في الصحيح: عن ابن المسيب عن أبيه، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل، فقال له: "يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله" فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ، فأعادا، فكان آخر ما قال: "هو على ملة عبد المطلب" وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [سورة التوبة: ١١٣]، وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [سورة القصص: ٥٦] (^١).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
الرد على القبوريين، وأمثالهم الذين يعتقدون في الأنبياء والصالحين النفع والضر، فإذا كان أصلح الصالحين، وأفضل الأولياء، وسيد الأنبياء محمد ﷺ لا يملك نفع من يحب، فكيف بمن دونه؟!
قوله: ﴿إِنَّكَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، أي: لا تهدي من أحببت هدايته،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله برقم (١٣٦٠) ومسلم في كتاب الإيمان، باب أول الإيمان قول لا إله إلا الله برقم (٢٤).
[ ١ / ٢٨٥ ]
والمراد به: أبو طالب؛ لكنها تشمل من سواه، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قوله: ﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ دلت على نفي الهداية عنه ﷺ، ودل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] على إثباتها له! والجمع بينهما أن يقال:
إن الهداية المنفية في قول الله ﷿: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هداية التوفيق والإلهام، فهي خالصة لله ﷿؛ لأنها متعلقة بمشيئته، وحكمته، وربوبيته، لا يشاركه أحد سواه، كقوله ﷿: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣].
والهداية المثبتة في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] هداية الدلالة والإرشاد والتعليم والبيان، وهذه ثابتة للنبي ﷺ، ولسائر الأنبياء، والعلماء، والدعاة، والمربين، وكل من كان على هدى، ودعا إليه. ويدل عليها، أيضًا، قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، فهذه هداية دلالة وإرشاد؛ لأنها لو كانت هداية توفيق وإلهام لاستجابوا وآمنوا، لكنهم استحبوا العمى على الهدى، فدل على أن الهداية التي هُدوا إليها هي هداية البيان والدلالة والإرشاد.
وهذا أمر مشاهد: فتجد أن الأب -مثلًا- يعظ ابنه وينصحه ويقول له: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، ومع هذا يأبى، ويقول: ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧] فهداية الدلالة والبيان والإرشاد والتعليم، تقع من أهلها من الأنبياء، والعلماء، والدعاة، والمربين، والناصحين، والمحتسبين، وأما دلالة التوفيق والإلهام، فهي مما يختص الله تعالى به.
قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من أراد الله به خيرًا، قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] فالشرح: والضيق أمور إلهية سماوية بيد الله تعالى.
قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي: هو سبحانه أعلم بمن يستحق الهداية، ممن لا يستحق.
[ ١ / ٢٨٦ ]
فوائد الآية:
١ - الرد على من يعتقد في الأولياء والصالحين نفعًا أو ضرًا وتصرفًا.
٢ - أن هداية التوفيق والإلهام بيد الله.
٣ - إثبات صفة العلم لله، وأن له منه المثل الأعلى، لقوله: (أعلم).
٤ - إثبات صفة المشيئة؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فلله المشيئة المطلقة؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
٥ - إثبات الحكمة في أقدار الله تعالى؛ لقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. فمشيئة الله دومًا مقترنة بحكمته، وليست مشيئة محضة، فالله تعالى يشاء لحكمة، وأفعاله معللة سبحانه وبحمده، ومبنية على الحكمة والتعليل، بخلاف ما ذهبت إليه الأشاعرة: أن الله يفعل لمحض المشيئة، ولو لم يكن هناك حكمة، وهذا باطل، وقد ألّف ابن القيم ﵀ كتابًا ماتعًا في باب القدر: اسمه (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل) وهو من أحسن ما كُتب في موضوع القدر.
ثم قال المصنف ﵀:
"في الصحيح" ومراده هنا: الصحيحان؛ البخاري ومسلم، أصح الكتب بعد كتاب الله.
قوله: "عن ابن المسيب" هو سعيد بن المسيب بن حزن، المخزومي، القرشي ﵀، الإمام الثبت الثقة المشهور، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين ..
