وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [سورة النساء: ٥١].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [سورة المائدة: ٦٠].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [سورة الكهف: ٢١].
عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذّة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " أخرجاه (^١).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
عقد المصنف هذا الباب لبيان أن الشرك يقع في هذه الأمة، ردًا على القبوريين الذين يزعمون أن الشرك لا يمكن أن يقع في أمة محمد ﷺ، وأن ما يقع منهم من دعاء، وذبح، ونذر لغير الله ﷿ ليس شركًا.
قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾: روى سعيد بن منصور في سننه، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَدِمَ حُيَيّ بْنُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل برقم (٣٤٥٦) ومسلم في العلم باب اتباع سنن اليهود والنصارى برقم (٢٦٦٩).
[ ١ / ٣٥٠ ]
أخْطَب، وكَعْب بْنُ الأشْرف إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: أَنْتُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ، فَنَحْنُ خَيْرٌ، أَمْ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالُوا: وَمَا أَنْتُمْ، وَمَا مُحَمَّدٌ؟ قَالُوا: صُنْبُورٌ قَطَّعَ أَرْحَامَنَا، وَاتَّبَعَهُ سُرَّاق الْحَجِيجِ: بَنُو غِفَار، فنحن أهدى سَبِيلًا أَمْ هُوَ؟ قَالُوا: أَنْتُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (^١).
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ صيغة استخبار، وقد تكون رؤية علمية أو بصرية، والخطاب للنبي ﷺ.
قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا﴾ أي: أعطوا، وهم اليهود والنصارى، والقرآن يعبر عنهم بثلاثة أوصاف: ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ﴿أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾، ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ ولا تدل بحد ذاتها، على تزكية.
قوله: ﴿نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: قدرًا وحظًا من الكتاب، وهو التوراة والإنجيل.
قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ أي: رغم كونهم أتوا نصيبًا من الكتاب، وقامت عليهم الحجة الرسالية؛ فإنهم يؤمنون أي يصدقون ﴿بِالْجِبْتِ﴾ والجبت: كلمة تتناول عدة معانٍ، فتطلق على الصنم، والسحر، والكهانة، والساحر، والكاهن. وأما ﴿الطَّاغُوتِ﴾ فإن المراد به في هذه الآية: الشيطان؛ لأنه رأس الطواغيت، وأما الطاغوت بالمعنى العام: فهو مأخوذ من الطغيان، وقد عرّفه ابن القيم، ﵀، بأنه: "كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع؛ فطاغوت كل قوم: من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله" (^٢).
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لأنها أثبتت أن الذين أتوا نصيبًا من الكتاب، وقع منهم إيمان
_________________
(١) (التفسير من سنن سعيد بن منصور - محققا (٤/ ١٢٨٠)
(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٤٠).
[ ١ / ٣٥١ ]
بالجبت والطاغوت، رغم وجود الكتاب في أيديهم، فكذلك يقع في هذه الأمة، مع وجود الكتاب بين أيديها.
فوائد الآية:
١ - الدعوة إلى العظة والاعتبار بمن قبلنا؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾.
٢ - وجوب الكفر بالجبت والطاغوت.
٣ - وجوب العمل بالعلم، وإلا صار حجة على صاحبه.
قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: يا محمد، هل أخبركم، والخطاب في سياق محاجة أهل الكتاب. قوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: من هو أشر عاقبة، وجزاءً عند الله ﷿؛ لأنهم كانوا قد ذموا أصحاب النبي ﷺ، ووصفوهم بالشر، فقال لهم: دعوني أخبركم بمن هو أشر ممن نبذتموه ورميتموه بذلك.
قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: طرده وأبعده عن رحمته.
قوله: ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أي: حقق عليه غضبه، فلا يرضى عليه بعده.
قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ أي: مسخهم كذلك، وهم أصحاب السبت.
قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ أي: جعل منهم من يعبد الشيطان، وهؤلاء المذمومون هم أصحاب السبت، وهم طائفة من اليهود، سكنوا قريةً حاضرة البحر، ابتلاهم الله فصارت ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ [الأعراف: ١٦٣] فتظهر على سطح الماء من كثرتها، ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] فتنة وابتلاء لهم. فتحايلوا على شرع الله، وصاروا يرمون شباكهم يوم الجمعة، ولا يسحبونها إلا يوم الأحد، فيقولون: لم نصِد يوم السبت حيث حُرم علينا، تحايلًا منهم، فعاقبهم الله ﷿-بهذه العقوبة الفظيعة، حيث لعنهم، وغضب عليهم، وجعل منهم القردة والخنازير، وعبد الطاغوت. ويمكن أن يقال: إن هذا الوعيد ينطبق على عامة اليهود، فمنهم من لعنه الله، وغضب عليه، ومنهم من جعل منهم القردة والخنازير، وهم أصحاب السبت خاصة، ومنهم من جعله يعبد الطاغوت، وكل هذا حاصل فيهم.
[ ١ / ٣٥٢ ]
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لدلالتها على وقوع الشرك ممن كان قبلنا، مع وجود الكتاب بين أيديهم، فلم يحجزهم عن عبادة الطاغوت، وفي هذا إشارة إلى أن هذه الأمة، وإن وجد فيها القرآن، وإن وجدت فيها الصحاح، والسنن، والمسانيد، فليس بمانع أن يقع من بعض أفرادها من يشرك بالله.
