وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، [سورة فاطر: ١٣ - ١٤].
وفي الصحيح: عن أنس قال: شُجَّ النبي ﷺ يوم أحد، وكسرت رباعيته، فقال: "كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيهم؟ " فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨] (^١).
وفيه: عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية (^٢).
وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (^٣).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما قرر المصنف ﵀ في الباب السابق أن (من الشرك أن يستغيث بغير الله
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد برقم (١٧٩١).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] برقم (٤٠٦٩).
(٣) أخرجه البخاري في في كتاب المغازي، باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] برقم (٤٠٧٠).
[ ١ / ٢٤٠ ]
أو يدعو غيره) أراد أن يقيم الأدلة النقلية العقلية على بطلان الشرك.
قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ الهمزة للاستفهام، والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، والمراد بهم العرب الذي بعث فيهم النبي ﷺ.
قوله: ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي الأصنام، والأشجار، والأحجار، التي يدعونها من دون الله، فيجعلون لها شركًا في العبودية، فالله تعالى يعجّب من حالهم، وينكر عليهم، ويوبخهم، صنيعهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] فلا يمكن أن يكون الخالق والمخلوق سواء. ولهذا أبطل الله تعالى ألوهية الأصنام: بأنها لا تخلق، ولا تملك ضرًا، ولا نفعًا، فقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣] فمن هذه صفته ليس أهلًا للعبادة، لأنهم لا يملكون شيئًا من صفات الربوبية. و(شيئًا) نكرة في سياق النفي، فدلت على أنهم لا يخلقون أدنى شيء، كما أخبر في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ أي: أن هؤلاء المدعوين لا يستطيعون نصر من يدعونهم من المشركين، وليس هذا فقط، بل لا يستطيعون الانتصار لأنفسهم، فلو اعتدى عليهم أحد ما استطاعوا رده. ومما يروى في ذلك:
قال ابن هشام: (كَانَ عَمرو بْنُ الجَموح سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ بَنِي سَلمة، وَشَرِيفًا مِنْ أشرافِهم؛ وَكَانَ قَدْ اتَّخَذَ فِي داره صنمًا من خشب، يُقَالُ لَهُ: مَناةُ، كَمَا كَانَتْ الْأَشْرَافُ يَصْنَعُونَ، تَتَّخِذُهُ إِلَهًا تُعَظِّمُهُ وَتُطَهِّرُهُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ فِتْيَانُ بَنِي سَلَمة: معاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَابْنُهُ مُعاذ بْنُ عَمْرو بْنِ الجَموح، فِي فِتْيَانٍ مِنْهُمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ، كَانُوا يُدْلِجُونَ بِاللَّيْلِ عَلَى صَنَمِ عَمرو ذَلِكَ فيحملوِنه فَيَطْرَحُونَهُ فِي بَعْضِ حُفر بَنِي سَلِمَةَ، وَفِيهَا عِذَرُ النَّاسِ، مُنَكَّسًا عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا أَصْبَحَ عَمْرٌو، قَالَ: وَيْلَكُمْ! مَنْ عَدَا عَلَى آلِهَتِنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: ثُمَّ يَغْدُو
[ ١ / ٢٤١ ]