قوله: "عن أبيه" أبوه: المسيب بن حزن، له ولأبيه صحبة، وقد كانت وفاته زمن عثمان، وقد أراد النبي ﷺ أن يغير اسم حزن إلى سهل، فقال: "لا أغير اسمًا سمانيه أبي". قال ابن المسيب: "فما زالت الحزونة فينا بعد" (^١)، وهذا يدل أن الأسماء مؤثرة "
قوله: قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة" أبو طالب: عم النبي ﷺ، وقد
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب اسم الحزن برقم (٦١٩٠).
[ ١ / ٢٨٧ ]
كان له حماية ورعاية للنبي ﷺ، فأدخله في جواره، وحماه من قريش؛ لكنه كان مصرًا على كفره حتى مات.
قوله: "جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل" رجلان من صناديد قريش، كانا يعودانه، وهو يحتضر، وجاء النبي ﷺ في تلك الحالة، ومعنى: "حضرته الوفاة" يعني: مقدماتها، وعلاماتها. "
قوله: فقال: "يا عمِّ" " منادى، الأصل فيه (يا عمي) فحذف ياء المتكلم، وعوض عنها بالكسرة الدالة على الياء المحذوفة. وخاطبه بآصرة القربى لاستلانة قلبه، واستجلاب عاطفته.
قوله: "قل: لا إله إلا الله، كلمةً" كلمةً بالفتح؛ لأنها بدل من جملة: لا إله إلا الله.
قوله: "أحاج لك بها عند الله" أي: أحتج لك عند الله بها، وأستشفع بها.
قوله: "فقالا له أترغب عن ملة عبد المطلب؟! " عبد المطلب: جد النبي ﷺ، وأبو أبي طالب، وكان من أعظم العرب، ومقدم قريش، وهو الذي جدد حفر زمزم، وكان له ذكر وصيت. فهذان المشركان نخياه بنخوة الجاهلية، وذكراه بملة عبد المطلب. ولهذا الأمر وقع في نفس العربي، فالعرب أمة تحتفي بآبائها وأجدادها، ويعتزون بهم، حتى إن الله جعله مثالًا في المناسك، فقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]
قوله: "فأعاد عليه النبي ﷺ فأعادا": أي أعاد عليه الدعوة إلى قول لا إله إلا الله، فأعاد المشركان عليه قولهما: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! وتأمل حال هذا المحتضر الذي يلتفت يمنة ويسرة، عنده من يدعوه إلى الهدى، ومن يدعوه إلى الضلالة.
قوله: "فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب" وعبّر الراوي بضمير الغيبة "هو" تحاشيًا أن يعبر بضمير المتكلم "أنا"، ونظائره في النصوص كثيرة، لكن الراوي استثقل أن يأتي باللفظ الذي ينسب إلى النفس.
[ ١ / ٢٨٨ ]
قوله: "وأبى أن يقول: لا إله إلا الله" وهذا يدل على أن العرب كانوا يعرفون دلالات الألفاظ، ومقتضياتها، بخلاف حال الناس اليوم، فليست المسألة مجرد كلمة تقال، فالعربي يعلم أن قول: لا إله إلا الله، يعني: الكفر بالطواغيت، وباللات والعزى ومناة وهبل، وغير ذلك، ويقتضي الدينونة لله وحده.
قوله: "فقال النبي ﷺ: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" " حلف النبي ﷺ، فاللام لام القسم، وبعدها نون التوكيد الثقيلة، واستثنى، فقال: "ما لم أنه عنك"، وقد كان.
قوله: "فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] ". فقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ أي: لا ينبغي له، وليس من شأنه، وحاشاه. وهذا أبلغ من أن يقول: "لا تستغفروا للمشركين". ومثلها في الدلالة قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. فهذا التوحيد الخالص يلغي جميع الروابط، والعلائق، والوشائج، سوى رابطة الإيمان، فإذا تعارضت هذه الروابط مع رابطة الإيمان بطلت. وإن لم تتعارض لم يزدها الإيمان إلا قوة وتوثيقًا.
قوله: "وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، وهذا صريح في سبب النزول. والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
مناسبة الحديث للباب:
القصة مطابقة لترجمة الباب، لأنها سبب نزول الآية وتفسير لها، وأن النبي ﷺ على عظم قدره، ومنزلته عند ربه، لا يملك لعمه الأحب، الأقرب نفعًا، فكيف يطلب النفع من غيره؟!
