وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة: ١١].
وقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٥٦].
وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [سورة المائدة: ٥٠].
عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يُؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (^١)، قال النووي: حديث صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح (^٢).
وقال الشعبي: "كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد؛ لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة برقم (١٥) وابن بطة في الإبانة الكبرى برقم (٢٧٩) والبغوي في شرح السنة (١/ ٩٨) وقال الألباني مشكاة المصابيح (١/ ٣٦): "سنده ضعيف".
(٢) الأربعون النووية (ص: ١١٣).
[ ٢ / ٥٣٣ ]
وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود؛ لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا على أن يأتيا كاهن في جهينة فيتحاكما إليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية [النساء: ٦٠] (^١).
وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ: "أكذلك؟ " قال: نعم، فضربه بالسيف، فقتله (^٢).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
عقد المصنف ﵀ هذا الباب؛ لبيان أن من لوازم الإيمان التحاكم إلى الله ورسوله، وأن من ترك التحاكم إلى الله ورسوله، واستغنى عنهما بسواهما فقد ناقض أصل التوحيد، لمناقضته مقتضى شهادة: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، وهو استفهام للتعجب والإنكار؛ لأن حال هؤلاء المذكورين يقتضي العجب منهم، والنكير عليهم.
قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ أي: يدعون، وغالبًا ما يستخدم الزعم في الدعاوى المكذوبة، أو فيما يكون موضع مسائلة وتهمة، وربما عُبِّر بالزعم عن الخبر المجرد.
قوله: ﴿أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ هو القرآن العظيم.
قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: التوراة والإنجيل.
قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ هذه إحدى صفاتهم: وهي
_________________
(١) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر برقم (٩٨٩١) وتفسير البغوي - إحياء التراث (١/ ٦٥٤) وتفسير القرطبي (٥/ ٢٦٣) وأسباب النزول للواحدي (ص: ١٠٧).
(٢) تفسير البغوي - طيبة (٢/ ٢٤٢) وأسباب النزول للواحدي، ت: الحميدان (ص: ١٦٢).
[ ٢ / ٥٣٤ ]
التحاكم إلى الطاغوت، والطاغوت -كما تقدم - مشتق من الطغيان الذي هو التجاوز. واصطلاحًا: كل ما تجاوز به العبد حده؛ من معبود، أو متبوع، أو مطاع. والطاغوت هنا هو كعب بن الأشرف، كما سيأتي في سبب النزول، لكن الآية أعم، والقاعدة عند المفسرين: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فقد تنزل آية من الآيات في واقعة معينة، ولا يقتضي هذا اختصاص الحكم بتلك القضية المعينة، بل ما دل عليه اللفظ بعمومه ينسحب على جميع أفراده.
قوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ الكفر بالطاغوت واجب، بل هو قسيم الإيمان بالله، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]
قوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: يستهويهم الشيطان بهذا المسلك، ويغويهم، فالضلال بمعنى: التيه والضياع عن طريق الحق.
وتتمة هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] هذا هو الوصف الثاني: أنهم إذا دعوا إلى التحاكم إلى ما أنزل الله، وإلى الرسول، صدوا، وأعرضوا، وأشاحوا بوجوههم. ثم قال الله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] هذا هو الوصف الثالث: وهو أنهم إذا وقعت عليهم بلية ومصيبة، وانكشف أمرهم، وافتضحوا، جاؤوا معتذرين: أنهم إنما أرادوا الإحسان، والتوفيق بين المصالح، ونحو ذلك من الدعاوى والمعاذير التي ظاهرها البراءة والنصح، وباطنها الخبث والغش.
وهذه الآيات العظيمة، عند التأمل، تنطبق على فئات متعددة: فقد طبقها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على المتكلمين من الجهمية والمعتزلة ومن شابههم، الذين اشتغلوا بعلم الكلام، وتركوا علوم الكتاب والسنة؛ فإن المتكلمين أعجبوا بعلوم اليونان ومنطقهم، وقدموا الأدلة العقلية على الأدلة النقلية، ووقعوا فيما وقع فيه المنافقون، وشابهوهم من عدة وجوه:
[ ٢ / ٥٣٥ ]
الأول: أن المنافقين ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، والمتكلمون يقولون: نحن من جملة المسلمين، ونحن من أهل القبلة. فالزعم حاصل من الطرفين.