يَلْتَمِسُهُ، حَتَّى إذَا وَجَدَهُ غسلَه، وَطَهَّرَهُ، وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكَ لأخْزِينَّه. فَإِذَا أَمْسَى وَنَامَ عَمرو، عَدَوا عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَغْدُو فَيَجِدُهُ فِي مِثْلِ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْأَذَى، فيغْسله، وَيُطَهِّرُهُ، ويطيبه، ثم يعدون عليه، إذ أَمْسَى، فَيَفْعَلُونَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ، اسْتَخْرَجَهُ مِنْ حَيْثُ ألْقَوْه يَوْمًا، فَغَسَلَهُ، وَطَهَّرَهُ، وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ جَاءَ بِسَيْفِهِ فَعَلَّقَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إنِّي وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ مَنْ يَصْنَعُ بِكَ مَا تَرَى، فَإِنْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ فَامْتَنِعْ، فَهَذَا السَّيْفُ مَعَكَ، فَلَمَّا أَمْسَى، وَنَامَ عَمْرٌو، عَدَوا عَلَيْهِ، فَأَخَذُوا السَّيْفَ مِنْ عُنُقِهِ، ثُمَّ أَخَذُوا كَلْبًا مَيِّتًا فَقَرَنُوهُ بِهِ بِحَبْلِ، ثُمَّ ألْقَوْه فِي بِئْرٍ مِنْ آبَارِ بَنِي سَلَمة، فِيهَا عِذَر مِنْ عِذر النَّاسِ، ثم عدا عَمرو بْنُ الجَموح فَلَمْ يَجِدْهُ فِي مَكَانِهِ الذي كان به. فَخَرَجَ يَتْبَعُهُ حَتَّى وَجَدَهُ فِي تِلْكَ الْبِئْرِ، منَكَّسًا، مَقْرُونًا بِكَلْبِ مَيِّتٍ، فَلَمَّا رَآهُ وَأَبْصَرَ شأنه، وكلمه من أسلم من قَوْمِهِ، فَأَسْلَمَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وحسُنَ إسْلَامُهُ، فَقَالَ حِينَ أَسْلَمَ وعرَف مِنْ اللَّهِ مَا عرَف، وَهُوَ يَذْكُرُ صَنَمَهُ ذَلِكَ وَمَا أَبْصَرَ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى الَّذِي أَنْقَذَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ العَمَى وَالضَّلَالَةِ:
واللهِ لَوْ كنتَ إِلَهًا لَمْ تكنْ … أنتَ وَكَلْبٌ وسْطَ بِئْرٍ فِي قَرَنْ
أُفٍّ لمَلْقَاك إلَهًا مُسْتَدَن … الآنَ فتشناكَ عَنْ سُوءِ الغَبَنْ
الحمدُ للهِ العليِّ ذي المننَ … الواهبِ الرزاقِ دَيانِ الدّيَنْ
هُوَ الَّذِي أَنْقَذَنِي من أَنْ … أكونَ فِي ظُلمةِ قَبْرٍ مُرْتَهنْ
بأحمدَ المهدي النبيِّ المرتهنْ) (^١)
وقال أبو عُبَيْدٍ الْقَاسِمَ بْنَ سَلَّامٍ: (قَوْلُ الْعَرَبِ: لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ؛ قِيلَ: هَذَا فِيمَا بَلَغَنَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَعْبُدُونَ صَنَمًا، فَنَظَرُوا يَوْمًا إِلَى ثَعْلَبٍ جَاءَ حَتَّى بَالَ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
أَرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبَانُ بِرَأْسِهِ … لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ) (^٢).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ت طه عبد الرؤوف سعد (٢/ ٧٠)
(٢) المجالسة وجواهر العلم (٣/ ٣٧٨)
[ ١ / ٢٤٢ ]
فوائد الآيتين:
١ - إقامة الأدلة العقلية على إبطال الشرك، فالعقل أحد مصادر الاستدلال؛ ولهذا يحيل الله تعالى عليه كثيرًا، كقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. فالعقل السليم من الشهوات والشبهات من أقوى الأدلة الموصلة للحق، وإنما يذم من قدم العقل على النقل، وجعل النقل تابعًا للعقل، وهم المتكلمون والفلاسفة، فيجعلون العقل سيدًا متبوعًا، والنقل مسودًا تابعًا، فالعقل أداة، يستنير بنور النقل، ويستضيء به، فلا نعطله، ولا نستقل به.
٢ - إثبات صفة الخلق لله ﷾، فالله تعالى هو الخالق وحده، لا خالق سواه.
٣ - إثبات التدبير لله ﷾؛ لأن النصر بيده.
٤ - الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، وهي طريقة قرآنية، متكررة، فلما كان هؤلاء المشركون مقرين بأن ألهتهم لا تخلق، بل هي مخلوقة، وبأنها لا تنصرهم، ولا تنصر نفسها، كان من لازم ذلك ألا يعبدوها، ولا محيد لهم عنه.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من دون الله، وهم كُثر، فهناك من يدعو الجن، ومن يدعو الأنبياء والصالحين، ومن يدعو الملائكة، ومن يدعو الأصنام، الحيوانات، وغيرها.
قوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ القطمير: هو الغشاء الرقيق الذي يغلف النواة، وهو شيء تافه، لا يمثل ملكًا، ومع ذلك لا يملكونه. فلا شك أن الله، سبحانه، هو المتفرد بالملك، فله ملك السماوات والأرض؛ ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] أي: فهم لا يملكون استقلالًا، ولا مشاركة، ولا معاونة، فبأي وجه يستحقون العبادة وهم لا يملكون شيئًا؟!
قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ يعني: إذا وقع منكم ذلك ودعوتهم،
[ ١ / ٢٤٣ ]
لم يسمعوا دعاءكم ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ على سبيل التنزل ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ لأنهم لا يملكون الإجابة، فلا سمع، ولا ملك. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ فيوم القيامة تتبرأ منهم كل هذه المعبودات، سواء منها ما عُبد برضاه، أو بغير رضاه، فإنه يبرأ من عابديه؛ ولهذا يقول الله ﷿ للملائكة يوم القيامة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١]. قال الله ﷾: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ وهذه جملة محكمة، ذهبت مثلًا، أي: لا يخبرك بعواقب الأمور، ومآلاتها كالخبير، المطلع على بواطن الأمور، ولا أخبر من الله، ولا أعلم منه ﷾. وهذه الآية، كقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦]، وقوله: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]. فالقرآن مثاني.
مناسبة الآيات للباب:
أنها دالة على ما قصده المصنف ﵀ من إقامة الدليل العقلي على بطلان ألوهية المشركين؛ لكونها لا تملك، ولا تسمع، ولا تستجيب، فلا وجه لدعائها.
فوائد الآيات:
١ - إقامة الدليل العقلي على بطلان الشرك.
٢ - بيان الصفات التي يجب توفرها في المدعو؛ ليصح دعاؤه، وهي: (الملك، والسماع، والاستجابة) وقد انتفت في حق هؤلاء المدعوين، وثبتت في حق الله تعالى، فهو المعبود الحق، فالله تعالى له الملك، وهو سميع الدعاء، وهو الذي يملك الإجابة.
٣ - إثبات اسم الخبير له سبحانه وبحمده.
[ ١ / ٢٤٤ ]
ثم قال المصنف ﵀:
"وفي الصحيح" المراد هنا: الصحيحان؛ البخاري ومسلم.
قوله: "عن أنس قال: شُجَّ النبي ﷺ " الشج: يكون في الوجه والرأس خاصة، دون سائر الجراحات. وفي البطن تسمى: جائفة.
قوله: "يوم أحد" يوم أحد يوم معروف في الإسلام، وكان في السنة الثالثة من الهجرة، وأحد اسم لجبل، شمالي المدينة، متوحد بين الجبال، وقد ورد الثناء عليه، فقال ﷺ: "أحد جبل يحبنا ونحبه" (^١)، وخاطبه يومًا لما رجف بهم، فقال: "اسكن أحد، فليس عليك إلا نبي، وصديق، وشهيدان" (^٢)، يعني: نفسه، وأبا بكر، وعمر، وعثمان ﵃ أجمعين-.
قوله: "وكسرت رباعيته" وذلك أنه في يوم أحد، كانت الدائرة أول النهار، للمسلمين، فلما عصوا من بعد ما أراهم ما يحبون، ونزل الرماة من الجبل، كرَّ عليهم خالد بن الوليد بالخيل، فصارت الدائرة للمشركين، ولقي النبي ﷺ من العنت ما الله به عليم؛ فسقط في حفرة من حفر أبي عامر الفاسق، وشج في وجهه الشريف، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنتيه ﷺ، وكسرت رباعيته، والرباعية: السن الذي قبل الناب، يعني: بين الناب والثنية؛ بسبب ما جرى في ذلك اليوم.
قوله: "كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيهم؟ " " قالها النبي ﷺ على سبيل الاستبعاد، ولم يقطع، ولم يجزم، وإنما استفهم أو تعجب، والمقام يقتضي العجب. فاستدرك الله عليه، وأنزل:
قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فالأمر كله لله، يقضي ما يشاء، ويحكم ما يريد.
