وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، [سورة الأنفال: ٢].
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، [سورة الأنفال: ٦٤].
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، [سورة الطلاق: ٣].
وعن ابن عباس ﵄ قال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﷺ حين أُلقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (^١) [سورة آل عمران: ١٧٣]، رواه البخاري، والنسائي.
الشرح:
ترجم المصنف ﵀ للباب بهذه الآية العظيمة: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وهذه الآية وردت في مقالة موسى ﵇ لقومه، حينما أمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة، فتلكؤوا، وقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ [المائدة: ٢٢] فأمرهم بالتوكل على الله ﷿، وبين لهم أنه شرط في الإيمان.
وحقيقة التوكل: اعتماد القلب على الله ﷿ في جلب المصالح ودفع
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآية برقم (٤٥٦٣) والنسائي في السنن الكبرى في كتاب عمل اليوم والليلة، ما يقول إذا خاف قومًا برقم (١٠٣٦٤).
[ ٢ / ٤٧٣ ]
المفاسد، مع فعل الأسباب الشرعية، أو الحسية، الموصلة إلى ذلك.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
التوكل عبادة قلبية، فصرفها لغير الله شرك، فناسب إيراد هذا الباب، بعد ذكر المحبة، والخوف، لأن مقام التوكل من أعظم مقامات السالكين.
قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ أي: لا على غيره، فقدم الجار والمجرور للحصر ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾ أي: اعتمدوا وفوضوا أموركم جميعها إليه ﷾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فدل ذلك على أن توحيد الله بالتوكل من شرط الإيمان.
وليعلم: أن اعتماد الإنسان على غيره ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يعتمد على غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن يقول: اعتمدتُ عليك في شفاء ابني، فهذا شرك أكبر، لا يجوز صرف هذا إلا لله تعالى. فهذا هو "التوكل".
الثاني: أن يعتمد على غيره فيما يقدر عليه، فهذا جائز مباح؛ وقد جرت به العادة وصح شرعًا؛ لأنه استنابة، كأن يستنيبه في بيع، أو شراء، أو إجارة، أو ولاية نكاح، ونحو ذلك. وهذا "وكالة" أو "توكيل".
وأما التوكل فإنه لا ينقسم؛ لأنه عبادة، كما أن السجود لا يمكن أن ينقسم إلى سجود عبادة، وسجود غير عبادة، بخلاف الأمور الأخرى، مثل الخوف، والحب. فالتوكل كله عبادة لا يجوز صرفه لغير الله تعالى. وأما التوكيل والوكالة فهذا لم يزل في الناس جارٍ، حتى قيل:
والنّاسُ بالنّاسِ من حَضْرٍ وبادِيَةٍ … بعضٌ لبعضٍ -وإن لم يَشعُروا- خدَم. (^١).
فلم يزل الناس يقضي بعضهم مصالح بعض، ولم يزل الناس يتخذون الوكلاء نيابة عنهم، ولم يزل الفقهاء ﵏ يعقدون في كتب الفقه: باب الوكالة، فالتوكيل والوكالة مشروعان؛ لأنهما استنابة في مقدور عليه.
وقد سئل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ عن قول بعض العامة: توكلتُ عليك يا فلان في كذا، ويذكر أمرًا من الأمور المقدور عليها،
_________________
(١) ديوان أبي العلاء المعري (ص: ١٢٠٣).
[ ٢ / ٤٧٤ ]
فأجاب ﵀: أن هذا شرك، أما التوكيل فيجوز؛ لأنه استنابة (^١)، فَفَرَقَ بين التوكل والتوكيل. وسُئل أيضًا عن قول بعض العامة: متوكل على الله ثم عليك، فأجاب: هذا شرك، وإنما يقول: موكلك، ولا يقول: موكل الله ثم موكلك، فإن هذه عامية، وليست في محلها (^٢). وعلّق ابن قاسم ﵀ تلميذ الشيخ على هذه المسألة، فقال: والفرق بين هذا وبين أعوذ بالله ثم بك: أنه يجوز الاستعاذة بالمخلوق مفردًا فيما يقدر عليه، بخلاف التوكل، فإنه كله عبادة، كما لا يجوز: أسجد لله، ثم لك، أو أعبد الله، ثم أعبدك يا فلان، كذلك لا يجوز أن يقول: أتوكل على الله، ثم عليك (^٣).
