وفي الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك، حتى إذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه، فحرفها، وبدد بين أصابعه، فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها عن لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء" (^١).
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السماء منه رجفة، أو قال: رعدة شديدة، خوفًا من الله ﷿، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا، وخروا لله سجدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق، وهو العلي الكبير، فيقولون: كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله ﷿ (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾، برقم (٤٧٠١).
(٢) التوحيد لابن خزيمة، (١/ ٣٤٨).
[ ١ / ٢٥٧ ]
الشرح:
يقول المصنف ﵀: "باب: قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] " هذه الآية تبين حال الملائكة حينما يتكلم الله بالوحي، وما يلحقهم من جراء ذلك من فزع عظيم، وخوف ورهبة، من المتكلم ﷾، كما سيأتي مفسرًا في الحديثين بعده.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
مناسبة عظيمة، وهي أنه إذا كان هؤلاء الملائكة الكرام العظام الكبار العارفين بالله، القريبين منه، يدركهم هذا الفزع، من جراء سماع كلام الله ﷿، فكيف يتعلق بهم المشركون؟! فالأولى أن يتعلقوا بخالقهم، وموجدهم، سبحانه وبحمده.
قوله ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ معنى (فُزِّع عن) أي: زال عنها الفزع الذي حصل لهم جراء سماعهم لكلام الله ﷿، كما سيأتي، في حديثي أبي هريرة، والنواس بن سمعان، ﵄.
قوله: ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ هذا يدل على أن الملائكة خلق حقيقي لهم قلوب، وليسوا مجرد قوى معنوية، كما زعم بعض العصرانيين العقلانيين، بل خلقهم الله تعالى من نور، ولهم أجنحة، كما قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: ١] وقد ثبت أن النبي ﷺ رأى جبريل في صورته التي خلقه الله عليها مرتين، له ستمائة جناح، قد سد الأفق (^١)، وقال: "أُذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" (^٢)، ومع أن
_________________
(١) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة والنجم برقم (٣٢٧٨) وقال الألباني: "ضعيف الإسناد" وأحمد ط الرسالة برقم (٣٧٤٨) وقال محققو المسند: "إسناده ضعيف" وهو في الصحيحن دون "قد سد الأفق".
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب في الجهمية برقم (٤٧٢٧) وصححه الألباني.
[ ١ / ٢٥٨ ]
هذه صفتهم، فإنه إذا فزع عن قلوبهم -أي زال عنها الفزع- قال بعضهم لبعض: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ وهذا لتشوفهم للعلم، ورغبتهم في إدراك ما تكلم به الرب سبحانه قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ وتفصيل ذلك يأتي في حديث النواس بن سمعان، وأنهم يسألون جبريل، فيخبرهم جبريل، فيقول بعضهم لبعض: قال الحق وهو العلي الكبير. فأثبتوا لله ﷾ هذين الاسمين الشريفين:
الأول: العلي: وهو يدل على صفة العلو، وعلو الله تعالى ثلاثة أنواع:
١ - علو القهر: أي: الغلبة، فلا شك أن الله تعالى علا جميع خلقه بقهره، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].
٢ - وعلو القدر: ومعناه: أن الله ﷾ له المثل الأعلى، فصفاته قد بلغت أكمل غاية الكمال، فلا يماثله أحد في أسمائه وصفاته.
٣ - وعلو الذات: ومعناه: أن الله ﷾ بذاته، فوق عباده، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، ليس فيه شيءٌ من خلقه، ولا في خلقه شيءٌ منه.
فأما النوعان الأولان، فلا يخالف فيهما أحد من أهل القبلة، وهما علو القدر، وعلو القهر. وأما النوع الثالث: فهو الذي وقع فيه الخلاف بين أهل القبلة، فأهل السنة والجماعة، من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، يثبتونه على حقيقته اللائقة بالله، خلافًا لأهل الحلول والتمثيل، وأهل التحريف والتعطيل. وقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، على ذلك، وبسطها في غير هذا الموضع.