مناسبة الحديث، والآية للباب:
فإذا كان النبي ﷺ لم يدفع عن نفسه الأذى، ويقال له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب خرص الثمر برقم (١٤٨٢) ومسلم في الحج، باب أحد جبل يحبنا ونحبه، وفي الفضائل، باب في معجزات النبي ﷺ برقم (١٣٩٢).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب عثمان بن عفان أبي عمرو القرشي ﵁ برقم (٣٦٩٩).
[ ١ / ٢٤٥ ]
شَيْءٌ﴾، فكيف ينتظر ممن دونه أن يدفع عن غيره، أو أن يكون له من الأمر شيء؟ فهذا دليل عقلي نقلي على بطلان دعاء المشركين والقبوريين لمعبوديهم، وأنه ليس لهم من الأمر شيء، من باب أولى.
فوائد الحديث والآية:
١ - بطلان دعاء الأولياء والصالحين؛ فإذا كان النبي ﷺ لا يملك من الأمر شيئًا، فكيف بمن دونه؟
٢ - وقوع البلاء على الأنبياء والصالحين. وفي حديث سعد بن أبي وقاص، قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا أشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد، حتى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه من خطيئة" (^١). فلا يبتئس المسلم إذا وقع عليه بلاء، فليس هذا علامة هوان على الله ﷿ بل كونه دليل كرامة أقرب. ولكن العبد يسأل الله العافية، كما في الحديث: "سلوا الله العافية، فإنه لم يعط عبد شيئًا أفضل من العافية" (^٢).
٣ - وجوب التوكل على الله ﷿، وتفويض الأمر إليه.
٤ - وجوب الصبر على أقدار الله المؤلمة، فإذا وقع على الإنسان ما يكرهه، فلا يسخط.
٥ - الصبر على الدعوة إلى الله، وما يلقى في سبيلها.
٦ - عدم اليأس من روح الله؛ فيوم أحد جرى فيه ما جرى من الانتكاسة الظاهرة على المسلمين، لكن حصل بعد ذلك من الآثار الحميدة ما أحال المحنة منحة، والنقمة نعمة. وهكذا ينبغي للمؤمن أن يحسن الظن بربه، فقد جاء في الحديث: "إن الله لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له" (^٣)، لكن هذا يحتاج
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء برقم (٤٠٢٣) والترمذي ت شاكر في أبواب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء برقم (٢٣٩٨) وقال الألباني: "حسن صحيح".
(٢) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٤٦) وقال محققو المسند: "صحيح لغيره".
(٣) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (١٢٩٠٦) وقال محققو المسند: "حديث صحيح".
[ ١ / ٢٤٦ ]
إلى قلوب واثقة، مطمئنة. فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط. فمن عقد قلبه على هذا المعنى، فليبشر، فعما قريب سينقشع البلاء، ويتكشف عن خير عميم، وبركة مذخورة.
ثم قال المصنف ﵀:
قوله: "وفيه" أي: في صحيح البخاري.
قوله: "عن ابن عمر ﵄" هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ وعن أبيه- كانت وفاته سنة (٧٣ هـ) وهو من فقهاء الصحابة، ومحدثيهم.
قوله: "أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر" كان ذلك بعد أن كسرت رباعيته، وشج رأسه الشريف يوم أحد.
قوله: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" اللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وقد لعن النبي ﷺ أشخاصًا معيّنين، سيأتي ذكرهم في الرواية الأخرى.
قوله: "بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" " أي: بعد الرفع من الركوع والتسميع. والمراد بالسمع هنا: سمع الإجابة، أي: تقبل، فهذه الجملة دعائية. وأما الحمد: فهو وصف الله تعالى بصفات الكمال، ونعوت الجلال.
