في الصحيح: عن أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي" (^١).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن من كمال التوحيد أن لا يُعبِّر بألفاظ تُوهم الشرك في الربوبية والألوهية؛ كقول: عبدي وأمتي.
قوله: "في الصحيح" مراده في الصحيحين.
قوله: "عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم" " أي: لمملوكه، و(لا) ناهية، والفعل المضارع بعدها مجزوم بها، وقد اختلف العلماء في هذا النهي هل هو للكراهة أو التحريم؟ قال شيخنا ﵀: "والراجح التفصيل في ذلك، وأقل أحواله الكراهة" (^٢). واختار الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ أنه للكراهة، حيث قال: "وهذا على وجه الاستحباب أن يعدل العبد عن قول: عبدي وأمتي، إلى فتاي وفتاتي، تحفظًا عن اللفظ الذي فيه إيهام ومحذور، ولو على وجه بعيد، وليس حرامًا، وإنما الأدب كمال التحفظ بالألفاظ الطيبة التي لا توهم محذورًا بوجه، فإن
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق، وقوله: عبدي أو أمتي برقم (٢٥٥٢) ومسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب حكم إطلاق لفظ العبد والأمة … برقم (٢٢٤٩).
(٢) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٣٣٨).
[ ٢ / ٦٥٩ ]
الأدب في الألفاظ دليل على كمال الإخلاص، خصوصًا هذه الألفاظ التي هي أمس بهذا المقام" (^١).
قوله: "أطعم ربك، وضئ ربك" أمر للمملوك بإطعام سيده وتوضئته. وعلة النهي: ما في ذلك من المضاهاة؛ فإن كلمة الرب، وإن كانت تطلق بمعنى: السيد، إلا أنها تطلق بمعنى الخالق. قوله: "وليقل: سيدي" الخطاب للمملوك، لأن السيادة عند الناس معناها: الرئاسة، وهي سيادة نسبية، فإنها سيادة على من تحت يده. فثمة فرق عند الإطلاق بين لفظ الرب والسيد:
١ - فإن (الرب) اسم من أسماء الله الحسنى باتفاق العلماء، وأما (السيد) فقد اختلف هل هو من أسماء الله الحسنى أم لا؟ وهو إن لم يأتِ به الكتاب، ولكنه مأثور عن النبي ﷺ، فإنه قد صح عنه أنه قال: "السيد الله" (^٢)، فالراجح: أنه من أسماء الله.
٢ - أن لكلمة (الرب) وقعًا عظيمًا في حس المخاطبين، بخلاف كلمة السيد.
ومع هذا يقع في الاسمين (الرب) و(السيد) اشتراك، فيطلقان على الخالق والمخلوق؛ كما قال تعالى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١] وقال النبي ﷺ للأنصار: "قوموا إلى سيدكم" (^٣)، وكقوله ﷺ في حديث أشراط الساعة: "إذا ولدت الأمة ربها" (^٤)، وأما راوية: "ربتها" (^٥)، فقد قال شيخنا ﵀: (لا إشكال فيه، لوجود تاء التأنيث، فلا اشتراك مع الله في اللفظ؛ لأن الله لا
_________________
(١) القول السديد شرح كتاب التوحيد، للسعدي (ص: ١٨٧).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في كراهية التمادح برقم (٤٨٠٦)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٠٠٥)، وأحمد برقم (١٦٣١٦)، وصححه الألباني.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب إذا نزل العدو على حكم رجل برقم (٣٠٤٣) ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب جواز قتال من نقض العهد برقم (١٧٦٨).
(٤) أخرجه البخاري في الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ برقم (٤٧٧٧) ومسلم في الإيمان، باب معرفة الإيمان …، برقم (٩) وهذا لفظ مسلم ..
(٥) أخرجه البخاري في التفسير، باب إن الله عنده علم الساعة برقم (٤٧٧٧) ومسلم في (الإيمان، باب معرفة الإيمان) برقم (٨)
[ ٢ / ٦٦٠ ]
يقال له إلا رب، وفي حديث الضالة: "حتى يجدها ربها" (^١)، وقال بعض أهل العلم: إن حديث الضالة في بهيمة لا تتعبد، ولا تتذلل، فليست كالإنسان، والصحيح: عدم الفارق; لأن البهيمة تعبد الله عبادة خاصة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ﴾ [الحج: ١٨]) (^٢).
قوله: "ومولاي" مأخوذة من الولْي: وهو القرب والدنو، ولها استعمالات متعددة.
قوله: "ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي" لأن الذي يستحق العبودية المطلقة: هو الله ﷾، فلا يليق أن يضيفها إلى نفسه، ولأن هذه الألفاظ تكسر خاطر مملوكه.
