وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].
وقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر: ٢].
عن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: "لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثًا، لعن الله من غير منار الأرض" (^١)، رواه مسلم.
الشرح:
قوله "باب: ما جاء في الذبح لغير الله" الذبح: معروف، المراد به ذبح بهيمة الأنعام، ونحوها لغير الله، وذلك أن الذبح: إما أن يكون لله، وإما أن يكون لغير الله. والذبح الذي يكون لله ثلاثة أنواع: إما نسك، وأما أضحية، وإما عقيقة.
فالنوع الأول: الأنساك المتعلقة بالحج والعمرة، فهذه:
- إما هدي، كهدي التمتع، وهدي القران، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهو واجب.
- وإما فدية، كفدية الأذى، بسبب ارتكاب محظور، كما قال الله ﷾: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أو جبرًا لترك واجب.
النوع الثاني: الأضاحي: وهو ما يُذبح يوم النحر، وأيام التشريق بعده، تقربًا إلى الله ﷿، وجمهور العلماء على أن الأضحية سنة مؤكدة. وذهب أبو
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله برقم (١٩٧٨).
[ ١ / ١٧٩ ]
حنيفة (^١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمهما الله- (^٢) إلى وجوبها على القادر.
النوع الثالث: العقيقة؛ لقول النبي ﷺ: "كل غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع" (^٣)، وجمهور العلماء على أن العقيقة في حق الأب سنة مؤكدة، وذهب بعض العلماء إلى وجوبها. فهذه الدماء الثلاثة دماء مشروعة، إما واجبة، وإما مستحبة.
وأما الذبح لغير الله:
١ - فقد يكون جائزًا؛ شرط أن يذكر اسم الله عليه، ولا يذكر اسم غيره. كالذبيحة للضيف.
٢ - وقد يكون شركًا. كالذبح للجن والمشعوذين، أو تعظيمًا للكبراء والسلاطين، بحيث يقصد إهراق الدم بين يديه، وقد لا يطعمها، فهذا لم يقصد الإكرام وإنما قصد التعظيم، فلا يحل أكله، لأنه شرك، وربما وقع فيه بعض الجهال، فيجب التنبيه عليه، والتحذير منه.
٣ - وقد يكون محرمًا، مع حل أكله، لسبب، كمن ذبح إكرامًا لضيفه، وذكر اسم الله عليه، لكنه أسرف.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أراد المصنف أن يُبيّن نوعًا من أنواع الشرك المضاد للتوحيد، وهو الذبح لغير الله، ليكون تفسيرًا للتوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، كما وعد.
قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي﴾ الخطاب للنبي ﷺ. والصلاة في اللغة: الدعاء، كما قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادعُ لهم، قال الأعشى:
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَربْتُ مُرْتَحِلًا: … يَا ربُّ جَنِبْ أَبِي الأَوْصَابَ وَالوَجَعَا
عَلَيْكِ مِثْلُ الذي صَليتِ فَاغْتَمِضِي … نَوْمًَا فَإِنَّ لِجَنبِ المرءِ مُضْطَجَعَا (^٤).
فقوله "عليك مثل الذي صليت" أي: دعوت.
_________________
(١) النتف في الفتاوى للسغدي (١/ ٢٣٩) وتحفة الفقهاء (٣/ ٨٢).
(٢) المستدرك على مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٠).
(٣) أخرجه ابن ماجه في كتاب الذبائح، باب العقيقة برقم (٣١٦٥) وصححه الألباني.
(٤) البيتان في خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب - البغدادي (١/ ٢٥٨) ونهاية الأرب في فنون الأدب - النويري (٢/ ٣٥) للأعشى ميمون.
[ ١ / ١٨٠ ]
وأما في الشرع، فإن الصلاة: عبادة ذات أقوال وأفعال، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم،
قوله: ﴿وَنُسُكِي﴾: النسك يحتمل أحد أمرين:
١ - مطلق العبادة، فالعابد يقال عنه: ناسك.
٢ - الذبيحة خاصة، وهو ما اختاره المصنف ﵀، ويؤيده أنه عطفه على الصلاة. قوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ يعني: ما أحيا عليه، وما أموت عليه.
قوله: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالصًا لله.
قوله: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ لا أصرفه إلى أحد سواه.
قوله: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ الإشارة إلى الإخلاص، أي: وبذلك الإخلاص لله في الصلاة، والنسك، والمحيا، والممات أمرني ربي، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١١، ١٢].
قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ هذه الأولية تحتمل أن تكون أولية حقيقية (زمنية)، أو أولية معنوية.
- فإذا قلنا: إنها أولية زمنية، فالمقصود أنه أول المسلمين من أمته؛ لأنه هو الذي أتاهم بالإسلام.
- وإذا قلنا: إنها أولية معنوية، فمعنى الكلام: أنني أولى الناس بهذا الأمر. كيف لا؟! وهو سيد ولد آدم، وأعبد الناس لرب العالمين، فيكون فعلًا وحقَا هو أول المسلمين؛ لأنه أكثرهم تحقيقًا للعبودية لله ﷿. وكلا التوجيهين صحيح.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لقوله: ﴿وَنُسُكِي﴾ أي ذبحي، فجعل النسك لله رب العالمين.
فوائد الآية:
١ - وجوب الإخلاص لله ﷾.
٢ - أن الذبح عبادة، كما أن الصلاة عبادة، فلا يجوز صرف أي منهما
[ ١ / ١٨١ ]
لغير الله تعالى، فكما أن الرجل لو صلى لغير الله لقلنا: أنت مشرك، فإنه إذا ذبح لغير الله فإنا نقول له: أنت مشرك.
٣ - أن الصلاة أشرف العبادات البدنية، وهذا بيّن؛ لأن الصلاة عمود الدين، قيل: والذبح أشرف العبادات المالية، لأن الله قرن بينهما في موضعين في كتابه. وفي هذا نظر؛ فإن أشرف العبادات المالية الزكاة؛ لأنها أحد أركان الإسلام، وقرنها بالصلاة أكثر.
٣ - أن العبادات توقيفية؛ لقوله: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ فلا يتعبد الإنسان لله ﷿ إلا بناء على أمر شرعي، حتى نبينا ﷺ لا يتعبد لله ﷿ إلا بما أمره الله تعالى به.
٤ - إثبات توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، فأما إثبات توحيد الربوبية فمن قوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] لأن الله هو المصرف للمحيا والممات. وأما توحيد الألوهية، فمن قوله: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] لأن هذا توحيد لله بأفعال العباد، فهو توحيد الألوهية.
قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ الفاء: للعطف، وهي تعقيبية على ما تقدم من قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، ومعنى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ أي: اجعل صلاتك لله وحده لا لغيره.
قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ أي: وانحر لربك، ولا تنحر لغيره، والنحر يستعمل في حق البُدن، والذبح في حق الغنم، هكذا دلت اللغة، وليس المقصود النحر فقط، وإنما يدخل فيه الذبح، فإن الحكم واحد، لأن العلة واحدة، وهي الإخلاص.
مناسبة الآية للباب:
أن الذبح عبادة، كما أن الصلاة عبادة، فهما من بابة واحدة، فلا يجوز صرفهما لغير الله ﷿، وأن من صرفهما لغير الله فقد أشرك.
فوائد الآية:
١ - أن الذبح لغير الله شرك أكبر، كما أن الصلاة لغير الله شرك أكبر.
٢ - فضل هاتين الشعيرتين، وهما: الصلاة، والذبح.
[ ١ / ١٨٢ ]
٣ - أن من أعظم شكر الله ﷿: الصلاة والنحر، فإذا أراد العبد أن يشكر ربه على نعمة أحدثها له، أو نقمة دفعها عنه، فليكثر من الصلاة، والنحر؛ لأنه أمره بذلك بعد أن امتن عليه بالكوثر، فقال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ١، ٢]. وقد امتثل النبي ﷺ ذلك، فإنه كان يقوم يصلي حتى تتفطر قدماه من طول القيام، وقد نحر في حجة الوداع مائة بدنة، نحر ثلاثًا وستين بيده الشريفة، والباقي أوكلها إلى علي بن أبي طالب ﵁، فامتثل أمر ربه، فصلى ونحر.
ثم قال المصنف ﵀:
"عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات" كلمات: جمع كلمة، والكلمة عند النحاة اللفظة المفردة، فمثلًا: (كتاب) كلمة، و(قلم) كلمة، ولكن الكلمة في لغة العرب: هي الجملة المفيدة، فنقول: لا إله إلا الله، كلمة التوحيد، كما قال النبي ﷺ لعمه: "أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله" (^١)، فسمى هذه الجملة المفيدة كلمة، وهذا الحديث أيضًا يدل على ذلك، فإنه ذكر أربع جمل مفيدة، وسماها أربع كلمات.