قوله: "فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ " هؤلاء الثلاثة كانوا مشركين يوم أحد، وأسلموا عام الفتح، فحين لعنهم النبي ﷺ استدرك الله عليه ذلك، وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، لأنه سبق في علم الله أن هؤلاء الثلاثة سيسلمون، ويحسن إسلامهم. ولا تعارض بين حديث ابن عمر، وحديث أنس السابق، قال ابن حجر، ﵀: (وَطَرِيق الْجمع بَينه وَبَين حَدِيث بن عُمَرَ أَنَّهُ ﷺ دَعَا عَلَى الْمَذْكُورِينَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا فِيمَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ وَفِيمَا نَشَأَ عَنْهُ مِنَ الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي أُحُدٍ) (^١)
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر (٨/ ٢٢٧)
[ ١ / ٢٤٧ ]
مناسبة الحديث للباب:
أن النبي ﷺ لا يملك أن يحكم على غيره، بل الأمر لله. فدل ذلك على وجوب إفراد الله تعالى بالدعاء والعبادة، فإذا كان نبيه لا يملك ذلك، فغيره فمن باب أولى.
فوائد الحديث:
١ - بطلان التعلق بالأولياء والصالحين؛ لقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والرد على القبوريين الذين يقولون: إنهم يدعون هؤلاء الصالحين لمنزلتهم عند الله، فيقال: هذا نبي الله ﷺ يقال له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] فكيف بمن دونه؟ فيجب توحيد الله تعالى بالعبادة والدعاء.
٢ - جواز الدعاء على مشرك معين في الصلاة؛ لدعائه ﷺ على هؤلاء الثلاثة، وأما لعن المعين فقد ورد النهي عنه، والفرق بين الدعاء واللعن، أن اللعن يقتضي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، والدعاء قد يقتضي عقوبة دون ذلك.
٣ - أن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد؛ لقول ابن عمر: بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" وكذا المنفرد، وأما المأموم فإنه يقتصر على التحميد؛ لأن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، فيجيبه المأموم: "ربنا ولك الحمد" (^١)، أو "ربنا لك الحمد" (^٢)، أو "اللهم ربنا ولك الحمد" (^٣)، أو "اللهم ربنا لك الحمد" (^٤)، فهذه أربع صيغ، كلها ثابتة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب إيجاب التكبير، وافتتاح الصلاة برقم (٧٣٤) عن أبي هريرة، ومسلم في كتاب الصلاة باب ائتمام المأموم بالإمام برقم (٤١١) عن أنس.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب إقامة الصف من تمام الصلاة برقم (٧٢٢) ومسلم في الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام برقم (٤١٤).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب ما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع برقم (٧٩٥).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب فضل اللهم ربنا لك الحمد برقم (٧٩٦) ومسلم في باب الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين برقم (٤٠٩).
[ ١ / ٢٤٨ ]
قال المصنف ﵀:
وفيه: عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال: "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا" (^١).
الشرح:
قوله: "وفيه" أي: في صحيح البخاري.
قوله: "عن أبي هريرة ﵁" لعل هذا أول موضع يرد فيه ذكر أبي هريرة في كتاب التوحيد. وأبو هريرة، ﵁، علم مشهور، واسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وكان إسلامه في السنة السادسة من الهجرة، في فتح النبي ﷺ لخيبر، وقد قدم مع الطفيل بن عمرو الدوسي، الذي كان سبب إسلام قبيلته، فأقبل على تعلم العلم، وحفظ الحديث، ودعا له النبي ﷺ بالحفظ، حتى أنه روي عنه أكثر من خمسة آلاف حديث، فهو أكثر الصحابة حديثًا، وتوفي سنة سبع، وقيل ثمان، وقيل تسع وخمسين.
قوله: "قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أبو هريرة ﵁ تلقى هذا عن الصحابة؛ لأنه لم يشهد هذا القيام، فهذا الحديث يعد مرسل صحابي، وله حكم الاتصال؛ لأن الصحابة -رضوان الله عليهم- عدول كلهم.
جاء في بعض الروايات: أنه صعد على الصفا (^٢)، فيكون هذا القيام قيامه
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب؟ برقم (٢٧٥٣) ومسلم في الأيمان، باب في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ يرقم (٢٠٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ برقم (٤٩٧١) ومسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ برقم (٢٠٨).
[ ١ / ٢٤٩ ]
على الصفا، والصفا هو سفح جبل أبي قبيس، كما أن المروة سفح جبل قعيقعان، والسعي يقع بينهما، وقد قال النبي ﷺ: "أبدأ بما بدأ الله به" (^١): ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] وهو قريب من مجالس قريش، إذ كانوا يتحلقون حول البيت، فامتثل النبي ﷺ أمر ربه، فقام. قوله: "يا معشر قريش" المعشر: هم الجماعة، مأخوذ من العشرة، وقريش: هي القبيلة العربية الشريفة التي ينتمي إليها النبي ﷺ.
