وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٨٢].
عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من شهد ألا لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" (^١) أخرجاه.
ولهما: من حديث عتبان: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله" (^٢).
الشرح:
قوله: (باب): الباب في اللغة: المدخل، والمراد به: جملة من مسائل العلم ذات وحدة موضوعية. وقد جرت العادة في التأليف أن يُجعل الإطار العام (كتاب) ثم يُجعل تحته (أبواب)، ثم (فصول)، ثم (مسائل). ولا يعد هذا من الابتداع، وإنما هو من تقريب العلم، فلا بأس به؛ لأنه يسهل العلم ويقربه، ويعين على حسن تصوره، فينبغي التفريق بين الوسائل والمقاصد. فالنبي ﷺ لم يُبين مثلًا عدد أركان الصلاة ولا واجباتها ولا سننها، وإنما
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] برقم (٣٤٣٥) ومسلم في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا برقم (٢٨).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأطعمة، باب الخزيرة برقم (٥٤٠١) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر برقم (٣٣).
[ ١ / ٣٥ ]
هذه أمور استنبطها الفقهاء بالتتبع والاستقراء، ثم بوبوها ونظموها؛ لكي يكون ذلك أسهل في التصور، وأقرب إلى الإدراك والفهم.
قوله: (وما يكفره من الذنوب): (ما) هذه تحتمل أمرين: إما أن تكون موصولة، أو مصدرية، فإذا كانت موصولة، فهي بمعنى (الذي)، ويكون تقدير الكلام: "باب: فضل التوحيد والذي يكفره من الذنوب". وإذا كانت مصدرية، فيكون تقدير الكلام: "باب: فضل التوحيد، وتكفيره الذنوب". وكلا المعنيين حسن، والثاني أحسن.
قوله: (يكفر)، الكفْر: هو التغطية والستر؛ ولهذا سُمي الكافر كافرًا؛ لأنه يغطي فطرته، ويحجبها عن الحق، وسماعه، ورؤيته، واتباعه، ويُسمى الفلاحون كفارًا لغةً؛ لأنهم يغطون البذور بالتراب، ولا زال في بعض البلاد من يُسمي محل الزرع (كفْر)، ويسمى الليل كافرًا، لأنه يغشى الأرض بظلمته. قال أبو عبيد: (وَأما الْكَافِر فَيُقَال وَالله أعلم: إِنَّمَا سمي كَافِرًا، لِأَنَّهُ متكفر بِهِ، كالمتكفر بِالسِّلَاحِ، وَهُوَ الَّذِي قد ألبسهُ السِّلَاح حَتَّى غطى كل شَيْء مِنْهُ، وَكَذَلِكَ غطى الْكفْر قلب الْكَافِر، وَلِهَذَا قيل لِليْل: كَافِر لِأَنَّهُ ألبس كل شَيْء. قَالَ لبيد يذكر الشَّمْس:
حَتَّى إِذا أَلْقَت يدًا فِي كَافِر … وأجنّ عورات الثغور ظلامُها
وَقَالَ أَيْضا: فِي لَيْلَة كفر النجومَ غمامُها … يَقُول: غطاها السَّحَاب) (^١)
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما بيّن المصنف ﵀ في مستهل كتابه حقيقة التوحيد، وبيان معناه، وأن التوحيد يقوم على ركنين: عبادة الله، ونبذ الشرك، أتبع ذلك بهذا الباب، الذي يُبيِّن فيه فضل التوحيد، وما يُكفِّر من الذنوب، وهذا من حسن الترتيب، فإنه بعد أن بيان الحقيقة، يحسن بيان الأثر الذي يترتب على تحقيق التوحيد، فأراد المصنف ﵀ في هذا الباب أن يسوق جملة من النصوص المشوقة، التي تدل على فضل التوحيد، وأثره في تكفير الذنوب.
_________________
(١) غريب الحديث لأبي عبيد، القاسم بن سلام: (٣/ ١٣ - ١٤)
[ ١ / ٣٦ ]
"قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾:
قوله: ﴿آمَنُوا﴾: أي: صدقوا بقلوبهم، ونطقوا بألسنتهم، وعملوا بجوارحهم؛ لأن الإيمان حقيقة مركبة من القول والعمل، فليس الإيمان قولًا فقط، ولا عملًا فقط، بل لا بد من القول والعلم معًا، هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان، فيقولون: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان.
قوله: ﴿يَلْبِسُوا﴾: أي: يخلطوا؛ فاللبس: خلط الشيء بالشيء.
قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾: الظلم في اللغة: هو النقص، كما قال الله ﷿ في قصة صاحب الجنة: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص، لكنه هنا يراد به الشرك بالله، كما فسّره النبي ﷺ فيما سيأتي.
قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾: أي: المؤمنون.
قوله: ﴿الْأَمْنُ﴾: أي: الطمأنينة والسكينة.
قوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾: أي: مُوفَّقُون إلى الاهتداء، وإصابة الحق وسلوكه.
ولما نزلت هذه الآية شق ذلك على الصحابة، فقالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي ﷺ مطمئنًا لهم: "ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (^١)، فالظلم المقصود في هذه الآية هو الظلم المفسر في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن. فالذي يقع في الشرك يحرم الأمن والاهتداء.
وتحرير الكلام في هذا المقام أن يقال: إنّ الظلم ثلاثة أنواع:
١ - الظلم العظيم: وهو الشرك بالله؛ إذ لا ظلم أعظم وأشنع منه؛ إذ هو وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها، وهو الله، وهذا أظلم الظلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢] برقم (٣٤٢٩).
[ ١ / ٣٧ ]
٢ - ظلم العباد؛ بالتجني عليهم، وسلب حقوقهم، وأموالهم، والوقيعة فيهم، ونحو ذلك.
٣ - ظلم النفس؛ بمعصية الله، فيقع الإنسان فيما حرم الله تعالى عليه، ويعرض نفسه لعقوبة الله، فيكون بذلك ظالمًا لنفسه.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، فإنها تدل على فضل توحيد الله، فمن سَلِم من الشرك، ووحّد الله ﷿، حصل له الأمن والاهتداء.
