وقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، [سورة التوبة: ١٠٨].
عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجل أن ينحر إبلًا ببوانة، فسأل النبي ﷺ فقال: "هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا، قال: "فهل كان فيها عيدًا من أعيادهم؟ " قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ: "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء بنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم" (^١)، رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما.
الشرح:
قوله: "باب: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله" "لا" ناهية، لا نافية، لأن المقام مقام أحكام، فالمراد النهي عن الذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله. فالحكم ها هنا يتعلق بالموضع، لا بأصل العمل.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
هذا الباب بمنزلة التتمة للباب الذي قبله، فإن المصنف ﵀ لما عقد بابًا في ما جاء في الذبح لغير الله؛ وذلك متعلق بأصل العبادة، أردفه بهذا الباب المتعلق بالوسيلة والذريعة التي تؤدي إلى ذلك.
قوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ الضمير يرجع إلى مسجد الضرار؛ وذلك أن
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الأيمان والنذور، باب ما يؤمر به من الوفاء بالنذر برقم (٣٣١٣) وصححه الألباني.
[ ١ / ١٩٣ ]
النبي ﷺ أتاه نفر من المنافقين، تظاهروا بالإصلاح والتوفيق، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد ابتنينا مسجدًا؛ ليكون للضعيف، وأصحاب العلل في الليلة الشاتية، ونحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، وكان النبي ﷺ على أهبة التوجه لغزوة تبوك، فقال النبي ﷺ: "إني على جناح سفر، فلو قد رجعنا إن شاء الله ﷿ أتيناكم، فصلينا لكم فيه" (^١)، ومضى النبي ﷺ لغزوته، فلما رجع، وكان بينه وبين المدينة ليلة، نزلت الآيات وهي قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧، ١٠٨] (^٢). فنبّه الله تعالى نبيه إلى هذا الأمر، وفضح أولئك المنافقين، وبيّن أنهم بنوا ذلك المسجد لقصد المضارة، لكي يكون مباءة لهم، ومجمعًا يتآمرون فيه على الإسلام وأهله، والتفريق بين المؤمنين، ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ وهذا إشارة إلى رجل يقال له: ابن قمئة، كان قد تنصر في الجاهلية؛ فلما قدم النبي ﷺ المدينة، أبى قبول الإسلام، والتحق بالمشركين، وصار يراسل المنافقين، ويهيجهم ضد النبي ﷺ، فجعلوا هذا المسجد -مسجد الضرار- موضعًا يجتمعون فيه، وربما تسلل إليهم فيه ذلك الخبيث. فلما بنوا هذا المسجد لهذه الأغراض الفاسدة، نهى الله تعالى نبيه عن القيام فيه، حتى لا يضفي عليه صفة شرعية، وليس المراد مجرد القيام الذي بمعنى الوقوف، وإنما القيام للصلاة. فدل ذلك على إن كل مسجد ضرار، لا يجوز الصلاة فيه، إذا قُصد منه المضارة والتفريق بين المؤمنين، والإرصاد لمن حارب الله ورسوله، ونحو ذلك من المقاصد الفاسدة.
قوله: ﴿أَبَدًَا﴾ تأبيد، يدل على أنه حتى لو حُول عن هذا الغرض، فإنه منهي عن القيام فيه.
ومن أعجب العجب أن أحد الإخوة في المدينة النبوية أراني موضعًا في
_________________
(١) دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٢٥٩) والدر المنثور في التفسير بالمأثور (٤/ ٢٨٦).
(٢) أسباب النزول ت زغلول (ص: ٢٦٤).
[ ١ / ١٩٤ ]
بعض جهات المدينة يُسمى "مسجد الضرار"، وهو عبارة عن حجرة ليس له سقيفة، وأخبرني أن بعض المبتدعة، والجهال من زوار المدينة يقصدونه ويصلون فيه، ويسمونه مسجد الضرار! فيا للعجب!