قوله: "أو كلمةً نحوها" يعني: شك من الراوي، هل قال: يا معشر قريش، أو كلمة قريبة منها، وهذا يفيد فائدة حديثية: وهو جواز الرواية بالمعنى، بشروط، أهمها: ألا يخل بالمعنى، وألا يكون ذلك من ألفاظ الأذكار المتعبد بها. و(كلمةً) بالنصب على تقدير فعل محذوف، أي: أو قال. قوله: "اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا" الشراء، هو أحد طرفي المعاوضة؛ لأن المعاوضة تقوم على بيع وشراء، فكأنه نبّه على هذا المعنى العظيم، يعني: اعتقوا أنفسكم بشرائها، وشراؤها يكون بالإيمان بالله وحده، والدخول في عقد الإسلام.
قوله: "فعم، ثم خصّ" أي: بعد أن عمم الخطاب لقريش، خص الأقربين؛ لأن الله تعالى قال له: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
قوله: "يا عباسُ بن عبد المطلب" (يا عباسُ) بالرفع على الأصل؛ لأنه منادى مفرد علم، ويجوز فيه النصب إتباعًا لفتحة (ابن). والعباس عم النبي ﷺ، أظهر إسلامه عام الفتح.
قوله: "لا أغني عنك من الله شيئًا" أخبره النبي ﷺ أنه لا يغني عنه من الله شيئًا، رغم قرابته، إذا لم يؤمن به، ويقبل ما جاء به من التوحيد، وترك الشرك به.
قوله: "يا صفية عمة رسول الله ﷺ، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا" نادى النبي ﷺ
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ برقم (١٢١٨).
[ ١ / ٢٥٠ ]
هؤلاء الأقربين؛ عمه وعمته وابنته وهم أقرب الناس إليه، وقصد التنبيه، وإلا فعشيرته الأقربون أكثر من هؤلاء، لكنه أراد الامتثال الدقيق لأمر ربه، فنادى فعم وخص. وقوله في شأن فاطمة خاصة: "سليني من مالي ما شئت" يدل على وجوب النفقة على الأبناء والبنات، ولم يقل هذا بالنسبة للعم والعمة.
مناسبة الحديث للباب:
جلية واضحة وهي أن محمدًا بن عبد الله ﷺ سيد ولد آدم، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، يعلنها صريحة مدوِّية: أنه لا يغني عن أحد شيئًا، فكيف بمن دونه ممن يُدعى من دون الله؟! ففيه أعظم الرد على من يتوجهون إلى الأولياء والصالحين، ويقصدون قبورهم، ويسألونهم أمورًا لا تسأل إلا من الله ﷿.
فوائد الحديث:
١ - الرد على عباد القبور، والأنبياء، والصالحين.
٢ - أنه لا يجوز أن يُسأل العبد ما لا يقدر عليه إلا الله، فإن فعل فقد أشرك.
٣ - سرعة استجابة النبي ﷺ لأمر ربه، ودقته في امتثاله. وهذه فائدة تربوية، فينبغي لمن علم علمًا أن يبادر إلى فعله، وألا يقول: واجب أو سنة! محرم أو مكروه! كما يقع من كثير من الناس اليوم. فما كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يفعلون هذا، مع أوامر النبي ﷺ ومناهيه، إنما كانوا إذا أُمروا بأمر وأطاقوه، فعلوه، وإذا نُهوا عن شيء اجتنبوه، كما قال نبينا ﷺ: "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (^١). فليعود المسلم نفسه على الامتثال، ولا يكن كهيئة المماكس في السوق، الذي يلح على البائع أن يخفض له في الثمن. فإن استطاع المسلم أن يفعل ما أمره الله به فليفعله، مستشعرًا عبوديته لله تعالى، وإلا فليأتِ منه ما استطاع، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وإذا نهاه الله عن شيء فليكف عنه، فإنه ما نهاه عنه إلا وهو يقدر على تركه. فنبينا ﷺ بادر بالامتثال.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ برقم (٧٢٨٨) ومسلم في كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر برقم (١٣٣٧).
