وقول الله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [سورة النساء: ١٧١].
وفي الصحيح: عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [سورة نوح: ٢٣] قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي (^١) العلم عُبدت" (^٢).
وقال ابن القيم: "قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم" (^٣).
وعن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" (^٤)، أخرجاه.
_________________
(١) في صحيح البخاري (٦/ ١٦٠): و(تنسخ العلم) أي: زالت معرفة الناس بأصل نصبها.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب: ﴿وَدًّا وَلَا سُواعًا، وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾، برقم (٤٩٢٠).
(٣) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ١٨٤).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول اللَّه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦] برقم (٣٤٤٥) ومسلم في الحدود، باب رجم الثيب في الزنا برقم (١٦٩١).
[ ١ / ٢٩٥ ]
وقال: قال رسول الله ﷺ: (إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" (^١).
ولمسلم: عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا (^٢).
الشرح:
كان بنو آدم على ملة واحدة، هي التوحيد، كما قال الله ﷿: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]، فوقعوا في الشرك بسبب الغلو في الصالحين. والغلو: مجاوزة الحد، وهو بمعنى: الإفراط، فكلُّ مجاوزة للحد؛ سواء كان في القول، أو الاعتقاد أو العمل، فإنه يُعد غلوًا. والمراد "بالصالحين" جمع صالح، فيتناول عند الإطلاق جميع أصناف المؤمنين، والأنبياء، والصديقين، والشهداء. أما عند الاقتران، فالصالحون هم: الممتثلون لأوامر الله، المجتنبون لمناهيه.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كان الشرك نقيض التوحيد، ناسب أن يعقد المصنف بابًا يذكر فيه السبب الذي أوقع بني آدم في الشرك، بعد أن كانوا على التوحيد؛ ليُحذر ذلك الأمر ويجتنب، ولا يقع الناس فيما وقع فيه أسلافهم.
قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ هذا نداء من الله ﷿ إلى أهل الكتاب، وأهل الكتاب المراد بهم حصرًا: اليهود والنصارى، ومما يدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا
_________________
(١) أخرجه بنحوه ابن ماجه في كتاب المناسك، باب قدر، حصى الرمي برقم (٣٠٢٩) وصححه الألباني.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب العلم، باب هلك المتنطعون برقم (٢٦٧٠).
[ ١ / ٢٩٦ ]
عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] والطائفتان اللتان أُنزل عليهما التوراة والإنجيل، هم اليهود والنصارى.
وهذا المصطلح (أهل الكتاب) لا يدل، بحد ذاته، على مدح ولا ذم، فإنهم أهل الكتاب بمعنى: أن الكتاب أنزل عليهم؛ ولهذا يُعبر الله تعالى أحيانًا بقوله: ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٠١]، ومرة بقوله: ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، ومرة بقوله: ﴿أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾ [الشورى: ١٤]، فلا يكون مدحًا لهم إلا إذا أقاموهما به، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، وإن هم ضيعوهما كان ذلك ذمًا، وعاد حجة عليهم.
وقد آل الحال بأهل الكتاب إلى تحريفه، وتضييعه؛ ولما بُعث نبينا ﷺ كانت فرصة سانحة لأهل الكتاب أن يرجعوا إلى ملة إبراهيم، فإن الله تعالى قد قال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]، فكان القرآن رافعًا للإشكال والالتباس الذي وقع فيه اليهود والنصارى، فلو أنهم اغتبطوا بنعمة الله، وقبلوا ما ساق الله تعالى إليهم من الخير لنجوا وسعدوا، وقد جرى ذلك لكثير منهم -ولا ريب-، فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥] فهؤلاء يؤتون أجرهم مرتين؛ لأنهم أمنوا برسولهم الأول، ثم آمنوا بمحمد ﷺ ثانيًا، بخلاف الذين أصروا على كفرهم وتكذيبهم، وقولهم بأن الله ثالث ثلاثة، وأن عيسى ابن الله، أو هو الله، وقولهم بالحلول والتجسد والبنوة، وغير ذلك من العقائد الباطلة التي عليها نصارى اليوم، أو اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، وكذبوا بمحمد ﷺ.
