عن قتيلة أن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون؛ تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: "ورب الكعبة"، وأن يقولوا: "ما شاء الله، ثم شئت" (^١)، رواه النسائي وصححه.
وله أيضًا: عن ابن عباس- ﵄ أن رجلًا قال للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني لله ندًا، بل ما شاء الله وحده" (^٢).
ولابن ماجه عن الطفيل -أخي عائشة لأمها- قال: رأيتُ كأني أتيت على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزيرًا ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررتُ بنفر من النصارى، فقلتُ: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيتُ النبي ﷺ فأخبرته، فقال: "هل أخبرتَ بها أحدًا؟ " قلتُ: نعم، قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: فإن طفيلًا رأى رؤيا، أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها،
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن الصغرى كتاب الأيمان والنذور، الحلف بالكعبة برقم (٣٧٧٣)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم (٧٨١٥)، والبيهقي في السنن الكبرى برقم (٥٦٠٢)، وأحمد ط الرسالة برقم (٢٧٠٩٣)، وصححه الألباني.
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى في كتاب عمل اليوم والليلة، ذكر الاختلاف على عبد الله بن يسار فيه برقم (١٠٧٥٩) بلفظ عدلًا بدل ندًا. وأخرجه ابن ماجه في كتاب الكفارات، باب النهي أن يقال: ما شاء الله وشئت، برقم (٢١١٧) وأحمد ط الرسالة برقم (١٨٣٩) وقال الألباني: "حسن صحيح".
[ ٢ / ٥٨٤ ]
فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده" (^١).
الشرح:
قال المصنف ﵀: "باب: قول: ما شاء الله وشئت" مضمون هذا الباب قد تقدم في باب سبق، وهو باب: قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] ومناسبته كمناسبة ما قبله.
قوله: "عن قتيلة" هي بنت صيفي الجهنية، ويقال: الأنصارية
قوله: "إن يهوديًا أتى للنبي ﷺ فقال: إنكم تشركون" مراده بذلك الشرك الأصغر؛ لأن ذلك متعلق بالألفاظ.
قوله: "تقولون: ما شاء الله وشئت وتقولون: والكعبة" فسّر اليهودي دعواه بهذين المثالين، وصدق! وربما قال ذلك على سبيل العيب والتنقص، وهذا هو الأغلب، وربما قاله على سبيل الإنكار المحض، ذلك أن اليهود أعلم من النصارى بباب التوحيد، ولهذا جاء في سفر الخروج، ذكر الوصايا العشر، وفيها: (لا يكن لك آلهة أخرى تُجاهي. لا تصنع لك منحوتًا، ولا صورة شيءٍ مما في السماء من فوق، ولا مما في الأرض من أسفل، ولا مما في المياه من تحت الأرض. لا تسجد لها ولا تعبدها، لأني أنا الرب إلهك إله غيور … لا تلفظ اسم الرب إلهك باطلًا، لأن الرب لا يُبَرِّئُ الذي يلفظ اسمه باطلًا) (^٢)
قوله: "فأمرهم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: "ورب الكعبة" وأن يقولوا: "ما شاء الله، ثم شئت" صحح النبي ﷺ لفظ: "والكعبة" إلى "ورب الكعبة"، فنقله من حلف بمخلوق إلى حلف بالخالق، وصحّح لفظ: "ما شاء الله وشئت" من التسوية بالواو إلى "ما شاء الله، ثم شئت" فجعلها مُرتّبة.
قوله: "رواه النسائي وصححه" وممن رواه أيضًا أحمد، والحاكم،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الكفارات، باب النهي أن يقال: ما شاء الله وشئت برقم (٢١١٨) وصححه الألباني.
(٢) (العهد القديم: سفر الخروج: (٢٠/ ٣ - ٧) ط: دار المشرق. بيروت. ١٩٩٤ م
[ ٢ / ٥٨٥ ]
والبيهقي، وقال ابن حجر: "وسنده صحيح" (^١).
