في الصحيح: عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولًا: "أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قُطِعَتْ" (^١).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتِوَلَة شرك" (^٢)، رواه أحمد، وأبو داود.
(التمائم): شيء يعلق على الأولاد، يتقون به العين، لكن إذا كان المعلّق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁ (^٣). و(الرقى): هي التي تُسمى العزائم، وخص منها الدليل: ما خلا من الشرك، رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحُمَة.
و(التولة): هي شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته.
وعن عبد الله بن عكيم مرفوعًا: "من تعلّق شيئًا وُكِل إليه" (^٤)، رواه أحمد، والترمذي.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل برقم (٣٠٠٥) ومسلم في اللباس والزينة، باب كراهة قلادة الوتر في رقبة البعير برقم (٢١١٥).
(٢) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٣٦١٥) وابن ماجه في كتاب الطب، باب تعليق التمائم برقم (٣٥٣٠) وأبو داود في كتاب الطب، باب في تعليق التمائم برقم (٣٨٨٣) وصححه الألباني.
(٣) فقد جاء في مصنف ابن أبي شيبة (٥/ ٤٢٨): "عن إبراهيم عن عبد الله: أنه كره تعليق شئ من القرآن".
(٤) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (١٨٧٨٦) والترمذي في أبواب الطب، باب ما جاء في كراهية التعليق برقم (٢٠٧٢) وحسنه الألباني.
[ ١ / ١٤٤ ]
وروى أحمد: عن رويفع قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم، فإن محمدًا بريء منه" (^١).
وعن سعيد بن جبير قال: "من قطع تميمة من إنسان كان كَعِدْل رقبة" (^٢)، رواه وكيع.
وله عن إبراهيم قال: كانوا (^٣) يكرهون التمائم كلها، من القرآن، وغير القرآن (^٤).
الشرح:
قوله: "ما جاء" أي من النصوص، ولم يقطع بحكم، لوجود تفصيل.
قوله: "الرقى": جمع رقية، وهي العوذ التي تتخذ للاستشفاء من العين والأمراض.
قوله: "التمائم": جمع تميمة، وهي ما يعلق في أعناق الصبيان، لدفع البلاء أو رفعه.
والرقى تنقسم إلى قسمين: مشروع، وممنوع:
فالرقية المشروعة: ما كانت بكلام الله، أو بدعائه، وتحصل بالنفث مباشرة، أو بجمع الكفين والنفث فيهما، والمسح على النفس، أو على الغير، وسوَّغ بعض أهل العلم النفث في الماء فيشرب. والرقية الشرعية لا بد أن تجمع ثلاثة شروط:
١ - أن تكون باسم من أسماء الله تعالى، أو بصفة من صفاته.
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (١٦٩٩٥) وأبو داود في كتاب الطهارة، باب ما ينهى عنه أن يستنجى به برقم (٣٦) وصححه الألباني.
(٢) المصنف لابن أبي شيبة برقم (١٨).
(٣) يعني: بذلك أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة برقم (٢٣٩٣٣).
[ ١ / ١٤٥ ]
٢ - أن تكون بلسان عربي، فلا تكون بلغة أعجمية.
٣ - وأن تخلو من الشرك، ولا يعتقد أنها تؤثر بذاتها.
والرقية الممنوعة: التي تكون قائمة على الشرك، والاستغاثة بغير الله ﷿، وسؤال غيره. والتمائم فإنها تنقسم إلى قسمين:
١ - تمائم من القرآن.
٢ - وتمائم بغير القرآن.
فالتمائم بغير القرآن: ممنوعة مطلقًا، كتعلق الخرزات، والعظام، والودع، والأوتار، وغير ذلك. والتمائم التي تكون بالقرآن: اختلف فيها الصحابة -رضوان الله عليهم-:
- فذهب بعض الصحابة إلى جواز تعليق التمائم من القرآن في أعناق الصبيان، وإلى ذلك ذهب عبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة ﵂، وغيرهما (^١).
- وذهب آخرون؛ منهم: عبد الله بن مسعود، وابن عباس ﵃ أجمعين- (^٢) إلى منع التمائم مطلقًا، من القرآن ومن غيره، كما سيأتي تفصيله -إن شاء الله-. وهذا القول؛ أي المنع مطلقًا، ولو من القرآن، هو القول الراجح لأسباب:
الأول: لعموم النهي عن التمائم.
الثاني: لسد الذريعة، فإن من الناس من قد يصنع التمائم يزعم أنها من القرآن، فيتبيّن أنها من غيره، فسد الباب من أوله أحوط.
الثالث: لأنها قد تمتهن، ولا سيما إذا كانت معلقة في أعناق الصبيان.
_________________
(١) تحفة الأحوذي (٦/ ٢٠٠) وممن قال بذلك كما قال في تفسير القرطبي (١٠/ ٣٢٠): "وعن الضحاك أنه لم يكن يرى بأسًا أن يعلق الرجل الشيء من كتاب الله إذا وضعه عند الجماع وعند الغائط، ورخص أبو جعفر محمد بن علي في التعويذ يعلق على الصبيان، وكان ابن سيرين لا يرى بأسًا بالشيء من القرآن يعلقه الإنسان".