وقد وجه الله تعالى إلى أهل الكتاب جملة من النداءات، من بينها هذا النداء العظيم:
قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أي: لا تتجاوزوا ما أمركم الله تعالى به في العقائد والأعمال. وأكثر غلو النصارى في العقائد، وأكثر
[ ١ / ٢٩٧ ]
غلو اليهود في الأعمال، وإن كان قد وقع لكلا الطائفتين غلو في الاعتقاد، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] فغلوا في البشر، ورفعوهم فوق منزلتهم، وتجاوزوا بهم الحد، وشبهوهم بالخالق، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
ثم إن النصارى لم يزالوا يغلون في عيسى ﵇ حتى قالوا: هو الله، أو ثالث ثلاثة، وجعلوا الإله مكونًا من ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، والروح القدس، كما أنهم غلو في الحواريين، ومن يسمونهم الرسل، كبولس، والأساقفة، وأطلقوا عليهم لقب "قديسين"، وزعموا أنه إذا اجتمع الأساقفة في "مجمع" واحد، فإنهم معصومون، وأن "الروح القدس" يوجههم. فنشأت (المجامع النصرانية) التي ابتدأت من مجمع نيقية، سنة (٣٢٥) للميلاد، وتلتها مجامع متعددة، كان آخرها المجمع الفاتيكاني الثاني، الذي دام من سنة (١٩٦١ م) إلى (١٩٦٥ م). فيعتقد النصارى الكاثوليك: أنه إذا اجتمع أساقفتهم الذين على وجه الأرض في مجمع مسكوني -والمسكوني نسبة إلى الأرض المسكونة- فإن جميع قراراتهم ودساتيرهم تكتسب العصمة، بل غلا بعضهم وزعم لعصمة لبابا الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. وفي المقابل، فهم مفرطون في الأعمال، فلا عبادة عند النصارى، ولا التزام بالشريعة؛ لأن (بُولس) أفسد دينهم، وأقنعهم أن مجرد الإيمان بيسوع المخلص -كما يقولون- يبررهم، أي: يحصل لهم بذلك البر، ويسقط عنه الناموس أي: الشريعة، فيكون معفىً من إتباع شريعة موسى! هذا معنى "التبرر" عندهم. ويلاحظ أن النصارى ليس عندهم عبادات تُذكر، وغاية ما في الأمر أن يحضر أحدهم قدَّاسًا يوم الأحد، ويستمع إلى موعظة القسيس، وبعض التراتيل، ويتناول العشاء الرباني "الأفخارستيا" من يد الكاهن، وهو كسرة خبز مغموسة بنبيذ، ثم ينصرف.
أما اليهود فقد غلوا في الاعتقاد، كما غلوا أيضًا في الأعمال، فصار عندهم تشدد في أمر الذبائح، والطهارة، وغير ذلك، حتى صار الدين كالأغلال والآصار عليهم، ولو آمنوا لسلموا ونجوا، كما قال تعالى: فنهاهم الله تعالى عن الغلو، فقال: ﴿﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ
[ ١ / ٢٩٨ ]
الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
مناسبة الآية للباب:
واضحة جلية، حيث نهي الله فيها أهل الكتاب عن الغلو، فأبوا، وغلوا في أنبيائهم وصالحيهم، فكفروا، وخرجوا عن دين أنبيائهم. وهو نهي وتحذير لهذه الأمة أيضًا أن تسلك مسلكهم؛ وذلك أن نبينا ﷺ قد أخبرنا فقال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم" قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن" (^١)، وقد وقع فعلًا، في هذه الأمة غلو، وإن كان بنسبة أقل، من أفراد غلوا في الأنبياء، والصالحين، والأولياء، ورفعوهم فوق منزلتهم، وأطلقوا عليهم الأوصاف والمدائح التي لا تنبغي إلا لله. وبقيت الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، شاهدة بالحق، في كل زمان ومكان، ولله الحمد والمنة.
فوائد الآية:
١ - تحريم الغلو.
٢ - الرد على اليهود والنصارى فيما أحدثوه في دينهم.
٣ - أن الغلو قد يقع في الأشخاص، برفع شخص فوق منزلته، وقد يقع في الأعمال بابتداع ما لم يشرعه الله تعالى.
٤ - فضل دين الإسلام، وأنه دين التوسط والاعتدال؛ بين إفراط اليهود، وتفريط النصارى، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] فمن لزم السنة المحضة فقد سار في طريق وسط لا عوج فيه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" برقم (٧٣٢٠) ومسلم في العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى برقم (٢٦٦٩).
[ ١ / ٢٩٩ ]
ثم قال المصنف ﵀:
قوله: "في الصحيح" المراد بالصحيح هنا: صحيح البخاري.
قوله: "عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ " القائلون هم قوم نوح، ﵇، يتواصون فيما بينهم؛ يقول بعضهم لبعض: تمسكوا بما أنتم عليه، ولا تتركوا عبادة آلهتكم، وعلى وجه الخصوص هؤلاء الخمسة: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وخصوا هؤلاء الخمسة بالذكر؛ لشهرتهم، ومنزلتهم عندهم. وقد عرّفهم ابن عباس ﵄ بقوله: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا، أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا" أي: اعمدوا وأقيموا أنصابًا، والأنصاب: هي الأصنام المصورة، وسموها بأسمائهم. ففعلوا، وهذا إيحاء شيطاني، متلبس بالصلاح والموعظة، يستزل به الجهال، فكأنه قال: إن أنتم تركتم هؤلاء الخمسة الفضلاء، بعد موتهم، فسوف تنسونهم، وتكسلون عن العبادة، والرأي: أن تتجهوا إلى مجالسهم التي كانوا يُعلِّمون فيها العلم، ويعظون فيها الناس، وتنصبوا صورًا وتماثيل لهم، تسمونها بأسمائهم، حتى إذا رأيتموهم تذكرتم مجالسهم، ونشطتم على العبادة. هكذا كيد الشيطان، وتزيينه، وتسويله، واستزلاله للأغرار. ولو قال لهم من البداية: اعبدوهم! لرفضوا مقالته؛ إذ كانوا حديثي عهد بتوحيد، لكنه أتاهم بالتدرج؛ شيئًا فشيئًا، فاكتفى من الجيل الأول بهذا التعظيم، وقبل منهم.
