روى مالك في الموطأ: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^١).
ولابن جرير بسنده: عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [سورة النجم: ١٩] قال: كان يلت لهم السويق، فمات فعكفوا على قبره (^٢).
وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج (^٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. رواه أهل السنن (^٤).
الشرح:
هذا الباب له صلة بالباب الذي قبله، فالباب السابق يتعلق بعبادة الله عند قبر رجل صالح، وهذا الباب يتعلق بالغلو في قبور الصالحين، وبهما يتبين ما أشار إليه المصنف في مسائل "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم، وتركهم دينهم، هو الغلو في الصالحين"، من غربة الإسلام، وقدرة الله، وتقليبه للقلوب، حتى آل بأصحابها إلى عبادتها من دون الله.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ - رواية يحيى الليثي برقم (٤١٤) وصححه الألباني في مشكاة المصابيح برقم (٧٥٠).
(٢) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (٢٢/ ٥٢٣).
(٣) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (٢٢/ ٥٢٣).
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور برقم (٣٢٣٦) والترمذي ت شاكر في أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدًا برقم (٣٢٠) وضعفه الألباني.
[ ١ / ٣٣٠ ]
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
ظاهرة، وذلك أن هذه الصيرورة ناشئة من الغلو في قبور الصالحين. فالغلو في الصالحين، وفي قبورهم، وقصد عبادة الله عندها، ذرائع للشرك
قوله: "روى مالك في الموطأ" الإمام مالك: هو إمام دار الهجرة، مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، ولد سنة ثلاث وتسعين، محدث جليل، وفقيه متقن، وعالم رباني، أحد الأئمة الأربعة المتبوعين، لاسيما في بلاد المغرب، وكانت وفاته (١٧٩ هـ). وأما الموطأ: فهو كتابه الذي جمعه في السنة، انتخبه من أعالي الأسانيد، وأصحها، وبذل فيه وسعه ﵀، وجعله مرجعًا للمسلمين في أقضيتهم، فيما بلغه من العلم، حتى أن الخليفة أبو جعفر المنصور همّ أن يحمل الناس عليه، لكن مالكًا، ﵀، لكمال فقهه، وورعه، وإخلاصه، أبى، وقال: "إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار" (^١) يريد بذلك أنه لعل عندهم علم لم يبلغه. قيل لمالك يومًا: إن فلانًا قد صنع موطأً، أي: كما صنعت، فقال ﵀: "ما كان لله بقي" (^٢)
قوله: "اللهم" " أي: يا الله، فاستعيض بالميم عن ياء النداء؛ للدلالة على الجمع.
قوله: "لا تجعل قبري وثنًا يُعبد" هذه جملة دعائية من النبي ﷺ، يسأل ربه ألا يكون قبره وثنًا، يُتوجه إليه بالعبادة، فاستجاب الله دعاءه، وصان قبره
قوله: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" هذه جملة بيانية للسبب الحامل على الدعاء، لكي يزجر من تسول له نفسه الغلو فيه، بأن يتخذ قبره مسجدًا، فما أعظم شفقته ﷺ على أمته، وحرصه عليهم.
والغضب صفة من صفات الله الفعلية، متعلق بمشيئته وحكمته. فلله تعالى غضب يليق بجلاله وعظمته، لا يشبه غضب المخلوقين، وهذا الوصف ثابت في كتاب الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣] فأسند الغضب إلى نفسه، فنثبت لله
_________________
(١) التسعينية (١/ ٨٢).
(٢) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ت عبد الوهاب (١/ ٨٩).