وأما أهل الأهواء الزائغة، فكلهم ينفي عن الله صفة علو الذات، وبعضهم يقول: هو في كل مكان! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، ومنهم من ينفي عنه جميع الجهات، حتى يقولون: لا أمام، ولا خلف، ولا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا شمال!، وهذا يقتضي القول بالعدم؛ ولهذا قال عبد الله بن المبارك ﵀: "وإنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء إله" (^١)، فمؤدى قولهم، وغرض بعضهم: إنكار وجود الله ﷿.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٨٤).
[ ١ / ٢٥٩ ]
الثاني: الكبير: والمقصود به: الذي لا أكبر منه -سبحانه -، ولا أعظم منه، في ذاته وصفاته.
فوائد الآية:
١ - الرد على جميع المشركين الذين يَدعُون غير الله، فإن أعظم المخلوقات التي تُدعى من دون الله هم الملائكة، فإذا كانت هذه حالهم من الفزع من الله، والتعظيم لجنابه، فمن دونهم من المدعوين أضعف وأقل، كيف يدعون من دون الله؟!
٢ - إثبات الكلام لله ﷿؛ لقوله: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
٣ - أن كلام الله ﷾ غير مخلوق، ووجه ذلك: أنهم قالوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ ولم يقولوا: ماذا خلق ربكم، خلافًا لما ذهبت إليه المعتزلة.
٤ - أن كلام الله ﷿ متعلق بمشيئته، أي: أنه يتكلم متى شاء، كيف شاء، بما شاء، خلافًا للأشاعرة، والماتريدية، والكلابية، الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى القديم القائم في ذاته، وينكرون أنه يتكلم الله ﷿ بحسب الوقائع. فهذه الآية دلت على أنه يتكلم متى شاء؛ لأنه قال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ف (إذا) تدل على الظرفية، فرتب الفزع الحادث على الكلام.
٥ - إثبات اسمين من أسماء الله الحسنى، وهما: العلي والكبير.
٦ - إثبات وصفين من صفات الله، وهما: العلو والكِبَر.
والقاعدة: أن كل اسم من أسماء الله يتضمن صفة، ولا يلزم العكس، فليس إثبات الصفة يقتضي إثبات الاسم. فقد أثبت الله لنفسه صفة المجيء بقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] وليس من أسمائه "الجائي"، ووأثبت لنفسه الإرادة بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وليس من أسمائه "المريد"؛ فكل اسم يتضمن صفة، ولا يلزم أن تتضمن الصفة اسمًا.
٧ - إثبات عظمة الله ﷾.
٨ - فضل الملائكة الكرام.
[ ١ / ٢٦٠ ]
ثم قال المصنف ﵀: "في الصحيح" المراد هنا: صحيح البخاري.
قوله: "إذا قضى الله الأمر" " أي: تكلم به، فالمقصود: بقضائه هنا: تَكَلُّمُهُ به؛ كما قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فقضاؤه يكون بالتكلم بما يريده سبحانه، كما سيأتي مفسرًا في الحديث الذي بعده.
قوله: "في السماء" لأنه في السماء، سبحانه وبحمده، كما قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦، ١٧]. والمراد: على السماء.
قوله: "ضربت الملائكة" الملائكة: جمع ملك، وأصله مألك من الألوكة، وهي الرسالة. وهم عالم غيبي، خلقهم الله من نور، وسخرهم في عبادته، وتسبيحه، وتقديسه، ومنحهم القوى الخارقة على تنفيذ أمره، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، بل هم: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩]
قوله: "بأجنحتها خَضَعانًا لقوله" بفتح الخاء والضاد، ويصح بضم الخاء وتسكين الضاد. أي: تذللًا وخضوعًا لكلامه الذي صدر منه سبحانه وبحمده.
قوله: "كأنه سلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك" هذا ليس تشبيهًا لصوت الرب ﷾، ولكن تشبيه للنفاذ بالنفاذ؛ تشبيه لنفاذ الصوت فيهم، بنفاذ صوت السلسلة على الحجر الأملس. والسلسلة هي الحلق الحديدية المتصلة. فإذا ضربت السلسلةُ الصفوانَ صدر صوت حاد، ينفذ في تكوينهم وخلقتهم، كما ينفذ صوت السلسة على الصفوان في بدن ابن آدم، لحدته ومضائه.
