وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [سورة التوبة: ٢٤].
عن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يُؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين" (^١)، أخرجاه.
الشرح:
هذا باب شريف؛ لتعلقه بعبادة هي أصل الدين، وهي: محبة الرب ﷾، فإن أصل التعبد والتأله لله: هو انجذاب القلب له، فإن معنى قولنا: لا إله إلا الله، أي: لا مألوه إلا الله، والمألوه هو الذي تألهه، أي تنجذب إليه القلوب محبة وتعظيمًا. فالمحبة هي أصل العبادات القلبية، ولكن المحبة التي تنبغي لله محبة مقرونة بخوف ورجاء، لا المحبة الصرفة التي يدعيها زنادقة الصوفية، حتى إنهم يحيلونها إلى نوع من العشق، يسمونه "العشق الإلهي"، ويغلون فيها، ويزعمون أنها تُنسيهم الخوف والرجاء. فتلك المحبة محبة بدعية، وليست المحبة التي أمر الله تعالى بها ورسوله. والمحبة من حيث هي نوعان:
الأول: محبة طبيعية: وهي عبارة عن ميل النفس لبعض المحبوبات؛ ولها صور متنوعة:
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان (١٥) ومسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله ﷺ أكثر من الأهل والولد والوالد برقم (٤٤).
[ ٢ / ٤٤١ ]
منها: محبة إجلال، كمحبة الابن لأبيه.
ومنها: محبة إشفاق، كمحبة الأب لابنه.
ومنها: محبة شهوة، كمحبة الزوج لزوجة، وكمحبة الطعام والشراب، ونحو ذلك. فهذا النوع من المحاب الطبيعية لا يُلام عليه الإنسان، ولا يتعلق به مقصود لذاته؛ لأنه أمر جِبِلِّي طبيعي، وقد يلام عليه إذا خرج عن حده، وتجاوز المألوف، كأن يستغرق في محبوبات الدنيا إلى الحد الذي يمنعه من طاعة الرب ﷾، ومثل أن يستغرق في مجالسة أهله، ويدع صلاة الجماعة، وكأن يتعلق بأهله، وأبنائه، ويدع الجهاد المتعين، أو يدع الحج المفترض عليه، ونحوه.
الثاني: محبة السر: وهي محبة العبادة، وهي التي لا تنبغي إلا لله ﷿، فهي محبة من نوع فريد، لا يجوز صرفها لغير لله؛ إذ هي محبة عبادة مقرونة بكمال التعظيم والخضوع، وكمال الرجاء، فقد جمعت محبةً وخوفًا، ورجاءً. وهي أعظم ما يكون في القلب من العبادات القلبية؛ إذ الخوف ينقطع، والرجاء ينقطع، كما قال الله ﷿: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] فإذا بلغ الإنسان المنزل -أي الجنة- زال عنه الخوف، وسكن الرجاء، واطمأن القلب بحصول المقصود. أما المحبة فلا تزال تتعاظم في قلب المؤمن، كلما ازداد علمًا وإيمانًا، فإذا بلغ جنة ربه ازدادت محبته له، لما يرى من كرامته، وعظيم فضله. فهذه المحبة الإيمانية تنعش القلب، وتضمد الجراح، وتضخ فيه النشاط والقوة على العمل الصالح، وتحجزه عن محبوبات النفس المنافية لمحبوبات الله.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
جلية ظاهرة، لتعلقه بعبادة من أجل العبادات القلبية، وهي عبادة المحبة.
قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ (من) تبعيضية، أي: بعض الناس، والمراد بهم المشركون.
قوله: ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ (أَنْدَادًا): جمع ند، وهو الشبيه والنظير.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
قوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ هذه صفة التنديد المذكور.
وقد اختلف المفسرون في معناها على قولين:
الأول: أي: أنهم يحبون الأصنام كما يحب المؤمنون الله.
الثاني: أي: يحبون أندادهم كما يحبون الله، فهم يحبون الله لكنهم يحبون الأنداد كمحبتهم لله، فوقعوا في شرك المحبة، وهذا القول الثاني هو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله- (^٢).
قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للَّهِ﴾ أي: أنّ المؤمنين محبتهم لله تعالى خالصة، لا تدانيها محبة أخرى، ولا يقع لهم شرك في المحبة، فهم أشد حبًا لله، من حب أصحاب الأنداد لله.
قوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ دلت على أنهم يوم القيامة يفجؤون حين يرون العذاب، ويدركون أن القوة لله جميعًا، فمن كانت له القوة جميعًا، استحق أن يكون له الحب جميعًا، وأن يكون التعظيم له جميعًا.
فوائد الآية:
١ - التحذير من شرك المحبة.
٢ - أن من المشركين من يحب الله تعالى؛ ولهذا يحلفون به، ويحجون بيته، ويتقربون إليه، لكنهم لا يفردونه بالمحبة، فلم يغن عنهم شيئًا.
٣ - أن الأنداد متخذة، مصطنعة، كما قال تعالى عن الخليل ﵇، لقومه: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]
قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ الخطاب للنبي ﷺ، وأمته من بعده. فهذه ثمانية أصناف تجمع أمهات المحبوبات الدنيوية:
﴿آبَاؤُكُمْ﴾ فيحب الإنسان أباه محبة إجلال. ﴿وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ يحب ابنه محبة شفقة ورحمة. ﴿وَإِخْوَانُكُمْ﴾ يحبهم محبة مودة ونصرة. ﴿وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ محبة غريزة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٧٤/ ٣٦).
(٢) مدارج السالكين (٣/ ٢١).
[ ٢ / ٤٤٣ ]
وشهوة. ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ محبة انتماء وعشرة. وهم جماعة الرجل وقبيلته. ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ محبة شهوة وقنية، ومعنى: ﴿اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ أي: اكتسبتموها، فالاقتراف بمعنى الاكتساب. ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ أي: محبة تعلق واستبقاء. ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ محبة مأوى ومباهاة.
قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ نصب (أحب) لأنها خبر (كان) وإن تأخر، و(آباؤكم) اسمها. والمعنى: إن كان محبة هذه الأشياء المحبوبة حبًا فطريًا طبيعيًا- مقدمة عندكم على محبة الله ورسوله ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ عبارة تهديد ووعيد، أي: انتظروا ما يحل بكم من عقاب، إذا آثرتموها على محبوبات الله ﷿. مثال ذلك: أن يُؤمر العبد بالهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، فيؤثر البقاء في الأهل والعشيرة على طاعة الله تعالى بالهجرة إلى دار الإسلام؛ ولهذا توعد الله من وقع منه ذلك، فقال سبحانه وبحمده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧، ٩٩]. ولما هاجر صهيب الرومي ﵁ من مكة إلى المدينة، وكان قد قدم مكة مولى، ثم عتق، واتجر وصار ذا مال، فلما أراد الهجرة لحقته قريش حتى أدركوه في بعض الطريق، فقالوا له: جئتنا فقيرًا، والآن تأخذ المال وتذهب! فقال لهم: هل لكم أن أعطيكم أواقي من ذهب وتخلون سبيلي؟ فقال لهم: احفروا تحت أسكفة الباب، فإن تحتها الأواق، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين، وخرج حتى قدم على رسول الله ﷺ قبل أن يتحول منها -أي قباء-، فلما رآه ﷺ قال: "يا أبا يحيى، ربح البيع" ثلاثًا (^١)؛ لأنه استعاض عن الدنيا بالآخرة.
وكثير من الناس يقدم الدرهم والدينار، وإذا تعارض مع شيء من محاب الله ﷿-آثر الدنيا على الآخرة؛ فإذا أراد حج الفريضة مثلًا، استعظم النفقة، وترك الحج.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم (٥٧٠٦).
[ ٢ / ٤٤٤ ]
وقد يكون الحب المقدم على محبة الله ورسوله، نقصًا في الإيمان الواجب، وقد يكون نقصًا في أصل الإيمان، فإن عارض أصل الإيمان فهو حب شركي، وإن عارض واجبًا من الواجبات، فهو منافٍ للإيمان الواجب، يكون صاحبه تحت المشيئة والإرادة، إن شاء الله عذبه بقدر ذنبه، ومآله إلى الجنة، وإن شاء عفا عنه، كما هي القاعدة في أهل الكبائر.
قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ هم الخارجون عن طاعة الله؛ لأن الفسق في اللغة معناه: الخروج، تقول العرب: فسقت التمرة، إذا خرجت من قشرها. فالفسق من موانع الهدى.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لما تضمنته من وعيد من قدم محبوبات نفسه على محبة الله، ورسوله، وشرعه.