مناسبة الحديث للباب:
مطابق للترجمة، لما تضمنه من نهي النبي ﷺ عن هذه الكلمة؛ لأنها من الشرك الأصغر.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن هذا اللفظ: "ما شاء الله وشئت" لما فيه من التسوية بين الخالق والمخلوق.
٢ - النهي عن الحلف بالكعبة، وكل معظم؛ لإقرار النبي ﷺ اليهودي على دعواه.
٣ - معرفة اليهود للشرك الأصغر، وما يقدح في التوحيد الواجب.
٤ - أن صاحب الهوى يعرف الحق، فاليهود لا شك أنهم قوم بهت، وأصحاب هوى، وأكلة سحت، ولكن إذا كان لهم هوى في الأمر تكلموا بالحق.
٥ - قبول الحق ممن جاء به، وإن كان عدوًا، وإن وقع منه ذلك على سبيل اللوم والانتقاص، فإن المؤمن أسعد الناس بالحق، كما جاء في الأثر: "الحكمة ضالة المؤمن، حيثما وجدها فهو أحق بها" (^٢)؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] فالواجب: أن نقبل الحق ممن جاء به، ولا نرده لأنه صدر من فلان، بل ننظر في القول، فإذا رأيناه موافقًا للحق قبلناه، وإن رأيناه مخالفًا رددناه، وبالمقابل لو أخطأ من نحب، لم نقبل خطأه لمحبتنا إياه؛ لأن الحق أحب إلينا منه.
٦ - أن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة؛ لأنه لا يقتضي كفرًا.
_________________
(١) الاصابة في تمييز الصحابة (٨/ ١٦٩).
(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب الحكمة برقم (٤١٦٩) والترمذي ت شاكر في أبواب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة برقم (٢٦٨٧) وقال الألباني: "ضعيف جدًا".
[ ٢ / ٥٨٦ ]
٧ - أنه ينبغي لمن سد بابًا من الحرام أن يفتح بابًا من الحلال، فلما نهاهم النبي ﷺ عن هاتين الصيغتين: "والكعبة" و"ما شاء الله وشئت"، فتح لهما بابًا آخر، وهو البدل بأن يقولوا: "ورب الكعبة" و"وما شاء الله ثم شئت". مثال ذلك:: لو استفتاك إنسان يريد تمويلًا، هل يجوز أن أقترض بفائدة؟ فلا ريب أنك ستنهاه، وتقول: أكل الربا من السبع الموبقات، لكن افتح له بابًا آخر، ومره بالتكسب، أو القرض الحسن، إن تيسر له، فإن لم يجد، فمره بالتورق، بأن يشتري سلعةً من مالكها، بثمن مؤجل، أعلى مما هو عليه نقدًا، ثم يقوم ببيعها؛ لا على من اشتراها منه، ولا على وسيطه، ولكن يبيعها على الناس، ويقبض ثمنها، ويرتفق به، ويقضي حاجته، ويقوم بسداد ما عليه إلى أجل. فينبغي للمفتي أن يتفطن لهذا المعنى. على أن من المنهيات ما لا يكون له بدل، فيتعين اجتنابها، كما قال النبي ﷺ: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم" (^١).
٨ - إثبات المشيئة لله، واثبات المشيئة للعبد، وفي هذا رد على طرفي الضلالة في باب أفعال الله، وهما: القدرية الذين ينكرون مشيئة الله ﷿، والجبرية: الذين ينكرون مشيئة العبد، فكان الوسط: إثبات مشيئة للمخلوق، تابعة لمشيئة الله، كما قال الله ﷿: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩].