ومن المعلوم: أن الأصوات، والمرئيات، يكون لها تأثير متفاوت في الأجسام، قال تعالى في المرئيات: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] فهذه الأشعة تؤثر على النظر؛ لأنها فوق طاقته المعتادة، فكذلك الصوت يؤثر في
[ ١ / ٢٦١ ]
الأبدان، وينفذ فيها، فهذا أثر سماعهم لكلام الرب ﷾ فيخضعون بأجنحتهم، ويصيبهم الغشي. وقد تقدم تفسيرها.
قوله: "فيسمعها" أي: تلك الكلمة التي تكلم الله بها الرب، وتلقتها الملائكة. والمقصود بالكلمة: الكلام، فإن الكلمة تدل في لغة العرب على الجملة.
قوله: "فيسمعها مسترق السمع" اسم جنس للشيطان من الجن، الذي يصعد في أجواز الفضاء؛ ليسترق السمع، وينزل به على الكاهن.
قوله: "ومسترق السمع هكذا، بعضه فوق بعض؛ وصفه سفيان بكفه فحرفها، وبدد بين أصابعه" هو سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي ﵀، من أئمة السلف، ومن الحفاظ الأثبات الثقات، كانت وفاته سنة (١٩٨ هـ). وقوله (فحرفها) أي: جعلها كالحرف، وبدد بين أصابعه، أي: فرقها، كأنها طبقات من الجن يلقي بعضهم إلى بعض القول.
قوله: "فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن" فهي سلسلة متصلة من الشياطين، مسترقي السمع، يوصلونها إلى الساحر أو الكاهن. والفرق بين الساحر أو الكاهن: أن الساحر هو من يستخدم ما دق ولطف سببه في التأثير. وأما الكاهن: فهو من يدعي العلم بالمغيبات، والأمور المستقبلة. وسيأتي لهما مزيد بيان في أبواب مستقلة.
قوله: "فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة" الشهاب: أجزاء منفصلة من النجوم والأجرام السماوية، تحرق الشياطين، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] فيرمي الله ﷾ الجن والشياطين بهذه الشهب فتحرقهم. وهذا الشهاب الذي يصوَّب على مسترقي السمع، ربما أدركه قبل أن يلقي الكلمة، فأحرقه، فانقطع السند، وربما تمكن من إلقائها إلى من تحته، حتى تبلغ الساحر أو الكاهن.
والرمي بالشهب قد كثر قبيل بعثة النبي ﷺ؛ وذلك من إرهاصات نبوته، فقد كانت الجن تسترق السمع، ويصعدون في أجواز الفضاء، ويمدون السحرة
[ ١ / ٢٦٢ ]
والكهنة بما تتكلم به الملائكة، والله تعالى قد أقدرهم على أن يصعدوا في طبقات الجو بهيئة لا نعلمها. فلما بعث النبي ﷺ حفظت السماء؛ لكي لا يتطرق إلى الوحي أدنى تدخل، قال الله تعالى حاكيًا عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨، ٩] فحفظت السماء زمن النبوة، لأجل الوحي الذي تكفل الله تعالى بحفظه، فلم يستطيعوا أن يصلوا إلى ما كانوا يصلون إليه؛ فلما شعروا بهذا، تنادوا وقالوا: وقع في الأرض حدث، فطفقوا يبحثون في الأرض، حتى وصلت طائفة منهم إلى وادي نخلة، مرجع النبي ﷺ من ثقيف، وهو يقرأ القرآن، ويصلي، فعرفوا السبب، وأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩، ٣٠] فتبين للجن أن قد حصل أمر عظيم، وهو بعثة محمد ﷺ، فآمن منهم من آمن، وكفر منهم من كفر.
وبعد وفاة النبي ﷺ، وانقطاع خبر السماء، ربما عادوا إلى ما كانوا عليه من استراق السمع؛ لأنهم عاودوا إمداد الكهنة والسحرة بما كانوا يمدونهم به، وقد حصل المقصود من حفظ الوحي، فلا مانع أن يرجع الأمر إلى ما كان عليه.