فوائد الآية:
١ - وجوب محبة الله، وأنها من التوحيد.
٢ - وجوب محبة النبي ﷺ؛ وأنها من الإيمان الواجب برسالته.
٣ - وجوب محبة ما شرعه الله ورسوله، كالجهاد في سبيل الله، وأنه من الإيمان الواجب.
٤ - الوعيد على من قدم هذه الثمانية على محبوبات الله ورسوله؛ لقوله ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾.
٥ - أن الفسق من موانع الهدى، وأسباب الزيغ والضلال، كما في الآية الأخرى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]. فلا يهلك على الله إلا هالك.
قوله: "عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" أخرجاه" الإيمان المنفي هنا هو الإيمان الواجب، أي: لا يكون الإنسان مؤمنًا الإيمان الواجب عليه حتى تفوق محبة
[ ٢ / ٤٤٥ ]
نبيه ﷺ محبتة لولده، ووالده، والناس أجمعين. ومن تأمل نعمة الله تعالى ببعثة النبي ﷺ أدرك أن حاجته إلى نبيه ﷺ أعظم من حاجته إلى أبيه، وأمه، وطعامه، وشرابه، ونفسه، فهذه مقومات دنيوية، أما ما جاء بها محمد ﷺ من الهدى والعلم، فلا صلاح للدين والدنيا إلا به، فلا بد من تقديم محبة النبي ﷺ على محبة الولد والوالد، بحيث يجد المرء ذلك في صميم قلبه. ولهذا لما سمع عمر هذا الحديث قال: "يا رسول الله، لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ: "لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فقال عمر: "فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي" فقال النبي ﷺ: "الآن يا عمر" (^١).
وهذه المراجعة من عمر ﵁ صدق وحق؛ لأن هذه المحبة التي أحدثها عمر، نتجت عن نظر، فهي محبة مكتسبة، فحين أخبره النبي ﷺ بأنه لا يتم إيمانه الواجب إلا بتقديم محبته على محبة نفسه، تأمل، ونظر، وأدرك أن هذه المحبة يجب أن تفوق محبة النفس، فقال: "الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي" قالها متحققًا ﵁ وشهد له من لا ينطق عن الهوى، فقال: "الآن يا عمر" وأثبت له ﷺ هذه المحبة. وهذا جواب سديد على المتطاولين على الصحابة، كالرافضة، الذين يلمزون عمر ﵁ بالتظاهر بهذا، فيقال لهم: إن لمزكم إياه لمز للنبي ﷺ، فهل كان النبي ﷺ يقره على هذه الدعوى ويشهد له بذلك، والأمر خلاف ذلك؟ لا، والله! فلا شك أن عمر كان صادقًا فيما أخبر، وأنه قد اكتسب هذه المحبة بالنظر، لما علَّمه نبيه ﷺ بأن هذا من ضرورات الإيمان به.
وبناء عليه: فعلينا أن نتعاهد قلوبنا حقًا، وأن نصدق في محبتنا لنبينا ﷺ، وما من مؤمن إلا وهو محب لنبيه قطعًا، لكن هل هذه المحبة كما شرط النبي ﷺ؟ لقد رأينا -بحمد الله- حين تطاول بعض الكفرة على نبينا ﷺ بالرسوم المسيئة، كيف ضج المسلمون في مختلف البلاد الإسلامية، وأعربوا عن سخطهم وبغضهم لهؤلاء الشانئين المستهزئين، بأنواع الهتافات، والنداءات، والمظاهرات، والمقاطعات، ولا شك أنّ هذا دليل على صدق المحبة للنبي ﷺ، لكن يجب أن يبيّن لجمهور
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي ﷺ برقم (٦٦٣٢).
[ ٢ / ٤٤٦ ]
المسلمين بأن المحبة الحقيقة للنبي ﷺ هي في اتباع أمره، وسنته، والاقتداء به، فإن هذا هو عنوان المحبة الصادقة لنبينا ﷺ. ومن أمثلة ذلك:
ولما وضع خبيب بن عدي ﵁ بين السيف والنطع، وجمهور المشركين قد تحلقوا حوله، قال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك بالله يا خبيب، أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ قال: "والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني جالس في أهلي" (^١).