(٢) تحفة الأحوذي (٦/ ٢٠٠).
[ ١ / ١٤٦ ]
ومن المعلوم أن الصبي ربما سال لعابه عليها، وربما دخل بها الأماكن المستقذرة، وربما اضطجع عليها، فكان في ذلك امتهان للقرآن. ولا ريب أن بيوت المسلمين فيها مصاحف، فلا حاجة لتعليق المكتوب من القرآن على الرقبة، أو وضعه تحت الوسادة، والمصحف موجود في المنزل، فلا وجه لهذا التعليق.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
ختم المصنف، ﵀، "باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله"، بقوله: (وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب)، فعقد هذا الباب لبيان الحكم المتعلق بالرقى والتمائم، وأن منها ما يكون مشروعًا، ومنها ما يكون ممنوعًا.
قوله: "في الصحيح" أي: في الصحيحين، وتعبير المصنف ﵀ بقوله: "في الصحيح" غير منضبط، كما أسلفنا، فتارة يريد به المتفق عليه، وتارة يريد به ما في صحيح البخاري، وتارة يريد به ما في صحيح مسلم، وكأنه لحظ ﵀ أن يكون الحديث صحيحًا بصرف النظر عن اتفاق الشيخين عليه أم لا.
قوله: "عن أبي بشير الأنصاري" صحابي شهد غزوة الخندق، وكانت وفاته بعد الستين.
قوله: "أنه كان مع النبي ﷺ في بعض أسفاره" لم يُبيِّن ذلك السفر، وعدم بيانه لا يضر. قوله: "فأرسل رسولًا" جاء مبهمًا، ولم يُبيِّن ذلك الرسول. وقد جاء مصرحًا به في حديث آخر: أنه زيد بن حارثة، ﵁، حِبُّ رسول الله ﷺ (^١).
قوله: "ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قُطعت" هذا أمر بقطع القلائد التي تقلد في أعناق ورقاب الإبل وغيرها من الدواب. فقد كان أهل الجاهلية إذا بليت أوتارهم وهي السيور التي تشدُّ في القسي، ويرمون بها النبال، وتكون من الجلود، وأرادوا أن يستبدلوها بغيرها، نزعوها، ثم عقدوها على رقبة البعير، زعمًا منهم أن ذلك يدفع العين، كأن العين تنكسر إذا رأت هذا الشيء البالي، هكذا خُيِّل لهم! فصاروا يقلدون الإبل بهذه الأوتار البالية. فأرسل
_________________
(١) الآداب للبيهقي (ص: ٢٦٠)
[ ١ / ١٤٧ ]
رسول الله ﷺ زيد بن حارثة؛ لينادي فيهم بهذا الحكم: "ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر" قوله: "أو قلادة" (أو) هنا شك من الراوي، هل قال: قلادة من وتر، مقيدة، أو قال: قلادة، مطلقة؟ وقال بعض أهل اللغة: إن القلادة، أصلًا، لا تكون إلا من الوتر. والصواب أن هذا الوصف طردي، لا مفهوم له، فالقلادة محرمة، مأمور بقطعها، سواء كانت من حبال، أو من جلود، أو غير ذلك، فالحكم واحد، لأن العلة واحدة، هي اعتقاد أن تلك القلادة تمنع العين، فلما كان ذلك الاعتقاد فاسدًا، ليس مبنيًا على سبب شرعي، ولا حسي، أبطله الشارع.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، لأن النبي ﷺ نهى عن تقليد الإبل، ونحوها بهذه الأوتار، لكون ذلك من موارد الشرك.
فوائد الحديث:
١ - تحريم تعليق الأوتار لدفع الآفات، وأن حكمها حكم تعليق التمائم، لكن لو علق قلادة على دابة ليجذب الدابة، ويقودها، فلا محذور من ذلك؛ لأن السبب هنا ظاهر.
٢ - وجوب إزالة المنكر.
٣ - أن من كانت له ولاية عامة على الناس، فعليه أن يتعاهدهم بالتعليم، ولا سيما ما يتعلق بأمر العقيدة؛ لأنه لو خلي الناس وحالهم، لربما دب فيهم من البدع العقدية، والعملية ما يصعب كشفه، وهذا يحصل بانتداب جماعة للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهذه الشعيرة من أعظم الأمور التي يحصل بها التنبه المبكر لظهور البدع، ودفعها قبل أن تستفحل.
٤ - حرص الرواة على ضبط الرواية، فإنه لما شك الراوي قال: "قلادة من وتر، أو قلادة".
[ ١ / ١٤٨ ]
ثم قال المصنف ﵀:
"وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك"، رواه أحمد، وأبو داود" وذكر المصنف معنى هذه الكلمات:
فقوله: "التمائم: شيء يعلق على الأولاد من العين" كأن يعلق في رقبة الطفل شيئًا من خرزات، أو مكتوبات داخل جلد، أو غير ذلك، يظن أنه يقيه من العين.