قوله: "ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك" وهم الجيل الأول، الذين نصبوا الأنصاب.
قوله: "ونسي العلم" أي: اندرس؛ لأن العلم يندرس بموت العلماء العاملين، وعدم وجود من يحفظه في الصدور، لا في السطور، فقد تُوجد الكتب، ومع هذا يُهجر العلم؛ فالعبرة بالعلم المقترن بالعمل.
قوله: "عُبدت" فإن الشيطان أتى إلى من بعدهم، وأغراهم بعبادتهم، وقال: هؤلاء شفعاؤكم عند الله، فادعوهم، وارجوهم، فلهم منزلة عند الله، فعبدوهم، وهكذا وقع الشرك.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وفي بعض الآثار عن ابن عباس ﵁ قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا (^١)، كما قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] أي: على التوحيد، ﴿فاختلفوا،﴾ فاختلفوا في عباداتهم، وأشركوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣].
قوله: "قال ابن القيم ﵀: قال غير واحد من السلف لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم" (^٢)، كلام ابن القيم، ﵀، زيادة بيان لما رواه البخاري عن ابن عباس، وفيه زيادة: وهي العكوف، أي: وافق رواية البخاري في صنع التصاوير والأنصاب، وزاد على ذلك ذكر العكوف، بمعنى: أنه أغراهم في البداية أن يعكفوا على قبورهم، فعكفوا على قبورهم، تعظيمًا لهم، وانجذابًا إليهم. ثم نقلهم إلى مرحلة أخرى فقال: يطول بكم ذلك، فانصبوا لهم أنصابًا في مجالسهم حتى يسهل عليكم استصحاب ذكرهم، فهكذا يتسلل الشيطان إلى قلوب الآدميين ويتلطف بالإغراء والوسوسة، فينبغي للمؤمن الفطن، الكيس، الحاذق، أن يجعل على قلبه حارسًا يفحص الواردات، ويميز بين الواردات الإيمانية، والواردات الشيطانية، فلا يستدرج إلى هلكة.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، ففيه أن الغلو في الصالحين يُفضي إلى عبادتهم.
فوائد الحديث:
١ - أن الغلو في الصالحين من أعظم أسباب الشرك.
٢ - التحذير من التصوير، لا سيما تصوير المعظمين؛ من الأمراء، والعلماء، والصالحين، لما يؤدي إلى التعلق والغلو. فيجب الحذر من التصاوير، لا سيما ما كان منها منحوتًا؛ لأنه أبلغ في المضاهاة، سواء كان منحوتًا من
_________________
(١) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (٤/ ٢٧٥).
(٢) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ١٨٤).
[ ١ / ٣٠١ ]
خشب، أو حجر، أو خزف. وإذا توجه الإنسان إلى كثير من بلاد المسلمين -للأسف- وجد هذه الأنصاب مبثوثة في الميادين العامة، والأماكن المشرفة. وهذا من أعظم الأسباب المفضية إلى الشرك بالله تعالى.
٣ - الحذر من مكائد الشيطان وأحابيله؛ فإن الشيطان لا يأتي دفعة واحدة، وإنما يتدرج في إيقاع العبد بما أحب، درجات. فليكن المؤمن على حذر أن يوقعه في البدعة، أو في الكبيرة، أو في الغفلة. ينبغي للمؤمن أن يكون يقظًا، ولا يكون غافلًا عن مكائد الشيطان. ومع ذلك فإن الشيطان على تلطفه، وتسلله إلى النفس بمختلف الوسائل، فإن كيده ضعيف أمام النفس المؤمنة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦].
٤ - فضل العلم وأهله؛ لقوله: "حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم عُبدت" فالعلم حصانة، وعصمة، فإن الله يرد به شرًا كثيرًا، وأهل العلم هم أوتاد الأرض، ونجوم السماء، إذا هم أدوا ما حملهم الله إياه، وشرفهم به.
٥ - أن فقد العلم لا يكون بفقد الكتب المسطورة والأوعية الصوتية، والأقراص المدمجة، وإنما يكون بفقد العلماء، كما في الحديث: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (^١).