وجاء في حديث يوم الحديبية "إن -عروة بن مسعود- جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إن رأيتُ ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحِدُّون إليه النظر تعظيمًا له" (^٢).
كان أصحاب النبي ﷺ يقولون: فداك أبي وأمي! وهم صادقون، يفدونه بأنفسهم وأموالهم، أولئك أهل الحب الصادق. ثم نشأ أقوام يدعون محبة النبي ﷺ وليس حظهم من محبته إلا أن يعقدوا الحضرات، ويقيموا الموالد، ويدبجوا القصائد، ويهمهمون، ويرقصون، ويزعمون أنهم يحبون النبي ﷺ، وإذا دعوا إلى سنة من سننه، كانت أثقل عليهم من الجبل! أولئك أصحاب الحب الكاذب. وإنما زين لهم الشيطان أعمالهم.
سر محبتنا لرسول الله ﷺ: كونه رسول الله، لا لمجرد شخصه، فالمحبة الذي نبذلها للنبي ﷺ محبة من نوع خاص، محبة الرسالة، لأن الله أرسله، واصطفاه أحببناه، فمحبة النبي ﷺ فرع عن محبة الله ﷿، والإنسان كل ما كان صادقًا في محبته للشيء كان متبعًا موافقًا لمحبوبات حبيبه. فأنى لقوم يدعون محبة النبي ﷺ وهم يخالفون هديه في الأصول والفروع؟! ونضرب مثالًا بسيطًا:
_________________
(١) البداية والنهاية ط إحياء التراث (٤/ ٧٥).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط برقم (٢٧٣١).
[ ٢ / ٤٤٧ ]
إعفاء اللحية، كيف تطيب نفس مؤمن يعلم أن هذا هدي محمد ﷺ، وأنه كان له لحية عظيمة تملأ ما بين منكبيه، ثم يزهد في هدي النبي ﷺ، ويحلق لحيته، أو يأخذ منها، أو يقصرها، ويتشبه بالكفار؟!
إن الحب الصادق للنبي ﷺ يستلزم امتثال سنته، واقتفاء أثره، حتى حمل بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- على محاكاة النبي ﷺ فيما ليس من أمر التشريع؛ يقول أنس ﵁: "دعا رسول الله ﷺ رجلٌ، فانطلقت معه، فجيء بمرقة فيها دباء، فجعل رسول الله ﷺ يأكل من ذلك الدباء، ويعجبه، قال: فلما رأيتُ ذلك جعلت ألقيه إليه، ولا أطعمه، ثم قال أنس: "فما زلت بعد يعجبني الدباء" (^١)، هذا حب ناتج عن محبة المحبوب، ولا نقول: من السنة محبة القرع؛ لأن النبي ﷺ كان يحبه محبة طبيعية. وكان ابن عمر ﵄ يتحرى الأماكن التي نزل فيها النبي ﷺ في سفراته، فينزل فيها، بل والمواضع التي قضى فيها حاجته، فيقضي فيها حاجته، فقد جاء عن أنس بن سيرين قال: كنتُ مع ابن عمر بعرفات، فلما كان حين راح، رحت معه حتى أتى الإمام، فصلى معه الأولى، والعصر، ثم وقف معه، وأنا وأصحاب لي، حتى أفاض الإمام، فأفضنا معه، حتى انتهينا إلى المضيق دون المأزمين، فأناخ وأنخنا، ونحن نحسب أنه يريد أن يصلي، فقال غلامه الذي يمسك راحلته: إنه ليس يريد الصلاة، ولكنه ذكر أن النبي ﷺ لما انتهى إلى هذا المكان قضى حاجته، فهو يحب أن يقضي حاجته (^٢). فهذا ناتج عن المحبة، وهو أمر مألوف في بني آدم، فإن الإنسان إذا أحب شخصًا صار يحاكيه في طريقته في الكلام، وفي خطه، ومشيته، وملبسه، وغير ذلك. فعلينا أن نملأ قلوبنا بمحبة النبي ﷺ، وهذا يحصل بإدمان قراءة سيرته، وشمائله الطاهرة، فإن من قرأ في سيرته ﷺ وتأملها، امتلأ قلبه محبة لهذا النبي الكريم. وقد كان من آثار هذه الأحداث المصاحبة للرسوم المسيئة لنبينا ﷺ أن
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الأشربة، باب جواز أكل المرق، واستحباب أكل اليقطين، وإيثار أهل المائدة بعضهم بعضا وإن كانوا ضيفانا إذا لم يكره ذلك صاحب الطعام برقم (٢٠٤١).