[ ١ / ٣٣١ ]
ما أثبت لنفسه، على الوجه اللائق به، ولا يحل أن يقال: المراد بالغضب: إرادة الانتقام، فإن ذلك من تفسير الشيء بلازمه، وصرفه عن حقيقته، والواجب علينا أن نثبت الصفة على حقيقتها اللائقة بمن أُسندت إليه، فللمخلوق غضب يليق به، وللخالق غضب يليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، وللخالق إرادة تليق به، سواءً بسواء. فغضب المخلوق: غليان دم القلب لطلب الانتقام، فينتج عنه احمرار العينين، وانتفاخ الأوداج، وتهدج الصوت، أما غضب الخالق، فلا يمكن تكييفه، ولا يلزم عليه شيء من اللوازم البشرية. ومما يدل على تعلقه بمشيئته وحكمته، قوله ﷺ في حديث الشفاعة: "إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله" (^١). فهذا هو مقتضى الإيمان بالنصوص، وكل الاعتراضات التي يدعيها محرفو الصفات ادعاءات موهومة، ولهذا يقعون في التناقض، والتناقض معيار الفساد؛ فإنهم يثبتون لله سمعًا وبصرًا، وهذا حق، مع أن السمع والبصر من صفات المخلوقين، فإذا قيل لهم: كيف تثبتون لله سمعًا وبصرًا، مع أن السمع والبصر من صفات المخلوقين؟ قالوا: له سمع يليق به، وبصر يليق به، فنقول لهم: كذلك له غضب يليق به، ورضًا يليق به. وهذه قاعدة مطردة في جميع الصفات.
وأفاد قوله: "اشتد غضب الله"، وما ورد آنفًا في حديث الشفاعة، على أن غضبه، سبحانه، يتفاوت شدةً، وأن شديد غضبه ينال أولئك القوم الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وهم اليهود والنصارى كما سماهم النبي ﷺ في الباب السابق، فقال: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
مناسبة الحديث للباب:
مطابق للترجمة، لتضمنه وعيد من اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لأنهم غلوا فيها، فاستحالت أوثانًا تعبد من دون الله.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] برقم (٤٧١٢) ومسلم في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها برقم (١٩٤).
[ ١ / ٣٣٢ ]
فوائد الحديث:
١ - التحذير من الغلو، وأن ذلك يفضي إلى الشرك.
٢ - أن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد من الغلو، فلو قال قائل: إني أجد في نفسي خشوعًا وحضور قلب، إذا صليتُ لله عند قبر الشيخ فلان، أو السيد فلان، ما لا أجد مثله إذا صليت في بيتي أو في مسجد الحي! فيقال: هذا من تزيين الشيطان وإيحائه؛ ليفضي إلى الوقوع في الشرك.
٣ - اتصاف الله تعالى بصفة الغضب؛ وهي من صفاته الفعلية اللائقة به، المتعلقة بمشيئته وحكمته، وبطلان تحريفها إلى الانتقام، أو إرادة الانتقام.
قوله: "ولابن جرير" هو أبو جعفر، محمد بن جرير الطبري، الإمام، المفسر، المحدث، الفقيه، المؤرخ، المجتهد، ديوان من دواوين العلم، وآية من آيات الله، وأعجوبة من أعاجيب الزمان، وعاء من أوعية العلم. ولد سنة أربع وعشرين ومائتين. قال لأصحابه: "أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوًا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا لله ماتت الهمم" (^١)، كانت وفاته سنة عشر وثلاثمائة للهجرة. وعقيدته عقيدة سلفية، وتفسيره هو المقدم من التفسير بالمأثور، والمفسرون بعده عيال عليه.
قوله: "عن سفيان": الأقرب أنه سفيان بن سعيد الثوري ﵀، أبو عبد الله، الكوفي. وهو إمام ثقة، ثبت، حجة، كانت وفاته سنة إحدى وستين ومائة.
قوله: "عن منصور": هو منصور بن المعتمر السلمي، من المحدثين الثقات، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
قوله: "عن مجاهد": هو مجاهد بن جبر المخزومي، مولاهم، صاحب ابن
_________________
(١) تاريخ بغداد ت بشار (٢/ ٥٤٨) وتاريخ دمشق لابن عساكر (٥٢/ ١٩٨).
[ ١ / ٣٣٣ ]
عباس ﵄، ولد سنة إحدى وعشرين. إمام في التفسير. توفي ساجدًا، نحو سنة أربع ومائة.
قوله: " ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ كان يلت لهم السويق" أي قال مجاهد في تفسيرها: كان أي: اللات، يلت لهم أي للحُجاج، وعلى هذا ف (اللات) هنا بالتشديد، لكونه كان يلت السويق، أي: يخلط الدقيق بالسمن، فيطعمهم. وفي رواية: "فيطعم من يمر من الناس".