فوائد الآية:
١ - أنّ من سَلِم من الظلم العظيم، وهو الشرك بالله، حصل له أصل الأمن والاهتداء، في الدنيا والآخرة.
٢ - أن من سَلِم من الظلم العظيم وهو الشرك، وظلم نفسه، وظلم الآخرين، حصل له الأمن والاهتداء التام. كما قال ابن القيم ﵀: "فالمطلق للمطلق، والحصة للحصة" (^١)، أي: من سَلِم من الظلم مطلقًا، حصل له الأمن والاهتداء مطلقًا، ومن وقع منه نوع من الظلم، نقص من أمنه واهتدائه بقدر مظلمته، لكنه قد حقق أصل الأمن والاهتداء. فمن وحَّد الله ﷾ فلا بد أن يدخل الجنة، لكن لا يمنع من أن يطاله نوع عذاب بسبب وقوعه في الكبائر، أو المظالم، وبهذا تلتئم الأدلة، ولا تتعارض.
٣ - فضل التوحيد وثمرته، إذ أنّ التوحيد هو الطريق إلى الأمن والاهتداء، في الدنيا والآخرة.
٤ - أنّ الشرك سبب لحصول الضلال والخوف.
٥ - أنّ الشرك لا يغفره الله؛ لقوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: بشركٍ.
ثم ساق المصنف ﵀ حديثًا جليلًا عظيمًا، من أصول الدين، وهو حديث عبادة بن الصامت الخزرجي ﵁، أحد النقباء، ليلة العقبة، توفي -رضي عنه- سنة
_________________
(١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (٣/ ١٠٥٨).
[ ١ / ٣٨ ]
(٣٤ هـ) وقيل: في خلافة معاوية، عن اثنتين وسبعين سنة، وكان ممن بعثه النبي ﷺ بكتابه إلى المقوقس عظيم القبط.
قوله: "من" أداة شرط، لها شرط، وجزاء.
قوله: "شهد": أي: أقر، واعترف، واعتقد بقلبه، ونطق بلسانه؛ ولا بد من الأمرين معًا: اعتقاد القلب، والنطق باللسان، كما قال الله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] فلا تكون الشهادة إلا بالعلم. فجملة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ حالية، فلا بد من العلم بالقلب، الموافق للتلفظ باللسان.
قوله: "أن لا إله إلا الله" أي: لا معبود بحق إلا الله. وكلمة (إله)، على وزن (فِعال) والمراد (مفعول) أي: مألوه، كما يقال: فراش، أي: مفروش، وكتاب أي: مكتوب، وغراس، أي: مغروس، ف (إله) بمعنى: (مألوه) أي: معبود، لا كما ادعى بعض المتكلمين: أن (إله) يراد به (آلِه) على وزن (فاعل)، بمعنى: القادر على الاختراع، ففسروا الألوهية بالربوبية. فأبو جهل وقبيله من المشركين، أعرف منهم بمعنى (لا إله إلا الله)؛ وذلك أن أبا جهل ومشركي العرب جميعًا مقرُّون بربوبية الله، وأنه الخالق، الرازق، المالك، المدبر، وإنما ينازعون في ألوهية الله وعبادته، فهم على دراية بأن الإله هو المألوه، الذي تألهه -أي: تنجذب إليه - القلوب محبةً وتعظيمًا. وهذا الانجذاب يجب أن يكون في القلب، ليحقق الإنسان عبوديته لله، فإذا وُجد في قلبه تعلقًا وجاذبية إلى ربه؛ محبةً، وخوفًا، ورجاء، فقلبه حيٌّ، وإذا فقد هذه المعاني، فقلبه ميت، يحتاج إلى إسعاف بمادة الإيمان ليحيا.
قوله: "وحده": تأكيد للإثبات "لا شريك له" تأكيد للنفي؛ لأن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) تتضمن نفيًا وإثباتًا؛ (لا إله) نفى، و(إلا الله) إثبات.
قوله: "وأن": على تقدير حذف العامل (شهد).
قوله: "محمدًا عبده ورسوله": جمع له بين هذين الوصفين الذين يقطعان الطريق على أهل الإفراط والتفريط:
١ - فوصفه بالعبودية: ردُّ على أهل الغلو والإفراط، الذين رفعوا النبي ﷺ فوق منزلته، ووصفوه بما لا ينبغي إلا لله ﷿؛ ولهذا قال: "لا تطروني، كما
[ ١ / ٣٩ ]
أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله" (^١)، فقولنا: "عبد الله" إنزال للنبي ﷺ المنزلة التي أنزله الله تعالى إياها. والوصف بالعبودية كرامة، وشرف للموصوف بها؛ ولذا نجد أن ربنا سبحانه وبحمده، يصف نبيه بالعبودية في أشرف أحواله:
١ - في حال تنزل القرآن، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١].
٢ - في أشرف ليلة مرت به، وهي ليلة الإسراء والمعراج، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١].
٣ - في أشرف وظيفة يقوم بها بشر، وهي الدعوة إلى الله ﷿ فقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]. فالعبودية أشرف ما يتصف به العبد، كما قيل:
وَمِما زَادَنِي شَرَفًَا وَتَيْهًَا … وَكِدْتُ بَأَخْمُصِي أَطَأ الثُّريا
دُخُولِي تَحتَ قَوْلِكَ: يَا عِبَادِي … وَأَنْ صَيّرتَ أَحمدَ لِي نَبيّا (^٢).
٢ - ووصفه بالرسالة: رد على أهل الجفاء، الذين نالوا منه ﷺ، ولم يقدروا قدره، فهو رسول من عند الله ﷿، ويا لها من منقبة! أن يصطفيه الله تعالى ليكون مهبط وحيه، ومستودع رسالته، فهذه منزلة عظيمة جدًا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] وقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. فينبغي دومًا أن نقرن بين هذين الوصفين، فنقول: عبده ورسوله، وهذا أبلغ من أن نقول: نبيه ورسوله.