(٢) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٦١٥١) وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط مسلم".
[ ٢ / ٤٤٨ ]
التفت بعض الغربيين إلى سيرته، فصاروا يقرؤون عن هذه الشخصية التي ثار بسببها هذا الاحتجاج المدوي، مما أدى إلى اعتناق كثير منهم للإسلام.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لأن محبة النبي ﷺ فرع عن محبة الله، وكمال محبة الله باتباع نبيه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
فوائد الحديث:
١ - أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، خلافًا للمرجئة؛ لأن المحبة عمل قلبي، وشرطٌ في الإيمان الواجب، فهذا دليل على أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل.
٢ - أن نفي الإيمان، لا يستلزم نفي أصله، بل نفي كماله الواجب أو المستحب.
٣ - أن نفي الكمال الواجب لا يوجب الخروج من الملة، فلو قدر أن أحدًا لم يبلغ هذه المنزلة، ولم يقدم محبة النبي ﷺ على محبة ولده، ووالده، والناس أجمعين، فلا يقال إنه كافر، خلافًا للوعيدية، بل يقال: مؤمن ناقص الإيمان.
ثم قال المصنف ﵀:
ولهما: عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يُقذف في النار" (^١). وفي رواية: "لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى … " (^٢)، إلى آخره.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان برقم (١٦) ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان برقم (٤٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب الحب في الله برقم (٦٠٤١).
[ ٢ / ٤٤٩ ]
وعن ابن عباس ﵄ قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا" (^١)، رواه ابن جرير.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [سورة البقرة: ١٦٦] قال: المودة (^٢).
الشرح:
قوله: "ولهما عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث من كن فيه" " "ثلاث" دون إضافة، أي: ثلاث خصال. "من كن فيه" أي: من وجدن فيه.
قوله: "وجد بهن حلاوة الإيمان" أي: حصل له نعيم وسرور في القلب، وهي حلاوة حقيقة، ولا يلزم أن تكون كحلاوة السكر؛ لأن لكل شيء حلاوة تليق به، فللمشروب حلاوة تليق به، وللإيمان حلاوة تليق به، فحلاوة الإيمان المراد بها: ما يقوم بالقلب من فرحة، وبهجة، وبشاشة يجدها، ويشعر بها المؤمن. وهذه الخصال:
الأولى: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما": تقديم محبة الله ورسوله على سائر المحبوبات. فليعرض المرء نفسه على هذا المعيار، هل الله ورسوله أحب إليه مما تشتهيه نفسه من شهوات المأكولات، والمشروبات، والملبوسات، والمنكوحات عند التعارض؟
الثانية: "أن يحب المرء لا يحبه إلا لله": الحب في الله، بأن يحب الشخص محبة باعثها محبة الله سبحانه وبحمده، لا لأجل جاهه، ولا ماله، ولا منصبه، ولا وسامته، ولا طرافته، بل لدينه، وإيمانه، وحسن اعتقاده،
_________________
(١) لم نقف عليه من قول ابن عباس في تفسير ابن جرير، وذكره ابن رجب، وقال في التفسير المنسوب إليه (١/ ٥٠٤): "خرَّجه ابنُ جريرٍ الطبريُّ".
(٢) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر برقم (٢٤٢٣).
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وصلاحه، واستقامته، وحسن عمله، ونحو ذلك من المعاني.
الثالثة: "وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار" هذه علامة حسية، ووجد حقيقي، يدل على أن هذا الإنسان يحب الله ﷿ ونبيه محبة حقيقية. وقوله: "بعد إذ أنقذه الله منه" يدل على أنه قد كان كافرًا، فانتقل من الكفر إلى الإيمان. والمقصود: أن يكره أن يقع في الكفر بعد أن كتبه الله تعالى مؤمنًا، سواءٌ جرى منه سابق كفر أم لا، كما يكره أن يلقى في النار.
وقد جرى لبعض أصحاب النبي ﷺ وهو حبيب بن زيد، الذي بعثه النبي ﷺ إلى مسيلمة، فجعل يقطعه إربًا إربًا، ويقول له: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم، فيقول له: أتشهد أني رسول الله؛ فيقول: لا أسمع (^١)، فما زال يقطعه حتى وقع نصفه على الأرض، حتى مات ﵁، صابرًا، محتسبًا.