واختلف المفسرون في المسجد الذي أسس على التقوى، من أول يوم:
- فمنهم من قال: إنه مسجد قباء؛ لأن النبي ﷺ حين قدم المدينة، نزل في بني عمرو بن عوف، وكانوا في قباء، بنى مسجد قباء، وظل النبي ﷺ يتعاهد هذا المسجد فيما بعد، حتى أنه ربما ذهب إليه ماشيًا، أو راكبًا، ليصلي فيه، ورغب في الصلاة فيه، فقال: "من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء، فصلى فيه صلاة، كان له كأجر عمرة" (^١)، فلا شك أنه مسجد شريف؛ ولهذا ذهب بعض الصحابة والتابعين إلى أنه المسجد المقصود في الآية، وممن ذهب إلى ذلك: ابن عباس، وعروة بن الزبير، والشعبي، والحسن (^٢).
- وقال آخرون: إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجده ﷺ، وهذا قول عمر ﵁، وابنه (^٣). وقد جاء في صحيح مسلم ما يؤيد هذا صريحًا، وهو ما جاء عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، قال: قلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبي: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًا من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: "هو مسجدكم هذا" لمسجد المدينة، قال: فقلت: أشهد أني سمعتُ أباك هكذا يذكره (^٤).
وقوله: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ المراد بذلك اليوم -على القول الذي رجحناه- اليوم الذي وصل فيه النبي ﷺ إلى موضع مسجده، وكان مربدًا لغلامين من بني
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء برقم (١٤١٢) وصححه الألباني.
(٢) تفسير ابن كثير ت سلامة (٤/ ٢١٤).
(٣) تفسير ابن كثير ت سلامة (٤/ ٢١٦).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ﷺ بالمدينة برقم (١٣٩٨).
[ ١ / ١٩٥ ]
النجار، فاشتراه منهما بالثمن، وأقام عليه مسجده، وهو موضع مخصوص، حتى إنه جاء في قصة الهجرة: أن النبي ﷺ حين انطلق من قباء جعلت أحياء الأنصار يتلقونه ويقولون: يا رسول هنا المنزل، هنا المنعة والعشيرة ﵃، وكلهم يعرض نفسه، فكان النبي ﷺ يقول: "دعوها، فإنها مأمورة" (^١) أي: الناقة، مسيرة من عند الله ﷿، حتى بلغت موضع مسجده، فبركت، فلم ينزل عنها النبي ﷺ، ثم قامت، حتى مشت، فبركت، ثم رجعت إلى موضعها الأول، فألقت جِرانها، وتحلحلت، فقال النبي ﷺ: "ها هنا المنزل -إن شاء الله-" (^٢). فهو منزل بوأه الله إياه، كما بوأ لإبراهيم مكان البيت، فلهذا كانت الصلاة فيه تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد، وقد أسس على التقوى من أول يوم، فهو أحق أن يقوم فيه.
وقال الله تعالى مثنيًا على أهله، وهم الأنصار المحيطين به، من بيوتات، وعشائر مختلفة، من الأوس والخزرج، ومنهم أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ والمراد بالطهارة هنا: الطهارة المعنوية والحسية؛ فالطهارة المعنوية المقصود بها الطهارة من الشرك، والبدعة، والذنوب، والكبائر. وأما الطهارة الحسية فالمقصود بها الطهارة من الحدث، والخبث. وكلا الطهارتين كانتا مجتمعتين في الأنصار -رضوان الله عليهم-. ومن حمل الآية على أهل قباء روى في ذلك حديثًا: أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال: "إن الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ " قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا، إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا (^٣)، أي: فعلوا ذلك، ولا شك أن الماء طهور ومطهر.
مناسبة الآية للباب:
لطيفة المأخذ، لأن الله نهى نبيه عن الصلاة في "مسجد الضرار"، لمخالفته
_________________
(١) المعجم الأوسط برقم (٣٥٤٤) ودلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٥٠١).
(٢) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (٣/ ٢٧٣) والرحيق المختوم (ص: ١٦٦).
(٣) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (١٥٤٨٥) وقال محققو المسند: "حديث حسن لغيره"، وابن خزيمة برقم (٨٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود: (١/ ٧٥)، ط. غراس.
[ ١ / ١٩٦ ]
مقاصد الصلاة، من التوحيد والإخلاص، فكذلك الذبح لله في مكان يذبح فيه لغيره. وهذا يدل على عمق فقه المصنف ﵀.