[ ١ / ٢٥١ ]
وقد كان من السلف الصالح من إذا بلغه الحديث عن النبي ﷺ بادر بالتأسي والامتثال، حتى إن الإمام أحمد لما بلغه أن النبي ﷺ احتجم، وأعطى أبا طيبة الحجام دينارًا، ذهب واحتجم، وأعطى الحجام دينارًا (^١).
وكان محمد بن أسلم الطوسي، الإمام المتفق على إمامته، وعلو رتبته، أتبع الناس للسنة في زمانه، حتى قال: "ما بلغني سنة عن رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- إلا عملتُ بها، ولقد حرصتُ على أن أطوف بالبيت راكبًا، فما مُكنت من ذلك" (^٢)، ولهم في ذلك عجائب في حرصهم على إتباع السنة.
٤ - أن الوسيلة المنجية بين العبد وربه هي الإيمان، والعمل الصالح؛ لقوله: "اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا" وأن الوسائل الشركية لا تجدي عنه شيئًا، بل لا تزيده من ربه إلا بعدًا.
٥ - أن البداءة بالأقربين مقدمة؛ فينبغي للإنسان أن يجتهد في نفع ذويه، وأقرب الناس إليه، خلافًا لما يقع من بعض الدعاة، وطلبة العلم، فربما نشروا علمهم، ودعوتهم في الخافقين، وأقرب الناس إليهم لم ينتفع بهم، وهذا خطأ في الترتيب، فيجب أن يبدأ الإنسان بمن حوله، الأقرب فالأقرب، ثم ينتقل إلى من بعدهم.
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين.
أي: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ [الأعراف: ١٩٢] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] فكل من سوى الله لا يستقل بملك ولا تدبير.
_________________
(١) الآداب الشرعية والمنح المرعية (٢/ ١٢).
(٢) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ٧٠).
[ ١ / ٢٥٢ ]
الثانية: قصة أحد.
وما تضمنته من نفي "الأمر" عن النبي ﷺ، فمن دونه من المدعوين من باب أولى.
الثالثة: قنوت سيد المرسلين، وخلفه سادات الأولياء، يؤمنون في الصلاة.
أي: أن النبي ﷺ كان يقنت في صلاة الصبح، حينما يرفع من الركوع، في الركعة الثانية، ويدعو على بعض الأعيان، ويؤمن خلفه سادات الأولياء، وهم الصحابة -رضوان الله عليهم-. وقنوت النوازل مشروع، ومشروعيته باقية؛ وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا القنوت مشروع في كل صلاة فجر. ولكن الصحيح: أن هذا قنوت مرتبط بنازلة، فلا يداوم عليه، وقد قنت النبي ﷺ في مواطن عدة، ومنها: أنه قنت شهرًا يدعو على رعل، وذكوان، وعصية (^١) بأسمائهم.
الرابعة: أن المدعو عليهم كفار.
المدعو عليهم كانوا كفارًا، وهم الثلاثة الذين جرى ذكر أسمائهم، وكأن المصنف ﵀ يشير إلى أنه لا يقنت على مسلم، ويمكن أن يكون ذلك مختصًا بوصف اللعن؛ لأنه لعنهم.
الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار، منها: شجهم نبيهم، وحرصهم على قتله، ومنها: التمثيل بالقتلى، مع أنهم بنو عمهم.
وهذا يدل على الفجور في الخصومة، وشدة العداوة، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: ١٠]، وهذا ما حمل النبي ﷺ على القنوت عليهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب العون بالمدد برقم (٣٠٦٤).
[ ١ / ٢٥٣ ]
السادسة: أنزل الله عليه في ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
أي: مع ما بدر منهم من سوء المعاملة، والفجور في الخصومة، وشج وجهه الشريف، والتمثيل بالقتلى، وغير ذلك، إلا أنه قيل له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: فلا تدعُ عليهم باللعن، فالأمر كله لله.
السابعة: قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾؛ فتاب عليهم، وآمنوا.
هذا ما وقع بعد ذلك، فكل هؤلاء الثلاثة: سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، أسلموا عام الفتح، وحسن إسلامهم.