وجرى لبعض التابعين أيضًا، وهو أبو مسلم، عبد الله بن ثُوَب الخولاني؛ أدخله الأسود العنسي في النار، لكن الله نجاه من النار، كما نجّى إبراهيم (^٢).
فلا يزال يُوجد من عباد الله ﷿ من تكون (حلاوة الإيمان) في قلبه توجب له أن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار. وبعض مَنْ مروا بأحوال غواية وضلال، ثم منَّ الله عليهم بالهداية يجدون في قلوبهم من اللذة ما يقول أحدهم: أفضل أن أهلك، ولا أعود إلى حالي السابقة، يقع هذا كثيرًا على ألسنة المهتدين.
قوله: "وفي رواية: "لا يجد أحد حلاوة الإيمان"، هذه الرواية عند البخاري، تفيد الشرطية والحصر.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من قدم محبة الله ورسوله على محبة ما سواهما.
فوائد الحديث:
١ - أن للإيمان حلاوة حقيقية، يتذوقها من استكمل الخصال المذكورة.
_________________
(١) البداية والنهاية ط هجر (٤/ ٤١٨).
(٢) البداية والنهاية ط هجر (١١/ ٤٦٦).
[ ٢ / ٤٥١ ]
٢ - فضيلة محبة الله ورسوله، وتقديمها على محبة ما سواهما.
٣ - فضل الحب في الله. وهذا أمر ينبغي التفطن له؛ لأن بعض الناس يرى في نفسه أنه يحب فلانًا في الله ولله، وقد تكون هذه الدعوى غير صحيحة! وإنما يميل إليه لداعٍ آخر؛ كأن يحبه لماله، أو لجاهه، أو لوسامته، أو لدعابته، أو غير ذلك، فليفتش الإنسان في قلبه، ويفحص نواياه، ويحذر أن يصور له الشيطان أن انجذابه لفلان، أو علان، حب في الله، وليس كذلك.
عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقِ بالشَّامِ، فَإِذَا أَنَا بِفَتًى بَرَّاقِ الثَّنَايَا، وَإِذَا النَّاسُ حَوْلَهُ، إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ، وَصَدَرُوا عَنْ رَأْيِهِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، هَجَّرْتُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بِالْهَجِيرِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: بِالتَّهْجِيرِ، وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ، جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ. فَقَالَ: أَللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَللَّهِ. فَقَالَ: أَللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَللَّهِ. فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ، وَقَالَ: أَبْشِرْ! فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: قَالَ اللهُ ﷿: "وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ) (^١).
فقول الإنسان لصاحبه: إني أحبك في الله، دعوى سهلة، تحتاج لتحقيق، كما فعل معاذ- ﵁ مع أبي إدريس الخولاني- ﵀، فمن وجد ذلك في نفسه حقًا، وصدقًا، فليخبر أخاه، كما ورد في الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَعْلَمْتَهُ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «أَعْلِمْهُ» قَالَ: فَلَحِقَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ، فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ. (^٢) فينبغي ألا تبتذل هذه الكلمة، وتقال جزافًا.
أما الميل، فقد يكون في بعض الأحيان مباحًا، وقد يكون محرمًا، فقد
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٢٢٠٣٠) وقال محققو المسند: "حديث صحيح".
(٢) (أخرجه أبو داود في باب إخبار الرجل بمحبته إياه، برقم (٥١٢٥)، والنسائي في باب ما يقول لأخيه إذا قال إني لأحبك، في السنن الكبرى، برقم (٩٩٤٠)، وأحمد برقم (١٢٤٣٠)، (١٢٤٥٣). وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
يميل الإنسان إلى آخر لتجانسهما في الطباع؛ ولهذا جاء في الحديث: أن امرأة كانت تضحك الناس في مكة، هاجرت إلى المدينة، فنزلت على امرأة تضحك الناس في المدينة، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك، قال: "الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" (^١)، فربما وقع بين بعض الناس نوع انجذاب وتواؤم، بسبب تجانس الطباع، فلا يُثرب على أحد في هذا؛ لأن هذا في دائرة المباح، وهو غالب حال الناس. والمحذور أن يقع تعلق محرم، وهو العشق والغرام، فينجذب إليه لسبب من الأسباب الشهوانية، وقد يتمادى به الحال -عياذًا بالله- فيصبح محبة شركية؛ فإن العاشق مع معشوقه يقع منه أحيانًا نوع شرك، حتى إنه يفضل محبته على محبة الله ﷿، وقد حكى ابن القيم ﵀ في كتابه: (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) الذي يُسمى أيضًا: (الداء والدواء) أمثلة لهذا الانحراف.