قوله: "وله أيضًا، عن ابن عباس: أن رجلًا قال للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده" " هذا الحديث قد رواه النسائي، ورواه أيضًا الإمام أحمد، وابن ماجه، وهو حديث صحيح. وقول النبي ﷺ للرجل: "أجعلتني لله ندًا؟ " استفهام خرج مخرج الإنكار، ومعنى: "ندًا" أي: عِدلًا وشريكًا، ولا شك أن الرجل لم يرد ذلك، وإن كان قد وقع فيه، وهذا يدل على أنه ربما قال الإنسان كلمة الكفر، ولا يكون بها كافرًا، وربما فَعَلَ الكفر ولا يكون بفعله كافرًا، وذلك لقيام مانع من الموانع، كالجهل وغيره.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ برقم (٧٢٨٨) ومسلم في كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر. وفي كتاب الفضائل، باب توقيره ﷺ وترك إكثار سؤاله مما لا ضرورة إليه … برقم (١٣٣٧).
[ ٢ / ٥٨٧ ]
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، لأن فيها النهي عن هذه اللفظة بعينها "ما شاء الله وشئت" التي تدل على التسوية.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن قول: "ما شاء الله وشئت" وما أشبه ذلك، مما عُطف بالواو.
٢ - وجوب إنكار المنكر؛ قوليًا كان أو فعليًا، ولا يجوز للعالم أو من علم مسألة أن يقرَّ الخطأ، فقد كان من منهج النبي ﷺ ألا يدع شاذة ولا فاذة، يحتاج الناس إلى بيانها إلا بينها وقت الحاجة، ولا يمر بموقف من المواقف فيه خطأ، إلا ونبه عليه. وهكذا ينبغي لأهل العلم: ألا يدعوا الكلمات والتصرفات الخاطئة، تمر مرورًا عابرًا، دون أن يقوموا بالبيان والتصويب، مع الرفق، والحكمة، والشفقة على الخلق، فيحصل بذلك نشر الخير والصواب.
٣ - حرص النبي ﷺ على صيانة التوحيد، وحماية جنابة في الأمور السهلة، والصعبة.
٤ - أنه لا يلزم من قول كلمة الكفر أن يكون قائلها كافرًا، فإن التكفير حكم عظيم لا يجوز إلا بتوفر الشروط، وانتفاء الموانع.
ثم قال المصنف ﵀:
"ولابن ماجه، عن الطفيل، أخي عائشة لأمها" الطفيل بن عبد الله بن الحارث بن سخبرة الأسدي، نسبة إلى الأَزْد؛ قبيلة عربية مشهورة، والسَّخْبر: نَبْت، وهو أخو عائشة وعبد الرحمن بن أبي بكر لأمهما أم رومان؛ لأن أبا بكر ﵁ تزوجها بعد عبد الله بن الحارث بن سخبرة، وللطفيل هذا صحبة، روى عن رسول الله ﷺ حديثًا واحدًا، رواه عنه ربعي بن خراش، وهو هذا الحديث. ولعل المصنف ﵀ نبّه بقوله: "أخي عائشة لأمها" لأن الطفيل بن سخبرة اثنان، أحدهما: له صحبة، وهو هذا أخو عائشة لأمها، والثاني ليس بصحابي، يحدث
[ ٢ / ٥٨٨ ]
عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، روى عنه حماد بن سلمة (^١).
قوله: "قال: رأيتُ" أي في المنام، فهي رؤية منامية.
قوله: "كأني أتيتُ على نفر من اليهود" النفر: الرهط والجماعة.
قوله: " فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله" كأنما يقول: نعم القوم أنتم لولا كذا وكذا. والذي عابهم به هو أمر عظيم، وهم أنهم ينسبون لله الولد، تعالى الله عن ذلك علوًّ كبيرًا. وهذا كفر صراح. قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]
قوله: "قالوا: وإنكم" أي: يا معشر المسلمين.