قوله: "فيكذب معها مائة كَذْبة" بفتح الكاف، وسكون الذال المعجمة، أي: يخلط الساحر، أو الكاهن، مع الكلمة السماوية مائة كذبة مزخرفة مسجوعة؛ لكي يكبرها، ويزوقها، ويجعل لها رواجًا عند الناس.
قوله: "فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا كذا: كذا وكذا؟ " أي: فيغتر الناس بهذا الحق القليل على إثبات الباطل الكثير.
قوله: "فيُصدَّق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء" أي: لتحققها، فيقبل قوله في المائة الباطلة.
مناسبة الحديث للباب:
لطيفة، دقيقة، وذلك أن هذا التأثر البليغ للملائكة الكرام العظام، من جراء سماع كلام الرب ﷾، وما يلحقهم من الخضعان والذل والاخبات لله ﷿، دليل
[ ١ / ٢٦٣ ]
على أنه لا يُدعى غير الله، وأن من دعا الملائكة فمن دونهم في القوة والخلقة فهو مشرك بالله.
فوائد الحديث:
١ - الرد على المشركين، وإبطال توسلهم بالأولياء والصالحين.
٢ - عظم شأن الرب ﷾.
٣ - إثبات صفة الكلام لله ﷾.
٤ - إثبات صفة العلو لله ﷾.
٥ - بطلان السحر والكهانة، وذمهما، وأنهما مبنيان على الكذب، في الأعم الأغلب.
قال المصنف ﵀:
"عن النواس بن سمعان ﵁" وهو النواس بن سمعان، ويقال شمعان، الكلابي الأنصاري ﵁، صحابي مشهور، سكن الشام.
قوله: "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر، تكلم بالوحي" " وهذا دليل على أن قضاءه كلام، كما قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. وهذه الجملة تفسر الجملة السابقة من حديث أبي هريرة: "إذا قضى الله الأمر"، أن قضاءه بكلامه. قوله: "أخذت السماوات منه رجفة، أو قال: رعدة شديدة" وهذا دليل على أن السماوات تسمع؛ لأن الله ﷾ قد أعطى كل خلق ما يخصهم، فلا يقول قائل: أليست السماء سقفًا محفوظًا مبنية، فكيف تسمع؟ فيقال: إن الله تعالى أودع في كل خلق سمعًا يليق به، فلا غرو أن تسمع السماوات، أليس قد قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، فأمرهما، فسمعتا، وأجابتا. وقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. فمن ضيق الأفق، وقصر والنظر، أن لا يُتصور الكلام إلا بلسان وشفتين، ولا يتصور السمع إلا بصماخ وأذنين! حتى الجمادات، أثبت النبي ﷺ لها مشاعر وأحاسيس،
[ ١ / ٢٦٤ ]
فقال: "أحد جبل يحبنا ونحبه" (^١). فلا عجب أن تسمع السماوات، ولا عجب أن يلحقها رجفة أو رعدة، وهذا شك من الراوي. والرجفة والرعدة معناهما متقارب، أي: الاضطراب المصحوب بخوف ورعب.
قوله: "خوفًا من الله ﷿، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا" فميز بين السماوات وأهلها، فالسماوات تعتريها رجفة أو رعدة، وأهل السماوات -وهم الملائكة الكرام- يعتريهم صعق وغشي.
قوله: "وخروا سجدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل" ف (أول) خبر يكون مقدم، (وجبريل) اسمها مؤخر. وحاصل ذلك: أن الملائكة الكرام يخرون مغشيًا عليهم، جميعهم، بمن فيهم جبريل، إلا إن جبريل ﵇ لفضله يكون أول من يرفع رأسه، وهذا فيه إثبات الرأس لجبريل.
قوله: "فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة؛ كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق، وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل" أي: يقولون: "قال الحق وهو العلي الكبير". وهذا يفسر مجيء الضمير في الآية بصيغة الجمع (قالوا). فالحديث مبين لما أجمل في الآية.