الثاني: أن المنافقين ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، والمتكلمون يتحاكمون إلى منطق أرسطو، وفلسفة اليونان، ثم يستدعون نصوص الكتاب والسنة، فإن هي وافقت ما دلتهم عليه عقولهم ومقدماتهم قبلوها، واعتبروها أدلة مساندة، بمنزلة الشهود الزائدين على النصاب، وإن هي عارضت ما توصلوا إليه استعملوا معها أحد طريقين:
١ - الرد: إن كان حديث آحاد، ويزعمون أنه لا يُؤخذ بأحاديث الآحاد في مسائل الاعتقاد.
٢ - التأويل: إن كان آية محكمة، أو حديثًا متواترًا، فيلوون أعناق النصوص؛ لتوافق ما أملته عليهم عقولهم.
الثالث: أن المنافقين ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، والمتكلمون زين لهم الشيطان علوم اليونان، وزخرفها لهم، وأنها سبيل الحصول على العلم القطعي اليقيني، ومع هذا لم يحصِّلوا العلم القطعي اليقيني بمسلكهم ذلك، بل ضلوا ضلالًا بعيدًا.
الرابع: أن المنافقين ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ والمتكلمون، إذا دعوا إلى علوم الكتاب والسنة، والتحاكم إلى الآثار، أشاحوا بوجوههم، ونبزوا أهل السنة بألقاب السوء، وقالوا: أنتم حشْوية، أو نوابت، وسخروا منهم.
الخامس: أن المنافقين ﴿إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ والمتكلمون إذا صيح بهم، وخشوا افتضاح طريقتهم، اعتذروا بأنهم سلكوا هذا المسلك للتوفيق بين الأدلة النقلية والعقلية.
ويشبه هؤلاء، وهؤلاء، فئة ثالثة، وهم منافقو هذا الزمان، الذين يطلق
[ ٢ / ٥٣٦ ]
عليهم اسم "العلمانيين" (^١) أو "الليبراليين" (^٢)، فإنهم يحملون أسماء أهل الإسلام: كعبد الله، وعبد الرحمن، ولكن وجوههم لا تولي شطر المسجد الحرام، بل تستقبل الغرب! فهم مفتونون بالغرب في ثقافاتهم، وآدابهم، واقتصادهم، واجتماعهم. وهم يشاركون سلفهم بهذه الأوصاف:
- ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ويقولون: نحن من جملة المؤمنين. - ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ فهم معجبون بفلاسفة الغرب، ومنظريهم، وقادتهم، ومفكريهم، فألسنتهم تلهج بذكر هؤلاء، وقلَّ أن يذكروا آية أو حديثًا، أو يستشهدوا بقول عالم من علماء الملة، بل هم في الواقع، يريدون استبعاد الشريعة، وتطبيق القوانين الوضعية، وتغيير حال المرأة في المجتمع، وأن يكون الاقتصاد ربويًا، وأن يشاكلوا الغرب والشرق في جميع أحوالهم، وينزعوا صبغة الله التي صبغ بها عباده المؤمنين.
- ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ إذا صاح بهم أهل العلم والإيمان، وقالوا لهم: اتقوا الله، وردوا الأمر إلى الله ورسوله، صدُّوا، وأعرضوا، وسخروا بأهل العلم، ورجال الحسبة، ويصمونهم بألقاب السوء.
_________________
(١) (العَلمانية والعَلمنة،: مأخوذة من العالَم، وليس من العِلم، وإنما النسبة إلى العالَم، أي: الدنيا؛ إذ أن أصل هذه اللفظة في اللغة الإنجليزية Secularism"" معناها: الدنيوية، بمقابل الدينية؛ وذلك أن النصارى الغربيين يقسمون المجتمع إلى "رجال دين"، وهم رجال الكهنوت، أو (الإكليروس) الذين ينضوون في رتب تحت مظلة الكنيسة، و"رجال دنيا"، ويسمونهم عَلمانيين، ولا يعدون ذلك سُبة، وحقيق أن تُسمى الدنيوية، بدلًا من العلمانية، حتى لا تلتبس النسبة بالعلم. والمراد بالعَلمانية: إقصاء الدين عن أمور الحياة، بحيث يظل في أحسن الأحوال سلوكًا شخصيًا، لا شأن له بأمور الدنيا، من الثقافة، والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع، وغير ذلك من مناحي الحياة.