قوله: "فمات، فعكفوا على قبره" أي: أقاموا وحبسوا أنفسهم على قبره، فهذا معنى العكوف، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] أي: مقيمون، ماكثون عندها. فهذا الرجل الصالح كان يفعل ذلك تقربًا إلى الله، وإكرامًا لحجاج بيته، فلما مات عكفوا على قبره، تعظيمًا له.
قوله: "وكذا قال أبو الجوزاء" هو أوس بن عبد الله الرَّبَعي، ثقة، مات سنة ثلاث وثمانين. قال البخاري عنه بسنده عن ابن عباس: نقل عن ابن عباس أنه قال: "كان اللات رجلًا يلُتُّ سويق الحاج" (^١). والأغلب أن مجاهدًا أيضًا أخذه عن ابن عباس؛ إذ كان ملازمًا له.
فهذا ليس حديثًا مرفوعًا، وإنما هو أثر، وفي علم المصطلح: ما نُسب إلى النبي ﷺ؛ سواء بسند متصل، أو منقطع، فهو المرفوع، وما كان منتهاه إلى الصحابي، فهو الموقوف، وما كان منتهاه إلى التابعي، فهو المقطوع، والمقطوع غير المنقطع.
مناسبة الأثر للباب:
مناسبة ظاهرة، إذ فيه بيان سبب عبادة اللات، هو الغلو فيه لصلاحه، بالعكوف على قبره.
فوائد الأثر:
١ - تحريم الغلو في الصالحين؛ لأنه وسيلة إلى الشرك.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: (أفرأيتم اللات والعزى)، برقم (٤٨٥٩)
[ ١ / ٣٣٤ ]
٢ - تحريم العكوف على القبر، ولو كان لرجل صالح.
ثم قال المصنف ﵀:
"وعن ابن عباس ﵄ قال: لعن رسول الله ﷺ " اللعن: كما تقدم: الطرد والإبعاد عن رحمة الله. وتقدم أنه لا يجوز اللعن بالشخص -لعن المعين-، لكن يجوز اللعن بالوصف، لمن علمناه مستحقًا للعن.
قوله: "زائرات القبور" وفي لفظ: "زوارات" (^١). هذا لعن بالوصف، فمن رأى امرأة تزور قبرًا، فليس له أن يقول: أنتِ ملعونة، لكن يقول: لعن الله زائرات القبور، على سبيل البيان والموعظة.
قوله: "والمتخذين عليها المساجد" أي: أنهم يتخذونها موضعًا للعبادة والصلاة، سواء بنوا بنيانًا أو لم يبنوا، فإن صلوا عندها فقد اتخذوها مسجدًا.
قوله: "والسرج" أي: الذين يتخذون عندها السرج، ويضيئون القبور بالشموع، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا فيه تعظيم. فقد لعن النبي ﷺ في هذا الحديث ثلاثة أصناف:
١ - زائرات القبور من النساء.
٢ - المتخذين عليها المساجد.
٣ - المتخذين عليها السرج.
والصنفان الأخيران يشملان الرجال والنساء، والتذكير من باب التغليب، وسبب لعنهما تعظيمهم لهذه القبور، والغلو في أصحابها، وأما لعن الصنف الأول، وهن الزائرات، فلما يترتب على زيارة النساء للقبور من الجزع، والتسخط، فإنه لا يخفى أن النساء تغلبهن العاطفة، فإذا أتين المقابر، وتذكرن ذويهن، فإنهن، غالبًا، يجزعن، ويتسخطن على القدر؛ قولًا بالصياح والعويل، وفعلًا بشق الجيوب، ولطم الخدود. فكان من حكمة الشارع أن منعهن، وتوعد من فعل ذلك منهن.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء القبور برقم (١٥٧٤) والترمذي ت شاكر في أبواب الجنائز، باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء برقم (١٠٥٦) وحسنه الألباني.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة:
فمنهم: من ذهب إلى أن زيارة النساء للقبور محرمة، إذا وقعت على سبيل التكرار، أخذًا برواية "زوارات". ومنهم: من جعل ذلك ممنوعًا من أصله. والثاني أرجح. وللشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀، جزء في زيارة النساء للقبور، وهو بحث حديثي فقهي رصين، انتهى فيه إلى منع زيارة النساء للقبور مطلقًا، وأجاب عما استدل به المجيزون لزيارة النساء للقبور، كاستدلالهم: بكون عائشة ﵂ وقفت على قبر أخيها محمد، وتمثلت بأبيات، بأن ذلك لم يكن منها قصدًا لزيارة القبر، وإنما وقع اتفاقًا، لكونها مارة في الطريق دون قصد زيارة القبر، وفرق بين من يقصد الزيارة، وبين من يمر بالطريق ويحاذي القبر.