فوائد الآية:
١ - إمكان وقوع الشرك في هذه الآمة؛ لوقوعه فيمن كان قبلها.
٢ - محاجة المخالفين بالدليل الأظهر، فإنهم لما وصفونا بالشر، أمر الله نبيه بأن يقول لهم: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾، فذكر شيئًا من أوصافهم التي بلغوا فيها غاية الشر.
٣ - أن الجزاء من جنس العمل؛ فإن القوم لما انتكسوا بالشرك، وتنكروا لفطرهم، وغيروا ما أوجب الله عليهم من عبادته وحده، جوزوا بجنس عملهم؛ فمسخهم الله قردة وخنازير، مسخًا حقيقيًا. والجزاء من جنس العمل.
٤ - إثبات صفة الغضب لله ﷾.
ثم قال المصنف: "وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ " أي: قال المتغلبون من ذوي الولاية والسلطان الذين عثروا على أصحاب الكهف، نبني على كهفهم مسجدًا؛ تعظيمًا لهم. وذلك أن الله تعالى أعثر عليهم بعد ثلاثمائة وتسع سنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ [الكهف: ٢١]، أي: ليعلم الناس أن وعد الله بإحياء الموتى، وبعثهم من قبورهم أحياء، حق، وأن قيام الساعة حتم، إذ كانوا قد اختلفوا في البعث؛ هل هو حقيقة أم ليس كذلك؟ فأقام الله هذه الآية البينة؛ لتكون تعزيزًا لإثبات عقيدة البعث. فزين الشيطان لأصحاب السلطان، أن
[ ١ / ٣٥٣ ]
يبنوا مسجدًا على موضعهم، ويتبركوا بهم! وليس هذا من الله إقرارًا لهم، ولكنه نكير عليهم.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لأن الناس في ذلك الزمان قد وقع منهم الشرك، مع كونهم أهل كتاب، فبنوا المساجد على القبور، ووقعوا في الشرك، فحري أن يقع مثله في هذه الأمة.
فوائد الآية:
١ - تحريم اتخاذ المساجد على القبور.
٢ - إمكان وقوع مثله في هذه الأمة، وقد كان.
٣ - الحذر من الغلو في الصالحين.
ثم قال المصنف: "عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " أخرجاه" حديث أبي سعيد ﵁ حديث عظيم، وأصل كبير في حصول الاختلاف والافتراق في هذه الأمة.
قوله: "لتتبعنَّ" قسم، واللام هنا، لام القسم، فقد أكد النبي ﷺ هذا الخبر بالقسم، ولام القسم ونون التوكيد الثقيلة، فما بعد هذا التأكيد تأكيد.
قوله: "سنن من كان قبلكم" أي: طرق ومذاهب الأمم والطوائف السابقة.
قوله: "حذو القذة بالقذة" أي: أنكم تحذون حذوهم كحذو القذة بالقذة. والقذة: ريشة السهم، وكل سهم له قذتان، متناظرتان تمامًا، فلعظيم تناظرهما ضرب بهما المثل في التماثل. قوله: "حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" مثّل النبي ﷺ بجحر الضب، مع أنه لا يمكن للآدمي أن يدخل جحر الضب؛ لأن جحر الضب -كما هو معلوم- عند العارفين، يمتاز بالضيق، والحرج، والالتواء، فكأن النبي ﷺ يقول:
[ ١ / ٣٥٤ ]
حتى لو تقحموا المسالك الضيقة الوعرة، وركبوا الأمور المنكرة، المستهجنة، لفعلتم! وهذا الذي حدَّث به النبي ﷺ قد وقع كما قال. قوله: "قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ " أي: أتعني بمن كان قبلنا اليهود والنصارى؟ قوله: "قال: "فمن؟ " " أي: فمن غيرهم؟ وجاء في حديث آخر: فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: "ومن الناس إلا أولئك؟! " (^١). فمن مجموع الحديثين يتبين: أن النبي ﷺ أخبر أن أمته ستحاكي من كان قبلها من الأمم، سواء كان ذلك على الصعيد الديني، أو على الصعيد المدني؛ لأن فارس والروم يدلان على الحالة المدنية السياسية؛ إذ هما كيانان اجتماعيان، سياسيان، وأما اليهود والنصارى، فيدلان على الحالة الدينية. وما أخبر به النبي ﷺ قد وقع، فإن هذه الأمة قد وجد فيها من يضاهي اليهود والنصارى، ومن يضاهي المشركين، كالفرس والمجوس، وغيرهم من الأمم الشرقية والغربية.
ويُؤيد هذا الحديث: ما أخبر به النبي ﷺ من طرق عدة من حديث معاوية (^٢)، وعبد الله بن عمرو (^٣)، وأبي هريرة (^٤)، وأنس (^٥)، وغيرهم، من قوله: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار" قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: "الجماعة"،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" برقم (٧٣١٩).
(٢) المستدرك للحاكم - دار المعرفة برقم (٤٤٣).
(٣) المعجم الكبير للطبراني برقم (٦٢).
