ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: يشركون (^١). وعنه: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز (^٢). وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها (^٣).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لأنه يتعلق بنوع من أنواع التوحيد الثلاثة، وهو توحيد الأسماء والصفات، وله تعلق بتوحيد الألوهية، للأمر بدعائه بها. ففيه الرد على أصحاب التوسل الشركي، والبدعي، وبيان أن التوسل الشرعي يكون بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ قدّم الجار والمجرور للدلالة على الاختصاص، فالله تعالى هو المستحق وحده للأسماء الحسنى. فيجب علينا أن نعتقد أن لله تعالى أسماء حسنى، خلافًا للجهمية التي زعمت أن الله تعالى لا اسم له، وأن الناس هم الذين اخترعوا الأسماء لله وأضافوها إليه، تعالى الله عما يقولون. بل له الأسماء التي تختص به، لا يشاركه في حقيقتها أحد، كما قال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أي: لا أحد يساميه سبحانه.
قوله: ﴿الْأَسْمَاءُ﴾ جمع اسم، وهو ما عيَّن مسماه، وهو مشتق إما من
_________________
(١) بنحوه في تفسير ابن أبي حاتم برقم (٨٥٨٤) وتفسيره ب (يشركون) عن قتادة.
(٢) زاد المسير في علم التفسير (٢/ ١٧٢) وتفسير القرطبي (٧/ ٣٢٨).
(٣) تفسير ابن أبي حاتم برقم (٨٥٨٧).
[ ٢ / ٦٤٦ ]
السِّمة، أي العلامة، فهو علامة على حامله، أو من السُّمو، وهو العلو. فلله تعالى أسماء، كما أثبت ذلك في أربعة مواضع من القرآن: أحدها هذا الموضع في سورة الأعراف، والثاني: قوله: ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، والثالث: قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]، والرابع: قوله: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤].
وأسماؤه تعالى حسنى. أي: بلغت الغاية في الحسن؛ لأن حسنى، على وزن "فعلى"؛ صيغة مبالغة. وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧] ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، ذلك أن كل اسم من أسماء الله قد بلغ الغاية في معناه، فلا يماثله، ولا يقاربه أحد ممن شاركه في اللفظ، ولا يمكن أن يقع اشتراك في الحقيقة، فالوصف التام الكامل لله ﷾. مثال ذلك: من أسماء الله ﷾ السميع، يدل على كمال سمعه، فلا يخفى عليه شيء من الأصوات، كما قالت عائشة ﵂: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ، وأنا في ناحية البيت، تشكو زوجها وما أسمع ما تقول، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] " (^١). والمخلوق سميع، وله صفة السمع، فيقع اشتراك في اللفظ، وفي أصل المعنى، الذي هو إدراك الأصوات. لكنه اشتراك في الذهن، أما خارج الذهن، فلا يمكن أن يقع اشتراك؛ لأنه إذا أضيفت صفة السمع لله اختص به، فصار سمعًا مطلقًا يليق به، ولا يشاركه فيه أحد، وإذا أضيفت للمخلوق، صار سمعًا محدودًا يليق به.
قوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ هذه ثمرة العلم بأسماء الله الحسنى، فيجب علينا أن ندعوه بها.
ودعاء الله تعالى نوعان:
الأول: دعاء المسألة: وهو أن يقدم الإنسان بين يدي مسألته اسمًا من
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب فيما أنكرت الجهمية برقم (١٨٨) وصححه الألباني.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
الأسماء المناسبة لدعائه، كأن يقول: يا رزاق ارزقني، ويا رحيم ارحمني، ويا جبار أجبرني، وهكذا.
الثاني: دعاء العبادة: وهو أن يمجد ربه ﷾ بهذه الأسماء، ويُثني بها عليه بلسانه، ويعمل بمقتضاها بجوارحه. مثال ذلك:
- قول النبي ﷺ: "اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن" (^١)، فهو لم يسمِّ حاجة، وإنما أثنى على الله بما هو أهله، فهذا دعاء عبادة.