فوائد الآية:
١ - منع الذبح لله في موضع يذبح فيه لغير الله، قياسًا على منع الصلاة في مسجد الضرار.
٢ - مشروعية الصلاة في المساجد جماعة، والدليل على ذلك قوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. والأدلة متكاثرة على مشروعية الصلاة جماعةً في المسجد، ولكن لفظ المشروعية يحتمل الاستحباب والوجوب، فنقول زيادة على ذلك: إن الصلاة جماعة واجبة، والصلاة في المسجد، إلا لمعذور، واجبة، والدليل على وجوبها في المسجد قول النبي ﷺ: "ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" (^١). ولا يمكن أن يعزر النبي ﷺ هذا التعزير البالغ في أمر غير واجب؛ لأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وفي هذا رد على المتساهلين في الفتيا بعدم وجوب الصلاة جماعة في المسجد. فالصلاة جماعة واجبة، وكونها في المسجد واجبة، إلا لمن كان معذورًا، فينبغي لطالب العلم الفقيه أن يشيع هذا ويؤكده، وأن يمسِّك الناس بالكتاب، وألا يسوغ لهم التساهل بما يخالف النصوص الواضحة البينة.
٣ - إثبات صفة المحبة لله ﷾؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، فالله تعالى يحب محبة تليق به، ليست كمحبة المخلوق، فمحبة المخلوق تعتريها رقة، وعاطفة، وضعف، وأما محبة الله ﷿ فهي محبة تليق به، وهي محبة حقيقية، لكنها مضافة إليه، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات، فصفاته لا تشبه الصفات، وفي هذا رد على المتكلمين الذين ينكرون هذه الصفة وأمثالها.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الخصومات، باب إخراج أهل المعاصي والخصوم من البيوت بعد المعرفة برقم (٢٤٢٠) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد في التخلف عنها برقم (٦٥١) واللفظ له.
[ ١ / ١٩٧ ]
٤ - فضل إسباغ الوضوء؛ لقوله: ﴿يَتَطَهَّرُوا﴾ بالتضعيف، والزيادة في المبنى زيادة في المعنى.
٥ - تأثير النية في العمل؛ فهذا المسجد الذي بني بقصد المضارة بات ممنوعًا؛ لأن الذين بنوه أرادوا به أمر سوء، وهو التفريق بين المؤمنين، والإرصاد لمن حارب الله ورسوله، إلى غير ذلك، فهذا يدل على أن النية تؤثر في البقاع والأعمال.
٦ - مشروعية سد كل ذريعة مفضية إلى الشرك.
ثم قال المصنف ﵀:
"عن ثابت بن الضحاك": هو ثابت بن الضحاك بن خليفة بن ثعلبة الأشهلي الخزرجي، صحابي من بنى عبد الأشهل، وقد كانت وفاته سنة (٦٤ هـ).
قوله: "نذر رجل" هكذا ذكر الرجل مبهمًا، لم يبين من هو؟ ولا يضر الجهل به. والنذر: هو إلزام المرء نفسه أمرًا غير واجب عليه. وقد اختلف العلماء في حكم النذر: فقال بعضهم: هو حرام، وقال بعضهم: هو مكروه، وسيأتي باب مستقل في النذر.
قوله: "أن ينحر إبلًا" النحر في حق الإبل، نسبة لموضعه في الرقبة، والذبح في حق الغنم.
قوله: "ببُوانة" بضم الباء، ويصح فتحها، وهو موضع قيل: إنه أسفل مكة، وقيل: إنه هضبة من وراء ينبع، يبعد خمسةً وثلاثين كيلومتر عن ينبع، وقد تتغير أسماء المواضع مع تقادم الزمن، قوله: "هل كان فيها وثنًا من أوثان الجاهلية؟ " قد تقدم تعريف الوثن، وأنه كل ما عُبد من دون الله، وأن الصنم: ما جُعل على هيئة إنسان أو حيوان، فالوثن أعم من الصنم.
قوله: "قالوا: لا، قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " " العيد: اسم لما يعود، والعيد ما اجتمع فيه عدة أوصاف:
الأول: التكرار والعود؛ ولهذا سمي عيدًا.
[ ١ / ١٩٨ ]
الثاني: الاجتماع، فلا عيد إلا باجتماع.