(٤) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب افتراق الأمم برقم (٣٩٩١) وأبو داود في كتاب السنة، باب شرح السنة برقم (٤٥٩٦) والترمذي ت شاكر في أبواب الإيمان، ما جاء في افتراق هذه الأمة برقم (٢٦٤٠) وأحمد ط الرسالة برقم (٨٣٩٦) وقال الألباني: "حسن صحيح".
(٥) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب افتراق الأمم برقم (٣٩٩٢) وأحمد ط الرسالة برقم (١٢٢٠٨) وصححه الألباني.
[ ١ / ٣٥٥ ]
وفي رواية: "ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (^١). فهذه النصوص الدالة على حصول الافتراق في هذه الأمة، وتبعية هذه الأمة لمن كان قبلها من اليهود والنصارى في افتراقهم، واختلافهم، تبلغ بمجموع طرقها مبلغ التواتر المعنوي.
وكتاب الله تعالى شاهد على أن التفرق سيحصل ويقع، ولم يكن النبي ﷺ ليسوق هذه الأحاديث للخبر المجرد، وإنما ساقها لتحذير أمته من مهاوي الضلال، وسبل الافتراق، فيهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة. وفرق بين الأمر الكوني والأمر الشرعي:
فالله تعالى قد قضى كونًا أن يقع الافتراق، وأن تتبع فئام من هذه الأمة سبل أهل الكتاب، والذين لا يعلمون، وسبق أيضًا في أمر الله الشرعي: النهي عن ذلك، فالواجب علينا أن نتفادى ما حرم الله تعالى شرعًا من التفرق والاختلاف، وأن نلزم السنة، وأن نعتصم بالكتاب.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، فقد أخبر النبي ﷺ أن ما وقع في الأمم السابقة سيقع في هذه الأمة، ومن ذلك الشرك، فقد وقع الشرك لدى اليهود والنصارى، ولدى فارس والروم، فسيقع في هذه الأمة.
فوائد الحديث:
١ - إمكانية وقوع الشرك في هذه الأمة، تبعًا لمن سبقها من الأمم.
٢ - علم من أعلام النبوة؛ لإخبار النبي ﷺ بأمور مستقبلة، ما كان يعلمها، فوقعت كما أخبر.
٣ - التحذير من مشابهة اليهود، والنصارى، والمشركين.
٤ - ضرب الأمثال، وأن ذلك مما يُعين على إيصال المعاني، وتقريب العلم، لقوله: "حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه".
_________________
(١) المعجم الأوسط للطبراني برقم (٤٨٨٦) والمعجم الكبير برقم (٦٢).
[ ١ / ٣٥٦ ]
ثم قال المصنف ﵀:
ولمسلم: عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة، وألا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيتُ قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا" (^١).
ورواه البرقاني في صحيحه، وزاد: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎" (^٢).
الشرح:
قوله: "ولمسلم عن ثوبان" ثوبان: هو مولى رسول الله ﷺ، صحبه، ولازمه، وخدمه، وكانت وفاته بحمص، سنة (٥٤ هـ)
قوله: "إن الله زوى لي الأرض" " أي: طواها، وجعلها كما جاء في بعض السياقات: كهيئة الكف، فقد صُورت له، وجمعت، حتى رآها، كما ينظر في
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض برقم (٢٨٨٩).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها برقم (٤٢٥٢) وصححه الألباني. وكذا أخرجه البرقاني كما أشار المصنف، ولعله في كتابه: الصحيح، ولا يتوفر بين أيدينا.
[ ١ / ٣٥٧ ]
المرآة، أو كما ينظر في كفه، وهذا أمر ممكن أن نتصوره، حين نرى العرض التلفزيوني للأحوال الجوية؛ ترى الكرة الأرضية مبسوطةً، مرسومة، تعرض يمنة ويسرة، شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، بل تراها في الأجهزة الكفية كذلك، فهذا نوع من الزوي، لكنا نعلم قطعًا، أن ما زواه الله لنبيه ﷺ ليس على الصفة التي ذكرنا، وإنما هذا من باب التقريب، والمقصود أن الله مكّن الله نبيه ﷺ من رؤيتها حقيقة.
قوله: "فرأيتُ مشارقها ومغاربها" رآها حقيقة، على صفتها التي خلقها الله عليها.