(٢) (الليبرالية: مأخوذة من كلمة، " Liberalism" معناها: الحرية، وهو مذهب فكري يدعو إلى التحرر من كل شيء، وألا يكون الإنسان متقيدًا، ولا منضبطًا بدين ولا شرع، بل يفعل ما يمليه عليه عقله ورأيه، فلا يلزم الإنسان، في نظرهم، اتباع الأنبياء. وكلمة "الحرية" محببة للنفوس، لكنها حرية منفلتة، فينبغي أن تُعرّف الليبرالية: بالانفلات المطلق، كما فسرها منظروها أنفسهم. ولا شك أن هذا مناقض لأصول الديانات؛ إذ أن الدين هو المنهج والشريعة التي يسلكها العبد في سبيل إرضاء ربه.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
- ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ إذا وقعت لهم فتنة، أو خافوا سخطة، قالوا: نحن نريد تحسين العلاقات، وتصحيح صورة الإسلام، وهم في الواقع يثلمون الدين، ويهدمون أركانه، فمهما زوقوا العبارات فإنهم في الحقيقة، سلكوا كمسلك أولئك المنافقين، كما وصف الله تعالى: فينبغي أن نعتبر بهذه الآيات العظيمات، ونعلم أن الله تعالى ما أبقى ذكرها إلا لدوام الحاجة إليها.
فوائد الآيات:
١ - لا يجوز تقديم كلام أحد، كائنًا من كان، على كلام الله ورسوله.
٢ - وجوب التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، مع الرضا والتسليم، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
٣ - أن من تحاكم إلى غير شرع الله، وارتضاه فليس بمؤمن، ولو ادعى الإصلاح، أو التطوير، أو العصرنة، أو غير ذلك من الدعاوى المزوقة.
٤ - أن من غيّر ما أنزل الله فهو طاغوت، ومن تحاكم إليه فقد تحاكم إلى الطاغوت، وإن سماه مثلًا: حقوق الإنسان، أو الحرية الدينية، أو المساواة بين الجنسين، أو غيرها من الأسماء المزوقة.
٥ - وجوب الكفر بالطاغوت.
٦ - وجوب الحذر من مكائد الشيطان؛ فالشيطان لا يقول لأتباعه: هلموا إلى الضلال، وإنما يقول: هذا الأفضل والأحسن، ويزين ذلك بشتى الأساليب.
٧ - أن من دُعي إلى شرع الله فأعرض عنه، فهو منافق معلوم النفاق.
٨ - مشابهة المتكلمين للمنافقين في هذا المسلك.
٩ - مشابهة العلمانيين والليبراليين للمنافقين في هذا المسلك.
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ هؤلاء هم المنافقون أيضًا. والإفساد نوعان: إفساد حسي مادي، وإفساد معنوي، والثاني أشدهما خطرًا؛ لأن الأول يتعلق بالممتلكات، وما يمكن استصلاحه،
[ ٢ / ٥٣٨ ]
وأما الإفساد المعنوي فإنه يتعلق بالعقائد، والقيم، والأخلاق، وهذا شيء قد يموت عليه الشخص، فيخسر الدنيا والآخرة معًا. فنهاهم المؤمنون عن الإفساد في الأرض بصنوف الكفر، والمعاصي، والوشاية، والسعاية، للإضرار بالمؤمنين.
قوله: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أي: ما نحن فيه إصلاح، وليس بفساد، هكذا زعموا!.
مناسبة الآية للباب:
خفية، وذلك أن المنافقين، يتذرعون بالمزاعم الباطلة، ودعاوى الإصلاح، ومع ذلك يتحاكمون إلى غير ما أنزل الله، ويتركون شريعة الله التي يحصل بها الصلاح والإصلاح.
فوائد الآية:
١ - التحذير من التحاكم إلى الأنظمة الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية.
٢ - أن الضالين يعتقدون أنهم مصلحون؛ فلا عجب إذا رُئي ينافح عن فكرته، ويظهر عليه أثر الغيرة والحمية؛ لأنه ربما رأى في رأيه الفاسد، أنه مصلح، والأمر ليس كذلك.
٣ - التحذير من الإعجاب بالرأي، فلا يُجزم إلا بنص معصوم، أما مجرد الرأي فيعرض على النص، فإن وافقه فالحمد لله، وإلا فالمعول على الدليل متى استبان وظهر. ومن الناس من يعجب برأيه؛ ولهذا جعل النبي ﷺ ذلك من مسوغات العزلة، فقال: "وإعجاب كل ذي رأي برأيه" (^١). فينبغي للإنسان أن يوطن نفسه على اتهام رأيه، وأنه قابل للخطأ، فيما لا نص فيه قاطع، فإذا وجد النص، فالعصمة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.
_________________
(١) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة برقم (٣٠٥٨) وأبو داود في كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي برقم (٤٣٤١) وابن ماجه في كتاب الفتن، باب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ [المائدة: ١٠٥] برقم (٤٠١٤) وقال الألباني: "ضعيف، لكن بعضه صحيح".
[ ٢ / ٥٣٩ ]
٤ - أن كل معصية في الأرض فهي فساد، وليُتأمل قول أخوة يوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣] لأن السرقة فساد.