- إذا علم العبد أن الله تعالى سميع، فلهج بذكره وشكره، وتلاوة كتابه، والدعوة إليه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لعلمه أن الله يسمع هذا الكلام منه فيرضيه، فيكون متعبدًا لله بهذا الاسم، وحين يعقل لسانه عن الغيبة، والنميمة، والقذف، والشتيمة، واللغو؛ لعلمه بأن الله سميع يسمع كلامه، فيسخطه، كان بذلك متعبدًا لله بمقتضى علمه بأسمائه.
قوله: ﴿وَذَرُوا﴾ أي: اتركوا، وجانبوا، وانبذوا، وما شابه ذلك.
قوله: ﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الإلحاد مأخوذ من اللحد، وهو الميل؛ ومنه سمي لحد القبر لحدًا؛ لميله عن سمت الحفر إلى اتجاه القبلة، فحافر القبر لا يزال يحفر بشكل رأسي، فإذا أراد أن مال إلى جهة القبلة، قيل: ألحد. والإلحاد شرعًا: الميل عن ما يجب اعتقاده أو عمله. والإلحاد في أسماء الله تعالى: الميل بها عن مراد الله بها.
وقد جرى الإلحاد في أسماء الله تعالى على صور متعددة: فمنها:
- تسميته بما لم يسم به نفسه: كتسمية النصارى له (الأب)، وتسمية الفلاسفة (علة فاعلة).
- اشتقاق أسماء للأصنام منها: كاشتقاق المشركين "اللات" من الإله، و"العزى" من العزيز.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه بالليل برقم (٦٣١٧) ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه برقم (٧٦٩).
[ ٢ / ٦٤٨ ]
- تمثيل صفاته بصفات خلقه: كقول المشبهة: سمع كسمعنا، وبصر كبصرنا، ويد كأيدينا.
- تعطيل أسمائه وصفاته، ونفيها: كقول الجهمية: ليس بسميع، ولا بصير، ولا عليم، وقول المعتزلة: سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعليم بلا علم، بمنزلة الأعلام المحضة.
- تحريفها: بصرفها إلى معنىً غير مراد لله، كتحريفهم معنى الاستواء إلى الاستيلاء، واليد إلى القدرة أو النعمة، بلا دليل! وتسمية ذلك تأويلًا، وهو تحريف وإلحاد.
- تجهيلها: بزعم أم معانيها مجهولة، لا سبيل للعلم بها، وأنها ألفاظ مجهولة المعنى.
قوله: "ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: يشركون" وهذا قد رواه ابن جرير عن قتادة أيضًا بهذا اللفظ (^١). " أي يمثلون أسماءه بأسماء خلقه، وهذا من الإلحاد. أو يدعون غيره بما تقتضيه.
قوله: وعنه: "سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز" أي أنهم اشتقوا من أسمائه الحسنى أسماء كمؤنثة لآلهتهم. وهذا من الإلحاد.
قوله: "وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها" أي: أنهم يسمون الله تعالى بما لم يسمِّ به نفسه، وهذا من الإلحاد.
فوائد الآية والآثار
١ - وجوب إثبات أسماء الله وصفاته كما أثبتها لنفسه.
٢ - أن جميع أسماء الله حسنى لا نقص فيها بوجهٍ من الوجوه.
٣ - أن أسماءه مختصة به، لا يشاركه في حقيقتها أحد، وإن وقع اشتراك في اللفظ وأصل المعنى.
٣ - وجوب دعائه والتوسل إليه بأسمائه.
٤ - وجوب مفارقة الملحدين في أسمائه وترك طريقتهم.
_________________
(١) تفسير الطبري = جامع البيان برقم (١٥٤٥٦).
[ ٢ / ٦٤٩ ]
٥ - الوعيد على من ألحد في أسمائه وصفاته.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: إثبات الأسماء.
لقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ﴾.
الثانية: كونها حسنى.
لوصفها بذلك في قوله: ﴿الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
الثالثة: الأمر بدعائه بها.
لقوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين.
لقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾.
الخامسة: تفسير الإلحاد فيها.
فسّره ﵀ بما ساقه من كلام ابن عباس والأعمش، وأن من ذلك: أن يعتقد مماثلتها لأسماء المخلوقين، أو يدعو غيره، أو يشتق أسماء من أسمائه الحسنى للأصنام، أو يُسمى بما لم يسمِّ به نفسه. لقوله: "
السادسة: وعيد من ألحد.
لقوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
[ ٢ / ٦٥٠ ]