٦ - ذم التقليد؛ لأن من جاء بعدهم قلدوا أسلافهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] وقد مر في الباب السابق قريب من هذا المعنى في قصة أبي طالب، حين نخاه المشركان بنخوة الجاهلية: "أترغب عن ملة عبد المطلب؟ " فتقليد الآباء والأجداد على الباطل، من أعظم أسباب الضلال.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم برقم (١٠٠) ومسلم في العلم، باب رفع العلم وقبضه برقم (٢٦٧٣).
[ ١ / ٣٠٢ ]
ثم قال المصنف ﵀:
"عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"، وهذا من تواضعه ﷺ، فإنه نهى أصحابه عن الإطراء. والمقصود ب (الإطراء): المبالغة بالمدح، والتزيد فيه، وربما كان الإطراء الذي قصده النبي ﷺ هو هذا النوع الذي قيده بقوله: "كما أطرت النصارى ابن مريم"، ولا يعني ذلك عدم التوسع في الثناء عليه ﷺ، وذكر سيرته الشريفة، وشمائله الطاهرة، ولكن ما جاوز ذلك كان مذمومًا، فالنصارى غلت في المسيح ﵇، فمنهم من اعتقد أنه الله، ومنهم من اعتقد أنه ابن الله، ومنهم من اعتقد أنه ثالث ثلاثة، ومنهم من يخلط بين ذلك كله، ويعبر بتعبيرات فلسفية غامضة؛ فيزعمون أن الله ﷾ حل في جسد المسيح، وأن المسيح هو الإله الذي يمشي بين الناس، وأنه هو الذي قُبض عليه، وعُلق على الصليب، ومات، ثم يزعمون أنه قام من قبره بعد ثلاثة أيام. تارة يتحدثون عن الله، فينقلب الحديث عن الإبن! ويختلط "الناسوت" ب"اللاهوت"، فلا يستطيعون التعبير عنه بلغة واضحة مقنعة، فلهذا كثر اختلافهم، ووصفوا بالضلال، حتى قال بعض أهل العلم: لو اجتمع عشرة من النصارى ليبحثوا قضية واحداة لخرجوا بأحد عشر قولًا، فهم "الضالون" الذين ضلوا عن سواء السبيل.
قوله: "إنما أنا عبد" أداة حصر، فقطع الطريق على كل نزعة غلو.
قوله: "فقولوا: عبد الله ورسوله" هذا من حسن التعليم والتلقين. فالأصل فيه العبودية كسائر الناس، ولكنها عبودية خاصة، فإنه أكمل الناس عبودية لله رب العالمين. وقد جمع النبي ﷺ لنفسه بين وصفين، كما جمع الله تعالى له هذين الوصفين وهما:
١ - أنه عبد: وفي وصفه بالعبودية رد على أهل الغلو الذين يرفعونه إلى مقام الألوهية.
٢ - أنه رسول: وفي وصفه بالرسالة رد على أهل الجفاء الذين يقدحون فيه ﷺ، ولا يعزروه، ولا يوقروه. فالحق وسط بين ضلالتين، وعدل بين عوجين، ووسط بين طرفين.
[ ١ / ٣٠٣ ]
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، لما فيه من النهي عن الإطراء الذي هو مقدمات الغلو المفضي إلى التأليه. وأن النبي ﷺ الذي هو أكرم بني آدم على الله ﷿ يشرف بوصفه بالعبودية، فمن زاد عن وصفه بالعبودية والرسالة فقد غلا، وأفضى به ذلك إلى الشرك، ومن أمثلة ذلك أبيات البوصيري، التي يقول فيها:
يا أكرَمَ الخلقِ ما لي مَنْ ألوذُ به … سِوَاكَ عِنْدَ حُلولِ الحادِثِ العَمِمِ
اِنْ لم يكُن في مَعَادِي آخِذًَا بِيَدِي … فَضْلًا وإلا فَقُلْ: يا زَلَّةَ القَدَمِ
فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَتِهَا … وَمِنْ عُلُومِكَ عِلَمَ اللوحِ وَالقَلمِ (^١).
فمثل هذه الأبيات لا تزيد صاحبها قربًا من الله، ولا محبةً من رسوله، ولو سمعها النبي ﷺ لأنكر عليه، كما أنكر على من قال أقل من ذلك_ كما سيأتي_ فإن في هذا منازعة لله تعالى في خالص حقه في ألوهيته، وربوبيته أيضًا، ولكن الغلو يعمي ويصم، فنسأل الله ﷿ أن يلزمنا كلمة التقوى.
فوائد الحديث:
١ - تحريم الغلو، ومجاوزة الحد في المديح.
٢ - كمال شفقة النبي ﷺ ونصحه لأمته.
٣ - أن الغلو في الصالحين يفضي إلى الشرك، كما أفضى الغلو في عيسى بالنصارى إلى الشرك، فكذلك من غلا في النبي ﷺ فإنه يفضي به إلى الشرك.
