وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [سورة الإسراء: ٥٧].
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٢٦ - ٢٨].
وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [سورة التوبة: ٣١].
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٦٥].
وفي الصحيح: عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبَد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ﷿" (^١).
وشرح هذه الترجمة: ما بعدها من الأبواب.
الشرح:
قوله: "باب: تفسير التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله" عطف الشهادة على التوحيد لتغاير اللفظين، وإلا فالمعنى واحد، وقد تقدم في رواية البخاري في قصة معاذ ﵁: "فليكن أول ما تدعوهم إليه: أن يشهدوا أن لا إله إلا الله"، وفي رواية: "أن يوحدوا الله" (^٢)، فدل على أنهما بمعنى واحد.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله برقم (٢٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎ برقم (٧٣٧٢).
[ ١ / ١١٤ ]
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما ذكر المصنف ما يتعلق بالتوحيد وحقيقته، وفضله، وما يكفر من الذنوب، وأن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، وبين حقيقة الشرك، ووجوب الدعوة إلى شهادة: أن لا إله إلا الله، أتى بهذا الباب مزيد بيانٍ لحقيقة التوحيد، وتفسير الشهادة، ورفع اللبس الذي يحصل لدى بعض الناس، فإن منهم من لا يحسن فهم التوحيد، ولا معنى: (لا إله إلا الله).
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾:
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي: الذين يدعونهم المشركون من دون الله، من الملائكة، والصالحين، والأنبياء، وغيرهم، أنهم أنفسهم.
قوله: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ففاعل (يدعون) المشركون، وفاعل (يبتغون) المدعوون، من الملائكة والصالحين والأنبياء، فكيف يدعونهم من دون الله، وهم عبادٌ أمثالهم يتقربون إلى الله، ويبتغون -أي: يطلبون- إليه الوسيلة؟! والوسيلة: مأخوذة من الوسْل، وهو الوصل، يقال: وسيلة ووصيلة، بمعنىً واحد، والمراد بهما: التوسل إلى الله ﷾، وطلب القرب منه.
قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ هذه الجملة تدل على التنافس بين هؤلاء الصالحين في طلب الوسيلة، ولا شك أن التنافس في مرضاة الله ﷿ وعبادته هو التنافس المطلوب، قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
قوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ فهم يحققون ثلاث عبادات عظيمة:
إحداهما: المحبة: فهم يبتغون إليه الوسيلة، وذلك يدل على التعلق والانجذاب.
الثانية: الرجاء، فهم يرجون رحمته.
الثالثة: الخوف، فهم يخافون عذابه، وعلّله بقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ أي: مخوفًا.
فالله ﷾ أخبر عن حال هؤلاء المشركين أنهم يدعون قومًا من الملائكة، والأنبياء، والصالحين، المتنافسين في طلب القرب من الله، ويعبدونه وحده، ولا
[ ١ / ١١٥ ]
يشركون به أحدًا سواه، ويرجون رحمته، ولا يرجون أحدًا غيره، ويخافون عذابه، ولا يخافون أحدًا غيره، فإذا كان هذا حالهم، فالأولى والأحرى بمن دعاهم أن يحتذي حذوهم، وينسج على منوالهم، ويدعو من دعوه، ويرجو من رجوه، ويخاف ممن خافوه.
وتبيّن من هذه الآية: أن المشركين ربما دعوا عبدًا صالحًا، من الملائكة، والأنبياء، والصالحين، وربما دعوا أصنامًا، وأوثانًا، فالمذكورون في هذه الآية من الصنف الأول.
مناسبة الآية للباب:
أن هذه الأوصاف التي وصف الله تعالى بها هؤلاء المدعوين هي حقيقة التوحيد؛ إذ أنها جمعت أمهات العبادات القلبية، وهي: (الخوف، والرجاء، والمحبة):
وهذه الثلاثة تُصوّر بصورتين:
إحداهما: جناحا الطائر: فالطائر له جسم، وله جناحان، فكأن المحبة الجسم، والجناحان هما الخوف والرجاء.
الثانية: المركبة التي تسير: فالمحبة هي المركبة التي يستقلها السائر إلى الله ﷿، والرجاء يحدوها إلى الأمام، والخوف يمنعها من الحيدة يمنة أو يسرة.
فهذه حقيقة الإيمان، فإن مداره على هذه العبادات القلبية الثلاث:
المحبة: وهي شعور يقوم في النفس يجذبه إلى ربه ومولاه، فيحس بالتعلق والانجذاب إليه ﷾، وهذه أشرف الثلاث؛ لأنها لا تنقطع لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ولذا قال النبي ﷺ: "أحبوا الله من كل قلوبكم" (^١).