قوله: "وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه" الشهادة بأن عيسى عبدٌ لله، وليس الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة، كما تقول النصارى.
فتضمن ما مضى الرد على سائر ملل الكفر:
١ - فقوله: (أن لا إله إلا الله) رد على جميع أنواع المشركين.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول اللَّه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦] برقم (٣٤٤٥).
(٢) نسب البيتين في المفاخرة بين الماء والهواء (ص: ٤٦) للقاضي عياض.
[ ١ / ٤٠ ]
٢ - وقوله: (وأن محمدًا عبده ورسوله) رد على أهل الابتداع، الذين يدخلون في دين الله ما ليس منه، ولا يرفعون رأسًا بإتباع محمد ﷺ.
٣ - وقوله: (وأن عيسى عبد الله ورسوله) رد على اليهود والنصارى الذين ضلوا في عيسى.
وقد انقسم الناس حيال عيسى ابن مريم، ﵇، إلى ثلاث طوائف:
١ - اليهود: الذين كَفروا بالمسيح ﵇، وهو قد بُعث إليهم، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] فاليهود كذبوا بعيسى ﵇، وكفروا به، وزعموا أنه ابن زنا، وسفاح، وأن أمه مريم العذراء، الطاهرة، البتول بغِيُّ، ووصموه بأبشع الألقاب، مع أنه كان يعاملهم بالرفق، واللين، والموعظة، ولكن طبعهم اللئيم حملهم على الكفر به، وسعوا به إلى (بيلاطس)، الحاكم الروماني الذي يحكم بيت المقدس؛ كي يقتلوه ويصلبوه، ودلهم أحد المندسين في تلامذته، المسمى (يهوذا الإسخريوطي) إلى الموضع الذي كان هو وحواريوه مجتمعين فيه، فلما داهم جنود الرومان ذلك المكان، رفع الله عيسى ابن مريم من بينهم إلى السماوات العلى، وألقى شبهه على الخائن الدعِي (يهوذا الإسخريوطي)، فأخذوه، وجرجروه، وصلبوه على الخشبة، وظنوا أنهم قتلوه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧].
٢ - النصارى: الذين غلوا فيه، وزعموا أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، فهؤلاء ضُلاَّل النصارى أتباع (بولس)، لما رأوا عيسى ﵇ يبرئ الأكمه، والأبرص، ويحيى الموتى، وينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، تسلل إليهم شياطين الإنس والجن، وقالوا: هذا دليل على حلول الإله فيه، وأن فيه جزء لاهوتي، نسبة إلى الإله، وجزء ناسوتي، نسبة إلى الناس.
والذي أدخل هذه البدعة الكفرية على النصارى (شاؤول اليهودي) الذي يسميه النصارى (القديس بولس) أو (سانت بول)، فهو الذي أفسد دين النصارى، وإلا فقد كان النصارى أتباع المسيح ﵇، هم الحواريون، كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] فجاء هذا اليهودي الخبيث (شاؤول)، وكن
[ ١ / ٤١ ]
يضطهد أتباع المسيح، ﵇، فتظاهر بالإيمان به، وصار يدخل في دينه من الفلسفة الإغريقية الهيلينية ما أفسد عقائدهم، فصار النصارى يعتقدون بالأقانيم الثلاثة: (أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الروح القدس) ويقولون: وحدة في تثليث، وتثليث في وحدة! وكيف يستقيم أن يكون إلهًا واحدًا، مكونًا من ثلاثة أجزاء؟ هذا لا تقبله العقول، لكنهم حملوا أتباعهم بالقوة على هذه العقيدة الفاسدة. فمنهم من يقول: المسيح ابن الله، ومنهم من يقول هو الله، ويسمونهم في أناجيلهم (الرب يسوع المسيح)، ومنهم من يقول: ثالث ثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس، إله واحد، ولهم في هذا خوض، وضلال عظيم؛ لهذا اقتتلوا فيما بينهم، واختلفوا هل له طبيعة واحدة أم طبيعتان؟ وأريق بسبب ذلك دماء.
وجميع نصارى العالم أهل تثليث، لم يبق منهم موحد. وسبب ذلك أن الإمبراطور الروماني "قسطنطين" لما تظاهر باعتناق النصرانية، ووجد النصارى مختلفين في عقائدهم، دعا إلى مجمع في مدينة (نيقيه) التركية؛ وكان مقر الإمبراطورية الرومية القسطنطينية، وحشد له جميع أساقفة النصارى، وحضر منهم آلاف، ودعاهم إلى أن يخرجوا برأي موحد، فكان هناك اتجاهان:
١ - اتجاه أتباع (آريوس)، وهو اتجاه أقرب إلى التوحيد.
٢ - اتجاه أتباع (بولس) الذي ينزع إلى التثليث. وكان قسطنطين مائلًا إليهم، فمكنهم، وغلَّب رأيهم على رأي الموحدين، وجعل الأمر بيدهم، وأمر بمصادرة كتب الموحدين، وإحراقها، وتتبعهم، وقتلهم. فصارت الكلمة لأتباع (بولس). فتوثنت النصرانية، ولم تتنصر الوثنية الرومانية.
فجميع نصارى الأرض الموجودين الآن، يعتقدون ما صدر عن مجمع (نيقيه)، وهو ما يسميه النصارى: "الأمانة الكبرى"، ويسميها ابن كثير ﵀: (الخيانة الحقيرة) (^١)؛ إذ فيها النص على أن المسيح هو الله، أو هو ابن الله، وغير ذلك من الباطل، الذي ضل النصارى عليه إلى يومنا هذا، فلم يبق في النصارى أحد على التوحيد.
٣ - أهل الإيمان: وهم الحواريون الكرام، ومن سار على طريقتهم من
_________________
(١) تفسير ابن كثير ت سلامة (٢/ ٤٨).