قوله: "لعن الله من ذبح لغير الله" كلمة (لعن) تحتمل أن تكون دعائية، أو أن تكون خبرية.
فإن قلنا: إنها دعائية، فالمعنى: اللهم العن من ذبح لغيرك. وإن قلنا: إنها خبرية، فهو خبر من النبي ﷺ بأن من ذبح لغير الله فهو ملعون، وعلى كلا الاحتمالين فهي دليل على تحريم هذا العمل. واللعن: هو الطرد، والإبعاد من رحمة الله.
قوله: "لعن الله من ذبح لغير الله" هذا هو الشاهد من الحديث للباب.
قوله: "ولعن الله من لعن والديه" لعن الرجل والديه: إما مباشرة، وإما تسببًا، فالمباشرة: ما يقع من أهل الجفاء والعقوق، بأن يقول لأبيه أو لأمه:
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب برقم (٣٨٨٤).
[ ١ / ١٨٣ ]
لعنك الله -عياذًا بالله-، وهذا قد يكون نادرً؛ لأن الفطرة تأباه، إلا من ارتكس في الرذيلة، وانتكست فطرته. والأكثر ما يقع لعن الوالدين تسببًا، كما قال ﷺ: "إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ" (^١).
قوله: "لعن الله من آوى محدثًا" آوى بمعنى: ضم، وحمى، وحوى. "محدِثًا، أو محدَثًا" بالكسر وبالفتح، وكلاهما صحيح، فإن قلنا: بالكسر (محدِثًا) فالمقصود به الجاني، أو المبتدع، كإنسان قتل نفسًا ثم استجار بشخص، فآواه وحماه، فقد آوى محدثًا، وحال بينه وبين سيف السلطان. وقد يؤوي مبتدعًا داعيًا إلى ضلالة، فيؤويه، ويحول بينه وبين طائلة المساءلة، والعقوبة.
وأما بالفتح "محدَثًا" فالمراد الأمر المحدث، كأن يحمي بدعة، أو ينشرها، أو يحول دون نقدها وردها، فيكون قد آوى محدثًا، أي: أمرًا محدثًا. وكلاهما يستحق اللعن، سواء آوى المحدِث نفسه، أو آوى الأمر المحدث.
قوله: "لعن الله من غيّر منار الأرض" والمقصود بها المراسيم، جمع مرسام، وهي العلامات التي تفصل بين أرض وأرض، فمن الناس -والعياذ بالله- من يعدو على هذه المنارات، أو المراسيم خفيةً، وينقلها، ويزيحها، ويوسع أرضه على حساب أرض جاره، فهذا ملعون أيضًا.
فهذه أربع كلمات لعن النبي ﷺ أصحابهن، والحديث رواه مسلم.
مناسبة الحديث للباب:
في قوله: "لعن الله من ذبح لغير الله" وقد ابتدأ بها؛ لأنها أعظمهن؛ لكونها شركًا، وما بعدها لا يبلغ مبلغ الشرك.
فوائد الحديث:
١ - أن الذبح لغير الله شرك.
٢ - تحريم لعن الوالدين، إما مباشرة، أو تسببًا.
٣ - تحريم إعانة أهل البدع والعدوان وتمكينهم؛ لقوله: "لعن الله من آوى
_________________
(١) أخرجه البخاري، في باب لا يسب الرجل والديه برقم (٥٩٧٣).
[ ١ / ١٨٤ ]
محدِثًا أو محدَثًا" وهذا يستلزم تحريم الرضا بذلك، فلا يرضى ببدعة، ولا يمكِّن لأصحابها، ولا يأذن بنشرها بين المسلمين.
٤ - تحريم تغيير مراسم الأرض.
٥ - أن جميع المذكورات من الكبائر، لاقتران اللعن بهن.
٦ - جواز لعن بعض الفساق بالوصف، لا بالعين.
ثم قال المصنف ﵀:
وعن طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: «دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب» قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرّب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرّب، قال: ليس عندي شيء أقرّب، قالوا له: قرّب ولو ذبابًا، فقرّب ذبابًا، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرّب، فقال: ما كنتُ لأقرّب لأحد شيئًا دون الله ﷺ، فضربوا عنقه، فدخل الجنة» (^١)، رواه أحمد.