قوله: "فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله ﷿" أي: إلى حيث أمر الله ﷿ من سماء، أو أرض، بما قضى؛ لأن جبريل ﵇ هو الموكل بالوحي؛ ولهذا كان أشرف الملائكة وسيدهم. وسادة الملائكة ثلاثة: جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل. وسر سيادتهم أنهم موكلون بالحياة؛ فجبريل موكل بحياة القلوب، وميكائيل موكل بحياة النبات، وإسرافيل موكل بحياة الأبدان، والقلوب هي أشرف هذه الثلاثة؛ ولهذا قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. وهذا يدل أيضًا، على حمق اليهود، فإنهم يعدون جبريل ﵇ عدوهم من الملائكة، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] وإنما أبغضوه لأنه هو الذي
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب خرص الثمر برقم (١٤٨٢) ومسلم في الحج، باب أحد جبل يحبنا ونحبه، وفي الفضائل، باب في معجزات النبي ﷺ برقم (١٣٩٢).
[ ١ / ٢٦٥ ]
يحل بهم المثلات، وينزل بعقوبة الله ﷿ على من خالف أمره.
مناسبة الحديث للباب:
كونه يدل على عظم خوف الملائكة من الله ﷿، فمن دعا الملائكة، فمن دونهم، فقد وقع في الشرك الأكبر، المخرج عن الملة.
فوائد الحديث:
١ - إبطال توسل المشركين بالأولياء والصالحين.
٢ - عظم شأن الرب ﷾.
٣ - إثبات صفة الكلام لله ﷾.
٤ - فضل جبريل ﵇.
٥ - حرص الملائكة على العلم.
٦ - إثبات سماع السماوات لكلام الرب سبحانه، وتعظيمها له.
ثم قال المصنف ﵀:
وفيه مسائل:
الأولى: تفسير الآية.
لأن المصنف لم يورد آية سواها، وهي قوله تعالى: ﴿حَتَى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: زال عنها الفزع، وهم الملائكة، وقد تقدم تفسيرها.
الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك، خصوصًا من تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب.
الحجة البالغة التي تجتث شجرة الشرك الخبيثة: أن الملائكة أعظم المدعوِّين خَلْقًا ومنزلةً، ومع ذلك، هذا حالهم مع ربهم، خاضعين، من خشيته مشفقين، فكيف يدعون من دونه؟! فكيف بمن أضعف منهم خلقًا، وأدنى رتبة؟! فلا يجوز التعلق بأحد من الصالحين، فضلًا عن غيرهم.
[ ١ / ٢٦٦ ]
الثالثة: تفسير قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
وقد تبيّن بالحديثين بعدها أن هذا مما تتراجعه الملائكة بينها من كلام.
الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك.
أنهم علموا أن جبريل قد أوحى إليه ربه بكلام، فيسألون ذلك من باب طلب العلم.
الخامسة: أن جبرائيل هو الذي يجيبهم بعد ذلك بقوله: "قال كذا وكذا".
كما في حديث النواس بن سمعان ﵁.
السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبرائيل.
للتصريح به في حديث النواس، ويدل على فضيلته الخاصة.
السابعة: أنه يقول لأهل السماوات كلهم؛ لأنهم يسألونه.
لقوله: (كلما مر بسماء سأله ملائكتها) فيجيبهم جميعًا.
الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم.
لقوله في الحديث: "فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا".
التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله.
لقوله: "أخذت السماوات رجفة أو رعدة" خوفًا من الله تعالى.
العاشرة: أن جبرائيل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله.
كما ذكره في آخر حديث النواس بن سمعان؛ وذلك لأنه الملك الموكل بالوحي.
[ ١ / ٢٦٧ ]
الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين.
كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁، أن الشياطين يركب بعضهم بعضًا، فيسترقون السمع من السماء.
الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضًا.
كما وصفها سفيان بن عيينة، والذي يظهر أن سفيان ﵀ تلقاها عمن قبله، فربما كان من قبيل المسلسل، و"المسلسل" في علم الحديث: أن يتواطأ الرواة على لفظ، أو فعل، يأخذها بعضهم عن بعض إلى منتهاه، إلى النبي ﷺ. وأما إذا أتى الراوي بلفظ من عنده للبيان، فهذا يُسمى إدراجًا، وقد يكون الإدراج في أول الحديث، أو وسطه، أو آخره، وهذا مبسوط في علم مصطلح الحديث.
