قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي (^١).
وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا (^٢).
وقال قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا (^٣).
وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه: إن الله تعالى قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر" (^٤) … الحديث، وقد تقدم، وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به، قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقًا (^٥)، ونحو ذلك، ممن هو جارٍ على ألسنة كثير.
الشرح:
قوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: المشركون يعرفون ما أنعم الله تعالى به عليهم من الصحة، والمال، والمسكن، والأنعام، والسرابيل، وغيرها، مما عدده الله في سورة النحل، التي تسمى سورة النِّعم، ثم يقابلون ذلك بكفرها، ونسبتها إلى غير المنعم بها سبحانه. وقيل: إن
_________________
(١) بنحوه في تفسير ابن أبي حاتم برقم (١٢٦٢١) وتفسير القرطبي (١٠/ ١٦١) وزاد المسير في علم التفسير (٢/ ٥٧٧).
(٢) بنحوه في تفسير ابن أبي حاتم برقم (١٢٦٢٢) وتفسير القرطبي (١٠/ ١٦١).
(٣) زاد المسير في علم التفسير (٢/ ٥٧٧).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم برقم (٨٤٦) ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء برقم (٧١).
(٥) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٣).
[ ٢ / ٥٦٥ ]
المراد بالنعمة: محمد ﷺ، فقد أنعم الله عليهم ببعثته، وعرفوا صدقه، وأمانته ثم أنكروه، وكفروا به. روى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ. قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ. ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ، حَتَّى بَلَغَ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ فَوَلَّى الْأَعْرَابِيُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^١)
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
من صور الشرك المنافي للتوحيد الواجب إسناد النعم لغير الله.
قوله: "قال مجاهد" مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المخزومي، مولاهم المكي، ثقة، إمام في التفسير، مات بعيد المائة، ﵀.
قوله: "ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي" هذا من تفسير الشيء بمثاله، فعدّ مجاهد ﵀ قول الإنسان: "هذا مالي ورثته عن آبائي" من نكران نعمة الله، حيث لم يسند النعمة إلى مسديها، وهو الله ﷿، وإنما جعل هذا مالًا متسلسلًا إليه، ولم يرعَ فيه نعمة الله ﷾، بإضافة النعمة إليه سبحانه، والثناء بها عليه ..
قوله: "وقال عون بن عبد الله" عون بن عبد الله الهذلي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة، عابد، كانت مات قبل عشرين ومائة، ﵀.
قوله: "لولا فلان لم يكن كذا" (لولا) حرف امتناع، فعلّق عدم الحصول بفلان. فهو عنده السبب في حصول المطلوب، أو دفع المرهوب، وفي هذا إسناد الفضل إلى غير مسديه، وهو الله ﷾.
"وقال ابن قتيبة" هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، حافظ، أديب، يوصف بأنه خطيب أهل السنة، كما كان الجاحظ خطيب المعتزلة، وله مؤلفات نافعة، مات سنة ست وسبعين ومائتين، ﵀.
_________________
(١) (انظر: الدر المنثور للسيوطي: (٥/ ١٥٥)
[ ٢ / ٥٦٦ ]
قوله: "يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا" أي: ما يحصل لهم من النعم المذكورة في سورة النحل يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا. فهذه التفاسير التي ذكرها المصنف ﵀ عن مجاهد، وعون بن عبد الله، وابن قتيبة، كلها تدل على المراد بقوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ أن إنكارها يكون بنسبتها إلى غير الله ﷿.
فوائد الآية:
١ - أن المشركين مقرون بتوحيد الربوبية؛ لأن الله تعالى أثبت لهم المعرفة فقال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ ولكنهم يشركون بتوحيد العبادة؛ ولذلك لم يقع في قلوبهم شكر المنعم ونسبة الفضل إليه.
٢ - وجوب نسبة النعم إلى الله ﷿، وإضافتها إليه، لا إلى السبب الظاهر.
٣ - التحذير من نسبة النعم إلى غير الله ﷿، وأن ذلك شرك منافٍ للتوحيد.
٤ - التأدب مع الله ﷿ بالألفاظ.
٥ - الرد على القائلين بالصدفة من الملاحدة (الصدفيون)، الذين ينسبون الحوادث إلى الصدفة، إلا أن يقصد القائل: أن ذلك وقع اتفاقًا على غير تخطيط مسبق منه، لكن لو اعتقد: أن الصدفة مؤثرة بطبعها، أو أن الأمور تقع خبط عشواء، فإن هذا شرك في الربوبية.
٦ - الرد على القائلين بالطبيعة من الملاحدة (الطبائعيون)، الذين ينسبون الحوادث إلى الطبيعة، ويقول: غضبت الطبيعة، أو أبدعت الطبيعة كذا وكذا، فهذا شرك في الربوبية.
قوله: "وقال أبو العباس" شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذه مجرد كنية، وليس له ولد. ﵀.