ومما يدل أيضًا على منعهن: ما جاء في السنن من أن النبي ﷺ لقي يومًا فاطمة، فقال: "ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟ " قالت: أتيت أهل هذا البيت، فرحمت إليهم ميتهم، وعزيتهم، فقال: "لعلك بلغت معهم الكدى؟ " قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها معهم، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر، قال: "لو بلغتها معهم، ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك" (^١)، يعني: عبد المطلب. وليس من أسلوب العرب، ولا من لغة الشارع، أن يكون هذا الوعيد الشديد باللعن لمن أكثر من الزيارة، وانتفاؤه في الزيارة والزيارتين، فما كان كثيره يوجب اللعن، دل على أن أصله محرم، وما كان أصله يبلغ مبلغ اللعن فلا يكون قليله مباحًا.
فالقول الصحيح: هو عدم جواز زيارة النساء للقبور.
قوله: "رواه أهل السنن" أهل السنن الأربعة هم: الترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وأما الخمسة فالمراد بهم: الأربعة، مضافًا إليهم أحمد، فإن قيل: رواه الجماعة، فهم سبعة، هؤلاء الخمسة، إضافة إلى البخاري ومسلم، فإن قيل التسعة، فهؤلاء السبعة، مضافًا إليهم: موطأ مالك، وسنن الدارمي. وهذه أمور اصطلاحية، وقد لا تنضبط في كل كتاب.
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٦٥٧٤) وقال محققو المسند: "إسناده ضعيف".
[ ١ / ٣٣٦ ]
وفي قوله هنا "رواه أهل السنن" فيه نوع تجوز؛ لأنه رواه أبو داود، والترمذي فقط، ولم يروه ابن ماجه والنسائي. وقد رواه أيضًا الإمام أحمد (^١)، وأبو داود الطيالسي (^٢)، والبيهقي (^٣)، والحاكم (^٤)، والطبراني (^٥)، وقد حسنه الترمذي (^٦)، وصححه ابن حبان (^٧)، وممن حسنه أيضًا البغوي (^٨)، وقد أثبته شيخ الإسلام بن تيمية ﵀، واحتج به (^٩)، وكذا ابن القيم (^١٠). وبعضهم أعلّه بأبي صالح باذان، وفي الحديث نقاش، لكن الغالب أن هذا الحديث حسن، يحتج به -إن شاء الله-.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهره، لما فيه من لعن معظمي القبور، باتخاذ المساجد والسرج عليها، المفضي إلى توثينها.
فوائد الحديث:
١ - تحريم الغلو في القبور بجعلها مواطن للعبادة.
٢ - تحريم إسراج القبور، وإضاءة المقابر على وجه التعظيم، بإيقاد الشموع، والإضاءة الخاصة؛ لأن هذا يدخل في هذا الوعيد، وأما اتخاذ إضاءة لغرض آخر، كأن يحتاج الناس إلى الدفن في الليل، لجلب اللبِن، وتهيئة القبر، ونقل الميت، أو ليروا طريقهم، وما أشبه ذلك، فهذا لا بأس به؛ لأنه ليس المقصود به تعظيم قبر معين، ولا تعظيم عموم المقبرة، وإنما قصد به الارتفاق، والإحسان في تجهيز الميت، وإنارة الطريق لمتبعي الجنازة، ويكون هذا مؤقتًا بقدر الحاجة. أما اتخاذ ذلك على سبيل الديمومة، وتزيين القبور، وتزويقها، فهو داخل في الوعيد.
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٢٠٣٠) وقال محققو المسند: "حسن لغيره دون ذكر السرج، وهذا إسناد ضعيف".
(٢) مسند أبي داود الطيالسي برقم (٢٨٥٦).
(٣) سنن البيهقي الكبرى برقم (٦٩٩٨).
(٤) المستدرك على الصحيحين للحاكم برقم (١٣٨٤).
(٥) المعجم الكبير - الطبراني برقم (١٢٥٥٧).