الرجاء: فإنه يحفزه على العمل الصالح؛ لأنه يتشوف للوصول إلى جنته سبحانه، لكن الرجاء ينقطع بالوصول إلى المقصود، فإذا بلغ الإنسان مبتغاه، وهو رضوان الله وجنته، فقد تحقق مراده، وانقطع رجاؤه.
_________________
(١) دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٥٢٤).
[ ١ / ١١٦ ]
الخوف: وهو ما يحجزه عن الشهوات والشبهات، ولكنه ينقطع، أيضًا، ببلوغ الجنة، قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] فتبيّن بهذا أن أصل هذه الثلاث: المحبة؛ لأنها تمتد من الدنيا إلى الآخرة، أما الخوف والرجاء فينقطعان.
فوائد الآية:
١ - بيان أمهات العبادات القلبية؛ وهي (المحبة، والخوف، والرجاء).
٢ - الرد على المشركين الذين يدعون الأولياء، والصالحين، زاعمين أن ذلك يختلف عن دعاء الأصنام، فمن دعا غير الله ﷿ في جلب نفع، أو دفع ضر، فلا فرق بين أن يكون المدعو عبدًا صالحًا، أو شيطانًا رجيمًا، أو صنمًا، أو شجرًا، أو حجرًا، أو غير ذلك.
٣ - قوة الخوف والرجاء لدى الصالحين، فإن هذا من أخص أوصافهم لقوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]، ويدل أيضًا على وجوب الحذر من عذاب الله ﷿، وألا يغتر الإنسان بحاله.
٤ - الرد على الصوفية الذين يزعمون أن الله يعبد بالحب وحده، فمن عبده بالخوف والرجاء، فهو تاجر، وليس عابدًا، حتى إنه ينسبون إلى بعض الصالحين، أنه قال: "ما عبدتك شوقًا إلى جنتك، ولا خوفًا من نارك، وإنما عبدتك شوقًا إلى رؤيتك". (^١)، وهذا باطل؛ لأن الذي أمرنا خوفنا من عذابه، وعظم في قلوبنا رجاءه، هو الله ﷿، فالواجب علينا أن نعبده بذلك؛ ولهذا قال بعضهم:
- من عبد الله بالخوف وحده، فهو حروري.
- ومن عبد الله بالرجاء وحده، فهو مرجئ.
- ومن عبد الله بالحب وحده، فهو زنديق.
- ومن عبد الله الخوف والرجاء والمحبة، فهو المؤمن الحق.
وأيهما ينبغي أن يقدم الخوف أم الرجاء؟ الأصل أن يكون العبد بين الخوف
_________________
(١) انظر: "أمراض القلوب وشفاؤها" (ص: ٦٦) لشيخ الإسلام ابن تيمية.
[ ١ / ١١٧ ]
والرجاء، يرجو رحمة الله، ويخشى عذابه. قال أبو علي الروذباري: "الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير، وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت (^١).
لكن لا بأس في بعض الأحوال أن يغلِّب الخوف، وفي بعضها أن يغلِّب الرجاء؛ ليبلغ في سيره إلى الله ﷿، فإذا أقبلت عليه الدنيا، وأبدت له زينتها، وزخرفها، فينبغي له أن يغلب الخوف؛ ليمنع نفسه من الانحراف، والانجراف وراء زينة الحياة الدنيا، وإذا ادلهمت الخطوب، وضاقت به السبل، أو دنا أجله، وكان في ساعة الاحتضار، فالأولى أن يغلب جانب الرجاء؛ كي ينفس عن نفسه، ويتعلق برحمة بربه؛ ولكي يتحقق فيه قول النبي ﷺ: "من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه" (^٢)، وقول الله ﷿: "أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء" (^٣)
ثم ساق المصنف ﵀ قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]
يحكي الله هذه المقالة الصادرة عن إبراهيم ﵇، وهو إعلان صريح جهر به ﵇ بين ظهراني قومه، وخص بها أباه أولًا، لحقه عليه، فخاطبه كما في سورة مريم بقوله: "يا أبتِ" في أربع آيات، وعمّ بها قومه، كما صنع نبينا ﷺ حين دعا على جبل الصفا، فخصّ وعمّ.
قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ ولم يقل: بريء؛ لأن ﴿بَرَاءٌ﴾ صفة مشبهة، فهي أبلغ
_________________
(١) انظر: " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٣٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه برقم (٦٥٠٧) ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه برقم (٢٦٨٣ - ٢٦٨٤).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ أحمد ط الرسالة برقم (١٦٩٧٩) وقال محققو المسند: "إسناده صحيح" وأصله في الصحيح.
[ ١ / ١١٨ ]
من (بريء) فكأنه جعل نفسه ظرفًا ومحلًا للبراءة، وكأنه استحال بأكمله إلى براءة من المشركين.
قوله: ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ تبرأ ﵇ من معبوداتهم، وقد كانوا في أرض حران يعبدون الأفلاك السماوية، كالمشتري وزحل، ويتخذون لها الهياكل الأرضية، ويصورون لها التماثيل، والنصب، والأصنام، وكان إبراهيم بمدينة بين النهرين، يقال لها: أور، في زمن الكلدانيين، فأعلن بين ظهرانيهم بلبراءة من هذه المعبودات، وحاجَّهم في مواقف مشهودة.
قوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ المستثنى هو الله تعالى؛ ولهذا استنبط العلماء أن قومه كانوا يعبدون الله؛ لأنه تبرأ من جميع معبوداتهم، واستثنى ربه ﷿، هذا إذا قلنا: إن (إلا) على وجهها، وأن الاستثناء متصل. وأما إذا قلنا: إن الاستثناء منفصل، فإن (إلا) تكون بمعنى (بل) أي: بل الذي فطرني، وحينئذٍ فالآية على هذا التوجيه لا تدل على أنهم كانوا يعبدون الله، بل كانوا يعبدون الأصنام فقط، وكلا التفسيرين له وجه. والأقرب -والله أعلم- أنهم كانوا يعبدون الله، ويعبدون معه غيره؛ ولذلك لم تنفعهم عبادتهم لله تعالى؛ لأن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، كما قال تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه" (^١).
قوله: ﴿فَطَرَنِي﴾ أي: ابتدأ خلقي؛ لأن الفطْر معناه: ابتداء الشيء.
قوله: ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ وهذا من كمال ربوبيته الخاصة بالمؤمنين، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]، وهكذا موسى ﵇ لما قال أصحابه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]. وهكذا حال المؤمن فإنه يعلم أن الله تعالى هو الذي يهديه إلى طريق الحق الحسي والمعنوي.
مناسبة الآية للباب:
لما فيها من بيان معنى: (لا إله إلا الله) فإنها تضمنت البراءة من الشرك في
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١ / ١١٩ ]
قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ وإثبات العبادة لله في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهكذا، فإن التوحيد يقوم على ساقين: عبادة الله، والبراءة مما سواه، وقد تضمنت هذه الآية هذين المعنيين.
فوائد الآية:
١ - بيان معنى: لا إله إلا الله، وأن عمادها إخلاص العبادة لله وحده.
٢ - وجوب البراءة من الشرك والمشركين.
٣ - الجهر بذلك، والاستعلان به، كما صنع إبراهيم ﵇.
٤ - إثبات الخلق لله ﷾، وإثبات الهداية منه، فالله هو الخالق، وهو الهادي.
ثم قال المصنف ﵀:
قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
قوله: ﴿اتَّخَذُوا﴾ يعني: جعلوا، والضمير يرجع إلى أهل الكتاب؛ اليهود والنصارى؛ فقد حكى الله ﷾ عنهم قبلها: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]، فزعموا أن المسيح ابن الله، وأن عزيرًا ابن الله، وفوق ذلك: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله.
قوله: ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العُباد، وغالبًا ما يطلق الأحبار على علماء اليهود، والرهبان على عُباد النصارى؛ لأن اليهود العلم فيهم أكثر، والنصارى العبادة فيهم أكثر. واليهود على وجه العموم فيهم قسوة وغلظة، والنصارى فيهم رقة ورهبانية.
[ ١ / ١٢٠ ]
قوله: ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله﴾ جاء في تفسيرها حديث عدي بن حاتم الذي سيورده المصنف لاحقًا، في باب مستقل، وكان عدي بن حاتم ركوسيًا (^١)، وهم طائفة من النصارى، فدخل على النبي ﷺ وفي عنقه صليب من ذهب، والنبي ﷺ يتلو هذه الآية، فقال: يا رسول الله، إنهم لم يكونوا يعبدونهم! ظن أن العبادة لا تكون إلا بالركوع والسجود، فقال: "أجل، ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه، فتلك عبادتهم لهم" (^٢)، فبيَّن أن منحهم حق التحليل، والتحريم، والتشريع، من اتخاذهم أربابًا من دون الله لأن ذلك من خصائص الربوبية، والألوهية. فالحكم لله، فهو سبحانه الذي يأمر وينهى، ويحلل ويحرم ويشرع، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] فالتشريع لا يكون إلا لله ﷿، فمن جعله لغير الله، فقد وقع في شرك الربوبية، حيث أعطى ما ينبغي لله ﷿ لغير الله.
قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ أي: واتخذوا المسيح بن مريم ربًا، وهم يصرحون بذلك لفظًا، فيقولون في كتبهم وقدَّساتهم: الرب يسوع المخلص!.
قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدً لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ إي: أنهم ما أمروا إلا بتوحيد الله، ويشهد لهذا قول الله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
لكن هاتين الطائفتين أفسدتا دينهما، فإن موسى ﵇ أتى بالدين القويم، وهو توحيد رب العالمين، ونبذ الشرك، حتى إنه غضب أشد الغضب حينما رجع ووجدهم يعبدون العجل، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وغضب عليهم حينما قالوا له: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ *
_________________
(١) الرَّكُوسِيَّةُ، بالفتح: قومٌ لهم دينٌ بين النَّصارى والصَّابئين، ورويَ عن ابن الأعرابِيِّ أَنّه قال: هذا من نعت النَّصارى، ولا يعرَّب. تاج العروس (١٦/ ١٣١).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم (٢٠٣٥٠) والطبراني في المعجم الكبير برقم (٢١٨) وبنحوه في سنن الترمذي ت شاكر في أبواب تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة برقم (٣٠٩٥) وحسنه الألباني.
[ ١ / ١٢١ ]
إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨، ١٣٩] فأغلظ عليهم في النكير، وهذا دليل على أن موسى ﵇ جاء بالتوحيد الخالص، الذي جاء به إبراهيم ﵇. وكذلك عيسى ﵇ جاء بالتوحيد الخالص، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] لكن القوم ينكرون هذه الصراحة التوحيدية، ويشركون بالله ﷿؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] قال بعض السلف: رغبت اليهود عن ملة إبراهيم، ورغبت النصارى عن ملة إبراهيم (^١)، فاليهود والنصارى خرجوا عن ملة إبراهيم؛ ولهذا برّأ الله إبراهيم منهم، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧].
ومع هذا الوضوح في هذه الآيات الكريمة، إلا أننا نجد بعض المنتسبين إلى الإسلام والدعوة يصوِّب دين اليهود والنصارى، ويطلق على الإسلام واليهودية والنصرانية: "الأديان الإبراهيمية"، وهذه تسمية باطلة، فحاشا إبراهيم ﵇ أن يُنسب إليه اليهود، أو النصارى، فإن ملة إبراهيم، هي الإسلام، كما هي ملة محمد -صلى الله عليهما وسلم-، فلا يجوز أن يقال: "الأديان الإبراهيمية"، أو "الأديان السماوية"، أو "الأديان التوحيدية" الثلاثة، فليسوا بموحدين؛ فإن التوحيد هو دين الإسلام، الذي جدده نبينا محمد ﷺ. وأما اليهودية فهي صورة محرفة عما جاء به موسى-﵇، والنصرانية صورة محرفة عما جاء به عيسى ﵇، وليستا على التوحيد.
وأما اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله:
- فأحبار اليهود، وحاخاماتهم، عمدوا إلى التوراة، وأسفار أنبيائهم، فحرفوها، ووضعوا لها الشروحات التأويلية، فيما عرف باسم "المشنا" و"الجمارا"، ومن مجموعهما تكون "التلمود" الذي يعظمونه فوق تعظيم التوراة. فضمنوه من الأخبار الباطلة، والأحكام المحدثة ما ليس من عند الله، كما وصف تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا
_________________
(١) من قول الربيع. تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (٣/ ٨٩).