الثالث: الاحتفال بأعمال مصاحبة؛ من عبادة أو فرح.
فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الثلاثة، فذلك عيد؛ ولا عيد في الإسلام إلا الأضحى، والفطر. وما اتخذ من أعياد جمعت هذه الأوصاف فإنها أعياد بدعية، لا يجوز الاحتفال بها. وقد عوض الله المسلمين عن أعياد الجاهلية بعيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وجعل لهم عيدًا أسبوعيًا، وهو الجمعة.
قوله: "أوف بنذرك" " أمره أن يوفي بنذره، بنحر تلك الإبل في ذلك الموضع، فإن قال قائل: إذا كان النذر يدور بين التحريم والكراهة، فكيف أمره النبي ﷺ أن يفي بنذره على كلا الاحتمالين؟ فالجواب: هناك فرق بين إنشاء النذر وبين الوفاء به بعد عقده، فيقال: لا يُلزم الإنسان نفسه بشيء له فيه سعة، ولا يضيق على نفسه واسعًا، فإذا أراد من ربه شيئًا، فليرفع يديه ويسأله، فإنه كريم، يداه مبسوطتان، سحاء الليل والنهار. لكن إذا عَقد النذر، سواء كان نذر طاعة، أو نذرًا مباحًا، فإنه يلزمه الوفاء به. والاستدامة أقوى من الابتداء.
قوله: "فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله" النذر الذي فيه معصية لا وفاء فيه، وقد دلت هذه الجملة على أن الذبح في الموضع الذي كان يذبح فيه لغير الله معصية.
قوله: "ولا فيما لا يملك ابن آدم" لأن النذر تصرف، والتصرف فرع عن التملك.
فهناك نذران لا وفاء فيهما:
الأول: "لا وفاء لنذر في معصية الله" كأن يقول قائل: لله عليه نذر إن نجح في الاختبار، أن يشرب خمرًا، فلا يفي بنذره؛ لأنه معصية. وهل عليه كفارة أم لا؟ اختلف العلماء:
- فذهب الإمام أحمد، وأبو حنيفة (^١) إلى وجوب الكفارة؛ لحديث: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين" (^٢)، فقالوا: لا يفي بنذره، لكن عليه كفارة يمين.
_________________
(١) ينظر: النتف في الفتاوى للسعدي (١/ ١٩٥) والمغني لابن قدامة (٩/ ٥١٧).
(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب الكفارات، باب النذر في المعصية برقم (٢١٢٥) وأبو داود في كتاب الأيمان والنذور، باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية برقم (٣٢٩٠) والترمذي ت شاكر في أبواب النذور والأيمان، باب ما جاء عن رسول الله ﷺ أن لا نذر في معصية برقم (١٥٢٤) وصححه الألباني.
[ ١ / ١٩٩ ]
- وذهب الشافعي ﵀ إلى أن نذر المعصية لم ينعقد أصلًا، وما دام لم ينعقد فلا كفارة فيه (^١).
الثاني: "ولا فيما لا يملك ابن آدم" كأن يقول مثلًا: لله عليه نذر إن حصل كذا وكذا أن أوقف بيت فلان! فلا يفي بنذره؛ لأنه لا يملك ما نذر به.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لقوله: "فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله" فدل على أن الذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله، نذر معصية، لا يجوز الوفاء به لما تقدم.
ثم قال ﵀:
وفيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨].
وقد تقدم بيانه. ووجه الاستشهاد قياس الذبح على الصلاة.
الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة.
اتخاذ المنافقين مسجدًا ضرارًا، أثر في بقعته، فصارت الصلاة فيها محرمة أبدًا. كما أن اتخاذ المؤمنين البقعة مسجدًا يفضلها، ويخلع عليها أحكامًا شرعية، والعلماء يقولون: إن الصلاة في المسجد العتيق أفضل من الصلاة في المسجد الجديد؛ لأنه عُبد الله فيه أكثر.
الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال.
وذلك من قياس المصنف ﵀ مسألة الذبح على مسألة الصلاة، فإن مسألة
_________________
(١) ينظر: المجموع شرح المهذب (٨/ ٤٥٧).