"وعن طارق بن شهاب" طارق بن شهاب، البجلي الأحمسي، وكانت وفاته سنة (٨٣ هـ). وقد اختُلف في صحبته، والصحيح: أنه صحابي؛ لأنه رأى النبي ﷺ، ولكن لم يسمع منه، فروايته عن النبي ﷺ عن طريق غيره، ومثل هذا يُسمى "مرسل صحابي"، ومراسيل الصحابة لها حكم الاتصال؛ لأن الصحابة كلهم عدول ثقات عند أهل السنة والجماعة، فمرسل الصحابي مقبول، وأما مرسل غير الصحابي، فمن أنواع الضعيف.
قوله: "دخل الجنة رجل في ذبابة، ودخل النار رجل في ذبابة" هذه المقدمة تدل على أنه يحسن، من باب التشويق في بيان العلم، أن يقدم الإنسان بما يلفت الانتباه. و(في) أي: بسبب.
قوله: "قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ " وحق لهم أن يسألوا، لأن هذا
_________________
(١) أخرجه أحمد في الزهد برقم (٨٤) وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢٠٣).
[ ١ / ١٨٥ ]
أمر عجيب! ووجه العجب أن الذباب تافه حقير، وشأن النار فضيع عظيم، فكيف يكون الحقير سببًا للعظيم؟!
قوله: "مر رجلان على قوم لهم صنم" تقدم أن الصنم: هو ما صُوِّر على هيئة ذات روح، وأن الوثن أعم من ذلك، فالوثن قد يكون على هيئة بيت، أو قبر، أو شجر.
قوله: "لا يجاوزه أحد حتى يقرّب له شيئًا" أي: لا يتعداه حتى يذبح له شيئًا.
قوله: "فقالوا لأحدهما: قرّب، قال: ليس عندي شيء أقربه" اعتذر بأن ليس معي شيء. قوله: "قالوا: قرّب ولو ذبابًا، فقرّب ذبابًا" الذي يظهر من السياق، أن هذا الرجل لم يعبأ، ولم يمتنع عليهم، بل وافقهم على ما طلبوا، وقرّب ذبابًا لصنمهم.
قوله: "فخلوا سبيله، فدخل النار في ذبابة" هذا تفسير دخول الرجل النار في ذبابة، لشركه.
قوله: "وقالوا للآخر: قرّب: قال: ما كنت لأقرّب لأحد شيئًا دون الله ﷿" هذا موحد حنيف، أبى أن يقرّب ولا ذبابًا لصحة توحيده.
قوله: "فضربوا عنقه، فدخل الجنة" بفضل التوحيد.
قوله: "رواه أحمد" هذا الحديث من الأحاديث التي انتقدت على كتاب التوحيد؛ وذلك أن فيه عللًا:
الأولى: عدم سماع طارق بن شهاب من النبي ﷺ. ويجاب عن هذا: بأن طارق بن شهاب ثبت صحبته، فقد رأى النبي ﷺ، وإن كان لم يسمعه، ومراسيل الصحابة لها حكم الاتصال؛ لأن الصحابة عدول ثقات.
الثانية: عنعنة الأعمش، وهو سليمان بن مهران ﵀، من أكابر المحدثين، إلا أنه مدلس، والمدلس إذا لم يصرح بالتحديث فحديثه ضعيف؛ وذلك أن التدليس مأخوذ من الدلسة، وهو إظهار الشيء بأحسن مما هو عليه في الواقع: كتسويد شعر الجارية، يسمون ذلك تدليسًا، ويثبت به خيار التدليس في الفقه. والتدليس في الحديث: هو أن يظهر السند بأحسن مما هو عليه، فيشعر
[ ١ / ١٨٦ ]
بالاتصال، وهو يحتمل الانقطاع، فيقول الأعمش: عن فلان، وكلمة (عن) تحتمل أنه سمعه منه، وتحتمل أن بينهما واسطة، فإذا كان الراوي مدلسًا ثقةً، لم يقبل حتى يصرح بالتحديث.
الثالثة: أن هذا الحديث قد رواه الإمام أحمد ﵀ من حديث طارق بن شهاب عن سلمان الفارسي موقوفًا، فيغلب على الظن -والله أعلم- أن يكون طارق سمعه من سلمان الفارسي، وليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
مناسبة الحديث للباب:
لما في القصة من الذبح لغير الله، فكان سببًا لدخول النار، لأن الذبح لغير الله شرك أكبر.
فوائد الحديث:
١ - خطر الشرك وشؤم عاقبته، وإن قلّ، لأن العبرة بما يقوم في القلب من تعظيم.