[ ١ / ١٢٢ ]
هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]
- ورهبان النصارى، وأساقفتهم، إذا أرادوا أن يغيروا شرع الله، عقدوا ما يُسمونه "المجمع المسكوني"، وحشدوا له جميع أساقفتهم على وجه الأرض، ثم يديرون الحوار بينهم حول قضية من القضايا، فما تمخض عنه ذلك المجمع، فإنه يُعد عندهم أحكامًا معصومة، يسمونها "دساتير" يزعمون إن الروح القدس يعصم هذا المجمع من الخطأ، ويضفون عليه صفة القدسية، بل إن بعضهم يجعل العصمة للبابا الذي يقف على رأس هرم الكنيسة الكاثوليكية، بحيث يشرع، ويأمر، وينهى، ويحلل، ويحرم كيف شاء! وكان أول مجامعهم: مجمع "نيقيه: المنعقد سنة ٣٢٥ م، وآخر مجامعهم: المجمع الفاتيكاني الثاني، الذي انعقد في روما في الفاتيكان، ما بين عامي ١٩٦١ م إلى ١٩٦٥ م، ودام قريبًا من أربع سنوات، واجتمع فيه أكثر من ألفي أسقف على وجه الأرض؛ ليناقشوا قضايا عدة، وخرجوا بمقررات كثيرة، نقضوا فيها بعض مقرراتهم السابقة. وهكذا اتخذوا دينهم هزوًا ولعبًا، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، يغيرون دين الله.
مناسبة الآية للباب:
بيان أن مما يناقض العبادة وشهادة أن لا إله إلا الله: طاعة غير الله في التحليل والتحريم، كما صنع اليهود والنصارى مع أحبارهم ورهبانهم.
فوائد الآية:
١ - انحراف اليهود والنصارى عن ملة إبراهيم ﵇.
٢ - أن شهادة أن لا إله إلا الله، تقتضي إفراد الله بالتحليل والتحريم.
٣ - أن من نصّب مخلوقًا في التحليل والتحريم فقد أشرك مع الله.
٤ - الرد على اليهود والنصارى.
٥ - تنزيه الله عن الشرك؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].
[ ١ / ١٢٣ ]
ثم ساق المصنف ﵀
قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ (من): تبعيضية، أي: بعض الناس، أو فريق منهم.
قوله: ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ جمع ند، وهو المثيل والنظير.
قوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ محبة العبادة، وللمفسرين قولان في معناها:
القول الأول: أن هؤلاء المذمومين يحبون غير الله من الأنداد كما يحب المؤمنون الله.
القول الثاني: أنهم يحبون أندادهم كما يحبون الله، فهم يحبون الله، ويشركون معه في المحبة غيره، وهذا هو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، وتلميذه ابن القيم-رحمهما الله- (^٢).
والقول الثاني أقرب، وهو الذي يدل عليه الواقع، فإن مشركي العرب، كانوا يظهرون محبة الله، ويحجون بيته، ويقفون في المشاعر، ويتقربون ببعض القرب لله ﷿، لكنهم يفسدون ذلك بالشرك، وكذلك مشركو زماننا، الذين يطوفون بالأضرحة والقبور، وينادون الصالحين، يحبون الله، ويحبون هؤلاء محبة مماثلة لمحبة الله.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فمحبتهم لله ﷿ لا يدانيها، ولا يشاركها محبة، فقد أفردوا الله تعالى بالمحبة.
قوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ومن كانت له القوة جميعًا حقيق بأن تكون له المحبة جميعًا.
قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ ما كان الله ليتوعدهم هذا الوعيد العظيم إلا لإقدامهم على أمر عظيم، وهو الشرك، والمراد به شرك المحبة.
_________________
(١) قاعدة في المحبة (ص: ٦٩).
(٢) جلاء الأفهام (ص: ٤٤٩).
[ ١ / ١٢٤ ]
مناسبة الآية للباب:
فيها بيان أن مقتضى لا إله إلا الله، إفراد الله تعالى بالمحبة، وعدم إشراك أحد معه فيها.
فوائد الآية:
١ - بيان معنى التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن ذلك يتضمن إفراد الله بالمحبة.
٢ - أن المشركين يحبون الله محبة كبيرة، ولم ينفعهم ذلك؛ لأنهم أشركوا مع الله في المحبة، على أحد التوجيهين للمفسرين.
٣ - قبح الشرك، وشؤم عاقبته؛ لما ترتب عليه من الوعيد الشديد.
قال المصنف ﵀:
"وفي الصحيح" لم تتبين لي طريقة منضبطة للمؤلف ﵀ في قوله: "وفي الصحيح" فتارة يقصد بذلك الصحيحين، وتارة البخاري وحده، وتارة مسلمًا، وفي هذا الموضع أراد صحيح مسلم.
قوله: "من قال: لا إله إلا الله" " أي: بقلبه ولسانه؛ لأن القول ينسب إلى القلب واللسان.