الثالثة عشرة: إرسال الشهب.
وذلك لإهلاك الشيطان المسترق للسمع، لا لما كانت تظنه العرب في الجاهلية: أن ذلك لحياة عظيم أو لموته. قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ٦ - ١٠]
الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.
كما جاء في حديث أبي هريرة.
الخامسة عشرة: كون الكاهن يُصدق بعض الأحيان.
يصدق أحيانًا بسبب هذه الكلمة المسترقة من السماء، وربما حصل بعض ما قال اتفاقًا، فيغتر به من يغتر، ويكون الله ﷿ قد أجرى ذلك ابتلاء لعباده.
[ ١ / ٢٦٨ ]
أما المؤمن الذي يؤوي إلى ركن شديد، فيعلم أنه: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، فلا يخالطه شك في ذلك؛ ولهذا ينبغي التحذير مما تشيعه بعض وسائل الإعلام من الترويج لبعض المنجمين، فإن وقع شيء من ذلك، فإنما هو بالاستعانة بالشياطين من مسترقي السمع، ويخلطه بأضعافه من الكذب، أو يكون مما وقع اتفاقًا، فلا يعول عليهم، ولا يلتفت إليهم في الإخبار بالمغيبات، واستشراف المستقبل.
السادسة عشرة: كونه يكذب معها مائة كذبة.
أي: يخلط الكاهن أو الساحر مع الكلمة التي ألقاها إليه وليّه من الشياطين مائة كذبة،، فلا يصدق إلا الكلمة التي سُمعت من السماء.
السابعة عشرة: أنه لم يُصدَّق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء.
هذا يدل على خطورة لبس الحق بالباطل، فعلى المؤمن أن يميز؛ فيقر الحق، ويرد الباطل، ولا يغتر بدمج الحق بالباطل لتسليك الباطل، بل عليه أن يتبين ما يلقى عليه، ويستنير بنور الله ﷿. فكم من المتحدثين المتحذلقين الذين يملؤون الأعمدة الصحفية، أو يصنفون الكتب، أو يعتلون المنابر الإعلامية، يقولون باطلًا ممزوجًا بشيء من الحق؛ لترويج باطلهم، كما يقال: يدس السم في العسل. فعلى المؤمن أن يكون يقظًا متنبهًا، فلا يرد الحق لاختلاطه بالباطل، ولا يقبل الباطل لاقترانه بالحق، بل يميز ويفصل.
الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟!
يشير المصنف ﵀ إلى طبيعة النفوس المنحرفة، كيف يستهويها الباطل، مع أن نسبة الحق منه واحد بالمائة، بسبب الأهواء والشبهات، فتتشبث بهذا القليل من الحق لتسويغ الكثير من الباطل، وشواهده كثيرة.
[ ١ / ٢٦٩ ]
التاسعة عشرة: كونهم يلقي بعضهم إلى بعض تلك الكلمة، ويحفظونها، ويستدلون بها.
كما وصف الله بعضهم بقوله: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٣]
العشرون: إثبات الصفات خلافًا للأشعرية المعطلة.
تضمنت الآية والحديثان إثبات بعض صفات الله ﷿، ومنها: صفة العلو لله ﷾، وهي صفة عظيمة، ينكرها الجهمية والأشاعرة، وإثبات صفة الكلام التي ينكرها الجهمية والمعتزلة، ويثبتها الأشاعرة على وجه غير الوجه الذي يثبتها عليه أهل السنة والجماعة، فيجعلون كلام الله ﷿ هو المعنى القديم القائم في نفسه، ولا يثبتون الكلام الحقيقي الذي هو الحرف والصوت، المتعلق بمشيئته. والحق أن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت، بكلام حقيقي، لا يماثل كلام المخلوقين، وأنه قديم النوع، حادث الآحاد.
الحادية والعشرون: أن تلك الرجفة والغشي خوفًا من الله ﷿.
وقد جاء ذلك صريحًا في الحديث بقوله: "خوفًا من الله ﷿".
الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجدًا.
كما في الحديث: "وخرّوا لله سجدًا" والخرور: هو الهوي من أعلى إلى أسفل.
[ ١ / ٢٧٠ ]