وبهذا يتبيّن أن التوكل عبادة خالصة، لا تنقسم، أما مطلق الاعتماد، ففيه التفصيل:
- فما كان فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو التوكل الذي لا يجوز صرفه إلا لله، وكذا لو نادى غائبًا، وقال: أنت وكيلي في كذا وكذا،، فهذا يلتحق بالشرك؛ لأنه يدعو غائبًا، ويعتمد عليه.
- وما كان في مقدور العباد، فهو توكيل سائغ، إذا كانوا أهلًا لذلك، كما لو قال لشخص حاضر قادر: وكلتك أن تبني لي هذا الحائط، أو: وكلتك أن تستخرج لي صكًا شرعيًا بملكية هذه الأرض، فهذا لا بأس به.
فوائد الآية:
١ - وجوب التوكل على الله ﷿؛ وأنه عبادة لا يجوز صرفها لغيره، فمن صرفها لغيره، فقد وقع في الشرك الأكبر.
٢ - أن التوكل من أعظم أسباب القوة والنصر؛ لأن هذا قيل لهم بين يدي فتح وجهاد.
٣ - أن التوكل شرط في صحة الإيمان.
_________________
(١) فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١/ ١٥٠).
(٢) فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١/ ١٥٠).
(٣) في تعليقه على فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١/ ١٥٠).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
ثم ثنّى المصنف ﵀ بقول الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].
قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ (إنما) أداة حصر.
قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: خافت، والوجل من أعمال القلوب.
قوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: إذا تلي عليهم القرآن ازداد إيمانهم.
قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قدم الجار والمجرور ليفيد الاختصاص. وهذا هو موضع الشاهد، فقلوبهم تفزع إلى الله في المضائق والأزمات، وعند الحاجات والملمات، وتركن إلى جنابه. أما من كان قلبه يلتفت يمنة ويسرة، ويطلب الخلاص عند الأشخاص، فليس بمتوكل ولا مؤمن حقًا. قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يؤدونها على وجه الاستقامة؛ في شروطها، وأركانها، وواجباتها. قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي: يبذلون النفقة الواجبة؛ من زكاة، أو نفقة على ولد، أو زوجة، أو بهيمة، والنفقة المستحبة، من صدقة، وبر، وصلة.
قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي: من جمع هذه الخصال الخمس فقد حقق الإيمان الكامل. وبه يتبيّن أن الإيمان درجات، ومراتب:
الأولى: أصل الإيمان: وهو الحد الأدنى الفاصل بين الإيمان والكفر؛ وهو الاستعلان بالشهادتين معتقدًا لمعناهما، مقرًا بمقتضاهما.
الثانية: الإيمان الواجب: أن ينضم إلى ما سبق فعل الواجبات، وترك المحرمات، فمن أتى بذلك دخل الجنة، فقد سأل رجل النبي ﷺ: "أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا، أأدخل الجنة؟ قال: "نعم" قال: والله لا أزيد على ذلك شيئًا" (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة، وأن من تمسك بما أمر به دخل الجنة برقم (١٥).
[ ٢ / ٤٧٦ ]
الثالثة: الإيمان الكامل؛ وذلك أن يضيف إلى ما تقدم، فعل المستحبات، وترك المكروهات، وهو الإيمان المطلق. وفرقٌ بين الإيمان المطلق، ومطلق الإيمان، فالإيمان المطلق هو الإيمان الكامل، ومطلق الإيمان هو الحد الأدنى منه، الذي ليس بعده إلا الكفر.
والمؤمنون يتفاوتون في هذه المراتب، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢].
- فالظالم لنفسه: الذي أتى بأصل الإيمان، ووقع في بعض المحرمات، أو ترك بعض الواجبات. - والمقتصد: هو الذي أتى بأصل الإيمان، وصدقه بفعل الواجبات، وترك المحرمات، وحسب. - والسابق بالخيرات: هو الذي فعل الواجبات والمستحبات، وترك المحرمات والمكروهات.
مناسبة الآيات للباب:
ظاهرة، لما تضمنته أوصاف المؤمنين حقًا، من إفراد الله بالتوكل.
فوائد الآيات:
١ - أن الإيمان يزيد وينقص؛ لقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، بخلاف المرجئة، والوعيدية، الذين يعتقدون أن الإيمان شيء واحد، إما أن يوجد كله، وإما أن يعدم كله، لكن المرجئة تساهلوا في تحقيقه؛ وقصروه على التصديق، ولم يدخلوا العمل في مسمى الإيمان. والوعيدية شددوا في شرطه، فجعلوا ترك للواجبات، وفعل الكبائر، مزيل لاسم الإيمان، لكن الإيمان عند الفريقين، لا يزيد ولا ينقص.