[ ١ / ٢٠٠ ]
الصلاة بينة جدًا، فقاس عليها المسألة المشكلة، وهي مسألة الذبح؛ لكي يحصل البيان.
الرابعة: استفسار المفتي إذا احتاج إلى ذلك.
هذه مسألة مهمة لطلبة العلم، وهي استفسار المفتي من المستفتي؛ لأن من المسائل ما يحتاج إلى استفصال وبيان، والسائل في الغالب لا يدرك تبعات سؤاله، فقد يسأل سؤالًا مجملًا، فعلى المفتي النبيه أن يستفصل. واستنبط المصنف ﵀ هذه الفائدة من سؤال النبي ﷺ عن ذلك الموضع: "هل كان فيها وثن يعبد؟ وهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " لأن هذا الأمر محتمل، والناس حديثو عهد بجاهلية وشرك.
الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع.
لأن النبي ﷺ أقر الرجل لما انتفى المحظور، أن يفي بنذره بالذبح في ذلك الموضع وهو (بوانة) فربما خصصه لأنه موضع اجتماع لقبيلته أو أهله، أو لأي سبب من الأسباب، فلا حرج أن ينذر إنسان أن يذبح ذبيحة في قرية معينة، مع انتفاء المحذور الشرعي.
السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله.
لقول النبي ﷺ: "هل كان فيها وثن؟ " لأن الذبح فيه ولو بعد زواله قد يحييه، ويبعثه في النفوس، ويُذكّر الناس بما كان عليه هذا الموضع في الماضي، فيثير فيهم نعرة الشرك.
السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله.
ولهذا ينبغي الحذر من إحياء آثار الجاهلية باسم التراث وغيره؛ لأن هذا بعثٌ لأمور الجاهلية، وتذكيرٌ بها، وتعليقٌ للقلوب والنفوس بما طواه الإسلام وطمسه.
[ ١ / ٢٠١ ]
الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء لمن نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية.
لأن النبي ﷺ لم يرخص له، إلا لما انتفى المحذور، فهذا هو المنطوق، فدل المفهوم على أنه لو كان خلاف ذلك لما رخص له، بل سيمنعه من ذلك.
التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم، ولو لم يقصده.
هذا يُؤخذ من قوله: "هل كان فيه عيد من أعيادهم؟ " فدل على أن أهل الإسلام لهم شارة وميزة خاصة، لا يصلح أن يكونوا ذيلًا لغيرهم، ولا رجع الصدى لهم، بل ينبغي أن يتميزوا بما ميزهم الله تعالى به، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فلا يكونوا مجرد انعكاس لليهود والنصارى والذين لا يعلمون، بل يعتزوا بدينهم وقيمهم وأخلاقهم وعباداتهم وعاداتهم الكريمة، ولا يتلقفوا عادات المشركين وأحوالهم.
ونبَّه المصنف على مسألة مهمة، تلتبس على كثير من الناس، وهي أنه ليس من شرط تحريم التشبه القصد. فالتشبه عمل محرم لذاته، ولو لم يقصد فاعله التشبه.
العاشرة: لا نذر في معصية.
هكذا عبّر المصنف في هذه المسألة العاشرة فقال: "لا نذر في معصية" لكن لفظ النبي ﷺ: "لا وفاء في نذر" وبينهما فرق، فإذا قيل: لا نذر في معصية، فالمعنى: أن النذر لا ينعقد، وإذا قيل: لا وفاء، فالمعنى: أن النذر ينعقد، لكن لا يوفى به، وقد وردت السنة بهذا وبهذا، لكن: "لا نذر" يحمل على أن المراد لا وفاء لنذر؛ لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "ومن نذر أن يعصي الله، فلا يعصه" (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب النذر فيما لا يملك وفي معصية برقم (٦٧٠٠).
[ ١ / ٢٠٢ ]
الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك.
وما لا يملكه الإنسان: قد لا يملكه قدرًا، وقد لا يملكه شرعًا، فالذي لا يملكه شرعًا هو التصرف في مال غيره، وما لا يملكه قدرًا، كما لو قال مثلًا: لله عليه نذر إن حصل كذا أن يطير في الهواء، وليس في طوقه، فلا نذر فيما لا يملكه ابن آدم.
[ ١ / ٢٠٣ ]