قوله: "وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها" أي: أن فتوحات أمة محمد ﷺ ستبلغ المشارق والمغارب، وقد وقع ذلك؛ فما مضى قرن على وفاة النبي ﷺ إلا وقد بلغ المسلمون تخوم الصين شرقًا، وخاضوا في المحيط الأطلسي غربًا، وملكوا بلاد الأندلس التي تُسمى الآن إسبانيا والبرتغال، شمالًا، وتسلقوا جبال البرانس التي تفصل بين إسبانيا وفرنسا، واستولوا على مناطق كبيرة من (بلاد الغال) كما كانت تُسمى، أي بلاد فرنسا، وقاربوا أن يصلوا "باريس"، ومكثوا في (بلاد الغال) سبعين سنة، كما أنهم من الجانب الآخر، شمالًا حاصروا القسطنطينية، وكادوا أن يفتحوها، وتوغلوا في بلاد النوبة، وأواسط أفريقيا جنوبًا. كل ذلك في القرن الهجري الأول، قرن الصحابة، الذي هو القرن الذهبي حقًا لهذه الأمة، فقد بلغ فيها ملك هذه الأمة المشارق والمغارب، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
ولعل في علم الله ﷿ في قادم الأيام ما لا نحيط به، فقد أخبر النبي ﷺ أن أمته ستمتلك روما، كما تمتلك القسطنطينية، فقد جاء في الحديث أن رجلًا سأل النبي ﷺ: أي المدينتين تُفتح أولًا؛ قسطنطينية أو رومية؟ فقال: "مدينة هرقل تُفتح أولًا" (^١)، يعني: قسطنطينية، وقد فتحها السلطان العثماني محمد الفاتح. وكاد المسلمون في زمن أسد بن الفرات تلميذ الإمام مالك بن أنس، رحمهما الله، أن يفتحوا روما، حينما استولوا على صقلية، قبالة إيطاليا،، لولا أن الباباوات، والأباطرة الرومان، بذلوا الجزية الذهبية لدفع ذلك.
وأما دعوة النبي ﷺ فإنه بفضل الله، ثم بواسطة الوسائل الإعلامية الحديثة
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٦٦٤٥).
[ ١ / ٣٥٨ ]
قد بلغت كل مبلغ، وإن كان لا يزال فئام من الناس لا يعلمون عنها شيئًا، لكنها قد بلغت جميع القارات.
قوله: "وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض" المراد بالكنزين قيل: كنز كسرى، وهو ملك الفرس، وكنز قيصر، وهو ملك الروم، وعبّر بالأحمر عن الذهب، وهو أكثر مال القياصرة، وبالأبيض عن الفضة، وهو أكثر مال الأكاسرة. وقد يكون المعنى أعم، فإن الذهب والفضة عند كلا المملكتين. وهذا يدل على أن هذه الأمة تنفتح عليها أبواب الغنائم، وهذا ما جرى فعلًا، فصارت الغنائم تساق إلى حواضر المسلمين في المدينة، ثم دمشق، ثم بغداد، من كل مكان، وتنقل السبايا، والأموال العظيمة من جراء الفتوحات الإسلامية.
قوله: "وإني سألتُ ربي لأمتي" أي: أن النبي ﷺ سأل ربه لأمته ثلاث مسائل، فأعطاه اثنتين، الأولى، والثانية، ومنعه الثالثة، وهذه الثلاث هي:
الأولى: "ألا يهلكها بسنة بعامة" والسنة: الجدب والقحط، فاستجاب الله دعاءه، فلم تقع مجاعة عامة بسبب القحط والجدب، وربما وقع هلاك جزئي.
الثانية: "وألا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم" أي: ألا يسلط على أمته عدوًا خارجيًا من غيرهم، فيستبيح بيضتهم. وبيضة القوم: عقر دارهم، وقصبة مملكتهم. ولا شك أن أم القرى مكة شرفها الله؛ ثم
[ ١ / ٣٥٩ ]
تليها المدينة، وقد حفظ الله هاتين البلدتين من أن يستبيحها كافر، فاستجاب الله تعالى هذه الدعوة أيضًا.
الثالثة: "أن لا يجعل بأسهم بينهم شديدًا" أي ألا يحتربوا فيما بينهم. لكن الله تعالى منعه هذه؛ ولأجل ذا وقع بين المسلمين على مدار التاريخ حروب وإحن كثيرة، شديدة، وهذا من حكمة الله البالغة، وقدره السابق.
قوله: "وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيتُ قضاء فإنه لا يرد" أي: إذا قضى الله قضاءً فإنه لا يرد، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]. ولا يشكل على هذا قول النبي ﷺ: "لا يرد القضاء إلا الدعاء" (^١)، فإن المقصود بالقضاء في هذا الحديث ليس القضاء الذي في اللوح المحفوظ، وإنما المراد به شيء انعقدت أسبابه، وتوفرت دواعيه، فصرفه الله بسبب الدعاء. فيكون الذي في أم الكتاب أن هذا الأمر الستوجب الوقوع، يعارضه دعاءٌ فيرفع بسببه، فالذي في اللوح المحفوظ السبب والمسبب معًا، وبذلك يزول الإشكال، فما في اللوح المحفوظ لا يتغير، وأما ما في صحف الملائكة، فإنه يقع فيه المحو والإثبات، كما قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، على أحد التفسيرين في معنى المحو والإثبات. وقيل: إن المحو والإثبات لا يتعلق بالأقدار، وإنما بالحسنات والسيئات، وهو الراجح.
قوله: "وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة، وألا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها" هذا وعد من الله لنبيه، والله لا يخلف الميعاد، فكان كما وعد: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، فإن هذه الأمة قد تكالب عليها من بأقطارها من أمم الأرض، وبقيت بيضتها محمية مصونة، وتقشع الغزاة، كالتتار، والصليبيين، والاستعمار الأوروبي الحديث، وحفظ الله لهذه الأمة -ولله الحمد- عقيدتها، وشخصيتها، وطريقتها، بل إن بعض الغزاة ذاب في هذه الأمة واعتنق دينها؛ لأنه دين يعلو ولا يُعلى عليه، كما وقع للتتار.
