وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة الواقعة: ٨٢].
وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة"، وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب" (^١)، رواه مسلم.
ولهما: عن زيد بن خالد ﵁ قال: "صلّى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية، على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب" " (^٢).
ولهما: من حديث ابن عباس بمعناه، وفيه: قال بعضهم: "لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُّدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة الواقعة: ٧٥ - ٨٢] " (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة برقم (٩٣٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم برقم (٨٤٦) ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء برقم (٧١).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار برقم (٣٨٥٠) ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء برقم (٧٣) واللفظ لمسلم.
[ ٢ / ٤٣١ ]
الشرح:
قال المصنف ﵀: "باب: ما جاء في الاستسقاء بالأنواء" أي: من الوعيد والزجر، والاستسقاء: طلب السقيا، والأنواء: جمع نوء، وهي منازل القمر؛ وذلك أن للقمر منازل، كما قال الله ﷿: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] فله في الشهر ثمان وعشرون منزلًا، ينزل في كل ليلة منزلًا، وأهل المعرفة بالنجوم يقولون: إذا مكث النجم ثلاثة عشر ليلة غاب، وطلع رقيبه.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
نسبة نزول المطر إلى غير الله ﷿ من الشرك الأكبر، المنافي للتوحيد، لأنه شرك في الربوبية، وسؤاله من غير الله، شرك في الألوهية.
قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: تجعلون حظكم ونصيبكم التكذيب، كأنه لم يكن لكم حظ ولا نصيب إلا كفر تكذيب النعمة، فكان أهل الجاهلية، أنه إذا غاب نجم وظهر رقيبه، قالوا: نمطر بنوء كذا وكذا، وإذا وافق ذلك مطرًا قالوا: مطرنا بنوء كذا وكذا. وكان ينبغي لهم أن يشكروا نعمة المنعم على إنزال المطر، ولكنهم عكسوا القضية، ونسبوا النعمة إلى الكواكب، فما أضلهم، وأخسر صفقتهم!
فوائد الآية:
١ - بطلان نسبة نزول المطر إلى الأنواء.
٢ - أن نسبة نزول المطر إلى النوء منافٍ لشكر نعمة الله.
٣ - أنه كذب من وجهين؛ لأنه إخبار بخلاف الواقع، ولأنه تكذيب بالنعمة، وجحد للمنعم.
٤ - وجوب شكر نعمة الله ﷿؛ فالشكر عبادة عزيزة، فكثير من الناس يحسن عبادة الصبر، وقليل منهم يحسن عبادة الشكر؛ ولهذا قال ربنا ﷿: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. فحين تحل البلايا والرزايا يفزع العبد إلى ربه ويدعوه، ولا شك أن هذا عبادة، ثم إذا أنعم عليه،
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وفرج عنه: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨] ولا يتفطن للنعمة إلا أصحاب القلوب الواعية، كما أثنى الله تعالى على نوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] وكما كان نبينا ﷺ يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت له عائشة ﵂: "أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ " قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" (^١). فعلى المؤمن أن يتفطن لشكر المنعم، وهو في مسيره، وتقلبه بين أهله، فيشكر الله بلسانه، وقلبه، وفعاله، كما قيل:
أَفَادَتْكُمْ النَّعْمَاء مِني ثَلَاثَة … يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِير المحَجَبا (^٢).
فشكر القلب: بأن يغتبط بنعمة الله، ويشعر بالامتنان له ﷾، وكثير من الناس لو فتشت بين أضلاعه، ونبشت عن قلبه لوجدته مسكونًا بالنقمة، والتبرم، والضيق، لا يشعر بشكر نعمة الله، فالذي ينبغي أن يحل المرء في سويداء القلب الشعور بنعمة الله ﷿، وأعظمها الشعور بنعمة الإسلام.
وشكر اللسان: باللهج بشكر الله ﷿ ونسبة النعم إليه، وهذا أمر تلمسه عند بعض الموفقين، فكلما جلس مجلسًا يثني على الله بما هو أهله، ويشكره على نعمائه، ومن الناس من يعقل لسانه عن ذلك، ولا يتحدث بنعم الله عليه، وربما ترك ذلك خوفًا من العين، فإذا سئل عن حاله، أجاب بما يشعر بالبؤس، مع أن الله قد أغدق عليه النعم، ولا شك أن هذا نوع من الكفران، المنافي للإيمان، وكان ينبغي أن يقول: نحن في خير، ونعمة، وسعة، وفضل من الله، ويذكر ما ينبغي؛ لأن الله يحب أن يشكر. نعم لا حاجة أن يتباهى الإنسان ويتفاخر على الناس بما خوله من نعم، لكن إذا كان المقام مناسبًا، أو سُئل، فعليه أن يثني بالنعمة على مسديها، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].