[ ١ / ٤٢ ]
بقايا أهل الكتاب، إلى أن بعث نبينا محمد ﷺ، يعتقدون أن عيسى عبد الله ورسوله، وأنه بشر، وليس فيه جزء إلهي، كما زعم النصارى، وأنه مرسل من عند الله، قال تعالى: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧]
قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ أي: أنّ الله تعالى خلقه بكلمته، لا أنّه نفسه الكلمة، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] فعيسى ليس (كن) وليس هو الكلمة، ولكنه خُلق بالكلمة، وهذه محنة النصارى؛ ظنوا أن عيسى هو الكلمة؛ وبالتالي فهو جزء من الله، تعالى الله عما يقولون.
قوله: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] هي العذراء البتول الطاهرة، سليلة بيت علم ودين وفضل وحسب، وقد حكى الله تعالى قصتها في سورة آل عمران، وأنه كفلها زكريا، وقال: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]. فلها منزلة عظيمة، فقد بشرتها الملائكة أولًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢، ٤٣] وبشرتها ثانيًا، قال تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥].
ومعنى: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أي: أنّ الله تعالى أرسل جبريل ﵇ بهذه الكلمة العلوية، والنفخة القدسية، إلى مريم، فنفخ فيها هذه النفخة المخلوقة، والروح المخلوق، فدخلت في فرجها، واستقرت في رحمها، أو أنه نفخ في
[ ١ / ٤٣ ]
جيبها، فدخل في فرجها، كما يكون حال النساء، ثم تكَّون هذا الخلق في رحمها، وحملت به.
وظاهر الأمر -والله أعلم- أنها حملت به، كما تحمل النساء، ومر بها ما يمر بهن؛ ولهذا اشتد كربها، وصارت تجد حرجًا، وقالت لما ظهر حملها، وداهمها المخاض: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]. وفي بعض الإسرائيليات: أنها حملت حملًا سريعًا، خلاف حمل النساء (^١).
قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: أنّ عيسى ﵇ روح من الأرواح التي خلقها الله. فمعنى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: أنه صدر من الله ﷾ ابتداءً، كقول الله ﷿: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] فلا يدل هذا على أن ما في السماوات وما في الأرض جزء منه، تعالى الله عن ذلك، وإنما معنى (منه) أي: خلقه الله ﷿، فمنه صدر، ومنه جُعل بكلمته هذه، فلا حجة للنصارى، لكن النصارى لُبِّس عليهم قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١].
فكلمة (من): ابتدائية، وليست تبعيضية، حاشا وكلا! وتعالى الله عن ذلك علوَا كبيرًا، فليس شيء منه سبحانه في أحد من خلقه، ولا شيء من خلقه فيه سبحانه.
قوله: "والجنة حق والنار حق": الجنة: هي الدار التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، جزاءً على إيمانهم، وحسن أعمالهم، والنار: الدار التي أعدها الله عقوبة للكافرين، جزاءً وفاقًا على كفرهم، وسوء أعمالهم.
ومعتقد أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، باقيتان، لا تفنيان؛ لأن الله تعالى قال عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] ولما صلّى النبي ﷺ بالمؤمنين صلاة الكسوف، تقدم مرة، وتأخر أخرى، وحين سألوه عن ذلك قال: "إني رأيت الجنة، أو أريت الجنة، فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما
_________________
(١) وقد أشار ابن كثير للخلاف في مدة الحمل، والأقوال في ذلك، وقال في تفسيره (٥/ ٢٢٢): "فالمشهور الظاهر -والله على كل شيء قدير-أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن" وقال في البداية والنهاية (٢/ ٧٨): "ثم الظاهر أنها حملت به تسعة أشهر كما تحمل النساء ويضعن لميقات حملهن ووضعهن إذ لو كان خلاف ذلك لذكر".
[ ١ / ٤٤ ]
بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرًا قط" (^١)، فهذا يدل على وجود الجنة والنار. كما أنهما باقيتان، لا تفنيان؛ لأن الله ﷿ أثبت الخلود لأهل كل من الدارين، خلافًا لمن زعم أنهما تفنيان من الجهمية، وغيرهم.
قوله: "أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) هذا جواب الشرط وجزاؤه، فمن اعتقد هذه العقائد الصحيحة، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، وفي هذا رد على الخوارج؛ الذين يخلدون مرتكب الكبيرة في النار إذا لم يتب.
وللشراح في توجيه جملة: "على ما كان من العمل" قولان:
الأول: أنّه لا بد أن يدخل الجنة، إما دخولا أوليًا، أو دخولًا مآليًا. فمن اعتقد هذه العقائد الصحيحة الصائبة، وسَلِم من الكبائر، فإن الله تعالى يدخله الجنة دخولًا أوليًا، على ما كان من العمل. وإن اعتقد ذلك لكن تلطخ بالكبائر، فإن الله تعالى ربما عذبه بقدر ذنبه، جزاء ما اكتسب، لكن مآله إلى الجنة.
الثاني: أن منزلته في الجنة، تكون بحسب عمله؛ وذلك أن المؤمنين يتفاوتون، كما قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢] فإن كان من السابقين بالخيرات، فدرجته عليا، وإن كان من المقتصدين فدون ذلك، وإن كان من الظالمين لأنفسهم فدون ذلك.
مناسبة الحديث للباب:
بيان فضل التوحيد، وأنه سبب لدخول الجنة، وتكفير السيئات.
فوائد الحديث:
١ - فضل التوحيد.
٢ - أن الله تعالى واسع الفضل والمغفرة.
٣ - بيان الواجب تجاه أنبياء الله، وهو اعتقاد أنهم عباد الله ورسله، فنسلم من الإفراط والتفريط.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب كفران العشير وهو الزوج، وهو الخليط، من المعاشرة برقم (٥١٩٧) ومسلم في كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار برقم (٩٠٧).
[ ١ / ٤٥ ]
٤ - الرد على جميع أهل الملل الباطلة.
ثم قال المصنف ﵀:
"ولهما": أي: البخاري ومسلم، وهما إمامان جليلان، من أئمة الحديث، التزما في كتابيهما ألا يرويا إلا ما صح عن رسول الله ﷺ.