٤ - التحذير من التشبه باليهود، والنصارى، وسائر الكفرة، فالواجب أن يربأ المسلم بنفسه عن السير على طريقهم وتقليدهم. وأنه لمن دواعي الأسف أن نجد الآن كثيرًا من المسلمين يحاكي النصارى الغربيين في عاداتهم وتقاليدهم، كإقامة حفلات الميلاد لأولاده؛ من بنين وبنات، ويُطفئ الشموع بعدد سنوات عمره، وغير ذلك، ولم يكن هذا جاريًا بين المسلمين، ولا من عادة أهل الإسلام، وإنما شاهدوه في الأفلام وقرأوه في القصص والروايات، فصاروا يحاكونه، يظنون أن هذا لا يقدح في الدين، وهو في الحقيقة يهدم الدين؛ لأن
_________________
(١) من بردة البوصيري. ينظر: ثلاثية البردة ﷺ (ص: ٨١ - ٨٢).
[ ١ / ٣٠٤ ]
من تشبه بقوم فهو منهم. فعلينا أن نعتز بديننا، وأن نعلم أن الله أكرمنا بكرامة عظيمة، حيث قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فلا يليق بأمة الرسالة، والقيادة، والريادة، أن تكون ذيلًا وتبعًا لمن هم دونها.
ثم قال المصنف ﵀:
"قال رسول الله ﷺ " هكذا ذكر المصنف هذا الحديث دون عزوٍ إلى مصدره، في جميع النسخ. والحديث رواه الإمام أحمد (^١)، وابن ماجه كما تقدم، من حديث ابن عباس ﵄.
قوله: "إياكم والغلو" (إياكم): اسم فعل بمعنى: احذروا، عكس عليكم. و(الغلو) منصوبة بالفعل المحذوف، (احذروا).
قوله: "فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" أي: من الأمم، وهذا يشمل اليهود والنصارى، وغيرهم. وهذه جملة تعليلية تفيد الطمأنينة للحكم، وإمكان القياس، وسمو الشريعة.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، فإن فيه النهي عن الغلو مطلقًا.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن الغلو؛ لقوله: "إياكم".
٢ - فضيلة الاعتبار بحال الأمم السابقة، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الروم: ٤٢] وهذا هو السير المثمر، وليس السير لتتبع الآثار، والتعجب من المباني، والمخلفات، والتراث، ففائدة ذلك قليلة، وإنما المفيد: نظر الاعتبار. ولقد وجه القرآن الكريم إلى الاعتبار بمساكن الأمم السابقة التي يمرون عليه، فقال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٣٢٤٨) وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط مسلم". وصححه الألباني.
[ ١ / ٣٠٥ ]
تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] وقال: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] وهي مدائن صالح في وادي القرى، فكانوا يمرون ويرون هذه البيوت المنحوتة من الصخر، مما يدل على قوة أهلها، ومع ذلك أهلكهم الله ﷿. ولما مر النبي ﷺ بوادي القرى أمر أصحابه فقال: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم" (^١)، وقنَّع النبي ﷺ رأسه ووجهه، وأرخى الزمام لناقته، ومر سريعًا؛ لأنها أرض عذاب، فالذي ينبغي للإنسان ألا يذهب للتنزه، والترفه، والتسلية في هذه الأماكن، وإنما يدخلها للاعتبار والاتعاظ، هذا هو المطلوب.
٣ - حرص النبي ﷺ على أمته؛ فالنبي ﷺ ما ترك شاذة ولا فاذة إلا ونبه أمته عليها، كما قال أبو ذر: "لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا" (^٢). فلا يمكن أن تجد مسألة من المسائل، أو نازلة من النوازل، إلا وفي ديننا -ولله الحمد- الشفاء والغناء والكفاية.
٤ - وجوب الاعتدال في جميع الأمور. فيجب على المسلم أن يحذر من جميع صور الغلو، فالغلو هو الذي أوقع الخوارج في تكفير المسلمين، واستحلال دمائهم، وأموالهم، والغلو هو الذي أوقع الرافضة في تأليه علي بن أبي طالب ﵁، ورفعه فوق منزلته، وأهل بيته من بعده، ولا تكاد تجد فرقة من الفرق الهالكة، إلا وقد غلت في شيء من الأشياء:
فالمشبهة: غلو في الإثبات، حتى وقعوا في التمثيل.
والمعطلة: غلو في التنزيه، حتى وقعوا في التعطيل.
والقدرية: غلو في إثبات أفعال العباد، حتى أنكروا القدر.
والجبرية: غلو في إثبات أفعال الله ﷿، حتى سلبوا العبد مشيئته وفعله.
فليحذر الإنسان من الغلو، وليكن معتدلًا وسطًا، والوسطية تكون في
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب برقم (٤٣٣) ومسلم في الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم برقم (٢٩٨٠).
(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٣/ ١٦٣).