فوائد الحديث:
١ - جواز عيادة المريض الكافر إذا رجي إسلامه، وقد كان النبي ﷺ يفعل
[ ١ / ٢٨٩ ]
ذلك، حتى إنه عاد مرة غلامًا يهوديًا، وهو على فراش الموت، فقال: "له أسلم" فنظر الغلام إلى أبيه اليهودي فقال: "أطع أبا القاسم". فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه من النار" (^١).
٢ - ضرر قرناء السوء، وشؤم الصلة بهم، فقد حالوا بينه أبي طالب وبين النجاة من النار. فليحذر العاقل من رفقاء السوء على مختلف درجاتهم، فلا يلزم أن يحول قرين السوء بين الإنسان والإيمان، ربما كان سببًا في جره للبدعة، أو الفسوق والعصيان، وكما قيل:
عَنِ المرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينهِ … فكُلُّ قَرينٍ بالمُقَارِنِ يَقْتَدي (^٢).
٣ - معرفة العرب معنى: لا إله إلا الله، وأنها تقتضي الكفر بما يعبد من دون الله.
٤ - أن الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو قال: لا إله إلا الله، لحاج له بها عند الله ﷿.
٥ - بطلان التعلق بالنبي ﷺ وغيره، لجلب النفع، أو دفع الضر، من الذين يغلون في النبي ﷺ، ويدعونه من دون الله،؟ كقول قائلهم:
يا أكرَمَ الخلقِ ما لي مَنْ ألوذُ به … سِوَاكَ عِنْدَ حُلولِ الحادِثِ العَمِمِ
اِنْ لم يكُن في مَعَادِي آخِذًَا بِيَدِي … فَضْلًا وإلا فَقُلْ: يا زَلَّةَ القَدَمِ (^٣).
٦ - كفر أبي طالب، والرد على من زعم إسلامه، فيحاول بعضهم بدافع عاطفي أن يثبت إسلام أبي طالب، وإسلام والدي النبي ﷺ، بلا دليل، أو بأدلة موضوعة، أو متكلفة، مخالفة للأدلة الصحيحة الصريحة. فالواقع: أن أبا طالب مات على الشرك، فإن آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب.
٧ - مضرة تقليد الآباء والأجداد، إذا كانوا على باطل.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام برقم (١٣٥٦).
(٢) البيت لعديّ بن زيد العباديّ كما في التذكرة الحمدونية (١/ ٢٨٦).
(٣) من بردة البوصيري. ينظر: ثلاثية البردة (ص: ٨١ - ٨٢).
[ ١ / ٢٩٠ ]
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
وأن المراد بهذه الهداية المنفية: هداية التوفيق والإلهام، فهي خاصة بالله تعالى.
الثانية: تفسير قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
فتدل على عدم جواز الاستغفار للمشركين مطلقًا، ومن تطبيقاتها: ما رواه أبو هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» (^١)
الثالثة: وهي المسألة الكبرى: تفسير قوله ﷺ: "قل: لا إله إلا الله" بخلاف ما عليه من يدعي العلم.
أن تفسير: لا إله إلا الله: الكفر بما يعبد من دون الله، وعدم دعاء غير الله ﷿، هذا هو تفسيرها الذي عرفه أبو طالب والمشركون الأولون، ويتجاهله مشركو هذا الزمان.
الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي ﷺ إذا قال للرجل: "قل: لا إله إلا الله" فقبح الله مَنْ أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام.
هذا يدل على سوء حاله، أن يكون أبو جهل أعرف منه بحقيقة الإسلام.
_________________
(١) أخرجه مسلم في باب استئذان النبي ربه ﷿ أن يزور قبر أمه، برقم (٩٧٦)
[ ١ / ٢٩١ ]
ويقال: إن أحد العرب سأل أحد الصحابة: إلام تدعون؟ قال: إلى "لا إله إلا الله"، فقال: والله لتقاتلنكم الروم والعجم، فانظر كيف استنبط هذا المعنى؟ أدرك أن هذه الكلمة العظيمة الثقيلة، لها تبعات، وليست كلمة تقال باللسان؛ لأن أصحاب الأهواء والشرك، سوف يذبون عن هذه المصالح التي يحصلون عليها، فيحملون السلاح في وجه أهل الإسلام.