قوله: "في حديث عتبان" هو عتبان بن مالك بن عمرو بن عجلان الأنصاري، من صحابة النبي ﷺ، مات في خلافة معاوية، وقد طلب مرة من النبي ﷺ أن يصلي له في موضع اتخذه في بيته؛ لكي يتخذه مصلى، فأجابه النبي ﷺ إلى طلبته.
قوله: "فإنّ الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله" أي: منع من النار، أو منع النار أن تصيبه، من اعتقد بقلبه، ونطق بلسانه.
قوله: "يبتغي بذلك وجه الله" أي: قالها مخلصًا، وذلك يستلزم الانقياد والعمل الصالح.
ثم قال المصنف ﵀:
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "قال موسى: يا رب، علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا؟ قال: يا موسى لو أن السماوات السبع، وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله" (^١) رواه ابن حبان، والحاكم، وصححه.
الشرح:
حديث أبي سعيد رواه جمع من أهل الحديث، كما تقدم تخريجه، منهم:
_________________
(١) أخرجه النسائي برقم (١٠٧٨٠)، والحاكم برقم (١٩٣٦).
[ ١ / ٤٦ ]
النسائي في عمل اليوم والليلة (^١)، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي (^٢)، وأبو نعيم (^٣)، وأبو يعلى (^٤). والحديث مختلف في تصحيحه، فقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، كما تقدم، والحاكم -كما هو معلوم- قد استدرك على الصحيحين أحاديث على شرطهما، أو على شرط أحدهما، فتعقبه الذهبي ﵀، فأقره على بعضها، وخالفه في أخرى. وممن صححه أيضًا ابن حبان، كما تقدم، والحافظ ابن حجر (^٥)، والمنذري (^٦). وضعّفه آخرون، بسبب أحد رواته، وهو دراج بن سمعان، حيث رواه عن أبي الهيثم، وقد ذكر بعض أهل العلم: أن رواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة. والأقرب: أن هذا الحديث له شواهد، يرتقي بها إلى درجة الصحة.
قوله: "قال موسى" " موسى: هو نبي الله الكليم، أحد أولي العزم من الرسل، وهو أعظم أنبياء بني إسرائيل قاطبة. وهذا مما أُدرك من كلام النبوة الأولى، فيدخل في قول النبي ﷺ: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى" (^٧)، حيث روى النبي ﷺ كلامًا عن نبي الله موسى ﵇، مناجيًا ربه: "يا رب علمني شيئًا أذكرك، وأدعوك به".
قوله: "أذكرك به": أي: أثني عليك وأحمدك به.
قوله: "وأدعوك به": أي أناجيك، وأسألك به، والدعاء نوعان: دعاء مسألة، ودعاء عبادة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] فطلب موسى من ربه ﷿ ذكرًا خاصًا يدعوه، ويسأله به.
قوله: "قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله" أحاله على كلمة التوحيد المشهورة.
قوله: "قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا" هكذا أوردها المصنف ﵀
_________________
(١) عمل اليوم والليلة للنسائي برقم (٨٣٤).
(٢) الأسماء والصفات - البيهقي برقم (١٨٤).
(٣) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٨/ ٣٢٧).
(٤) مسند أبي يعلى الموصلي برقم (١٣٩٣).
(٥) فتح الباري لابن حجر (١١/ ٢٠٨).
(٦) الترغيب والترهيب للمنذري (٢/ ٤١٥).
(٧) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار برقم (٣٤٨٤).
[ ١ / ٤٧ ]
بصيغة الجمع (يقولون) وفي بعض النسخ: (يقول) (^١)، فصيغة الجمع ترجع إلى لفظ (عبادك)، وصيغة الإفراد ترجع إلى لفظة (كل). ويجوز الوجهان، وكلاهما ثابت أيضًا في الأصول.
قوله: "هذا": المشار إليه: كلمة التوحيد، ورد موسى موسى ﵇ ليس تقليلًا لهذه الكلمة، وإنما أراد شيئًا يختص به، معها.
قوله: "قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرَهن غيري" بالنصب، عطفًا على السماوات، أي: من فيهن من العمار، سوى الله ﷿.
قوله: "والأرضين السبع" ولم يقل: وعامرهن غيري؛ لأن الله تعالى فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، فأخبر عن نفسه أنه في السماوات فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦].
ومعنى: أنه في السماء:
١ - إن أردنا بالسماوات: السماوات المبنية، التي هي السقف المحفوظ، فالمراد: أنه فوقهن.
٢ - وإن أردنا بالسماوات العلو ف (في) تدل على الظرفية. ولا شك أنّ الله موصوف بالعلو المطلق، وأما الأرضين، فإنّ الله تعالى ينزه أن يضاف إلى الأرضين؛ لأن من شأنهن السفول، والله من وصفه العلو. وفي قوله: "السبع" تصريح في بأن الأرضين سبع، وهذا موضع نادر يرد فيه تحديد الأرضين بسبع، وأما الموضع الآخر، ففي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] فيفهم من قوله: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ أي: مثلهن في العدد.
قوله: "في كِفَّة": الكفة، بكسر الكاف، والفاء المفتوحة المشددة: هي التي يوضع فيها الثقل في الميزان، وكل ميزان له لسان وكِفتان.
قوله: "ولا إله إلا الله في كِفة" أراد الله تعالى أن يُبيَّن لموسى، ﵇، ثقل (لا إله إلا الله)، وفضلها،
_________________
(١) هذه الرواية في الأسماء والصفات - البيهقي برقم (١٨٤) وفي عمل اليوم والليلة للنسائي برقم (٨٣٤) وفي صحيح ابن حبان برقم (٦٢١٨) والمستدرك على الصحيحين للحاكم برقم (١٩٣٦) ومسند أبي يعلى الموصلي برقم (١٣٩٣).
[ ١ / ٤٨ ]
قوله: "مالت بهن لا إله إلا الله": أي: رجحت وثقلت بهن. رواه ابن حبان، والحاكم، وصححه.