وشكر الجوارح: أن يسخر جوارحه في شكر نعمة الله؛ فإذا أنعم الله عليك بالصحة، فانقل خطاك إلى المساجد، وصلِّ مع الجماعة، واسعَ على الأرملة
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾، [الفتح: ٢] برقم (٤٨٣٧)، ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، برقم (٢٨٢٠).
(٢) البيت بلا نسبة في نهاية الأرب في فنون الأدب، ت: قمحية (٣/ ٢٣٣)، والمستطرف في كل فن مستطرف (ص: ٢٤٤)، ونفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب (٦/ ٢٧٤).
[ ٢ / ٤٣٣ ]
والمسكين، وحج، واعتمر، واستعمل هذه الجوارح فيما يقرب به إلى الله ﷿، حتى إماطة الأذى عن الطريق.
قوله: "وعن أبي مالك الأشعري" الحارث بن الحارث، الأشعري، الشامي ﵁. قوله: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن" هذا عَلَمٌ من أعلام النبوة؛ يخبر النبي ﷺ بأربع خصال مذمومة، مما كان عليه أهل الجاهلية، تظل سارية في عموم الأمة، لا في جميع أفرادها، والواقع شاهد على ذلك. والجاهلية: الفترة التي سبقت الإسلام، كما سماها الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] وهي منسوبة إلى الجهل؛ وهو عدم العلم، فإن العلم إنما أتى الله به مع نبيه ﷺ بوحي السماء، كما قال الله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢].
وكونهن من خصال الجاهلية، لا يقتضي كفر من وقع فيها، فقد يتلبس الإنسان بخصلة من خصال الجاهلية ولا يكون بذلك كافرًا؛ كما قال النبي ﷺ لأبي ذر ﵁ عندما قال لبلال: يا ابن السوداء: "إنك امرؤ فيك جاهلية" (^١) أي: فيك خصلة من خصال الجاهلية، فقد يعلق بالمسلم شيء من أمور الجاهلية، فلا يتخلص منه إلا بالمجاهدة، كما في هذه الخصال المذكورة:
الأولى: "الفخر بالأحساب" وهو التعاظم على الناس بالآباء، والمآثر، كأن يقال: نحن قبيلة كذا، وفينا كذا، وفعلنا كذا. ولم يزل هذا موجودًا في الناس إلى يومنا هذا، "ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه" (^٢).
الثانية: "الطعن في الأنساب" وهو: تنقص الناس بالعيب، كأن يقال: هذا لا أصل له، وهذا مشكوك في نسبه، وهذا وضيع، ونحو ذلك من أمر الجاهلية، وليس من أخلاق الإسلام.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك برقم (٣٠) ومسلم في كتاب الإيمان والنذور، باب إطعام المملوك مما يأكل برقم (١٦٦١).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر برقم (٢٦٩٩).
[ ٢ / ٤٣٤ ]
الثالثة: "الاستسقاء بالنجوم" وهو: نسبة السقيا والمطر إلى حركة النجوم والأنواء، وهذا موضع الشاهد من الحديث للباب، ولم يزل في الناس من ينسب نزول المطر إلى النجم الفلاني، وينسى أن هذه مجرد موافقة تزامنية، لا أقل ولا أكثر. ولو تأمل الإنسان في كلام الناس، وكلام الفلكيين، لوجده شاهدًا لقول النبي ﷺ، وإعلامه بهذا الأمر الساري في الأمة.
الرابعة: "النياحة على الميت" وهي: رفع الصوت بالبكاء، والندب على الميت، وهذا يقع، غالبًا، من النساء؛ لجزعهن، وغلبة عاطفتهن. ولا شك أنّ الموت مصيبة، لكن هذه المصيبة يجب أن تواجه بالصبر والاحتساب، لا بالصراخ والعويل، وشق الجيوب، ولطم الخدود، فإن ذلك لا يرد ميتًا، ولا يغني عن صاحبه.
قوله: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها" عبر بالنائحة، مع أنه يدخل في ذلك النائح، لوقوعه في النساء أكثر من الرجال، وقوله: "إذا لم تتب قبل موتها" يدل على عظم أمر التوبة، وأن التوبة تجب كل معصية.
قوله: "تقام يوم القيامة" أي: تبعث يوم القيامة.
قوله: "وعليها سربال من قطران" أي: ثوب ملطخ بالقطران، وقيل: هو النحاس المذاب.