قوله: "لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد" فردوا عليه بجنس ما عابهم به، وإن كان لا سواء بين القضيتين؛ فأين قول: "عزير ابن الله" وهو كفر أكبر، من قول: "ما شاء الله، وشاء محمد" وهو نوع من الشرك الأصغر؟
قال: "ثم مررتُ بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله" وهذه مقالتهم المشهورة، المستقرة عنهم إلى يومنا هذا، وقد أكفرهم الله بها كما تقدم، قوله: "قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد" كما قال يهود. قوله: "فلما أصبحتُ أخبرتُ بها من أخبرتُ، ثم أتيتُ النبي ﷺ، فأخبرته، فقال: "هل أخبرتَ بها أحدًا؟ " قلتُ: نعم، قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعدُ" " لم يُنكر النبي ﷺ على الطفيل كونه حدّث بها؛ لأن هذا مما جرت به طبائع الناس؛ أن يحدثوا برؤاهم، وإنما سأله ليرى ﷺ هل ذاع الخبر وانتشر،
_________________
(١) ينظر: تلقيح فهوم أهل الأثر (ص: ٤٥١) (ص: ٢٣١) والوافي بالوفيات (١٤/ ١٠٤) والتاريخ الكبير للبخاري بحواشي المطبوع (٤/ ٣٦٣) والثقات للعجلي (ص: ٢٣٤) ومعجم الصحابة للبغوي (٣/ ٤٣٠) والمتفق والمفترق (٢/ ١٢٤٢) والاشتقاق (ص: ٥٠٥) والثقات لابن حبان (٤/ ٣٩٧).
[ ٢ / ٥٨٩ ]
فيستدعي البيان والتعقيب؛ لأنه المشرّع للأمة، فلما علم أنه قد حدّث بها، صعد المنبر، وحمد الله، وأثنى عليه، وهذا يدل على أن من أراد أن يخطب فليبدأ بحمد الله، والثناء عليه، ثم يقول: (أما بعد) أي: مهما يكن من شيء.
قوله: "فإن طفيلًا رأى رؤيا، أخبر بها من أخبر منكم" هذا يدل على أن رؤيا الطفيل، رؤيا حق؛ لأن النبي ﷺ اعتمدها وأقرها، وعمل بمقتضاها. والرؤيا لا تستقل بإثبات الأحكام، ولكن لما قصها على النبي ﷺ، وأقر مضمونها، دل على أنها رؤيا حق.
والرؤيا ليست كالحلم، فالحلم من الشيطان، والرؤيا من الله، وهي عبارة عن أمثال، ورموز، يضربها الملك للمؤمن في منامه، فتقع في نفسه موقعًا، ويكون لها دلالة؛ ولهذا كان النبي ﷺ يحتفي بالرؤى، وإذا أصبح قال: "أيكم رأى رؤيا؟ " (^١)، فيطلب منهم أن يقصوا عليه مما رأوه. وكان هو أيضًا ﷺ يحدثهم بما رأى من مرائي، وبعضها طويل، وكان ﷺ يُعبّر الرؤى أحيانًا. فلا بأس أن يخبر الإنسان برؤياه، ولا بأس أن يطلب لها التعبير، إلا أنه قد وقع في الأزمنة الأخيرة توسع بالغ في هذا، من قبل الرائين، والمعبرين؛ فبعض الرائين لا يميزون بين الحلم والرؤيا؛ فكلما رأى شيئًا في المنام ظنه رؤيا، مع أن ما يراه الإنسان في المنام ربما كان رؤيا، وربما كان حلمًا مزعجًا مؤذيًا من الشيطان، وربما كان مما يحدث به نفسه في اليقظة، فيراه في المنام، وهذا كثير، بل هو الغالب. وصار كثير من الناس، لا سيما النساء، يكثرن من طلب التعبير للأحلام، ولا ينبغي للإنسان أن يشغل نفسه بذلك، فإن جزءًا منها من الشيطان؛ ولهذا قال ﷺ: "الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئًا يكرهه، فلينفث حين يستيقظ ثلاث مرات، ويتعوذ من شرها، فإنها لا تضره" (^٢). قال أبو سلمة ابن عبد الرحمن ﵀، وهو أحد رواة الحديث: "وإن كنتُ لأرى الرؤيا أثقل عليّ من الجبل، فما هو إلا أن سمعتُ هذا الحديث فما أباليها" (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب في الخلفاء برقم (٤٦٣٥) وصححه الألباني.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب النفث في الرقية برقم (٥٧٤٧) ومسلم في أول كتاب الرؤيا برقم (٢٢٦١).