الخامسة: جدّه ﷺ ومبالغته في إسلام عمه.
وذلك لأن لعمه حق خاص لقرابته؛ ولأنه كان يذود عنه، ويحميه؛ ولهذا لما سأله العباس:
هل نفعت عمك بشيء؟ قال: "نعم، وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح" (^١)، فخفف عنه بسبب شفاعة النبي ﷺ، وهذه من أخص أنواع الشفاعة.
السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه.
من ذوي الدوافع العاطفية، التي لا تقوم على حجة وبرهان، بل تعتمد على استدرار عواطف العوام. فملة عبد المطلب هي الشرك، بدليل قولهما: "أترغب عن ملة عبد المطلب؟ " حين أمره النبي ﷺ أن يقول: لا إله إلا الله، فهي نقيض التوحيد.
السابعة: كونه ﷺ استغفر له، فلم يغفر له، بل نهي عن ذلك.
لأنه قال: "أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" (^٢)، فنهي بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ مع أن الرسول ﷺ أقرب الناس أن يجيب الله دعاءه، ومع ذلك اقتضت حكمة الله ﷿ أن لا يجيب دعاءه لعمه أبي طالب؛ لأن الأمر بيد الله، لا بيد الرسول، ولا غيره.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه برقم (٢٠٩).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله برقم (١٣٦٠) ومسلم في كتاب الإيمان، باب أول الإيمان قول: لا إله إلا الله برقم (٢٤).
[ ١ / ٢٩٢ ]
الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان.
إذ لولا صحبة هذين الرجلين لربما قال أبو طالب: لا إله إلا الله، عندما عرضها عليه النبي ﷺ، لكنهما استثارا نعرة الجاهلية، فامتنع، وهذا يدل على مضرة رفقاء السوء في جميع سلوك الإنسان، لا سيما في باب الإيمان.
التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر.
وهذه محنة الأمم السابقة التي صدتهم عن اتباع الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣، ٢٤]. فعلى الإنسان أن يتخلص من هذا القيد، فلا تحمله عاطفة، أو عصبية، أو نخوة جاهلية، على رد الحق، بل عليه أن ينأى بنفسه عن كل هذا، ولا يقع أسيرًا مرتهنًا لهذه العادات الموروثة عن الآباء والأجداد، إذا كانت تخالف الشرع.
العاشرة: استدلال الجاهلية بذلك.
وهي قولهما: "أترغب عن ملة عبد المطلب؟! "، وكذلك يقول مشركو الزمان.
الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو قالها لنفعته.
ففي صحيح البخاري: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ" (^١) ولهذا ينبغي للإنسان دومًا أن يسأل الله حسن الخاتمة، ففي حديث أبي مسعود المشهور: "فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار" (^٢). فهذا يوجب للإنسان أن يكون بين الخوف
_________________
(١) (أخرجه البخاري في باب العمل بالخواتيم، برقم (٦٦٠٧)
(٢) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم -صلوات الله عليه- وذريته برقم (٣٣٣٢) ومسلم في كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته برقم (٢٦٤٣).
[ ١ / ٢٩٣ ]
والرجاء، وألا يركن إلى حاله، أو يعجب بنفسه، بل يسأل الله العصمة والثبات.
الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين؛ لأن في القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها، مع مبالغته ﷺ وتكريره، فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم، اقتصروا عليها.
الشبهة هي: الاعتزاز بالآباء والأجداد، والملة السابقة، فكل من احتج بمثل هذا، ففيه شبه من المشركين، كأن يقول قائل: أدركنا علماءنا ومشايخنا على هذه الطريقة، هذا لا يغني شيئًا، بل يجب الرد عند التنازع والاشتباه إلى الله، وهو كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، وإلى سنة رسوله ﷺ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
[ ١ / ٢٩٤ ]