قوله: "حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا" هذه هي
_________________
(١) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب القدر، باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء برقم (٢١٣٩) وحسنه الألباني.
[ ١ / ٣٦٠ ]
الثالثة، التي لم يُعطها، فقد جرى في هذه الأمة من الفتن الداخلية، ما جعل بعضهم يقتل بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا، كما أخبر الله تعالى، وهذا أمر لا يخفى على قارئ التاريخ.
قوله: "رواه البرقاني في صحيحه، وزاد"البرقاني: الحافظ، أبو بكر، أحمد بن محمد الخوارزمي الشافعي، محدث، فقيه، ورع، مصنف. ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي سنة خمس وعشرين وأربعمائة، ﵀. وصحيحه مسند تضمن ما في الصحيحين، وزيادة. وزيادته هذه معتمدة، نقلها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بعض كتبه (^١).
قوله: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين" الأئمة: جمع إمام، والإمام هو من يقتدى به؛ ولذلك سُمي إمام الصلاة إمامًا؛ لأن مَنْ خلفه من الصفوف يقتدون بصلاته، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]، فالإمامة تكون في الخير والشر، فخاف النبي ﷺ على أمته من الأئمة المضلين، وهم: إما أن يكونوا أئمة دنيا، أو أئمة دين، فأئمة الدنيا: سلاطين فجرة، وأئمة الدين: علماء سوء، فهؤلاء وهؤلاء أضر شيء على الأمة، كما أن أضدادهم وهم الأئمة الصالحون، والعلماء الربانيون، أنفع للأمة؛ لأنه بصلاحهم يصلح الناس.
وقد روي عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: "لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لإمام عادل؛ لأن في صلاحه صلاحًا للمسلمين" (^٢)، فالسلطان الصالح، والعالم الرباني، نفعهم وأثرهم على الأمة لا يوصف، والعكس بالعكس، كما قال ابن المبارك:
وَهَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إِلَا الملُوكُ … وَأحْبَارُ سُوءٍ وَرُهبانُها (^٣).
قوله: "وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة"، صدق
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (١/ ١٤٢).
(٢) الفروع وتصحيح الفروع (٣/ ١٧٨) والمبدع في شرح المقنع (٢/ ١٦٦).
(٣) ديوان عبد الله بن المبارك (ص: ٢٧).
[ ١ / ٣٦١ ]
رسول الله ﷺ، فقد وقع السيف حين انكسر الباب، بقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، كما في صحيح البخاري، حينما كان عمر ﵁ مع نفر من الصحابة يتذاكرون، فقال: أيكم يذكر الفتن؟ فقال حذيفة: "فتنة الرجل في أهله وماله وولده، يكفرها الصوم والصلاة، قال: ليس عن هذا أسألك، ولكني أسألك عن الفتن التي تموج موج البحر، وكان حذيفة ﵁ ذا عناية بأمر الفتن؛ يقول: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني" (^١)، فقال: ما لك ولها يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا، فقال: عمر ﵁: أيُفتح الباب أم يُكسر؟ فقال حذيفة: بل يُكسر، قال: أكسرًا لا أبًا لك؟! إذن لا يُرد أبدًا (^٢)، وهذا من فقهه ﵁؛ لأن الباب إذا فُتح كان حريًا أن يُرد، لكن إذا كسر لم يرد، فمعنى ذلك: أن الفتن تنفتح على المسلمين، ولا يمكن ردها، وهذا ما جرى. فقيل لحذيفة بعد ذلك: أكان عمر يدري من الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غدٍ الليلة، فسأله بعض أصحابه من الباب؟ قال: عمر. فقد كان الباب المنيع الحائل دون وقوع الفتن، فقتله أبو لؤلؤة المجوسي، ثم مرت سنوات من خلافة ذي النورين عثمان بن عفان ﵁، والأمور تبدو مطمئنة، لكن أهل الفتن والشغب من الخوارج كانوا ينخرون في الأمصار، ويحرضون الدهماء، حتى تداعوا وتنادوا للموسم -موسم الحج-، ثم توجهوا إلى المدينة، وحصروا أمير المؤمنين، عثمان، في بيته، وتسوروا عليه، وقتلوه شهيدًا، فدخلت الأمة في أتون من الفتن المتلاحقة، تذكو تارة، وتخبو تارة. فذلك مصداق قول النبي ﷺ: "وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة".
قوله: "ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين" هذا محل الشاهد من الحديث للباب. والحي: القبيلة، والجماعة الكثيرة، فدل على أنه يقع في هذه الأمة شرك.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام برقم (٣٦٠٦) ومسلم في الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن برقم (١٨٤٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب الصوم كفارة برقم (١٨٩٥) ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا، وأنه يأرز بين المسجدين برقم (١٤٤).
[ ١ / ٣٦٢ ]
قوله: "وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان" الفئام: الجماعات الكثيرة، فهذا دليل آخر، صريح في وقوع الشرك في هذه الأمة، وأن منها من يعبد الأوثان.
وقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ، فهؤلاء الذين يدعون غير الله، ويستغيثون بغيره، فيما لا يقدر عليه إلا الله، ويسألونهم الشفاء، والفرج، وتنفيس الكربات، وإجابة الدعوات، ويطوفون بقبورهم، ويعكفون عندها، مشركون يعبدون الأوثان. وسيقع بصورة أشد صراحة؛ فقد جاء في الحديث: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة" (^١)، يعني: يطفن حوله. وذو الخلصة: صنم كانت تعبده قبيلة دوس، ومواطنها ما يُسمى الآن بمنطقة "الباحة"، وكان لهم صنم معروف، يقال له: ذو الخلصة.
وأما قول النبي ﷺ: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" (^٢)، فهذا إخبار من النبي ﷺ عن حال الشيطان في وقت من الأوقات؛ أنه أيس أن يُعبد غير الله في جزيرة العرب، وهذا لا يمنع وقوع ما أخبر به من عود الشرك.
قوله: "وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي" هذا، أيضًا، من أعلام النبوة، حيث أخبر النبي ﷺ أنه سيكون في أمته متنبؤون كذابون، عدتهم ثلاثون. وقد ثبت هذا في أحاديث أخرى كما في قوله: "في أمتي كذابون ودجالون سبعة وعشرون: منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي" (^٣)، فيكون العدد ثلاثين، خرج مخرج الجبر، والمقصود بهم من كان لهم شأن، وشهرة، وأتباع، وأما المتنبئون المغمورون؛ كالمجانين، فهؤلاء لا حصر لهم.
ومن المتنبئين الذين صار لهم ذكر، وأتباع: مسيلمة الكذاب، وسجاح، والأسود العنسي، وطليحة بن خويلد الأسدي، وإن كان قد تاب ﵁، وغيرهم، وممن وُجد في العصور الأخيرة: ميزرا غلام أحمد القادياني، ومحمد علي
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الفتن، باب تغيير الزمان حتى تعبد الأوثان برقم (٧١١٦) ومسلم في الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس … برقم (٢٩٠٦).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس وأن مع كل إنسان قرينًا برقم (٢٨١٢).
(٣) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٢٣٣٥٨) وقال محققو المسند: "إسناده صحيح".
[ ١ / ٣٦٣ ]
الشيرازي، ومن يلقب نفسه بالبهاء، مؤسس طائفة البهائية، وغيرهم من أدعياء النبوة، وربما ادعوا أكثر من ذلك.
قوله: "وأنا خاتم النبيين" الختم: مهر الشيء، وطبعه، فإذا ختم على الشيء فلا يزاد عليه. ويصح أن يقال: (خاتَم) بفتح التاء، و(خاتِم) بكسرها. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]
قوله: "لا نبي بعدي" هاتان الجملتان قاطعتان لطمع كل متطلعٍ، أفاك، أثيم، يحاول ادعاء النبوة؛ ولهذا لما أيس بعض الزنادقة من تحصيل النبوة لأنفسهم، بالرياضة والمجاهدة، زعموا، نفخوا في صورة الولاية، فقالوا: مقام الولاية فوق مقام النبوة! وأنشد قائلهم:
مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ … فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِيِّ (^١).
فقلبوا السُّلّم، وجعلوا أعلى المقامات مقام الولاية، تليها النبوة، ثم دونها الرسالة، والعكس هو الصحيح: فالرسالة أعلى المراتب، ثم النبوة، وأما الولاية، فإن الولي لا يُوحى إليه أصلًا، فهي ليست قسيمًا، ولا ندًا للنبوة والرسالة، لكن القوم لما أسقط في أيديهم، ولم ينالوا ما اشتهوه من هذه المراتب، ادعوا أن مرتبة الولاية مرتبة سامقة عالية، أعلى من مرتبة النبوة.
قوله: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة". هذه البشارة تقابل ما تقدم، فإن من يقرأ الجمل السابقة قد يلحقه شيء من الأسى أنّ هذا يقع في هذه الأمة شرك، وعبادة أوثان، فأتى بهذه الجملة التي تبعث في النفس الفأل والفرح ببقاء طائفة على الحق، منصورة. والطائفة: الجماعة الكثيرة، منصورة: أي: أنها مؤيدة بالحق، غالبة.
_________________
(١) البيت لابن عربي في فصوص الحكم (١/ ٦٣) ونسبه له ابن تيمية في مجموعة الرسائل والمسائل (٤/ ٦٦) وهو في الطبقات الكبرى للشعراني الصوفي (٢/ ٦٢) بلا نسبة، وفي الصفدية (١/ ٢٥٢) والفرقان (ص: ١٩٧) كلاهما لابن تيمية أيضًا، ويوجد بيت قريب منه في لطائف الأسرار لابن عربي (ص: ٤٩) وفيه: دون الولي وفوق الرسول. وهو في منهاج السنة (٥/ ٣٣٦) وذكر محققه الدكتور محمد رشاد سالم أنه لم يجد هذا البيت في كتب ابن عربي، ووجد في كتابه (لطائف الأسرار): سماء النبوة في برزخ … دوين الولي وفوق الرسول.