قوله: "وليقل: فتاي، وفتاتي، وغلامي" لأن هذه الألفاظ ألطف، ولا تشعر بما تشعر به الألفاظ الأولى من المحاذير الشرعية. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٠].
وقد ذكر شيخنا (^٣) ﵀ تفصيلًا مفيدًا في استعمال كلمة "عبد"، "وأمة":
أولهما: إذا أضافه إلى غيره، كأن يقول: عبد فلان، وأمة فلان، فهذا جائز، والدليل عليه قول الله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فإذا خرج هذا المخرج فهو جائز، ومما يدل عليه أيضًا، قول النبي ﷺ: "ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة" (^٤)، فأضاف العبد إلى غيره، فصار ذلك مستعملًا في الكتاب والسنة.
ثانيهما: أن يضيفه إلى نفسه، بأن يقول: "عبدي وأمتي" فهذا إما أن يقع بصيغة الخبر، وإما أن يقع بصيغة النداء:
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب في اللقطة، باب ضالة الغنم برقم (٢٤٢٨) ومسلم كتاب اللقطة برقم (١٧٢٢).
(٢) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٣٤٠).
(٣) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٣٣٨).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب ليس على المسلم في فرسه صدقة برقم (١٤٦٣) ومسلم في كتاب الزكاة، باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه برقم (٩٨٢).
[ ٢ / ٦٦١ ]
بصيغة الخبر: أن يضيفه إلى نفسه، بأن يقول مثلًا: أطعمتُ عبدي، وكسوتُ أمتي، وأعتقتُ عبدي، فهذا جائز بإطلاق.
بصيغة النداء: بأن يقول: يا عبدي ويا أمتي، فهذا أقل أحواله الكراهة.
أما استعمال كلمة "رب"، فجعل لها الشيخ (^١) ﵀ ثلاثة أحوال:
الأولى: أن يكون بصيغة الخطاب، بأن يقول مثلًا: أطعم ربك، وهذا لذي جاء في الحديث النهي عنه، فأقل أحواله الكراهة؛ دفعًا لمعنى السوء الذي قد يتبادر إلى الذهن.
الثانية: إذا جاء بصيغة الغيبة، فهذا لا بأس به، كما قال النبي ﷺ في ذكر علامات الساعة: "أن تلد الأمة ربتها" (^٢)، (ربة) مؤنث رب، فلا محذور فيه.
الثالثة: أن تكون بصيغة المتكلم؛ بأن يقول المملوك: ربي فلان، أو تقول الأمة: ربي فلان، فهذا جائز؛ لأن الله تعالى قد حكى مثله في كتابه، في قول يوسف ﵇: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] وأراد به -عزيز مصر-، فإنه قد أكرم مثواه، وأحسن إليه.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، لما فيه من النهي الصريح عن هذه الألفاظ.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن كل لفظ يُوهم التشريك.
٢ - وجوب الأدب مع الله -سبحانه تعالى- لفظًا ومعنىً.
٣ - سد جميع الطرق المفضية إلى الشرك.
٤ - ذكر البديل عن الألفاظ الممنوعة بألفاظ مشروعه أو مباحة.
_________________
(١) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٣٣٩).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] برقم (٤٧٧٧) ومسلم في كتاب الإيمان، باب الإيمان ما هو وبيان خصاله، برقم (٩).
[ ٢ / ٦٦٢ ]
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن قول: (عبدي وأمتي).
لنص الحديث: "ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي".
الثانية: لا يقول العبد لسيده: ربي، ولا يقال له: أطعم ربك.
وعلة النهي عن هذه الألفاظ لأمرين:
أولهما: البعد عما يوهم الشرك في الربوبية والألوهية، ومراعاة كمال التوحيد.
وثانيهما: الحرص على مراعاة شعور المملوك وعدم إيذائه.
الثالثة: تعليم الأول قول: فتاي، وفتاتي، وغلامي.
تعليم الأول أي: السيد، قول: فتاي، وفتاتي، وغلامي، بدلًا من: عبدي، وأمتي.
الرابعة: تعليم الثاني قول: سيدي ومولاي.
تعليم الثاني أي: العبد، قول: سيدي ومولاي، بدلًا من أطعم ربك، وضئ ربك.
الخامسة: التنبيه للمراد وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ.
أي: أن النهي عن هذه الألفاظ من باب تحقيق التوحيد في الألفاظ، والمراد: تطهير اللسان، وتصفية القلب، من الشوائب التي قد تشوبه من جراء إطلاق مثل هذه الألفاظ المشكلة.
[ ٢ / ٦٦٣ ]