[ ١ / ٣٠٦ ]
العقائد، وفي العبادات، وفي المعاملات، وفي الأخلاق، وفي النفقات، وفي كل شيء. كما قيل:
عليك بأوساط الأمور فإنها طريق إلى نهج الصواب قويم
ولا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وأما الغلو في العبادات فله صور:
منها: أن يحدث في دين الله ما ليس منه، بأن يبتدع أذكارًا، أو أورادًا، أو صلوات، أو أفعالًا، لم يأتِ بها النبي ﷺ، فهذا نوع من التجاوز.
ومنها: أن يأتي إلى أمر مشروع فيزيد فيه، أو يدعه، كالثلاثة النفر الذي قال أحدهم: "أنا أصوم الدهر، ولا أفطر"، مع أن الصوم في أصله مشروع، وقال الآخر: "أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا"، مع أن القيام مشروع، وقال الثالث: "أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا" (^١)، مع أن الزواج مشروع، فينبغي للمسلم أن يسُوس نفسه سياسة معتدلة؛ لأن النفس كالدابة التي يركبها؛ من حصان، أو بغل، أو سيارة، فإن حمّلها ما لا تطيق أعيت، وتعطلت، وإن ترفق بها، واغتنم نشاطها، سارت حثيثًا، وحفظ عليها نشاطها، واستبقى مادتها.
وأما الغلو في المعاملات: فيكون بأكل الربا، واللعب بالميسر، وبيوع الغرر، لتجاوزها حد العدل والإنصاف، وما يترتب عليه من المجازفة، والمضارة المنافية للتوسط.
وأما الغلو في الأخلاق: فيكون بتجاوز الحد الأوسط؛ فيكون كرمه إسرافًا وتبذيرًا، وشجاعته تهورًا وهلكة، وقوته بطشًا وتنكيلًا. وهكذا.
وأما الغلو في النفقات: فيكون بالخروج عن "القوام"، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].
فليكن المسلم معتدلًا في كل شيء؛ في عقائده، وعباداته، ومعاملاته، وأخلاقه، ونفقاته، بل وفي عواطفه ومشاعره؛ لأن من الناس من إذا أحب أسرف، وإذا أبغض أسرف، وقد جاء في بعض الآثار: "أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح برقم (٥٠٦٣) ومسلم في النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه … برقم (١٤٠١).
[ ١ / ٣٠٧ ]
عسى أن يكون حبيبك يومًا ما" (^١)، فينبغي للإنسان ألا يشتط، ولا يغلو في شيء من الأمور، حتى تنضبط نفسه، ويعتدل ميزانه.
ثم قال المصنف ﵀:
"ولمسلم: عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا" أي: كررها ثلاث مرات، و"هلك" إما خبر عنهم، وإما دعاء عليهم بالهلكة، ولا مانع من اجتماع الأمرين.
قوله: "المتنطعون" جمع متنطع، والتنطع: التعمق في الشيء، والمبالغة فيه، والتكلف. فمن التنطع في العقائد: الغلو في الصالحين، وما يحصل من المبالغة في إطرائهم، وتعظيمهم. والصواب: أنه إن كان صاحب فضل وعلم ودين، فحقه الاحترام، والإجلال، والانتفاع بعلمه وفضله، والتأسي بأخلاقه، لا بالتمسح به، والانحناء له، ولحس يديه، مما يفعله الجاهلون.
ومن التنطع في العبادة: ما يفعله الموسوسون، من الإسراف في استعمال في الماء في الوضوء والغسل، وقد حدثني بعضهم: إنه لا يدخل دورة المياه حتى يشغل "الدينامو"؛ لأن الماء ينتهي في الخزان! مع أن خير الورى ﷺ يتوضأ بمد، ويغتسل بصاع، وهو أوفر منا شعرًا، وأعظم فضلًا.
ومن التنطع: التشدق في الكلام، فمن الناس من يتشدق في كلامه، ويعبر بالألفاظ المغربة، ويقع في التكلف الذي برأ الله منه نبيه ﷺ، قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ،
_________________
(١) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب البر والصلة، باب ما جاء في الاقتصاد في الحب والبغض برقم (١٩٩٧) وصححه الألباني.
[ ١ / ٣٠٨ ]
وَالْمُتَشَدِّقُونَ، وَالْمُتَفَيْهِقُونَ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ، وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: " الْمُتَكَبِّرُونَ " (^١)
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما فيه من ذم التنطع، وهو نوع من الغلو، والدعاء على المتنطعين.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن التنطع في جميع الأشياء.
٢ - الحث على الاعتدال في جميع الأشياء.
٣ - حرص النبي ﷺ على هداية أمته، وحملهم على المنهج السوي الصحيح.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده تبيّن له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله، وتقليبه للقلوب العجب.
الأبواب الثلاثة المشار إليها هي:
- باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين.
- باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده.
- باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله.
وهي تكشف عما آل إليه حال كثير من الناس، وحكمة الله في ابتلائهم.