٥ - عدم الاغترار بأقوال أهل البدع والأهواء، وإن زخرفوها بدعوى الإصلاح.
قوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الإفساد يكون بالشرك، والمعاصي، والعدوان.
قوله: ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ الأرض صلحت بما جاء به الأنبياء من الإيمان الصحيح، والشرائع العادلة، والأخلاق القويمة؛ ولهذا نهاهم نبيهم عن الإفساد.
مناسبة الآية للباب:
كسابقتها، وذلك أن من تحاكم إلى غير شرع الله فقد أفسد؛ لأن الصلاح يحصل باتباع الشرع.
فوائد الآية:
١ - أن المعاصي سبب فساد الأرض، ويقابل ذلك أن الطاعة سبب صلاحها.
٢ - أن الحكم بغير ما أنزل الله إفساد في الأرض.
فهؤلاء الذين يدعون مجتمعاتهم الإسلامية إلى محاكاة الغرب والشرق، والسير على خطاهم، فيما يتعلق بالأفكار، والأخلاق، والقيم، والمبادئ هم يدعون إلى الإفساد.
فإذا انبرى هؤلاء المفسدون، ونفّروا أهل الإسلام من تطبيق الحدود، مثلًا، وقالوا: لم تزهق نفس القاتل؟! ولم تقطع يد السارق؟! ولم يرجم الزاني المحصن؟! هذه قسوة ووحشية، كما يزعمون، فلنعلم أنهم هم المفسدون حقًا، وأن الإصلاح باتباع ما شرع الله الذي هو أعلم بمن خلق، فلا نلتفت لهذه الدعاوى، بل نعلم فسادها. قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] وفي الحديث: "حدٌ يقام في الأرض خير من أن تمطروا أربعين
[ ٢ / ٥٤٠ ]
صباحًا" (^١).
والصلاح يحصل بالتزام شرع الله ﷿، قال أبو بكر بن عياش ﵀: "إن الله بعث محمدًا إلى أهل الأرض، وهم في فساد، فأصلحهم الله بمحمدٍ ﷺ، فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد ﷺ فهو من المفسدين في الأرض" (^٢)، فأحسن التنظير ﵀. وقال ابن القيم ﵀ في (بدائع الفوائد): "ومن تدبر أحوال العالم، وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله، وعبادته، وطاعة رسوله، وكل شر في العالم، وفتنة، وبلاء، وتسليط عدو، وغير ذلك، فسببه مخالفة رسوله، والدعوة إلى غير الله ورسوله" (^٣).
قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ استفهام إنكاري للتوبيخ. والجاهلية: كل ما خالف الإسلام، لكنها تطلق اصطلاحًا تاريخيًا على الفترة التي سبقت بعثة النبي محمد ﷺ؛ وذلك لعموم الجهل فيها، كما قال الله ﷿ لنساء النبي: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]، فتلك هي الجاهلية الأولى، وقد تقع جاهليات لاحقة؛ لأن مرد ذلك إلى الجهل، فأينما وجد الجهل وُجدت الجاهلية. وقد تظهر في الأفراد، كما قال النبي ﷺ لأبي ذر ﵁؛ لما قال لبلال: يا ابن السوداء: "إنك امرؤ فيك جاهلية" (^٤)، وقد تظهر في المجتمعات، كقول النبي ﷺ: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن" (^٥)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: (فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ حِينِ يَبْلُغُ؛ خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَزْمِنَةِ الْفَتَرَاتِ الَّتِي تُشْبِهُ الْجَاهِلِيَّةَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَنْشَأُ بَيْنَ أَهْلِ عِلْمٍ وَدِينٍ قَدْ يَتَلَطَّخُ مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ بِعِدَّةِ أَشْيَاءَ
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٨٧٣٨) وقال محققو المسند: "إسناده ضعيف لضعف جرير بن يزيد". وابن حبان في كتاب الحدود، ذكر الأمر بإقامة الحدود في البلاد، برقم (٤٣٩٨) وقال الألباني: "حسن لغيره".
(٢) الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٦/ ٤٢٩).
(٣) بدائع الفوائد ت العمران (٣/ ٨٥٧).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك برقم (٣٠) ومسلم في الإيمان والنذور، باب إطعام المملوك مما يأكل برقم (١٦٦١).