مناسبة الحديث للباب:
فيه دليل صريح على فضل التوحيد، وأنّ كلمة التوحيد ترجح على بجميع المخلوقات.
فوائد الحديث:
١ - فضل لا إله إلا الله؛ والترغيب في الإكثار منها.
ومما يدل على فضلها ما رواه الترمذي، وحسنه أن النبي ﷺ قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" (^١).
٢ - ثقل هذه الكلمة في الميزان، ورجحانها بكل شيء.
ومما يدل أيضًا على رجحانها وثقلها، حديث البطاقة المشهور، الذي رواه الترمذي، وحسنه: "إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء" (^٢).
وقد يعجب بعض الناس من ذلك، ويقول: تسعة وتسعون سجلًا من
_________________
(١) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الدعوات برقم (٣٥٨٥) وحسنه الألباني.
(٢) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله برقم (٢٦٣٩) وابن ماجه في كتاب الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة برقم (٤٣٠٠) وصححه الألباني.
[ ١ / ٤٩ ]
الذنوب والخطايا ورجحت عليها (لا إله إلا الله)؟! ولا عجب من ذلك؛ لأن هذه الكلمة (لا إله إلا الله) إذا استقرت في سويداء القلب، وقامت معانيها من الخوف، والرجاء، والتوحيد، والتوكل، والاستعانة، والاستغاثة وغيرها من العبادات القلبية العظيمة، التي هي أشرف من العبادات البدنية، صار قائلها موحدًا توحيدًا حقيقيًا لله تعالى، في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، فعمرت قلب هذا الرجل الذي فَرَطَ منه خطايا وذنوب بلغت بكثرتها تسعة وتسعين سجلًا، فصارت البطاقة بكيفيتها، أثقل من السجلات بكميتها، في الميزان.
وعلى هذا فلا يغتر أحد، فما أكثر من يقول: لا إله إلا الله، ويدخل النار، فليس كل من يقول: لا إله إلا الله يأتي بها على وجهها. وحديث البطاقة يدل على عظم هذه الكلمة وفضلها، وثقلها في الميزان، وأن من قالها بصدق، وإخلاص، يبتغي بذلك وجه الله، فإن الله ﷾ يثقل موازينه. وليس معنى ذلك أن صاحب البطاقة أفضل من غيره من المؤمنين، فلا شك أن المؤمنين الذين سلموا من الذنوب والخطايا والكبائر، وأتوا ب (لا إله إلا الله) خير منه مقامًا، وأعظم درجة عند الله تعالى.
٣ - فضل موسى ﵇، وحرصه على العلم. وشواهد هذا كثيرة.
٤ - إثبات العلو لله ﷾؛ لقوله: "لو أن السماوات السبع، وعامرَهن غيري".
٥ - أنّ كلمة التوحيد، لا بد أن تقال بهذه الصيغة: "لا إله إلا الله" وأما ما استزل به الشيطان بعض المتهوكين من الجهلة والصوفية، حتى زين لهم الشيطان قول: "إلا الله" بحجة أنهم ربما أدركهم الأجل بعد النفي، وقبل الإثبات! ثم زين لهم أن يقتصروا على الضمير بدل الاسم الظاهر، فصاروا يقولون: "إلا هو"! ثم ما زال بهم حتى حملهم على أن يرددوا: "هو. هو". وقد رأيتُ في مدخل بعض الأربطة في بعض البلاد، مكتوب كلمة (هو)، منقوشةً على الجبل. وربما يُسمع بعضهم، وهو يطوف في البيت، يقول: "الله، الله، الله" وهذا ليس بدعاء ولا ذكر؛ لأنه لم يصدّر بياء النداء. ولا يكون دعاءً ونداءً إلا مصدرًا بياء النداء، فلو قال: "يا الله" لكان أصوب وأقوم، ولا شك أن الأكمل أن يقول كما قال نبينا ﷺ: "لا إله إلا الله"، وكما علّم اللهُ موسى ﵇ في هذا الحديث.
٦ - إثبات الميزان، وأنه حقيقي له كفتان.
[ ١ / ٥٠ ]
٧ - حاجة الأنبياء إلى التعليم، وأنهم بشر قد تخفى عليهم بعض العلوم، وقد يذهلون عن بعض الحقائق العظيمة.
٨ - أنّ السماوات سبع، والأرضين كذلك، وأما كيفية ذلك، فالله أعلم به، فليس لنا أن نتخوض في كيفية هذه السبع السماوات الطباق، كأن نقول: هي المجرات! فهذا مما لا نقطع ولا نجزم به، وكذلك الأرضين، ليس لنا أن نقول: هي الطبقات الجيولوجية، وإنما نثبت أنها سبع سماوات، وسبع أراضين، كما أخبر الله، وأخبر نبيه ﷺ.
ثم قال المصنف ﵀:
وللترمذي وحسنه: عن أنس ﵁: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة" (^١).
الشرح:
هذا الحديث رواه الترمذي، وحسنه، ورواه الإمام أحمد (^٢)، فالحديث حسن، والحسن من قسم المقبول، كالصحيح، غير أنه خفَّ فيه ضبط الراوي.
وأنس: هو أنس بن مالك بن النضر الخزرجي ﵁، خادم رسول الله ﷺ، أتت به أمه، أم سليم ﵂، وهو ابن عشر سنين؛ ليخدم النبي ﷺ، وطلبت منه الدعاء له، فخدمه عشر سنين، ودعا له بأن يكثر الله تعالى ولده، وأن يدخله الجنة، فأدرك من ولده من صلبه أكثر من مائة، وكانت وفاته سنة (٧٢ هـ) وقيل: (٧٣ هـ) وعمره قد جاوز المائة، ببركة دعاء النبي ﷺ.
قوله: "قال الله تعالى": هذا الحديث يُسمى "حديث قدسي" أو "إلهي"، وهو الذي يرويه النبي ﷺ عن ربه. والفرق بين الحديث القدسي والقرآن:
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٣٥٤٠).