٢ - أن الشرك سبب لدخول النار، كما أن التوحيد سبب لدخول الجنة.
٣ - أن من الشرك ما يكون خفيًا، ومستهانًا به.
٤ - التحذير من محقرات الذنوب، كما حذر النبي ﷺ.
٥ - أن الذبح عبادة لا يجوز صرفها لغير الله ﷿.
٦ - أن المسلم إذا فعل شركًا وجبت له النار؛ لأن الرجل كان مسلمًا، ولو لم يكن مسلمًا لم يكن هناك فائدة من قوله بعد ذلك: "دخل النار" فهذا يدل على أنه ربما وقع في الشرك من كان الأصل فيه الإسلام.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢].
حيث فسّر النسك بأنه الذبح، فجعله خالصًا لله تعالى، فدل ذلك على أن
[ ١ / ١٨٧ ]
النسيكة -أي الذبيحة- عبادة لا يجوز أن يشرك فيها مع الله أحد، فمن ذبح لغير الله تعالى فقد أشرك.
الفائدة الثانية: تفسير قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].
أي: كما إن الصلاة يطلب فيها الإخلاص، فمن صلى لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر، فكذلك النحر، حيث قرنه الله ورسوله بها، فدل على وجوب إخلاص هذه العبادة لله تعالى.
الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير.
فقد بدأ بلعن من ذبح لغير الله؛ لشناعة هذا الفعل، وكونه شركًا، أعظم مما بعده.
الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تلعن والدي الرجل، فيلعن والديك.
وقد تقدم بيان ذلك. ولهذا نهى الله عن سب آلهة الكفار إذا كانت تؤدي إلى سب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
الخامسة: لعن من آوى محدثًا، وهو الرجل يحدث شيئًا يجب فيه حق الله، فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك.
هذه أيضًا من الملاعن، وهو لعن من آوى محدثًا، والحدث: نوعان: إما بدعة، وإما جناية،
كأن يفر بدم، أو نحو ذلك، فمن آواه، وحماه، وأجاره، فهو داخل في لعنة محمد ﷺ.
السادسة: لعن من غير منار الأرض، وهي المراسيم التي تفرق بين حقك من الأرض، وحق جارك، تغييرها بتقديم أو تأخير.
هذه رابعة الملاعن -والعياذ بالله-، وتمثل عدوانًا ماليًا حقوقيًا يقع من بعض أصحاب النفوس الدنيئة، وهو أن ينقل هذه المراسم التي تفرق بين أرض
[ ١ / ١٨٨ ]
وأرض، فيوسع بها أرضه، على حساب جاره، فهذا أيضًا ملعون؛ لأنه اقتطع من الأرض ما لا يحق له. وفي الصحيح: (مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) (^١).
السابعة: الفرق بين لعن المعين، ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم.
هذه مسألة مهمة ينبغي التفطن لها: وهو الفرق بين لعن العموم ولعن الخصوص، أو بين اللعن العام ولعن المعين؛ فاللعن بالوصف جائز، وقد جاء كثيرًا في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨] وقوله ﷺ: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^٢)، فيسعنا أن نقول: لعن اليهود والنصارى، وكذلك من لعنه النبي ﷺ بأحد الأوصاف السابقة، فنقول كما قال النبي ﷺ، ونقول على غراره: "لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه" (^٣)، وهكذا. لكن إيقاع اللعن على معين لا يجوز؛ لأننا لا نجزم أن هذا المعين قد توفرت فيه الشروط، وانتفت فيه الموانع، ثم لا نجزم أيضًا أن يحدث توبة في آخر عمره، لأن الدعاء باللعن دعاء بالطرد والإبعاد عن رحمة الله؛ فلذلك جرى التفريق بين اللعن العام، ولعن المعين. ومن الناس من يجري اللعن على لسانه دون توقي. وما كان رسول الله ﷺ لعانًا، بل قال: "لا يكون اللعانون شفعاء، ولا شهداء، يوم القيامة" (^٤)،
_________________
(١) أخرجه مسلم في باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، برقم (١٦١٠)
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة برقم (٤٣٥) ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور برقم (٥٣١).
(٣) أخرجه ابن ماجه في كتاب التجارات، باب التغليظ في الربا برقم (٢٢٧٧) وأبو داود في كتاب البيوع، باب في آكل الربا وموكله برقم (٣٣٣٣) والترمذي ت شاكر في أبواب البيوع، باب ما جاء في أكل الربا برقم (١٢٠٦) وصححه الألباني.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها برقم (٢٥٩٨).