(٣) المرجعان السابقان.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
ومن توسع المعبرين، أنهم أنشؤوا مواقع على الانترنت، وبرامج فضائية، وتفرغوا للتعبير، وتوفروا عليه، وربما صاحب ذلك حظوظ الدنيا، حتى باتت نوعًا من الاسترزاق عن طريق رسائل الجوال الباهظة الثمن، أو حبًا للتصدر والذكر. فكل هذا مما حدث في الأزمنة الأخيرة، ولم يكن المعبرون فيما مضى ينصبون أنفسهم، ويتعرضون للتعبير. فعلى الإنسان أن يعتدل، فلا يهون من شأن الرؤى، ويردها، ويسخر منها، كما قد يقع من بعض الناس، ولا يغالي فيها، حتى يجعلها شغله الشاغل، ويعيش في دوامة من القلق والظنون، فتوهن عزمه، وتفت عضده، فتكثر عليه المخاوف.
قوله: "وإنكم قلتم كلمة يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها" أي: أن النبي ﷺ كان يمنعه الحياء أن يجابههم بالنهي عنها؛ وذلك أن النبي ﷺ كان رجلًا حييًا، أشد حياء من العذراء في خدرها، والحياء ليس نقصًا، بل هو من الإيمان، ودليل حياة القلب، وإنما سُمي الحياء حياء لأنه علامة حياة القلب؛ ولذلك يُسمى المطر حياءً؛ لأن الأرض تحيا به. فإذا كان الإنسان حييًا، دل ذلك على صحة قلبه، ولهذا كان النبي ﷺ وجهه مرآة قلبه، فما وقع في قلبه ظهر على محياه لصدقه، فكان إذا فرح تهلل وجهه حتى كأنه مذهبة، وانفرجت أساريره، وإذا حزن، أو رابه شيء، عرف ذلك في وجهه، وهذا دليل الصدق. ومن الناس من لا يظهر عليه أي تعبير، ولا تعرف أراضٍ هو أم ساخط؟ وهذا يوجب الريبة، فلا يطمئن إليه محدثه، ومن يتعامل معه.
والمقصود، أن الحياء منعه أن يجابههم بالنهي. ومن شواهد ذلك: أنه ﷺ رأى على رجل صفرة، فكرهها، وكره أن يجبهه بذلك، فلما ولّى الرجل قال لأصحابه: "لو أمرتم هذا أن يغسل هذه الصفرة" قال الراوي: "وكان لا يكاد يواجه أحدًا في وجهه بشيء يكرهه" (^١).
وها هنا إشكال! فربما قال قائل: لم أخّر النبي ﷺ البيان؟ هل الحياء يمنع من بيان الحق؟ الجواب أن يقال: لأن هذه المسألة لم يأتِ فيها حكم صريح بعد، وإلا فإنه لو بلغ النبي ﷺ حكم من الله بتحريم ذلك ما تأخر عن البيان،
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (١٢٣٦٧) وقال محققو المسند: "إسناده حسن".
[ ٢ / ٥٩١ ]
فلما بلغته هذه الرؤيا رآها قاطعة حاسمة، فأعلن في الناس أن لا يقولوا: "ما شاء الله وشاء محمد" بل يقولوا: "ما شاء الله وحده".
مناسبة الحديث الباب.
مطابقة، لنهي النبي ﷺ عن التشريك في المشيئة، والأمر بالتوحيد فيها.
فوائد الحديث:
١ - العناية بالرؤى، وكونها سببًا لتشريع بعض الأحكام في عهد النبوة.
٢ - أن قول: "ما شاء الله وشئت" من الشرك الأصغر.
٣ - معرفة اليهود بموارد الشرك وأسبابه، مع وقوعهم في الشرك الأكبر.
٤ - بيان آداب الخطبة، من حمد الله، والثناء عليه، وقول: (أما بعدُ).
٥ - إسناد القول إلى قائله، وعدم الإبهام لغير ما موجب.