(٢) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٢١٥٠٥) وقال محققو المسند: "حديث حسن".
[ ١ / ٥١ ]
١ - أن القرآن العظيم لفظه ومعناه من الله ﷿، والحديث القدسي لفظه من النبي ﷺ، ومعناه من الله تعالى.
٢ - أن القرآن متعبد بتلاوته، بخلاف الحديث القدسي والنبوي، فلا يتعبد بتلاوتهما.
قوله: "يا ابن آدم": هذا خطاب يتناول كل آدمي، من حين أن أهبط الله آدم إلى آخر من يموت على وجه الأرض.
قوله: "لو أتيتني بقراب الأرض": يقال: (قُراب) بالضم، و(قِراب) بالكسر، والأولى أفصح وأشهر. وقراب الأرض: ملؤها، أو ما يقارب ملأها "خطايا": أي: ذنوب.
قوله: "ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا": أي: مِتَّ على هذا الحال، عليه ذنوب، لكنه لا يشرك بالله ﷿ شيئًا.
قوله: "لأتيتك بقرابها مغفرة" المغفرة: هي الستر والتجاوز، ومنه سُمي المغفر مغفرًا، وهو الخوذة التي تجعل على الرأس، فيستفيد منها لابسها فائدتين: الستر، والوقاية، فهي تستر رأسه، وتقيه من الضربات، أو السقطات، فكذلك مغفرة الله تتضمن الستر والتجاوز؛ وذلك أن الله ﷾ يقول لعبده المؤمن يوم القيامة: "سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم" (^١).
فهذا حديث عظيم من أحاديث الرجاء، لكنه يتضمن شرطًا عظيمًا، وقيدًا ثقيلًا، وهو السلامة من الشرك. و"شيئًا" نكرة، والنكرة في سياق النفي والنهي والشرط تدل على العموم.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، فهو يدل على فضل التوحيد، وكثرة ثوابه، وتكفيره للذنوب، فهو مطابق للترجمة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المظالم والغصب، باب قول اللَّه تعالَى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] برقم (٢٤٤١) ومسلم في التوبة قبول توبة القاتل وإن كثر قتله برقم (٢٧٦٨).
[ ١ / ٥٢ ]
فوائد الحديث:
١ - فضل التوحيد.
٢ - جود الله، وكرمه، وحلمه.
٣ - إبطال مقالة الخوارج: أن الإنسان إذا مات وهو على كبيرة، فإنه لا يدخل الجنة، فهذا الحديث لم يشترط التوبة، وإنما اشترط التوحيد، والخلوص من الشرك.
٤ - إثبات صفة الكلام لله تعالى؛ لقوله: "يقول الله: يا ابن آدم".
٥ - إثبات البعث والحساب؛ لقوله: "ثم لقيتني".
٦ - بيان معنى: (لا إله إلا الله) التي يحصل بها تكفير الذنوب، وهي أن خالصة من الشرك، ولا تكون مجرد قول باللسان، تخالفها الأفعال، بل لا بد أن يكون صاحبها سالمًا من الشرك.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: سعة فضل الله.
ويُستفاد ذلك من مجموع هذه النصوص.
الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله.
ويُؤخذ ذلك من الآية، ومن قول النبي ﷺ في الحديث "أدخله الله الجنة، على ما كان من العمل".
الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب.
ويُؤخذ هذا من قوله في حديث عتبان: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله".
[ ١ / ٥٣ ]
الرابعة: تفسير الآية (٨٢) التي في سورة الأنعام.
وهي قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] والظلم هو الشرك، وهذا دليل على تفسير القرآن بالقرآن، وهو أعلى درجات التفسير، كما صنع النبي ﷺ في هذا الموضع. ثم يفسر القرآن بالسنة، كقول النبي ﷺ في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" (^١). ثم الدرجة الثالثة: تفسير القرآن بكلام الصحابة، فإن للصحابة منزلة ليست لغيرهم؛ لأنهم شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، من النبي ﷺ، فأقوالهم معتبرة، وهذه الدرجات الثلاث في تفسير القرآن هي التي سار عليها الإمام الحافظ ابن كثير ﵀.
الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عُبادة.
فمن تأملها وجد أنها تدل على التوحيد وتوابعه، وترد على جميع ملل الكفر والضلال، من المشركين، والمبتدعة، واليهود والنصارى، ومنكري البعث، والقائلين بفناء الجنة والنار، والوعيدية.
السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان، وما بعده تبين لك معنى قول: "لا إله إلا الله"، وتبين لك خطأ المغرورين.
أي الجمع بين حديث عبادة، وحديث عتبان، وما بعده، يبين معنى: لا إله إلا الله، وأنها ليست مجرد كلمة تقال باللسان، بل مقيدة بالقيود الثقال، وهي: الإخلاص لله تعالى، وعدم الإخلال بمقتضاها، فلا يغشى شركًا، بل يقولها معتقدًا بالجنان، ناطقًا باللسان، عاملًا بالأركان. والمغرورون الذين أشار إليهم المصنف ﵀، هم الذين زين لهم الشيطان بأن من قال: لا إله إلا الله، يحرم على النار، ولو فعل ما فعل، من العكوف على القبور، ودعاء غير الله،
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة باب فضل الرمي والحث عليه، وذم من علمه ثم نسيه برقم (١٩١٧).
[ ١ / ٥٤ ]
والنذر لغير الله، والذبح لغير الله، فهذا غرور لا ريب. وقد فند دعاويهم في "كشف الشبهات"
السابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان.
وهو الإخلاص، كما قال: "يبتغي بذلك وجه الله".
الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل (لا إله إلا الله).
وهذا بيّن في قصة موسى ﵇، فإنه طلب من ربه ﷿ شيئًا خاصًا يدعوه ويذكره به، فأحاله الله على ما هو أولى وأكمل.
التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أنّ كثيرًا ممن يقولها يخف ميزانه.