قوله: "وكفر بما يُعبد من دون الله، حرم ماله ودمه حرم" أي: امتنع ماله أن يُسلب، ودمه أن يُراق، واستحق العصمة في الأحكام الدنيوية.
قوله: "وحسابه على الله" أي: ما دام قد سلم من غائلة الشرك، فحسابه في الآخرة، على الله ﷿ إن كان قد وقع في شيء من الكبائر.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لأنه تضمن شِقَيْ التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، والبراءة من الشرك.
[ ١ / ١٢٥ ]
فوائد الحديث:
١ - بيان معنى: لا إله إلا الله، وأنها تتضمن الكفر بالأصنام.
٢ - أنه لا يكفي مجرد التلفظ بها، بل لا بد أن يقرن بذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فمن قالها، ودعا غير الله، أو ذبح لغير الله، أو استغاث بغير الله، لم تنفعه ولو ملأ بها الجو تهليلًا.
٣ - أن من أتى بالتوحيد وحقّقه، فإنه معصوم الدم والمال.
٤ - وجوب الكف عمن قال: لا إله إلا الله، حتى لو قالها في حال القتال؛ لقول النبي ﷺ لأسامة لما قتل الرجل، وهو قد قال: لا إله إلا الله، ظانًا أنه قالها تعوذًا: "وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ " (^١).
٥ - تعظيم حرمات المسلمين.
(وشرح هذه الترجمة: ما بعدها من الأبواب).
مراده، ﵀، أنه سيسوق أبوابًا تفصيلية في تفسير التوحيد، وما ينافيه، إثر هذا الباب.
قال المصنف ﵀:
وفيه مسائل:
فيه أكبر المسائل وأهمها: وهي تفسير الشهادة، وبيَّنها بأمور واضحة:
منها: آية الإسراء، بيَّن فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين؛ ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.
وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، وقد تقدم بيانها.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله برقم (٩٧).
[ ١ / ١٢٦ ]
ومنها: آية براءة، بيَّن فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلهًا واحدًا، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم.
وهي قول الله ﷿: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وتفسيرها في حديث عدي بن حاتم؛ لأن التحليل والتحريم حق خالص لله، فمن صرفه لغير الله فقد وقع في الشرك.
ومنها: قول الخليل ﵇ للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَهُ سَيَهْدِين﴾ [سورة الزخرف: ٢٦ - ٢٧] فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة، وهذه الموالاة: هي تفسير شهادة: أن لا إله إلا الله، فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٢٨].
وكلام الشيخ ﵀ هنا يدل على أنه اعتبر الاستثناء متصلًا؛ لأنه قال: "فاستثنى من المعبودين ربه" أي أن القوم كانوا يعبدون الله، ويعبدون معه غيره؛ ولما كانت هذه الكلمة -كلمة التوحيد- ثقيلة راسخة، جعلها باقية في عقبه.
ومنها: آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾، [سورة البقرة: ١٦٧]، ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حبًا عظيمًا، ولم يُدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟! فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟!
هذه دركات بعضها دون بعض، فبعضهم يحبون أندادهم كحب الله، أو أعظم من حب الله، وبعضهم يحبون أندادهم أعظم من حب الله، وبعضهم لا يحبون الله أصلًا، فهؤلاء جميعًا داخلون في قول الله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ فهذا يفسر شهادة: أن لا إله إلا الله.
[ ١ / ١٢٧ ]
ومنها: قوله ﷺ: "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله"، وهذا من أعظم ما يُبَيِّنْ معنى: "لا إله إلا الله" فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها، مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده، لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه، حتى يُضِيفَ إلى ذلك الكفر بما يُعْبَد من دون الله، فإن شك، أو توقف، لم يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها! ويا له من بيان ما أوضحه! وحجة ما أقطعها للمنازع!
مراد المصنف ﵀ أن يرفع اللبس والخلط الذي يدعيه بعض مشركي زمانه حين يتذرعون بقول: لا إله إلا الله، ويباشرون الشرك بصور مختلفة، فإذا أُنكر عليهم قالوا: نحن: نقول: لا إله إلا الله، فيقال لهم: إن رسول الله ﷺ قال: "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله"، فلا يكفي أن يقولها بلسانه، ولا أن يعتقدها بقلبه، ولا ألا يدعو إلا الله، بل حتى يضم إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله.
وهذا يدل على عظم شأن التوحيد! ولهذا قال: "فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه" لأن هذا المقام لا بد فيه من القطع والجزم.
[ ١ / ١٢٨ ]