أُمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أُمرت به" (^١)، صححه الترمذي.
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كانت الريح خلق من خلق الله، وجند من جند الله؛ فتارة يرسلها بشرًا بين يدي رحمته، وتارة يهلك بها من شاء، لا تجري بأمرها، ولا تسير بإرادتها، عاد سبها سبًا لمرسلها ومجريها. وهذا منافٍ للتوحيد.
قوله: "عن أبي بن كعب ﵁" أبي بن كعب بن قيس الأنصاري، من سادات الأنصار، وهو سيد القراء، فهو أقرأ الناس لكتاب الله، مات سنة ثلاثين.
قوله: "أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا الريح" " أي: لا تشتموها، ولا تذموها إذا لحقكم بسببها أمر تكرهونه، وهذا أمر كان جاريًا على ألسنة العرب في الجاهلية، ولا يزال بعض الجهال اليوم يفعله.
قوله: "فإذا رأيتم ما تكرهون" أي: إما لشدة حرها كالسموم، أو لشدة بردها كالزمهرير، أو لقوتها كالأعاصير.
قوله: "فقولوا: اللهم إنا نسألك خير هذه الريح" أي: الخير الذاتي فيها.
_________________
(١) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الفتن، باب ما جاء في النهي عن سب الرياح برقم (٢٢٥٢) وصححه الألباني.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
قوله: "وخير ما فيها" أي: خير ما تحمله، فإنها تسوق السحاب الثقال، وتحمل حبوب اللقاح، وغير ذلك. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧].
قوله: "وخير ما أُمرت به" أي: من تلقيح السحب، ونزول المطر، وإذهاب الحر، والحشرات. قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨]. وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨].
قوله: "ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أُمرت به" شرها الذاتي، وشرها المحمول، والمأمور به. قال تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ﴾ [الإسراء: ٦٩]، وقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [الشورى: ٣٣]، وقال: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤١، ٤٢].
قوله: "صححه الترمذي" وقد رواه أيضًا الإمام أحمد (^١)، والنسائي (^٢)، وهو صحيح.
فهذا أدب نبوي ينبغي للمؤمن أن يتأدب به، فإذا رأى الرياح، وهبوبها، فلا يتبرم، ولا يضيق، فيفضي به ذلك إلى سبها وهي مدبرة، بل يدعو بما ورد. وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ، إِذَا رَأَى مَخِيلَةً فِي السَّمَاءِ، أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، وَدَخَلَ وَخَرَجَ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَإِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَّفَتْهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٢١١٣٨) وقال محققو المسند: "حديث صحيح".
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى في كتاب عمل اليوم والليلة، ذكر الاختلاف على سليمان بن مهران في خبر أبي بن كعب في سب الريح برقم (١٠٧٠٤).
[ ٢ / ٦٨٤ ]
مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤] (^١)
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، لما فيه من النهي عن سب الريح، والاستعاضة عن ذلك بالدعاء الصالح.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن سب الريح، والأصل في النهي التحريم، ولأن سب الريح سب لمدبرها، سبحانه.
٢ - الاستعاذة بالله ﷿ من كل شر. فلا يعيذ العبد من الشرور إلا الله ﷾ كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١، ٢] فالله تعالى هو الذي يعيذ العبد؛ ومن إعاذته له أن جعل له المعقبات، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] فلا يفزع العبد إلى غير مولاه، فليملأ قلبه من الثقة به، والتوكل عليه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١].
٣ - أن الريح قد تكون مأمورة بخير؛ لقوله: "وخير ما أمرت به"، وقد تكون مأمورة بشر؛ لقوله: "وشر ما أمرت به". والله تعالى هو الذي يأمرها، ولا يأمرها إلا بما تقتضيه الحكمة.
٤ - حسن التعليم، بالإرشاد إلى البديل من الأقوال والأفعال، فلما نهى النبي ﷺ عن سب الريح، أعاضنا بهذا الدعاء الحسن الجميل الجامع.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن سب الريح.
أي لقوله: "لا تسبوا الريح" وهذا النهي للتحريم؛ لأن سبها سب لمن
_________________
(١) (أخرجه البخاري في باب ما جاء في قوله: (وهو الذي أرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته)، برقم (٣٢٠٦)
[ ٢ / ٦٨٥ ]
خلقها وأرسلها، لكن لو وقع ذلك على سبيل الوصف والخبر فلا حرج، كأن يقول مثلًا: هبت ريح عاتية، أو باردة، فهذا لا باس به، وإنما المحذور أن يصدر ذلك على سبيل السب والذم.
الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره.
وهو قوله: "اللهم إني أسألك من خيرها" فهذا فيه إرشاد إلى قول الكلام النافع عند
رؤية ما يكرهه، لكن مع فعل الأسباب الحسية أيضًا، كالاتقاء من شرها بالجدران، أو الجبال، ونحو ذلك.
الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة.
لقوله: "وخير ما أُمرت به".
الرابعة: أنها قد تؤمر بخير، وقد تؤمر بشر.
قد تكون خيرًا، بأن يسوق الله بها السحاب الذي فيه المطر، وقد تكون عذابًا ينتقم الله بها ممن يشاء من عباده.
[ ٢ / ٦٨٦ ]