وهذا ملحظ مهم، فكثير ممن يقول: (لا إله إلا الله) يخف ميزانه، مع أن معه "لا إله إلا الله"، والسبب أنه لم يأتِ بها على مراد الله، ولم يحققها التحقيق المطلوب، فلا يحصل له بها هذا الثقل الذي وُصف في الحديث.
العاشرة: النص على أنّ الأرضين سبع، كالسموات.
لقوله: "والأرضين السبع".
الحادية عشرة: أنّ لهن عُمّارًا.
أي: أن في السماوات من يعمرهن، وهم ملائكة الرحمن، وهم كثر؛ لقول النبي ﷺ: "إن السماء أطت، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله" (^١).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء برقم (٤١٩٠) والترمذي ت شاكر في أبواب الزهد، باب في قول النبي ﷺ: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا" برقم (٢٣١٢) وحسنه الألباني.
[ ١ / ٥٥ ]
الثانية عشرة: إثبات الصفات، خلافًا للأشعرية.
والصفات التي أثبتها الله في هذا الحديث هي: صفة الكلام لله ﷾ في قوله: "قال الله تعالى" وصفة الوجه لله تعالى؛ لقوله: "يبتغي بذلك وجه الله".
الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله" أنّه ترك الشرك ليس قولها باللسان.
فينبغي لطالب العلم التفطن لحمل النصوص بعضها على بعض، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل.
الرابعة عشرة: تأمُّلُ الجمع بين كون عيسى ومحمد عَبْدَيْ الله ورسولَيْه.
فقد جمع الله تعالى بين عبديه ورسوليه عيسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- بوصف العبادة والرسالة؛ لكي يُبيِّن أنّ شرط التوحيد: ألا يجعل لله ندًا، ولا شبيهًا، ولا نظيرًا، كما فعلت النصارى، حينما وصفت عيسى ﵇ بأوصاف لا تنبغي إلا لله ﷿، وألا يجعل مع الله شريكًا له في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته، فكل هذا منافٍ للتوحيد.
الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله.
أي: أنه مخلوق بكلمته، كما أن آدم ﵇ مخلوق بكلمته، لا أنه هو ذات الكلمة.
السادسة عشرة: معرفة كونه روحًا منه.
أي: أنه روح من الأرواح التي خلقها الله ﷾، وصدرت منه ابتداءً، ولم يتسلسل كما تسلسل غيره من الآدميين، وهذا فيه حكمة: وهي أن خلْق عيسى بن مريم تمت به القسمة الرباعية: فالله خلق بشرًا من أب وأم، وهم سائر البشر، وخلق بشرًا بلا أب ولا أم، وهو آدم ﵇، وخلق بشرًا من أم بلا أب،
[ ١ / ٥٦ ]
وهو عيسى بن مريم، وخلق بشرًا من أب بلا أم، وهي حواء؛ لأن آدم بالنسبة لها بمنزلة الأب، فإن الله ﷾ ألقى عليه النوم، ثم خلق حواء من ضلعه الأيسر القصير؛ ولهذا يقول نبينا ﷺ: "استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه" (^١).
السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار.
فمن فضل الإيمان بذلك: أن كان الإيمان بهما شرطًا في حصول هذا الموعود "أدخله الله الجنة على ما كان من العمل"، مع ما يثمره الإيمان بهما من عمل الصالحات، واجتناب السيئات.
الثامنة عشرة: معرفة قوله: "على ما كان من العمل".
أي: من مات عاملًا بما ذُكر في الحديث، معتقدًا له، دخل الجنة، على ما كان عليه من صلاح وفساد؛ لأن أهل التوحيد لا بد لهم من دخول الجنة، ونال من مراتبها بحسب عمله.
التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان.
يُستفاد ذلك من قوله: "لو أن السماوات والأرض … في كفة، ولا إله إلا الله في كفة".
العشرون: معرفة ذكر الوجه.
لقوله: "يبتغي بذلك وجه الله" فالله تعالى له وجه كريم، يليق بجلاله وعظمته وقد جاء في الحديث: "حجابه النور -وفي رواية: النار- لو كشفه، لأحرقت سبحات وجهه، ما انتهى إليه بصره من خلقه" (^٢). وقد أثبت الله تعالى
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم -صلوات الله عليه وذريته- برقم (٣٣٣١) ومسلم في كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء برقم (١٤٦٨).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله ﵇: إن الله لا ينام، وفي قوله: حجابه النور لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه برقم (١٧٩).
[ ١ / ٥٧ ]
لنفسه الوجه في آيات كثيرة من كتابه، منها: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠] وأثبت له نبيه ﷺ ذلك في كثير من الأحاديث، منها: قوله: "وأسألك لذة النظر إلى وجهك" (^١)، فنؤمن بما أخبر الله تعالى به عن نفسه، وما أخبر به نبيه ﷺ، ونثبت ذلك إثباتًا بلا تمثيل، ولا نسلك مسالك المنحرفين من المتكلمين الذين حرفوا هذه النصوص؛ لما سبق إلى أذهانهم لوثة التشبيه، فأرادوا الفرار من التمثيل فوقعوا في التعطيل، فزعموا أن الله تعالى ليس له وجه كريم، ولا حجة لهم عند الله على إنكار ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، فليسوا أعلم بالله من الله، ولا أعلم بالله من رسول الله، ولا هم أصدق من الله قيلًا، ولا أحسن منه حديثًا، ولا هم أغير على الله من نفسه ومن نبيه ﷺ، حتى يتجرأ أحدهم فيقول: المراد بالوجه الذات، أو الثواب! فمن أين له ذلك؟ فما أجرأ هذا القائل على إنكار شيء أخبر الله به تعالى عن نفسه! فليطب المسلم بإثبات الصفة نفسًا، وليقر به عينًا، وليثبت لربه، ما أثبته لنفسه، إثباتًا بلا تمثيل، وينزهه تنزيهًا بلا تعطيل.
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في باب صفة الصلاة ذكر جواز دعاء المرء في الصلاة بما ليس في كتاب الله برقم (١٩٧١) وصححه الألباني.
[ ١ / ٥٨ ]