قوله: "ودرع من جرب" الدرع للمرأة بمعنى القميص. والجرب: مرض جلدي معروف، يصيب الإنسان والحيوان، ينشأ عنه حكة عظيمة، وأما القطران ففيه حرارة متناهية عظيمة، والإنسان إذا وقع على بشرته شيء حار، أو أصابته حكة بليغة، فإنه يتألم تألمًا عظيمًا، فلما كانت النائحة تصيح بأعلى صوتها في الدنيا، وقد تفعل ذلك أيضًا تكلفًا، كالنائحة المستأجرة، كانت عقوبتها يوم القيامة من جنس عملها، فتقوم وهي تصيح وتولول، بسبب هذا السربال من القطران، والدرع من الجرب، كما قال الله: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦].
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، لما تضمنه من حسبان النبي ﷺ: "الاستسقاء بالنجوم" من خصال الجاهلية؛ لما فيه من نسبة التدبير، والنعمة إلى غير الله ﷿.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
فوائد الحديث:
١ - علامة من أعلام النبوة، لما فيه من الإخبار بأمور مستقبلة.
٢ - تحريم الفخر بالأحساب، وعُبِّية الجاهلية.
٣ - تحريم الطعن في الأنساب، وازدراء الناس.
٤ - تحريم الاستسقاء بالنجوم والأنواء؛ ونسبة التدبير والنعمة لغير الله.
٥ - أن المذكورات من خصال الجاهلية.
٦ - وجوب مخالفة أهل الجاهلية، وتحريم التشبه بهم.
٤ - أنّ التوبة تجُبُّ ما قبلها؛ لقوله: "النائحة إذا لم تتب".
٥ - التنبيه على شرط من شروط التوبة، وهو أن تقع في الزمن المحدد شرعًا، وهما زمنان: زمن عام، وزمن خاص. فالزمن الخاص: ما لم تبلغ الروح الحلقوم، والزمن العام ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
قوله: "ولهما عن زيد بن خالد الجهني" المدني، صحابي مشهور، مات سنة ثمان وستين، أو ثمان وسبعين، بالمدينة، وقيل بالكوفة. ﵁.
"قال: صلّى لنا رسول الله ﷺ " أي: صلى بنا، كأنه لما أمَّهم ﷺ صنع لهم، ولا شك أن من حصل له صلاة خلف النبي ﷺ فقد حصل له نعمة عظيمة، فضُمِّن هذا المعنى. قوله: "صلاة الصبح بالحديبية" الحديبية: قرية معروفة تبعد عن مكة قدر مرحلة، في طريق جدة، وهي المسماة الآن (الشميسي)، جزء منها في الحل، وجزء منها في الحرم. ولهذا كان النبي ﷺ عام الحديبية نازلًا في الحل منها، فإذا أراد أن يصلي تقدم إلى الشق الذي في الحرم، فصلى به، لمزيد فضل الصلاة في أرض الحرم.
قوله: "على إثر سماء" إثر الشيء: ما يعقبه، والمراد بالسماء هنا: المطر، وسمي المطر سماءً باعتبار جهته؛ لأنه ينزل منها.
قوله: "كانت من الليل" أي: أنهم مُطروا ليلًا.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
قوله: "فلما انصرف، أقبل على الناس" أي: لما فرغ من صلاته، أقبل عليهم بوجهه وخطابه. قوله: "هل تدرون؟ " " أسلوب استفهام، والغرض منه تنبيه الأذهان.
قوله: " "ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم" هذه الجملة تقال في زمن النبي ﷺ بإطلاق؛ في الأمور الشرعية والكونية، أما بعد زمن النبي ﷺ فلا يقال: الله ورسوله أعلم إلا في الأمور الشرعية. فلو قيل لك: هل قدم فلان من السفر؟ فلا تقل: الله ورسوله أعلم، وإنما: الله أعلم، ولو قيل لك: ما حكم كذا، في أمر لا تعلمه؟ فيصلح أن تقول: الله ورسوله أعلم. قوله: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر" هذا الكفر ليس كفرًا مخرجًا عن الملة؛ لأن العبودية المذكورة هنا عبودية الإيمان، كما أنه صادر عن جهل.
"فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب" هذه الجملة قالها المؤمنون، فاكتسبت صفة الذكر المشروع، بإقرار الله تعالى، وإقرار النبي ﷺ لها، فجمعت بين الفضل والرحمة، كما في الآية الأخرى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
"وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب" ووجه كفره: أنه وقع منه لفظ ينافي التوحيد الواجب، حيث نسب المطر إلى النجم، فيكون شركًا أصغر، ولو صدر من معتقد أن النوء هو المؤثر لكان شركًا أكبر، مخرجًا عن الملة، لكن هذا لا يتصور من الصحابة -رضوان الله عليهم-، فعلمهم النبي ﷺ ما ينبغي لهم أن يقولوه.
قوله: "ولهما: من حديث ابن عباس" أي: غير حديث زيد بن خالد، أي: فيه زيادة.