(٥) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٥٤١ ]
فَكَيْفَ بِغَيْرِ هَذَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ؟ " هَذَا خَبَرٌ تَصْدِيقُهُ فِي قَوْله تَعَالَى "فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا" وَلِهَذَا شَوَاهِدُ فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ. وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ يَسْرِي فِي الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الدِّينِ مِنْ الْخَاصَّةِ؛ كَمَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ مِنْهُمْ ابْنُ عُيَيْنَة؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ الْيَهُودِ قَدْ اُبْتُلِيَ بِهِ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ وَكَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ النَّصَارَى قَدْ اُبْتُلِيَ بِهِ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الدِّينِ كَمَا يُبْصِرُ ذَلِكَ مَنْ فَهِمَ دِينَ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ ثُمَّ نَزَّلَهُ عَلَى أَحْوَالِ النَّاسِ) (^١)
فدلّ ذلك على أن الجاهلية لا تختص بفترة زمنية، ومعنى: ﴿يَبْغُونَ﴾ أي: يريدون، ويطلبون ويشتهون وتتمة الآية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ الجواب: لا أحد أحسن، وإذا كان الجواب: بلا، فالاستفهام للنهي. و﴿أَحْسَنُ﴾ أفعل تفضيل، لا يدل على أن في الطرف الثاني حسن؛ لأن أفعل التفضيل لا يقتضي وجود فضل في الطرف المقابل، كقول الله ﷿: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] فأصحاب النار ليس عندهم حُسْن ألبتة، بل الحسن كله في ما أنزل الله، والسوء كله فيما ناقض ما أنزل الله.
قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي: لقوم يعلمون علم اليقين أن حكم الله ﷿ هو الخير والهدى، وأنه صالح لكل زمان، ومكان، وأمة، وأنه مصلح للأفراد والمجتمعات.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لما فيها من النكير على من طلب التحاكم إلى غير الله ﷿ والثناء المطلق على حكمه، الذي يدرك حسنه أهل اليقين.
_________________
(١) (مجموع الفتاوى (١٠/ ٦٥٦ - ٦٥٧)
[ ٢ / ٥٤٢ ]
فوائد الآية:
١ - وجوب تحكيم شرع الله.
٢ - أن كل ما خالف شرع الله فهو من حكم الجاهلية.
٣ - فضل الشريعة، وكمالها، وصلاحها، بشهادة رب العالمين.
٤ - أن تحكيم القوانين الوضعية كفر بالله ﷿، فمن نبذ شريعة الله، واستعاض عنها بالقوانين الوضعية فقد كفر بالله ﷿.
قال المصنف ﵀:
"عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" قال النووي: حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح" النووي هو الإمام المعروف، محيى الدين، أبو زكريا، يحيى بن شرف النووي، نسبة إلى نوى، قرية من قرى الشام، عالم، ورع، محدث، فقيه، مصنف، مشهور، مشارك في جميع العلوم، وعلومه وكتبه نافعة سيارة، ومن أشهرها: (رياض الصالحين)، و(المجموع شرح المهذب). وفاته سنة (٦٧٦ هـ). والكتاب الذي أحال إليه النووي هو كتاب (الحجة على تارك المحجة)، لأبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي (ت: ٥٠٧ هـ) وهو في كتاب في العقيدة، يردّ فيه على المبتدعة، وأصحاب المقالات الباطلة، مطبوع محقق. وهو غير كتاب (الحجة في بيان المحجة) لإسماعيل ابن محمد بن الفضل بن علي القرشي الطليحي التيمي الأصبهاني، أبو القاسم، الملقب بقوام السنة (ت: ٥٣٥ هـ).
وقوله: "رويناه" يصح فيه ضبطان:
الأول: "رَوَيناه" بفتح الراء وبناء ضمير الرفع على الفاعلية.
الثاني: "رُوِّينَاهُ" بضم الراء وتشديد الواو وكسرها، لبناء الفعل على ما لم يُسم فاعله.
وهذا الحديث: في ثبوته نزاع. فقد أخرجه ابن أبي عاصم، والبغوي كما
[ ٢ / ٥٤٣ ]
تقدم، والخطيب (^١)، والحكيم الترمذي (^٢)، وأبو القاسم الأصبهاني (^٣)، والبيهقي (^٤)، وأخرجه في الكنز، وعزاه إلى: (الحكيم، وأبو نصر السجزي في الإبانة، وقال: حسن غريب، والخطيب عن ابن عمرو) (^٥). وقال ابن رجب الحنبلي ﵀ في شرحه للأربعين النووية: "قلتُ: تصحيح هذا الحديث بعيد جدًا من وجوه، منها: أنه حديث يتفرد به نعيم بن حماد المروزي، ونعيم هذا وإن كان وثقه جماعة من الأئمة، وخرج له البخاري، فإن أئمة الحديث كانوا يحسنون به الظن، لصلابته في السنة، وتشدده في الرد على أهل الأهواء، وكانوا ينسبونه إلى أنه يَهِم، ويُشبَّه عليه في بعض الأحاديث، فلما كثر عثورهم على مناكيره، حكموا عليه بالضعف … ومنها: أن في إسناده عقبة بن أوس السدوسي البصري، ويقال فيه: يعقوب بن أوس أيضًا، وقد خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه حديثًا عن عبد الله بن عمرو، ويقال: عبد الله بن عمر، وقد اضطرب في إسناده" (^٦). فالحديث محل نزاع في تصحيحه وتضعيفه، إلا أن معناه صحيح.
قوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" نفى النبي ﷺ الإيمان الواجب عمن لم يكن هواه تبعًا لما جاء به ﷺ، وهذا معنى صحيح؛ ولهذا قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، صاحب تيسير العزيز الحميد ﵀: "معناه صحيح قطعًا، وإن لم يصح إسناده، وأصله في القرآن كثير" (^٧)، أي: هذا المعنى في القرآن كثير، ومثال ذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ومعنى الآية هو معنى الحديث؛ لأنه قال فيها: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي
_________________
(١) تاريخ بغداد ت بشار (٦/ ٢٠) (١٦٠٩).
(٢) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (٤/ ١٦٤).
(٣) الحجة في بيان المحجة برقم (١٠٣).
(٤) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي برقم (٢٠٩).
(٥) كنز العمال (١/ ٢١٧)
(٦) جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥).
(٧) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد (ص: ٤٩٢).
[ ٢ / ٥٤٤ ]
أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فصار هواهم تبعًا لما جاء به. ومما يؤيده أيضًا قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] فدلّ ذلك على منافاة اتباع الهوى للإيمان. والمقصود بالهوى: ما تميل إليه النفس وتحبه مما يخالف الشرع.
وقوله: "تبعًا لما جئت به" أن يحب ما أمر الله به رسوله، ويكره ما نهى الله عنه ورسوله، فيمتثل الأوامر حتى لو وَجد في نفسه ثُقْلًا، ويترك المناهي ولو وجد في نفسه رغبة إليها، فهذا دليل على تقديمه محاب الله ومحاب رسوله على هوى نفسه، فالعبرة بالعمل. ووجود الغريزة الطبعية لا يقدح في إيمانه، بل تركها لله يدل على صحة الإيمان؛ لكونه طرح هوى نفسه، وامتثل أمره، واجتنب نهيه.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لدلالته على نفي الإيمان عمن لم يمتثل أمر الله، ولم يطمئن إلى شرعه.
فوائد الحديث:
١ - وجوب محبة ما جاء به الرسول ﷺ؛ وهذا يحصل بالمجاهدة والدربة، وربما كان الإنسان في وقت من الأوقات يكره بعض ما جاءت به السنة، لكن بالمجاهدة يريه الله الحق حقًا، والباطل باطلًا، والحسن حسنًا، والقبيح قبيحًا. ولنضرب لذلك مثلًا: بعض الناس يرى في حلق اللحية جمالًا، ونضارةً، ونظافةً، وفي إعفائها عكس ذلك، ويجد في نفسه غضاضة، وكرهًا، لكنه إذا جاهد نفسه، وتذكر أن هذا هدي محمد ﷺ طابت نفسه فيما بعد، وأحب محبوبات الله، ومحبوبات نبيه ﷺ. وبعض الناس يكون من البداية قريبًا من الفطرة، سليمًا من التكلف، فلا يحتاج إلى عناء شديد ليجعل هواه تبعًا لما جاء به النبي ﷺ.
٢ - وجوب بغض ما خالف ما جاء به النبي ﷺ.
٣ - انتفاء الإيمان الواجب عمن كان هواه غير تابع لما جاء به رسول الله.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
٤ - أن الإيمان يتفاضل، ويزيد وينقص؛ للتفاوت في مجاهدة الهوى، واتباع الهدى.
٥ - أن الإيمان التام يستلزم الموافقة التامة، ظاهرًا وباطنًا، وهذا أصل من أصول أهل السنة والجماعة: أن العمل لازم الإيمان، لا ينفك عنه، ولا يُتصَور بدونه، فلأجل ذا قال أهل السنة: الإيمان قول وعمل. وقالت المرجئة: الإيمان اعتقاد بالقلب، وأرجأوا العمل عن مُسمى الإيمان.
٦ - انتفاء الإيمان الواجب عن أهل البدع، والأهواء، والفساق؛ لأنهم لم يجعلوا هواهم تبعًا لما جاء به ﷺ، ومالوا إلى مناهج ومسالك منحرفة.