فعلى الإنسان أن يحرس بوابات قلبه، لا سيما في سن الشباب، أن يتسلل، أو يدب إليه شيء من هذه النزغات الشيطانية، ففي صفوف الشباب والشابات ما يعرف الآن باسم "الانجذاب" أو "التعلق"، أو غير ذلك، فإن هذه من مصايد الشيطان، فينبغي أن يحذر منها غاية الحذر.
٤ - محبة خصال الإيمان والمؤمنين.
٥ - بغض خصال الكفر والكافرين.
ثم قال ﵀: "وعن ابن عباس ﵄ قال: من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله" أربع جمل شرطية متعاطفة.
قوله: " فإنما تنال ولاية الله بذلك" جواب الشرط، على هيئة جملة، والتقدير: نال ولاية الله.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب الأرواح جنود مجندة برقم (٣٣٣٦) من حديث عائشة. ومسلم في كتاب البر والصلة، باب الأرواح جنود مجندة (٢٦٣٨) من حديث أبي هريرة.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
الولَاية، بفتح اللام، تعني: المودة، والنصرة، وبكسرها، تعني الإمارة. والمراد الأول. فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، كم وصف الله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وولاية الله ﷿ تكون من الله للعبد، ومن العبد للرب، فولاية العبد للرب تكون بما تقدم: بأن يحب في الله، ويبغض في الله، ويوالي في الله، ويعادي في الله. وولاية الرب للعبد تكون بمحبته إياه، ولطفه به، وإدخاله جنته، وغير ذلك مما يصنعه الله لعبده المؤمن.
والمعاداة لها صورتان:
الأولى: البغض القلبي، كما قال تعالى عن إبراهيم والذين معه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
الثانية: المنابذة العملية: وتكون باللسان، وبالفعال، كالجهاد في سبيل الله ﷿.
قوله: "ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك" دلّ ذلك على أن الإيمان يتفاضل، وأن من الناس من تكثر صلاته وصومه، لكن لا يتذوق طعم الإيمان، وسر ذلك: أنه قد يُؤدي بعض الأعمال على سبيل العادة والتكرار، فهذه الأعمال القلبية من: الحب، والبغض، والموالاة، والمعاداة هي التي تذكي جذوة الإيمان، وبها يجد المرء طعمه.
قوله: "وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا " من تمام كلام ابن عباس- ﵄ أي: أكثر تآخي الناس وصلاتِهم. يقول ابن عباس هذا في زمانه، مع بقايا الصحابة وخيار التابعين، فكيف بمن بعدهم؟!
وقد كان الرعيل الأول يتآخون في الله؛ ومن شواهد ذلك: أنه لما وقعت غزوة بدر، أسر المسلمون عددًا من المشركين، فكان ممن أُسر حبيب بن عمير، أخو مصعب بن عمير، أسره رجل من الأنصار، فمر مصعب ﵁ وكان صاحب الراية، فلما رآه أخوه حبيب فرح، ظنًا أنه سيفكه من الأسر، فلما حاذاه وهو يرمقه، قال مصعب بن عمير للأنصاري: "شد يديك به، فإن أمه ذات متاع،
[ ٢ / ٤٥٤ ]
لعلها تفديه منك" (^١)، فظن حبيب أن مصعبًا لم يعرفه، فقال: يا مصعب أنا أخوك، قال: هو أخي قبلك. فأخوة الإيمان مقدمة على إخوة النسب؛ ولهذا يروى أن من المسلمين من قتل أخاه، وابن عمه، في الغزوات، نصرة لدين الله.
قوله: "وذلك لا يجدي على أهله شيئًا" أي: لا ينفعهم، بل يضرهم، كما قال الله ﷿: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] فكل خلة في الدنيا تنقلب عداوة يوم القيامة، إلا خلة التقوى، فإنها ثابتة باقية.