واستدل أهل السنة والجماعة على أن الإيمان يزيد وينقص، بناطق الكتاب، في ستة مواضع صريحة، منها الموضع السابق.
٢ - أن أهل الإيمان يتفاضلون فيه، فمنهم المؤمنون حقًا، ومنهم دون ذلك، ففي قول الله ﷿: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] شرط الله تعالى في الرقبة أن تكون مؤمنة، فلو لم يجد الإنسان إلا عبدًا زانيًا، أو سارقًا، أو مغتابًا،
[ ٢ / ٤٧٧ ]
أو نمامًا، أو ظالمًا، أو جانيًا، فأعتقه برأت ذمته باتفاق العلماء؛ وصدق عليه أنه رقبة مؤمنة، ومع ذلك فليس إيمانه كإيمان من وصفهم الله ها هنا، ولا كمن وصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥].
٣ - أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، وقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. فالتوكل عبادة عملية قلبية، وإقام الصلاة عبادة عملية بدنية، خلافًا للمرجئة، بجميع طبقاتها، التي تخرج الأعمال عن مسمى الإيمان.
ثم قال المصنف ﵀: "وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ "
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا﴾ (يا) أداة نداء، وأتى ب (أي) ليتوصل بها إلى نداء المعرف ب (أل)؛ لأنه لا يجوز لغةً أن تدخل ياء النداء على المعرف ب (أل). والعامة يقولون: يا الرجل، يا الواقف، يا القاعد، وهذا غير صحيح لغةً. والهاء للتنبيه
قوله: ﴿النَّبِيُّ﴾ بالهمز وبدونه، يقال: النبئ والنبي، وهو إما (فعيل) بمعنى (فاعل) أي: مُنَبِّئٌ عن الله برسالته، وإما بمعنى (مفعول) أي: أنه مُنَبَّأٌ من الله بأوامره ونواهيه، ويُجمع على الأنبياء، والنبيين، والنُبآء، كما قال الشاعر:
يَا خَاتَمَ النُّبَآءِ إِنَّكَ مُرسَلٌ … بِالحَقِّ خَيْرُ هُدَى الْإِلَهِ هُدَاكَا (^١)
واختلفوا من أي مادة اشتُق اسم (النبيّ) على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه مأخوذ من النبأ، وهو الخبر؛ لأنه يُنْبِئُ عن الله، أي يُخْبِرُ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى﴾ [النجم: ٣٦].
_________________
(١) البيت للعباس بن مرداس يمدح النبي ﷺ في ديوانه (ص: ٩٥) والكتاب (٣/ ٤٦٠) ولسان العرب (١/ ١٦٢) (نبأ).
[ ٢ / ٤٧٨ ]
الثاني: أن أصل النبيِّ هو الطريق، وسمي النبي نبيًا لاهتداء الخلق به كالطريق، قال القطامي:
لَمَّا وَرَدْنَا نبِيًَا وَاسْتَتَبَّ لَنَا … مُسْتَحْفَرٌ بِخُطُوطِ النَّسْجِ مُنْسَجِلُ (^١)
الثالث: أنه مأخوذ من نبا ينبو إذا ظهر، فالنبي من النبوة، وهو الارتفاع؛ لأن منزلة الأنبياء رفيعة ظاهرة. والمراد بالنبي هنا هو محمد ﷺ.
قوله: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ أي: كافيك، فالحسب الكفاية.
قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المراد: الله يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين، ولا يمكن أن يكون المراد: حسبك الله، وحسبك من اتبعك من المؤمنين؛ لأن الحسب والكفاية لا تكون إلا لله ﷿، فلا يمكن أن يُحال النبي ﷺ على المؤمنين في الكفاية.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لأن الحسب هو الكفاية التي تستلزم التوكل.
فوائد الآية:
١ - كفاية الله لنبيه والمؤمنين، واستغناؤهم عمن سواه.
٢ - أن الإيمان بكفاية الله يستلزم إفراده بالتوكل.
٣ - بطلان دعوى من جعل الحسب لغير الله، كمن يدعو ميتًا، أو غائبًا: (أنا في حسبك)!
٤ - وجوب اتباع النبي ﷺ من سائر المؤمنين.
قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: عليه، لا على غيره، في جلب النفع، ودفع الضر.
قوله: ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي: كافيه، وقد جاءت هذه الجملة ضمن جمل نورانية محكمة، لها وقع عظيم في القلب، وهي قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ
_________________
(١) تفسير الماوردي = النكت والعيون (١/ ١٣١).