٧ - أن محبة الأشخاص، والأعمال، والأمكنة، والأزمنة، متعلقة بكمال الإيمان، ونقص ذلك نقص في الإيمان؛ فمزاج المؤمن يتكيف تكيفًا إيمانيًا، فيحب محبوبات الله، فيحب من الأزمنة: شهر رمضان، ومن الأمكنة مكة، والمدينة، وبيت المقدس، ويحب من الأشخاص والذوات: المتقين، والمحسنين، والصابرين، ويحب من الهيئات: الركوع، والسجود، ويحب من الأقوال الدعاء، وسائر الكلم الطيب، والعمل الصالح، ويكره أضدادها.
قوله: "وقال الشعبي" الشعبي: هو عامر بن شراحيل الشعبي، الكوفي. إمام مشهور، تابعي ثقة، فقيه، فاضل. مات بعد المائة. ﵀.
قوله: "كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد. عرف أنه لا يأخذ الرشوة" الذي حمل اليهودي على الترافع إلى النبي ﷺ علمه أنه لا يأخذ الرشوة، وهي: ما يعطاه الحاكم من أحد المتخاصمين ليحابيه في القضية، وكأن هذا اليهودي علم أن الحق إلى جانبه، وأنه سيحكم له، وإلا فليس هذا تعظيمًا منه للنبي ﷺ.
قوله: وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة" لعلمه أنهم أكالون للسحت، فأراد أن يرشيهم ليحصل له مراده.
قوله: "فاتفقا على أن يأتيا كاهنًا من جهينة فيتحاكما إليه" أي: لما اختلفا، هداهما الشيطان إلى أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة، والكهان -كما سبق- موجودون في كل حي من أحياء العرب، ويكون لأحدهم رئي من الجن يستعين به.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
قوله: "فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ " الآيات التي صدّر بها المصنف ﵀-الباب. وقد تقدم تخريجها.
مناسبة القصة للباب:
مطابقة، لأن فيها بيان سبب نزول الآية التي ترجم بها المصنف للباب.
فوائد القصة:
١ - وجوب التحاكم إلى شريعة الله.
٢ - أن التحاكم إلى غير شرع الله ينافي الإيمان.
٣ - أن المنافقين أخبث من اليهود.
٤ - دناءة اليهود؛ لأخذهم الرشوة، وخداع المنافقين؛ لبذلهم الرشوة.
٥ - تحريم الرشوة أخذًا وإعطاء وسعاية؛ وقد جاء في الحديث: "لعن رسول الله ﷺ الراشي، والمرتشي، والرائش، يعني: الذي يمشي بينهما" (^١)، فالراشي باذل الرشوة، والمرتشي من يقبلها، والرائش هو الوسيط بينهما، وكلهم داخلون في اللعنة.
٦ - شدة كراهة المنافقين وأشباههم لحكم الله ورسوله؛ وتفضيلهم التحاكم إلى الكهان على حكم الله ورسوله.
ثم قال المصنف ﵀:
"وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف" كعب بن الأشرف: من زعماء اليهود، وقيل: إنه من قبيلة طيء، لكن أمه من بني النضير، فكان في عداد اليهود، وكان شديد العداوة للنبي ﷺ بفعله، وقوله، وشعره؛ ولهذا قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: "من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله" (^٢)، فانتدب له
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٢٢٣٩٩) وقال محققو المسند: "صحيح لغيره دون قوله: "والرائش".
(٢) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب قتل كعب بن الأشرف برقم (٤٠٣٧) ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود برقم (١٨٠١).
[ ٢ / ٥٤٧ ]
ثلة من الصحابة الخيار الأبطال، حتى قتلوه. فهذان الرجلان -ولعلهما المذكورين سابقًا، وقد يكونان غيرهما، لاختلاف الحال- اقترح أحدهما الترافع إلى النبي ﷺ، واقترح الآخر الترافع إلى كعب بن الأشرف.
قوله: "ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ: "أكذلك؟ " قال: نعم، فضربه بالسيف، فقتله" أي فعل ذلك غضبًا للنبي ﷺ، وعقوبةً على كفر من لم يرض به حكمًا.
هذا الأثر، قد أخرجه البغوي معلقًا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، كما تقدم، ومن المعلوم أن الكلبي متهم بالكذب، فالحديث بهذا الإسناد يكون ضعيفًا، ولكن قد أخرجه الطبراني (^١)، والواحدي، كما تقدم، بإسناد جوده ابن حجر (^٢). ويبقى في الحديث إشكال، وهو: كيف عمد عمر ﵁ إلى قتل الرجل من تلقاء نفسه، مع أن الحدود لا بد أن ترفع إلى السلطان؟ فهذا مُشكِل. وقد أجيب عنه بأجوبة غير مقنعة، منها:
١ - عدم ثبوت هذه القصة.