الثامنة: القنوت في النوازل.
أي: مشروعية القنوت في النوازل، وقد تقدم، ولكن هذه المسألة لها فروع فقهية، منها: هل يكون القنوت في النوازل من اختصاص الإمام؟ وهل يختص به مسجد دون آخر؟ فهذا مما اختلف فيه أهل العلم: فذهب بعض أهل العلم: إلى أن القنوت يختص بمسجد الإمام الأعظم. وذهب آخرون: إلى أن القنوت يكون في كل مسجد، والراجح: أن القنوت لا يختص بمسجد الإمام الأعظم، بل يمكن أن يكون في كل مسجد. وأما افتقار القنوت إلى إذن الإمام، فالراجح: أنه لا بد أن يكون القنوت بإذن الإمام؛ لأن الناس قد يختلفون في تقدير النازلة، فتجد من الناس من يرى أن هذه نازلة، وآخر لا يراها نازلة، فيقع الاختلاف بسبب هذا، ومن المعلوم أن الشارع الحكيم يتشوف إلى جمع الكلمة، وأن يكون مظهر الأمة واحدًا.
التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم، وأسماء آبائهم.
فقد سمى النبي ﷺ صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، بأسمائهم، وأسماء آبائهم، فدل على الجواز، فإذا كان في تسمية المدعو عليهم، أو لهم، مصلحة، جاز؛ لأنه لا يعد من كلام الناس، بل هو دعاء، والدعاء مخاطبة الله تعالى.
[ ١ / ٢٥٤ ]
العاشرة: لعن المعين في القنوت.
لرواية: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" فإن أراد المصنف ﵀ أن هذا أمر وقع، ثم نهي عنه فلا إشكال، وإن أراد أنه يُستفاد من هذا جواز لعن المعين في القنوت، ففيه نظر؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، فلا يجوز لعن المعين، بخلاف الدعاء عليه؛ لأن الدعاء أوسع؛ واللعن دعاء بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، لكن اللعن على سبيل العموم جائز، كما تقدم، كأن يقول الإنسان: اللهم العن الكفرة، اللهم العن اليهود والنصارى، اللهم العن الله من غير منار الأرض، ونحو ذلك، فاللعن بالوصف جائز فيما ورد، أما اللعن بالشخص، فلا يجوز.
الحادية عشرة: قصته ﷺ لما أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.
وقد تقدم بيان القصة، وتمامها: أن النبي ﷺ قال: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" قال أبو لهب: تبًا لك، ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] (^١).
الثانية عشرة: جدّه ﷺ في هذا الأمر، بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن.
أي: جده ﷺ في امتثال أمر ربه، فلم يحل بينه وبين تنفيذ الأمر مخاوف وتحسبات، بل مضي في أمر ربه، وفي هذا تنبيه لمن يباشر الدعوة إلى التوحيد، أنه قد ينسب إلى الجنون، أو غير ذلك من ألقاب السوء، فليحتمل كما احتمل نبي الله ﷺ.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ برقم (٤٩٧١) ومسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ برقم (٢٠٨).
[ ١ / ٢٥٥ ]
الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: "لا أغني عنك من الله شيئًا"، حتى قال: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئًا)، فإذا صرح ﷺ وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئًا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه ﷺ لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم، تبيّن له ترك التوحيد، وغربة الدين.
صدق ﵀، فقد تكلم عن بصيرة ومعاناة، وأدرك من حال الناس ما حمله على أن يغضب لله، ويصنف هذا الكتاب النافع، ويقيم الأدلة النقلية والعقلية على وجوب توحيد الله، وكان كثير من الناس في زمنه، ولا يزال في زمننا هذا من يكون له تعلق بالأشخاص، ويظن أن فلانًا، وفلانًا، يملكون نفعه وضره، مع أن سيد الأنبياء والمرسلين يقول: "لا أغني عنكم من الله شيئًا"، يقوله للبعيد والقريب، فأين هؤلاء عن مثل هذه النصوص؟
فيجب على كل مؤمن توحيد الوجهة والقبلة، فلا يلتفت إلى غير الله ﷿ في دعائه.
[ ١ / ٢٥٦ ]