قوله: "وقال ابن عباس: في قوله: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ يعني: المودة" فالأسباب: جمع سبب، وهي حبال المودة.
مناسبة الأثر للباب:
من ناحيتين:
الأولى: تحقيق محبة الله ﷿، وما يتعلق بها من محبة أوليائه، وبغض أعدائه، بالقلب.
والثانية: مناصرة أولياء الله، ومعاداة أعدائه، بالعمل، فلا تتحقق ولاية الله إلا بهذين الشرطين.
فوائد الأثر:
١ - ذكر الأسباب التي تنال بها ولاية الله، وتنال بها محبته.
٢ - إثبات المحبة من الجانبين، فالرب سبحانه يُحَب، ويُحِب، يحبه أولياؤه، ويحب أولياءه، لكن له سبحانه محبة ليست كمحبة المخلوق، فمحبة المخلوق فيها نوع انعطاف، ورقة، ولين، والله تعالى ليس كذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فله سبحانه محبة تليق به نثبت حقيقتها، ولا ندرك كنهها، وندرك آثارها.
٣ - فضل الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله. فينبغي للإنسان أن يحقق هذه الخصال الشريفة. جاء في الأثر: "أن
_________________
(١) البداية والنهاية ط هجر (٥/ ١٩١).
[ ٢ / ٤٥٥ ]
ملكًا أمر أن يخسف بقرية، فقيل: يا رب إن فيها فلانًا العابد، فأوحى الله: أن به فابدأ، فإنه لم يتمعر وجهه فيّ ساعة قط" (^١)، فمن مقاييس محبة الله ﷿ أن ينظر المسلم كيف يكون قلبه حين تنتهك حرمات الله، وكيف يكون قلبه حين يستنصر لدين الله، وهل يبتهج قلبه حين يرى أولياء الله، وهل ينقبض قلبه لرؤية أعداء الله؟ بهذا تظهر أثر الولاية الحقيقية لله ﷿.
٤ - ذم التآخي والتلاقي على أمر الدنيا، وأن يقيم العبد ذلك على أساس الحب في الله.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة.
وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ المتضمنة الشرك في المحبة.
الثانية: تفسير آية براءة.
وهي آية المحبوبات الثمانية، ووعيد من قدمها على محبة الله، ورسوله، وجهاد في سبيله.
الثالثة: وجوب تقديم محبته ﷺ على النفس والأهل والمال.
كما قال ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".
الرابعة: نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام.
أي في قوله: "لا يؤمن أحدكم"، بل هو نقص في الإيمان الواجب.
_________________
(١) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء (ص: ٤٦).
[ ٢ / ٤٥٦ ]
الخامسة: أن للإيمان حلاوة، قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها.
كما في حديث: "ثلاث من كن فيه" فقد توجد في بعض المؤمنين، وقد لا توجد؛ ولهذا قال ابن عباس ﵄: "وإن كثرت صلاته وصيامه" مع أن هذا المصلي الصائم من جملة المؤمنين.
السادسة: أعمال القلب الأربع التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها.
وهي: الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله، فلا يجد أحد طعم الإيمان إلا بهذه الأربع، كما قال ابن عباس-﵄
السابعة: فهم الصحابي للواقع: أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا.
أي: أنّ ابن عباس ﵄ كان ملمًا بحال الناس، وأنه فشا فيهم التآخي، وإقامة الصلات على أمور الدنيا. فينبغي لطالب العلم أن يعي حال مجتمعه.
الثامنة: تفسير: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾.
فقد فسّرها ابن عباس ﵄ بالمودة، كما قال الله ﷿: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥].
التاسعة: أنّ من المشركين من يحب الله حبًا شديدًا.
يُؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ يحبون أندادهم كما يحبون الله ﷿ لكنه حب لا ينفعهم؛ لأنهم أشركوا معه غيره.
العاشرة: الوعيد على من كان الثمانية أحب إليه من دينه.
الثمانية هي: الآباء، والأبناء، والإخوان، والأزواج، والعشيرة، والأموال، والتجارة، والمساكن؛ والوعيد قوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].
[ ٢ / ٤٥٧ ]
الحادية عشرة: أنّ من اتخذ ندًا تساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر.
أي: أن من سوى غير الله، بالله في المحبة، فقد أشرك شركًا أكبر؛ لأن المحبة عبادة.
[ ٢ / ٤٥٨ ]