قوله: "بعد حديث زيد بن خالد، الذي فيه: إن الله تعالى قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر" " الحديث قد تقدم في باب: ما جاء في الاستسقاء بالأنواء.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
قوله: "وهذا كثير في الكتاب والسنة؛ يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به" أي شواهد ذلك كثيرة، كقول قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] وقول عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، وقول المترفين: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ [سبأ: ٣٥]
قوله: "قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقًا" الملاح هو ربان السفينة. نسبوا السلامة إلى طيب الريح، وحذق الربان، ونسوا مجري الرياح، ومعلم الإنسان.
قوله: "ونحو ذلك، مما هو جارٍ على ألسنة كثير". أراد-﵀ أن يُبيّن أن أمثال هذه التعبيرات فاشية في كلام الناس، وسارية على ألسنتهم، لا يفطنون لها. وينبغي للمؤمن اليقظ الذي يتحسس قلبه بحس الإيمان فلا يطلق هذه الكلمات على عواهنها، بل يقيدها بالقيود الإيمانية، المقرة بالفضل لله رب العالمين.
فوائد الآيات:
١ - وجوب إسناد النعم إلى الله تعالى.
٢ - الحذر من التساهل في الألفاظ.
٣ - إن مثل هذه الكلمات تعد إنكارًا للنعمة.
وتفسير بعض السلف كعون بن عبد الله، وغيره، يدل على أنه لا يجوز أن يقول الإنسان: لولا فلان، والصواب أنّ هذه المسألة لها حالات:
الأولى: إن كان الحامل له على هذا مجرد الخبر فلا بأس به، ويدل على ذلك أن العباس سأل النبي ﷺ فقال: "إن عمك أبا طالب كان يحوطك فهل نفعته بشيء" فقال: "هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" (^١)، فقال: "لولا أنا" وهذا خرج مخرج الخبر المجرد فلا بأس به.
الثانية: أن يقصد بها السببية لا مجرد الخبر، فلها حينئذٍ ثلاث حالات:
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب برقم (٣٨٨٣) ومسلم في الإيمان، باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب برقم (٢٠٩).
[ ٢ / ٥٦٨ ]
الأولى: أن يكون سببًا خفيًا غير متعقل ولا مدرك، ولا تأثير له إطلاقًا، فهذا شرك أكبر، كأن يقول مثلًا: لولا الولي الفلاني لم نمطر، ولولا وجود مقام فلان أو قبر فلان لأتانا العدو، أو نحو ذلك، فهذا شرك أكبر؛ لأنه نسبه إلى سبب غير ظاهر ولا متعقل، ولا مدرك، ولا يصلح أن يكون سببًا إطلاقًا.
الثانية: أن يضيفه إلى سبب ظاهر، لكن لم يثبت كونه سببًا؛ لا حسًا، ولا شرعًا، مثل قول من قال: "مطرنا بنوء كذا" (^١)، فأضافه إلى النوء، ومثل من يعلق القلائد على رقاب البهائم أو الصبيان، دفعًا للعين، فقد أضافه إلى سبب ظاهر، لكن هذا السبب منزوع السببية، لم يجعله الله سببًا لا بالشرع ولا بالحس، فهذا شرك أصغر.
الثالثة: أن يضيفه إلى سبب حقيقي؛ إما شرعي، وإما حسي، فهذا جائز، بشرطين:
الأول: إن لا يعتقد أن السبب مؤثر بذاته وطبعه.
الثاني: أن لا يتناسى المنعم وهو الله -سبحانه تعالى-، ونضرب لذلك مثلًا: رجل استعمل العسل للتداوي من مرض، فشفاه الله تعالى، وقد علم أن الله تعالى ذكر العسل من أسباب الشفاء، فقال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]. وكذا قال النبي ﷺ: "الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل … " (^٢)، فقال: لولا العسل وإلا ما شفيت من هذا المرض، فقد أحال إلى سبب ظاهر، جعله الله سببًا حسيًا، فهذا لا بأس به، لكن بشرط: أن لا يعتقد أن هذا الدواء -أي: العسل- مؤثر بنفسه، وأن لا يتناسى المنعم الذي أودع فيه هذه الخاصية.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الشفاء في ثلاث برقم (٥٦٨١) عن ابن عباس واللفظ له. ومسلم في كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي برقم (٢٢٠٥) عن جابر.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها.
معرفة النعمة بالإقرار بالقلب بها، وإنكارها يكون بجحدها باللسان، وعدم إضافتها إلى المنعم سبحانه.
الثانية: معرفة أن هذا جارٍ على ألسنة كثير.
كما في الأمثلة المذكورة: "هذا مالي ورثته عن آبائي" و"لولا فلان" و"كانت الريح طيبة والملاح حاذقًا" وغيرها مما يجري على ألسنة الناس كثيرًا، حينما يفسرون بعض الظاهرات.
الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكارًا للنعمة.
لقوله تعالى: ﴿يعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣]
الرابعة: اجتماع الضدين في القلب.
اجتماع الضدين في القلب؛ لقوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ فجمع بين المعرفة والإنكار، فقد يجتمع في الشخص الواحد خصلة إيمان، وخصلة كفر، وخصلة فسوق، وخصلة طاعة، وهذا قد وقع من المشركين، فهم يعرفون النعمة، ولكنهم ينكرونها.
[ ٢ / ٥٧٠ ]