[ ١ / ٣٦٤ ]
قوله: "لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم" لا يضرهم من خذلهم من الناحية العملية، ولا من خالفهم من الناحية العلمية. فالضرر منتف عن الطائفة المنصورة من الجهتين:
الأولى: الخذلان؛ كالمثبطين الذين إذا قيل لهم: قوموا معنا، انصروا دين الله، مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قالوا: هلك الناس، فلا فائدة ولا جدوى، ونحو ذلك من المعاذير، كما قال تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
الثانية: المخالفة: المنازعة في الحق، واتباع المتشابه، فإذا قيل لهم: يا قوم! هذا الشرك الذي بُعث الأنبياء برده، قالوا: هذا مجرد تقرب بالصالحين، واستشفاع بهم، لمنزلتهم عند الله، ونحو ذلك. قوله: "حتى يأتي أمر الله ﵎" أمر الله الذي سيأتي هو ساعة المؤمنين؛ وليست الساعة الكبرى؛ وهي الريح الطيبة التي يبعثها الله تعالى في آخر الزمان؛ ريحها أطيب من المسك، ومسها ألين من مس الحرير، فتدخل خياشيم كل مؤمن فتستل روحه، فلا يبقى على وجه الأرض مؤمن، ويبقى في الأرض شرار الخلق، كما تقدم، فعليهم تقوم الساعة. فالساعة التي بمعنى خراب العالم، لا تقوم على مؤمن، وإنما تقوم إلا على شرار الخلق، وأما أهل الإيمان فإن لهم ساعة دون ذلك، وهي الريح الطيبة.
فقد أخبر ﷺ بأن الطائفة المنصورة باقية -بحمد الله- لا تنقطع سلسلتها، وهذا هو الواقع، فإنه لم يزل من حماة السنة، وحراس العقيدة على مر العصور والدهور، من أقامهم الله تعالى في هذه المهمة الشريفة، فحفظوا السنن والآثار، ورووا أحاديث النبي ﷺ على وجهها، وانتدبوا لتمييز الصحيح من الضعيف، وذبوا عن السنة، وجاهدوا في سبيل الله، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وصبروا، وصابروا، ورابطوا، حتى أبقى الله تعالى هذا الدين مصونًا محفوظًا لم يُشب.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من إخبار النبي ﷺ بأنه يلتحق حي من أمته بالمشركين، وأن فئامًا من أمته تعبد الأوثان، وهذا مطابق للترجمة.
[ ١ / ٣٦٥ ]
فوائد الحديث:
١ - كفر يهود، وإيمانهم بالجبت والطاغوت، وشدة عداوتهم للمؤمنين، وموالاتهم للكافرين.
٢ - شدة شر اليهود، وحلول اللعنة والغضب عليهم، وعقوبتهم العاجلة بالمسخ، والشرك.
٣ - خطر العاطفة والاستحسان المجرد عن الدليل، وإفضائه إلى الشرك، كما وقع من الذين غلبوا على الأمر، في قصة أصحب الكهف من اتخاذ المسجد عليهم.
٤ - سنة الله الكونية في اتباع السابقين.
٥ - عظيم قدرة الله، وتصويره الأرض لنبيه، حتى رأى المشارق والمغارب.
٦ - البشارة باتساع رقعة البلاد الإسلامية، ودخول الناس في دين الله أفواجًا.
٧ - صدق موعود الله لهذه الأمة بالنصر والتمكين، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]
٨ - حرص النبي ﷺ على أمته، ورأفته ورحمته بالمؤمنين.
٩ - اثبات القدر السابق، والرد على القدرية النفاة لقوله عن ربه: "إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد".
١٠ - إثبات صفة الكلام لله تعالى، وتعلقه بمشيئته.
١١ - حفظ الله لأمة محمد ﷺ من المجاعات المفنية، بسبب القحط.
١٢ - حفظ الله لأمة محمد ﷺ من الزوال بسبب عدو خارجي، مهما بلغت قوته وكثرته.
١٣ - حصول الفتن الداخلية في أمة محمد ﷺ، وما يترتب عليها من القتل والاسترقاق.
١٤ - خطر الأئمة المضلين في الدنيا والدين.
١٥ - استمرار الفتن في أمة محمد ﷺ، ابتلاءً من الله، إلى قيام الساعة.
١٦ - حصول الردة الجماعية من بعض الأمة، وتحولهم إلى الشرك.
١٧ - عودة عبادة الأوثان في الأمة، والرد على من أنكر وقوع ذلك.
[ ١ / ٣٦٦ ]
١٨ - ظهور المتنبئين الكذابين، وبيان أن عددهم ثلاثون.
١٩ - إثبات عقيدة ختم النبوة، وكفر من أنكرها؛ كالقاديانية.
٢٠ - بقاء طائفة على الحق منصورة، وهم أهل السنة والجماعة، وتأييدهم، وحفظهم من ضرر المنافقين المخذلين، وأهل البدع المخالفين.
٢١ - توقيت ذلك بإتيان أمر الله، وهي الريح الطيبة، فلكل أجل كتاب.
٢٢ - في الحديث جملة من أعلام النبوة، من إخباره ﷺ بأمور مستقبلة، وقعت، وتقع، وستقع، كما أخبر.
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء.
وهي قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، فوقع فيهم الشرك رغم كونهم أهل كتاب، فكذلك يقع في هذه الأمة، خلافًا لمن أنكره.
الثانية: تفسير آية المائدة.
وفيها: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ مع كونهم أهل كتاب، فكذلك يقع في هذه الأمة، خلافًا لمن أنكره، أو استبعده.