الثانية: معرفة أول شرك حدث في الأرض أنه بشبهة الصالحين.
كما أفصح عنه تفسير ابن عباس للآية، وأن هذه الأصنام المعبودة، أسماء لرجال صالحين.
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (٢٠١٨)، وأحمد برقم (١٧٧٦٧)، والبخاري في الأدب المفرد برقم (١٣٠٨)، وغيرهم، وصححه الألباني.
[ ١ / ٣٠٩ ]
الثالثة: أول شيء غيّر به دين الأنبياء، وما سبب ذلك، مع معرفة أن الله أرسلهم.
الشيء هو عبادة الصالحين، وسبب ذلك هو الغلو فيهم، مع إقرارهم بالنبوات.
الرابعة: قبول البدع، مع كون الشرائع والفطر تردها.
البدعة: هي الإحداث في الدين، ومع ذلك تقبل، وتنطلي على الغافلين، مع أن العقل والشرع يأبيان البدعة؛ لأن البدعة استدراك على الدين، وتنقص للشريعة. فقد تمكن الشيطان من تمرير هذا الإحداث على بني آدم، بتزيينه ووسوسته.
الخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل. فالأول: محبة الصالحين. والثاني: فعل أناس من أهل العلم شيئًا، أرادوا به خيرًا، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره.
وهذا ملحظ مهم، وهو أن سبب ما وقعوا فيه، هو لبس الحق بالباطل، بأن دعاهم الشيطان إلى تعظيم الصالحين، وإظهار محبتهم لينشطوا على في العبادة، وهذا حق، لكنه خرج بهم إلى حد الغلو؛ وهو: إقامة الأنصاب لهم، إبقاءً لذكرهم، فآل الأمر بمن بعدهم إلى دعائهم وعبادتهم. ولولا هذا الحق الممزوج بالباطل ما قُبل منه. فمهمة الراسخين في العلم: تمييز الحق من الباطل، والمحكم من المتشابه، والتحذير من الخلط والتلبيس.
السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح.
وقد تبيّن تفسيرها بحمد الله، من كلام ابن عباس- رضي الله عنهما_. وتتمة ذلك أن نعلم: أن هذه الأصنام رجعت في قبائل العرب، مع أنها كانت في زمن نوح؛ لأنه لما جاء الطوفان طمرت، وكانت في موضع في جدة، فأتى الشيطان إلى عمرو بن لحي في منامه، وقال له: "ائت صفا جدة، تجد فيها أصنامًا معدة، فأوردها تهامة ولا تهب،
[ ١ / ٣١٠ ]
ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب" (^١)، فذهب، وكشف عنها، وفرّقها في قبائل العرب، وزاد على ذلك فأحضر "هبل" من البلقاء، وجعله في مكة، فهو يتحمل وزر المشركين الذين جاؤوا بعده إلى يوم القيامة، وقد قال النبي ﷺ: "رأيتُ عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، أبا بني كعب هؤلاء، يجر قصبه في النار" (^٢)
السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه، والباطل يزيد.
هذا من تأثير الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، والهوى، وإلا فقد فطرها الله على التوحيد.
الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن السلف: أن البدعة سبب الكفر.
لأن البدعة خروج عن النص والدليل، فالبدعة لم تكن في مبدئها شركًا، فمجرد إقامة الأنصاب ليس شركًا، وإنما بدعة عملية، ثم أدت بهم تلك البدعة إلى عبادتها، فصارت شركًا.
التاسعة: معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة، ولو حَسُن قصد الفاعل.
الشيطان يدرك طبيعة بني آدم؛ ولهذا تدرج معهم، مستغلًا حسن القصد، المقترن بالجهل، فبدأ بهم بالبدعة؛ لمعرفته بما تؤول بهم إليه.
العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي: النهي عن الغلو، ومعرفة ما يؤول إليه.
القاعدة الكلية قوله تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ وهي مطردة في جميع الأمور؛ في العقائد، والعبادات، والعادات، والأخلاق، والنفقات، وفي كل شيء.
_________________
(١) تلبيس إبليس (ص: ٥٠).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء برقم (٢٨٥٦).
[ ١ / ٣١١ ]
الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر؛ لأجل عمل صالح.
لما نقل ابن القيم عن السلف: (لما ماتوا عكفوا على قبورهم)، وسيأتي له مزيد بيان في البابين اللذين أشار إليهما المصنف ﵀، فإن العكوف على القبور، وطول والمكث عندها، ولو لعمل صالح، يُؤدي إلى هذه المضرة البليغة.
الثانية عشرة: معرفة النهي عن التماثيل، والحكمة في إزالتها.
لما نقله ابن القيم ﵀ عن غير واحد من السلف، (ثم صوروا تماثيلهم) فالتصوير ذريعة للوقوع في الشرك، لا سيما إذا كان لمعظمين. وسيأتي باب مستقل في التصوير.
