في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي ﷺ: "لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام" (^١).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
من جهتين:
الأولى: لتعلقه بتوحيد الأسماء والصفات، فلا يسوغ أن يقول العبد: السلام على الله، وهو - سبحانه- السلام.
الثانية: أنه لما كان من معاني السلام: طلب السلامة للمخاطب من الآفات، لم يكن مناسبًا أن يخاطب الله تعالى بذلك؛ لأنه سبحانه لا يلحقه آفة، ولا ضرر، لكمال قوته وعزته. فالنهي عن قول: السلام على الله، من باب تنزيه لله ﷾.
قوله: "وفي الصحيح عن ابن مسعود ﵁" هذا الحديث في الصحيحين، وأخرجه أيضًا أبو داود (^٢)، والنسائي (^٣)، وابن ماجه (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب برقم (٨٣٥) ومسلم في كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة برقم (٤٠٢).
(٢) أخرجه أبو داود في باب تفريع أبواب الركوع والسجود، باب التشهد برقم (٩٦٨) وصححه الألباني.
(٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى في كتاب السهو، ذكر ما ينقض الصلاة، وما لا ينقضها، التشهد الأول برقم (٧٥٨) وصححه الألباني.
(٤) أخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، والسنة فيها، باب ما جاء في التشهد برقم (٨٩٩) وصححه الألباني.
[ ٢ / ٦٥١ ]
قوله: "قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ" أي: في الصلاة، وتحديدًا في التشهد الأخير، كما دلت على ذلك بعض روايات الحديث.
قوله: "قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان" ربما أرادوا التحية لله، وربما دل الاقتران بين الجملتين أن المراد الدعاء بالسلامة، والسلام لا يكون تحية إلا لمن يسمع، وفلان وفلان، لا يسمعون خطابهم، فتعين أنهم أرادوا الدعاء لهم بالسلامة من الآفات، وهذا لا يستقيم في حق الله ﷿.
قوله: "لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام" نهي مقرون بالتعليل، لأن من أسمائه الحسنى -سبحانه وبحمده- السلام؛ لكونه سالمًا من كل آفة، ونقص وعيب.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، لما فيه من النهي الصريح، والتعليل الوجيه.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن قول: السلام على الله، ويقاس عليه ما أشبهه.
٢ - أن السلام من أسماء الله، بنص كتاب الله، في سورة الحشر، وسنة نبيه ﷺ الثابتة.
٣ - وجوب تعليم الجاهل، فإن النبي ﷺ لما علم ذلك من حال أصحابه، لم يكلهم إلى نياتهم، كما يقول بعض الناس، إذا رأى منكرًا: اتركه على نيته، أو نيته طيبة، بل يجب تعليم الجاهل، وتنبيه الغافل، وتذكير الناسي، مع التماس الأعذار.
٤ - أن قرن الحكم بعلته يفيد ثلاثة أمور: طمأنينة القلب، وبيان سمو الشريعة، وإمكان القياس.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير السلام.
أي: أن المراد بالسلام في كلامهم: الدعاء بالسلامة. ومعناه في حق الله ﷿: السالم من كل آفة وعيب.
الثانية: أنه تحية.
من معاني السلام: التحية، لكنها غير لائقة في حق الله. ولهذا أبدلهم بالتحيات بعد التشهد.
الثالثة: أنها لا تصلح لله.
لقوله: "لا تقولوا: السلام على الله".
الرابعة: العلة في ذلك.
هذه علة منصوصة أي: أن الله هو السلام فلا حاجة إلى أن يُدعى له بالسلامة من الآفات. ولا أن يحيَّا بالسلام، لأنه هو السلام.
الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله.
حيث علمهم النبي ﷺ دعاء التشهد، فقالوا: "قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ " (^١)، وهكذا، فينبغي لكل من انتدب لتعليم الناس إذا نهاهم عن شيء أن يفتح لهم شيئًا آخر، فإذا نهيت عن أمر فاذكر البديل، هذا إذا كان الأمر يحتمل بديلًا، أما إذا لم يكن يحتمل بديلًا فلست معنيًا أن تخترع لهم شيئًا ليس في الوسع، لكن كلما سُد باب فينبغي أن يُفتح باب، حتى لا يبقى الإنسان متعلق القلب بالممنوع؛ ولهذا قال الله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وأمثلة هذا كثيرة في سنة النبي ﷺ.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء برقم (٣٣٧٠) ومسلم في كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد برقم (٤٠٦).
[ ٢ / ٦٥٣ ]