[ ١ / ١٨٩ ]
الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب.
يشير ﵀ إلى حديث طارق بن شهاب، وقد تقدم بيانه من حيث الدليل والاستدلال.
التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب، الذي لم يقصده، بل فعله تخلصًا من شرهم.
مراد المصنف ﵀ بقوله: "لم يقصده" أي: لم يقصده ابتداء، من تلقاء نفسه، لا أنه لم يفعله عمدًا، ولكن طُلب منه ذلك، فاستجاب، والظاهر: أنه كان مستهينًا غير مبالٍ، ففعل، فمعنى ذلك: أنه حين مقارفته لهذا الأمر كان مريدًا، عالمًا، عامدًا، فلذلك استحق النار.
العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين، كيف صبر ذلك على القتل، ولم يوافقهم على طَلبتهم، مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر؟.
لقوله، ﵀: "ما كنتُ لأقرب لأحد شيئًا دون الله ﷿" ولذلك لعظيم إيمانه، فهذا يدل على عظم أمر التوحيد في نفوس المؤمنين، ومن الناس من لا يبالى بمسائل الشرك، ولا ما ينافي أصله، أو ما ينافي كماله الواجب، فلا يعنيه الأمر أصلًا، ولا يرفع به رأسًا، ولا يرى بغشيانه بأسًا. فمن الناس من يجلَّ ربه ويعظمه، كهذا الرجل، ومنهم من لا يقدر الله تعالى حق قدره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١].
الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم؛ لأنه لو كان كافرًا لم يقل: دخل النار في ذبابة.
هذا استنباط جيد ودقيق من المصنف ﵀؛ لأنه لو كان كافرًا ما احتيج أن يقال: دخل النار في ذبابة؛ ولكان دخل النار بسبب كفره، فالأصل فيه الإسلام، وفي هذا إشارة مقصودة للمصنف ﵀، وهي الرد على مشركي الزمان، الذين
[ ١ / ١٩٠ ]
يقولون: نحن أهل الإسلام، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وهم مشركون! فربما كان الأصل في الإنسان الإسلام، ثم بدر منه ما يخرجه عن حده، بالوقوع في الشرك، فلا ينفعه وصفه الأول إذا انسلخ منه، وتخلى عنه، كما وقع لذلك الرجل.
الثانية عشرة: فيه شاهد من الحديث الصحيح: "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك" (^١).
لأن هذا الأمر جرى في مقام واحد، وفي زمن واحد، حيال أمر واحد، فهذا أوصله إلى الجنة، وهذا أوصله إلى النار، بأمر يسير سهل، فهذا يدل على قرب كل منهما، وهذا القرب قرب سبب. وهذا كثير، حتى أن الكلمة الواحدة تؤثر تأثيرًا بليغًا عظيمًا، كما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم" (^٢)، وفي بعض الألفاظ: "ما يظن أن تبلغ ما بلغت" (^٣). فينبغي للإنسان أن يتوقى من الأمور التي تبدو له صغيرة، فقد يرضى الله على عبده بسبب كلمة، وقد يسخط عليه بسبب كلمة.
الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأصنام.
استنبط المصنف هذا المعنى العظيم من كون أصحاب ذلك الوثن أقاموا خِفارة على الطريق، بحيث لا يتجاوز أحد صنمهم إلا مقربًا، حتى قبلوا أن يقرب له ولو ذبابًا، مع أن الذباب لا طائل من ورائه، ولن ينتفع أحد بقتله،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك برقم (٦٤٨٨).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ البخاري في كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان برقم (٦٤٧٨).
(٣) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة برقم (٣٩٦٩) والترمذي ت شاكر في أبواب الزهد، باب في قلة الكلام برقم (٢٣١٩) وصححه الألباني.
[ ١ / ١٩١ ]
بخلاف لو قرب شاة، أو بقرة، أو ناقة، لانتفعوا بلحمها، لكنهم يدركون أن الأمر يتعلق بالقلب، وأن فعله هذا ينم عن تعظيم، فالأهم عندهم هو حصول ذلك التعظيم، الذي هو عمل القلب، فلا شك أن أعمال القلوب هي أساس أعمال الجوارح، وأن الفقه كل الفقه بالاعتناء بإصلاح القلب، قبل العناية بإصلاح الأعمال.
[ ١ / ١٩٢ ]