(٦) سنن الترمذي ت شاكر برقم (٣٢٠).
(٧) صحيح ابن حبان برقم (٣١٧٩).
(٨) شرح السنة للبغوي (٢/ ٤١٧).
(٩) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٣/ ٥٣).
(١٠) تهذيب سنن أبي داود، وإيضاح مشكلاته (٢/ ١٠٥).
[ ١ / ٣٣٧ ]
٣ - بيان علة نهي النبي ﷺ عن الصلاة عند القبور؛ وهي خوف الشرك، خلافًا لمن قال من الشراح: إن العلة هي النجاسة؛ لكون تراب المقبرة يختلط برفات الموتى! وهو تعليل عليل، بل ميت، ومما يدل على بطلانه: أن النبي ﷺ ذكر أحاديث كثيرة في التحذير والوعيد من اتخاذ القبور مساجد، ولعن فاعل ذلك، وقرنه بعبادتهم. كما أنه قرنه هنا بمسألة الإسراج، الذي يدل على أن المحذور هو التعظيم. ثم لا يمكن أن يختلط رفات الموتى بأرض المقبرة، فالميت يدفن بعمق نصف قامة رجل، فكيف يختلط رفاته بالتراب الذي يكون على ظاهر المقبرة. ولهذا لا بأس بالصلاة على الجنازة في المقبرة، ولم يزل الناس يفعلون ذلك، ويصلون عليها. فهذا التعليل الذي ذهب إليه بعض الشراح ليس صوابًا، وإنما النهي لسد ذرائع الشرك.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الأوثان.
فالوثن أعم من الصنم، فلو اتخذ القبر مقصدًا للعبادة صار وثنًا.
الثانية: تفسير العبادة.
وذلك بالغلو بها، وتعظيمها، وقصدها والعكوف عندها.
الثالثة: أنه ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه.
استعاذ النبي ﷺ لا بلفظ الاستعادة، وإنما بلفظ الدعاء، فقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد"، فهذا سؤال منه لربه ﷿ أن لا يقع هذا المحذور، فهو بمعنى الاستعادة بالمعنى العام، ولا شك أنه لم يستعذ إلا مما يتوقع حصوله.
الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد.
فقد علّل ذلك بذكر باشتداد غضب الله ﷿، على من اتخذ القبور مساجد،
[ ١ / ٣٣٨ ]
مما يدل على أن صورة العبادة التي دعا ربه أن يحفظ قبره منها: أن يتخذ مسجدًا، وأن ذلك نوع من الوثنية، وقد استجاب الله دعاء نبيه ﷺ، فالناس -بحمد الله- إنما يصلون بالمسجد، وأما حجرته، وموضع دفنه، فما زال مصونًا محفوظًا، لم يُتخذ مسجدًا.
الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله.
من قوله: "اشتد غضب الله" مما يدل على إثبات صفة الغضب واشتداده، وتفاوته، وهذا لا ينافي كماله سبحانه وبحمده، بل يدل عليه، فإنه فعال لما يريد.
السادسة: -وهي من أهمها-: معرفة صفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان.
صفة عبادتها: مبدؤها الغلو فيها، والعكوف عندها، فآل إلى صيرورتها وثنًا يعبد.
السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح.
كما في المروي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يلُت السويق للحاج، وابن السبيل، تقربًا إلى الله، وإكرامًا لقاصدي بيته.
الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية.
وذلك لأنه قد اختُلف -كما قد تقدم- هل هو منسوب للرجل أم إنه اسم لصخرة بيضاء منقوشة في الطائف يقال لها: اللات. ولا تعارض بين القولين؛ فقد قيل: إنه إذا صنع السويق صبه على تلك الصخرة البيضاء، فاتُخذ ذلك المكان وثنًا، وصار يُعبد من دون الله.
التاسعة: لعنه زَوَّارَات القبور.
للعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، وفي رواية: "زوارات"، فيتناول ما قل
[ ١ / ٣٣٩ ]
من الزيارة وما كثر، لما يترتب على ذلك من التسخط والجزع.
العاشرة: لعنه من أسرجها.
لقوله: "والمتخذين عليها المساجد والسرج" لما في ذلك من الغلو فيها.
[ ١ / ٣٤٠ ]