[ ٢ / ٤٧٩ ]
بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. فما من مؤمن يعتريه شيء من القلق، أو الخوف، أو الهم، أو الخوف، من فوات مطلوب، أو طلب مقصود، فيقرأ هذه الآيات حتى يطمئن فؤاده، ويعلم أن كل شيء بيد الله. فهي دواء ناجع للهم والحزن.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، كسابقتها، لما فيها من ذكر كفاية الله لمن حقق التوكل.
فوائد الآية:
١ - وجوب التوكل على الله ﷿.
٢ - فضيلة التوكل، وأنه يحصل به المقصود.
٣ - أن الجزاء من جنس العمل، فمن اعتمد قلبه على الله كفاه، فالتوكل مقام عظيم، خلافًا لما ادعاه بعض الصوفية من أنه من أضعف مقامات السالكين، بل التوكل من أعظم منازل السالكين، ومقامات العبودية الشريفة. وسيد المتوكلين ﷺ فعل كل سبب، مع توكله على الله ﷿، فقد ظاهر بين درعين، ولبس المغفر على رأسه، وفي هجرته كمن نهارًا، وسار ليلًا، واتخذ دليلًا، وغير ذلك.
ثم قال المصنف ﵀:
"وعن ابن عباس ﵄ قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم ﵇ حينما ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] رواه البخاري، والنسائي"
هذا النص يدل على فقه ابن عباس ﵄ ودقة ملاحظته، فإنه قد جمع بين ما قال إمام الموحدين في الأولين، وما قال إمام الموحدين في الآخرين، بين قول إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار: حسبنا الله ونعم الوكيل. وقد روي أن جبريل ﵇ عرض له، فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أمَّا إليك فلا، وأما
[ ٢ / ٤٨٠ ]
إلى الله فبلى (^١)، وقول نبينا ﷺ والمؤمنين حين أجلب عليهم بعض الناس، وقالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ كنوع من الحرب النفسية، والإرهاب، لكن النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين قابلوهم بالتوكل على ربهم، فكانت النتيجة: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، وصدق عليه قول ربه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من الاستشهاد على تفويض الأمور إلى الله، وصدق التوكل عليه.
فوائد الأثر:
١ - فضيلة هذه الكلمة ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، وبعض الناس اليوم، يستعملها في غير موضع التوكل، بل في موضع الاسترجاع، أو الحوقلة، أو التشكي، كما يقول العامة عندنا: فلان يتحسب على فلان، أي يدعو عليه. وهي في الأصل كلمة توحيد تدل على التوكل، والاعتماد على الله ﷿، فيما ينوب المرء. لكن إن استعملها الإنسان في مقام معين، ربما دلت على الدعاء بالقرائن المحيطة.
٢ - مشروعية قولها في الكروب والمضائق؛ لأن إبراهيم ﵇ قالها في كرب وضيق، وقالها نبينا ﷺ والمؤمنون كذلك.
٣ - إثبات زيادة الإيمان ونقصانه.
٤ - أن الله ﷿ قد يجعل فيما يكرهه الإنسان خيرًا كثيرًا، فالذين قيل لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾، حصل لهم منه الخير والنعمة ما لم يكن لهم بالحسبان، كما قال: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ وهذا من ثمرات التوكل على الله.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (١٨/ ٤٦٧).
[ ٢ / ٤٨١ ]
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: أن التوكل من الفرائض.
لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ فهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب.
الثانية: أنه من شروط الإيمان.
لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فلا يصدق وصف الإيمان، ولا يكون من جملة المؤمنين، إلا من حقق التوكل على الله تعالى.
الثالثة: تفسير آية الأنفال.
المتضمنة لصفات المؤمنين حقًا، ومنها التوكل، وهي قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
الرابعة: تفسير الآية في آخرها.
أي في آخر سورة الأنفال، وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾ أي: الله كافيك، وكافي من اتبعك.
الخامسة: تفسير آية الطلاق.
وهي قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي كافيه.
السادسة: عظم شأن هذه الكلمة؛ أنها قول إبراهيم، ونبينا محمد ﷺ في الشدائد.
ولنا فيهما أسوة حسنة، فينبغي للإنسان أن يحتفي بهذه الكلمة، وأن يعتصم بها في دعائه لربه ﷿ حتى يكشف الله كربه. ومن شواهد ذلك، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. [التوبة: ١٢٩].
[ ٢ / ٤٨٢ ]