قوله: "قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى قوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ " لا يزال الناس، إلى يومنا هذا، حين يقع مطر في موسم معين، يقولون: صدق نوء كذا وكذا! وهذا من شرك الألفاظ، وهو من أنواع الشرك الأصغر، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ الآيات.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
وللمفسرين في مواقع النجوم قولان:
الأول: منهم من يقول، كابن عباس (^١): المراد بها نجوم القرآن؛ لأن القرآن نزل منجمًا حسب الوقائع والحوادث، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
الثاني: المراد: مطالع الكواكب والأجرام السماوية، وهو القول الذي أراده المصنف، وهي مطالع عظيمة؛ ولأنه قسم عظيم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦]. فهذه النجوم التي تبدو لنا قريبة، لا تقاس في القياسات الحديثة، إلا بالسنين الضوئية، والسنة الضوئية: ما يقطعه الضوء في سنة كاملة، وسرعة الضوء أعلى أنواع السرعة، حيث يسير الضوء ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة! ولهذا يحتاج ضوء الشمس ليصل إلينا ثماني دقائق. وأقرب نجم بعد الشمس، نجم يقال له: قنطورس، يحتاج ضوؤه ليصل إلينا أربع سنين! فهذا يدل على عظم مواقع النجوم، وسعة خلق الله، فهو خلق فسيح، وما نحن في هذا الكون إلا هباءة صغيرة.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، لما فيه من ذم نسبة نزول المطر إلى الأنواء، وتسمية كفرًا، وتكذيبًا.
فوائد الحديث:
١ - مشروعية صلاة الجماعة في السفر والحضر، والصحو والمطر.
٢ - مشروعية تعليم الإمام الناس ما يحتاجون إليه، وتخولهم بالموعظة، في المقام المناسب.
٣ - التعليم عن طريق السؤال والجواب؛ لقوله: "أتدرون ماذا قال ربكم؟ ".
٤ - أنه يشرع لمن سُئل، عن أمر شرعي، وجهل، أن يقول: الله ورسوله أعلم.
٥ - تحريم نسبة نزول المطر إلى النوء.
_________________
(١) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (٢٤/ ٥٣٢).
[ ٢ / ٤٣٨ ]
٦ - أن ذلك يُسمى كفرًا، وتكذيبًا، في الكتاب والسنة.
٧ - وجوب شكر نعمة الله ﷿، وعدم إضافتها إلى غيره.
٨ - وصف الله تعالى بالفضل والرحمة؛ لقوله: "مطرنا بفضل الله ورحمته".
٩ - مشروعية هذا الذكر بعد نزول المطر؛ وأما أثناء نزوله فيقال: "اللهم صيبًا نافعًا" (^١).
٩ - أنّ من الكفر مالا يخرج عن الملة، وهو الأصغر.
ثم قال المصنف ﵀:
وفيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الواقعة.
وهي قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: تجعلون نصيبكم من هذه النعمة التكذيب، بنسبتها إلى غير مسديها، بدلًا من الصدق والشكر.
الثانية: ذكر الأربع التي من أمر الجاهلية.
وهي "الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة".
الثالثة: ذكر الكفر في بعضها.
وينطبق على الاستسقاء بالأنواء؛ لقوله: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر" لمن قال: "مطرنا بنوء كذا وكذا" وكذلك الطعن في النسب، والنياحة على الميت؛ لحديث: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت" (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في أبواب الاستسقاء، باب ما يقال إذا مطرت برقم (١٠٣٢).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة على الميت برقم (٦٧).
[ ٢ / ٤٣٩ ]
الرابعة: أنّ من الكفر ما لا يُخرج من الملة.
لأن قوله: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر"، لم ينقل قائليها عن الملة.
الخامسة: قوله: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر"؛ بسبب نزول النعمة.
أي: أنّ الله يبتلي عباده بالنعم، وقد تكون سببًا لحصول الكفر إذا لم تشكر.
السادسة: التفطن للإيمان في هذا الموضع.
أن مقتضى الإيمان هو شكر المنعم، كلما تجددت نعمة.
السابعة: التفطن للكفر في هذا الموضع.
وهو إسناد النعم إلى غير المنعم المتفضل، سبحانه، فقد تكون مدعاة للكفر، وهو كفر النعمة.
الثامنة: التفطن لقوله: "لقد صدق نوء كذا وكذا".
ما يجري على ألسنتهم، ولو بغير قصد لمعناها. فيجب تركه، والتحذير منه.
التاسعة: إخراج العالم للمتعلم المسألة بالاستفهام عنها؛ لقوله: "أتدرون ماذا قال ربكم؟ ".
أي: استنباطها، بطريقة السؤال والجواب؛ لأنها تشحذ الذهن.
العاشرة: وعيد النائحة.
أنها تبعث يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب، وهذا الجزاء من جنس العمل.
[ ٢ / ٤٤٠ ]