الثالثة: تفسير آية الكهف.
وهي قول الله ﷿: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ فوقع فيهم الشرك، مع وجود الكتاب بين أيديهم، فكذلك في هذه الأمة.
الرابعة: وهي أهمها: ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت؟ وهل هو اعتقاد قلب؟ أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟
أراد المصنف ﵀ المعنى الثاني، كما يدل عليه منطوق الآية، وسبب
[ ١ / ٣٦٧ ]
النزول. ولا شك أن الأول يدخل دخولًا أوليًا، وهو الإيمان بها بالقلب، لكن ما استنبطه المصنف من الآية هو موافقة أهلها موافقة عملية. وهذا ينطبق على كثير من المنتسبين للعلم، الذين لا يرون بهذه البدع الشركية بأسًا، ولا يرفعون بإنكارها رأسًا.
الخامسة: قولهم: "إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلًا من المؤمنين".
أي أن يهود فضلت سبيل المشركين على سبيل المؤمنين، وزكت طريقتهم، مع علمهم بشركهم وكفرهم، مناكفةً للمؤمنين، وحسدًا من أنفسهم. وقد وقع من علماء السوء في زمن المصنف ﵀ من يُغلِّط الشيخ، وينصر أصحاب البدع الشركية عليه، ويقول: أنتم أهدى وأصوب مما يدعوكم إليه، مع أنه يدعوهم إلى توحيد الخالق، وذم الأنداد، وعبادة الله ﷿.
السادسة: وهي المقصود بالترجمة: أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة كما تقرر في حديث أبي سعيد.
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الذي قال فيه النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم"، فإذا كان الله قد أخبرنا عن من قبلنا بأنه وقع فيهم مَنْ يؤمن بالجبت والطاغوت، ومَن عبد الجبت والطاغوت، ومن اتخذ المساجد على قبور الصالحين، فإنه يقع في هذه الأمة سواء بسواء.
السابعة: التصريح بوقوعها، أعني عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة.
كما في رواية البُرقاني: "وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان"، فإذا ادعى المدافعون عن القبورية، والوثنية المعاصرة، أن أمة محمد معصومة من الشرك، يقال لهم: هذا محمد نفسه ﷺ قال: "وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان" أفأنتم أعلم أم رسول الله ﷺ؟!
[ ١ / ٣٦٨ ]
الثامنة: العجب العجاب: خروج من يدعي النبوة مثل المختار، مع تكلمه بالشهادتين، وتصريحه بأنه من هذه الأمة، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق، وفيه أن محمدًا خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح، وقد خرج المختار في آخر عصر الصحابة، وتبعه فئام كثيرة.
وهو المختار بن عبيد الثقفي، وكان قد خرج في أواخر عهد الصحابة، بالعراق، فادعى النبوة والألوهية، ووقع منه -والعياذ بالله- شر عظيم، وتبعه خلق كثير من المفتونين، حتى أهلكه الله ﷿، فهذا فعلًا مما يدعو للعجب أن يُصدَّق مع أنه كان يظهر الإقرار بنبوة محمد ﷺ.
التاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية، كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة.
كما في قوله: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة"؛ ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يشرف بالانتماء إلى هذه الطائفة المنصورة، وأن يحرص على معرفة صفاتها، وخصائصها، حتى يسلكه الله تعالى في سلكها.
العاشرة: الآية العظمى؛ أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم.
كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]
الحادية عشرة: أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة.
لقوله: "حتى يأتي أمر الله"، ومراده بالساعة: ساعة المؤمنين، وهي الريح الطيبة.
[ ١ / ٣٦٩ ]
الثانية عشرة: ما فيهن من الآيات العظيمة.
منها: إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب، وأخبر بمعنى ذلك، فوقع كما أخبر، بخلاف الجنوب والشمال. وإخباره بأنه أعطي الكنزين. وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين. وإخباره بأنه منع الثالثة. وإخباره بوقوع السيف، وأنه لا يرفع إذا وقع. وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة. وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة. وكل هذا وقع كما أخبر، مع أن كل واحدة منها من أبعد ما يكون في العقول.
فهذا نحو عشر آيات من آيات النبوة، أخبر بها النبي ﷺ، وكلها وقعت كما أخبر ﷺ، وبعضها يقع، وبعضها سيقع. وقد يتفاجأ السامع في وقت النبي ﷺ كيف يقع ذلك؟ لكن الأمر وقع كما أخبر ﷺ، ومن تأمل هذه الآيات وطبقها على الواقع وجد أنها منطبقة غاية الانطباق.
الثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين.
الحصر بقوله: "وإنما"؛ لأن الأئمة المضلون يحصل بضلالهم ضلال من خلفهم. وهذا في الأمور العامة، وأما الأمور الخاصة، فقد قال: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ" (^١)
الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان.
في قوله: "وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان". أي: أن عبادة الأوثان لا تختص بالركوع والسجود لها، بل تشمل اتباع المضلين الذين يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحله الله، فيتبعوهم. وهذا مما وقع في هذه الأمة، كما وقع فيمن قبلها.
_________________
(١) (أخرجه أحمد برقم (٢٣٦٣٦)
[ ١ / ٣٧٠ ]