٦ - أن قول: (ما شاء الله وحده) أفضل من قول: (ما شاء الله، ثم شئت) على أن قول: (ما شاء الله ثم شئت) جائز.
٧ - أن الأمر إذا شاع وانتشر، فلا بد فيه من بيان عام. ولهذا يجب على أهل العلم، والمراجع العلمية، ودور الفتيا، في بلاد المسلمين إذا فشا بين ظهراني المسلمين ما يستلزم البيان أن يبادروا إلى ذلك،، ولا يدعوا الأمر ملتبسًا، يتكلم فيه من هب ودب بما شاء، فيصبح الناس في حيص بيص، كما يلاحظ في بعض الفتاوى الشاذة المتداولة.
٨ - بيان خلق كريم من أخلاق النبي ﷺ، وهو الحياء.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: معرفة اليهود للشرك الأصغر.
لإنكار اليهود على المسلمين قولهم: "ما شاء الله وشئت".
[ ٢ / ٥٩٢ ]
الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى.
كما فهمت يهود، وميزوا الصحيح والباطل من الألفاظ؛ لما كان لهم هوى التنقص واللوم.
الثالثة: قوله ﷺ: "أجعلتني لله ندًا؟ " فكيف بمن قال: مالي من ألوذ به سواك … والبيتين بعده؟ (^١).
أي: إذا كان النبي ﷺ أنكر على من قال: "ما شاء الله وشئت" وقال: "أجعلتني لله ندًا؟ " فكيف بمن قال: ما هو أعظم من ذلك؟! وألمح المصنف ﵀ إلى أبيات البوصيري التي غلا فيها في مدح النبي ﷺ إذ يقول:
يا أكرَمَ الرُّسْلِ ما لي مَنْ أَلُوذُ به … سِوَاكَ عندَ حلولِ الحادِثِ العَمِمِ
إنْ لَمْ يَكُنْ في مَعادِي آخِذًا بِيَدِي … فضلًا وإلا فقلْ: يا زَلَّةَ القدمِ
فإنَّ من جُودِكَ الدنيا وَضَرَّتها … وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمَ اللّوحِ وَالقَلمِ (^٢).
حيث وحَّده باللياذ، والفضل، وملك الدنيا والآخرة، وعلم اللوح والقلم! فماذا أبقى لله؟
الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر؛ لقوله: "منعني كذا وكذا".
إذ لو كان يبلغ مبلغ الشرك الأكبر لم يمنعه الحياء، ولم يتردد في النهي عنه.
الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي.
وقد ذكر النبي ذلك ﷺ صريحًا في قوله: "الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" (^٣)؛ ووجه هذا التقسيم: أن النبي ﷺ بدئ بالرؤيا
_________________
(١) ديوان البوصيري (ص: ٢٥١ - ٢٥٢).
(٢) ديوان البوصيري (ص: ٢٥١ - ٢٥٢).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التعبير، باب: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة برقم (٦٩٨٩) عن أبي سعيد الخدري. ومسلم في كتاب الرؤيا برقم (٨) عن أبي هريرة.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
الصالحة، تأتي كفلق الصبح، ستة أشهر، ثم أوحى إليه بعد ذلك مدة حياته، ثلاثًا وعشرين سنة، فتكون نسبة الرؤيا الصالحة إلى عموم مدة الوحي جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.
السادسة: أنها قد تكون سببًا لشرع بعض الأحكام.
كما في هذا الحديث، وكما في رؤيا عبد الله بن زيد، فقد كانت سببًا تشريع الأذان، وقبل ذلك رؤيا إبراهيم ﵊ أنه يذبح ابنه، كانت سببًا في مشروعية الأضحية، لكن هذا إذا كان مؤيدًا بالوحي، وقول معصوم، أما بعد ذلك فلا، ووقد يستأنس بها في غير الأحكام، إذا لم تدل على ما يخالف الشريعة؛ وإلا فلا عبرة بها، ولا يلتفت إليها.
[ ٢ / ٥٩٤ ]