٢ - إن عمر ﵁ كان قد اطلع على الحال، واستأذن النبي ﷺ؛ لأن المعروف من حال عمر ﵁ في وقائع كثيرة أنه كان يقول للنبي ﷺ: "يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق" (^٣)، فكان النبي ﷺ يمنعه في مناسبات عدة، منها:
- في قصة حاطب بن أبي بلتعة (^٤).
- وفي قصة الرجل الذي قال له: اعدل يا محمد (^٥).
_________________
(١) القرآن العظيم- للإمام الطبراني (ص: ٠).
(٢) فتح الباري لابن حجر (٥/ ٣٨).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الجاسوس برقم (٣٠٠٧) ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر ﵃ برقم (٢٤٩٤).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الجاسوس برقم (٣٠٠٧) ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر ﵃ برقم (٢٤٩٤).
(٥) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام برقم (٣٦١٠) ومسلم في الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم برقم (١٠٦٤).
[ ٢ / ٥٤٨ ]
- وفي قصة عبد الله بن أبي بن سلول (^١). فكان النبي ﷺ يمنعه ويذكر له أسبابًا تحول دون قتلهم. فإذا كان هذا هو المعروف من شأن عمر، وهو أنه مع شدة غيرته لله ولرسوله، وحميته لدين الله، لا يقدم على شيء إلا بعد استئذان النبي ﷺ؛ فينبغي أن يكون قد علم بما جرى من الرجلين سلفًا، واستأذن النبي ﷺ في ذلك.
مناسبة القصة للباب:
ظاهرة، لأن فيها أنّ من احتكم إلى غير شرع الله فإنه مستحق للقتل إن اعتقد ذلك واستحله؛ لأن التحاكم إلى غير شرع الله، رغبةً عنه، ردة في الدين، ففي هذه القصة ما يدل على تفضيله لحكم غير الله على حكم الله ورسوله ﷺ؛ حيث أنه عرض عليه صاحبه الترافع إلى النبي ﷺ فأبى، فهذا يدل على الرغبة عن حكم الله ورسوله.
فوائد القصة:
١ - أن تحكيم غير شرع الله في الخصومات والمنازعات ردة عن الإسلام.
٢ - أن المرتد حده القتل.
٣ - مشروعية الغضب لله ورسوله، كما وقع من عمر.
٤ - مشروعية تغيير المنكر باليد، فيما يسوغ تغيره باليد؛ لأن مراتب التغيير كما أخبر النبي ﷺ اليد، ثم اللسان، ثم القلب، فإذا وسع الإنسان شرعًا أن يُغير بيده لزمه ذلك، وإن كان التغيير باليد إلى غيره، كالسلطان فلا يتجاوز حده.
٥ - أن معرفة الحق لا تغني عن العمل به، والانقياد له؛ فلا يكفي مجرد العلم أن دين الله أحسن من غيره، بل لا بد من الامتثال، فإنه لازم ذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوة الجاهلية برقم (٣٢٥٧) ومسلم في البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا برقم (٢٥٨٤).
[ ٢ / ٥٤٩ ]
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء، وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت.
فمن نصَّب نفسه، أو رضي أن يكون مرجعًا للتحاكم بغير شرع الله، فهو طاغوت.
الثانية: تفسير آية البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.
فالتحاكم إلى غير شرع الله من الإفساد في الأرض.
الثالثة: تفسير آية الأعراف: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
فصلاح الأرض بسيادة الشرع، وفسادها بتغيير الشرع.
الرابعة: تفسير: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾.
تفسير ذلك: أن من تحاكم إلى غير شرع الله، فقد فضّل حكم الجاهلية على حكم الله.
الخامسة: ما قال الشعبي في سبب نزول الآية الأولى.
أن الخصومة جرت بين منافق ويهودي، فاليهودي اختار التحاكم إلى النبي ﷺ؛ لعلم أنه لا يأخذ الرشوة، والمنافق اختار التحاكم إلى اليهود؛ لعلمه أنهم يأخذون الرشوة.
السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب.
الإيمان الصادق هو الذي يقتضي التحاكم إلى الله ورسوله، والإيمان الكاذب يرفض ذلك ويأباه.
السابعة: قصة عمر مع المنافق.
وقد آل به الحال إلى قتله، إن صحت القصة.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
الثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ.
كما جاء في الحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" وهو حديث صحيح المعنى قطعًا، وإن كان في إسناده مقال، فلا يثبت الإيمان الواجب إلا بذلك.
[ ٢ / ٥٥١ ]