الثالثة عشرة: معرفة شأن هذه القصة، وشدة الحاجة إليها، مع الغفلة عنها.
أي القصة التي ذكرها ابن عباس ﵄، فإنها قصة عظيمة، تكشف عن مثيلاتها، مما يتكرر مع بني آدم، ومع ذلك يغفل عنها.
الرابعة عشرة: وهي أعجب وأعجب: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم، حتى اعتقدوا: أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات، فاعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال.
يشير المصنف إلى علماء السوء، من سدنة الأضرحة والمقامات، الذين يقرؤون هذه القصة، ويقفون على معناها الجلي في التفاسير والصحاح والسنن، ثم تنطمس بصائرهم فيقعون فيما وقع فيه قوم نوح من الشرك الصراح، ويستحسنونه،.
الخامسة عشرة: التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة.
أي: أن أولئك الذين نصبوا الأنصاب للصالحين، زعموا أنهم ما أرادوا إلا الشفاعة، وهي ذات الدعوى التي يدعيها مشركو زمانه ﵀.
[ ١ / ٣١٢ ]
السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك.
أي ظن الجيل الثاني أن الجيل الأول من العلماء أرادوا بذلك أن يتخذوهم شفعاء، مع أنهم لم يريدوا ذلك، بل أرادوا تخليد ذكرهم، ومحبتهم. فكأن المصنف ﵀ يشير إلى حال كثير من الجهال الذين يغترون بأمور تصدر من علماء السوء، فيقعون في الشرك، من حيث لا يعلمون.
السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله ﷺ: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم"، فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين.
هذا بيان بليغ منه ﷺ؛ إذ أنه نهى عن الإطراء، وهو مجاوزة الحد في المدح، والتزيُّد فيه، وبيّن ذلك بالمثال، فقال: "كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم"، ثم بيّن لهم ما الذي ينبغي أن يقولوه، فإن من سد بابًا فعليه أن يفتح بدله، فأرشدهم إلى العبارة البليغة المطابقة للواقع، التي لا إفراط فيها ولا تفريط، وهي: "عبد الله ورسوله" فوصْفه بالعبودية ردٌ على أهل الغلو، ووصْفه بالرسالة رد على أهل الجفاء.
الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين.
ووجه النصح: إخباره ﷺ بهلاك المتنطعين، ثلاثًا، وهذا من الاجتهاد في النصح، سواء قلنا: إن ذلك خرج مخرج الخبر، أو خرج مخرج الدعاء، ففيه التحذير من الوقوع فيما وقعوا فيه، فالتنطع مذموم، سواء كان متعلقًا بالعقائد، أو العبادات، أو العادات والسلوك.
التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تعبد حتى نُسي العلم، ففيها بيان معرفة قدر وجوده، ومضرة فقده.
وقد جاء ذلك في حديث ابن عباس ﵄، حيث قال: "ونسي العلم" يعني: أندرس، وهذا يدل على أن العلم عصمة من الوقوع في البدع
[ ١ / ٣١٣ ]
والضلالات. والرب ﷾ يعصم عبده بأنواع من العصمة: فمن ذلك:
- الإيمان: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾
- العلم: فإن العلم نور، وضده الجهل.
- التقوى: فإن التقوى فرقان: يفرق الله تعالى به بين الحق والباطل.
- العقل، فقد يمن الله تعالى على بعض عباده بعقل راجح، يتبين به مآلات الأمور.
- الخُلق، فإن الخلق الكريم، والمروءة تحول بين العبد وبين الزلل والخطأ.
فهذه العواصم الخمس إن اجتمعت لعبد، فذلك أعلى الكمال؛ يعصمه الله تعالى من الخطأ والضلال في حق نفسه، وفي حق عباده، وإذا فقد العبد جميعها، فهو أضل الضالين، وأهلك الهالكين. وبين هذين الطرفين مضمار واسع، يتفاوت فيه الناس، نسأل الله أن يعصمنا بعصمته.
العشرون والأخيرة: أن سبب فقد العلم: موت العلماء.
لأنه لما مات قبض الجيل الأول، ونسي العلم، وقع المحذور من الشرك بالله تعالى، فيرجع الأمر إلى موت العلماء، كما جاء مصرحًا به في الحديث: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (^١)، فهذا يدل على منزلة أهل العلم، لأنهم يُمسِّكون بالكتاب، ويحفظ الله بهم الملة، وينبغي ألا يكون العلم محبوسًا في السطور، بل يكون في الصدور، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، ثم يظهر من الصدور إلى الجوارح، حتى يكون علمًا حقيقيًا نافعًا مباركًا، وهذا هو حال العلماء الربانيين.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم برقم (١٠٠) ومسلم في العلم، باب رفع العلم وقبضه برقم (٢٦٧٣).
[ ١ / ٣١٤ ]