قوله: "لكن إذا كان المعلق من القرآن، فرخص فيه بعض السلف" مراده بالسلف ها هنا الصحابة، وممن رخص فيه -كما تقدم- عبد الله بن عمرو، وعائشة ﵃.
قوله: "وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه" منهم ابن مسعود، وأصحابه من فقهاء الكوفة، وابن عباس، وقد بيّنا رجحان المنع من ثلاثة أوجه.
قوله: "والرقى: هي التي تُسمى العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك" العزائم: جمع عزيمة، وهي آيات من القرآن، تُقرأ وينفث فيها على المصاب بالعين، أو بمرض من الأمراض، أو ينفث في ماء، ثم يُسقى إياه. وقد جاء في الحديث: أنّ النبي ﷺ أخذ من تراب بطحان، وهو وادٍ في المدينة، فجعله في قدح، ونفث فيه، ثم صب على المريض (^١). وهذا يدل على أن الاستشفاء بالقرآن له صور متعددة، منها:
١ - القراءة مع النفث المباشر على المريض.
٢ - القراءة من غير نفث.
٣ - الرش بالماء المقروء فيه، وهذا فيه مناسبة ظاهرة.
٤ - شرب الماء المقروء فيه، ككتابة آيات على ورق بالزعفران، ثم غمسها في إناء ثم شربها، فهذا له وجه أيضًا، لكون المشروب يخالط البدن، كالنفث بالريق، ثم مسحه على البدن، ومباشرة الرقية للمرقي. وأما ما يفعله بعض الناس
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطب، باب ما جاء في الرقى برقم (٣٨٨٥).
[ ١ / ١٤٩ ]
عن طريق الهاتف، أو عن طريق قنوات فضائية، فهذا ليس رقية، وإنما هو سماع للقرآن؛ لأنه لا مباشرة بين الراقي والمرقي، بنفث أو مسح. فالرقية عبادة شرعية توقيفية تؤدى على الصفة الواردة، وما كان في معناها.
قوله: "وخص منه الدليل ما خلا من الشرك" ودليل التخصيص قول النبي ﷺ: "لا رقية إلا من عين أو حمة" (^١)، وقوله ﷺ: "اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" (^٢)، فدل ذلك على صحة بعض أنواع الرقى.
ولحديث ابن مسعود ﵁: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" قصة: وهي أن زوجته زينب قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة، فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق، كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه، قالت: وإنه جاء ذات يوم فتنحنح، قالت: وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، فأدخلتها تحت السرير، فدخل فجلس إلى جنبي، فرأى في عنقي خيطًا، قال: ما هذا الخيط؟ قالت: قلتُ: خيط أرقي لي فيه، قالت: فأخذه، فقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك". قالت: فقلتُ له: لم تقول هذا، وقد كانت عيني تقذف، فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، وكان إذا رقاها سكنت؟ قال: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقيتِها كفَّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال رسول الله ﷺ: "أذهب الباس، رب الناس، اشف، أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا" (^٣).
قوله: "والتولة هي شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته" ويسمى أحيانًا: الصرف والعطف: فالعطف: شيء يصنعونه يعطف المرأة على زوجها، أو يعطف الزوج على زوجته، فينجذب إليها، أو تنجذب إليه انجذبًا غير طبيعي. والصرف: شيء يصنعونه ينفر المرأة من زوجها، أو ينفر الزوج من زوجته، نفرة غير طبيعية. وكلا الأمرين واقع، ويجد منه المبتلى أذى كثيرًا، وهو نوع من أنواع السحر.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك برقم (٢٢٠٠).
(٣) أخرجه أحمد برقم (٣٦١٥) وقال محققو المسند: "صحيح لغيره".
[ ١ / ١٥٠ ]
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، وذلك لذكر الرقى والتمائم فيه، ودلالته على أن استعمال هذه الأشياء منافٍ للتوحيد.
فوائد الحديث:
١ - الحرص على أمر التوحيد.
٢ - سد جميع الطرق التي تفضي إلى الشرك.
٣ - أن الرقى والتمائم والتولة شرك.
قال المصنف ﵀:
"وعن عبد الله بن عكيم مرفوعًا: "من تعلق شيئًا وُكِلَ إليه": (شيئًا): نكرة جاءت في سياق الشرط فدلت على العموم، أي: من تعلق شيئًا من الأشياء، سواء كان خيطًا، أو ودعًا، أو إنسًا، أو جنًا، لجلب نفع، أو دفع ضر، وُكِلَ إليه، ومن تعلق قلبه بالله وُكِل إلى الله، وهو نعم المولى، ونعم الوكيل.
قوله: "رواه أحمد والترمذي" وقد ضعّف بعض أهل العلم هذا الحديث لعلتين:
الأولى: في إسناده محمد بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ.
الثانية: عدم سماع عبد الله بن عكيم من النبي ﷺ. وهو أبو معبد الجهني، أدرك زمن النبي ﷺ لكن لم يثبت له سماع منه ﷺ. ولكن الحديث له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن، وممن حسّنه من المتقدمين: السيوطي (^١)، ومن المتأخرين الألباني (^٢).
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لأن فيه النهي عن التعلق بغير الله؛ فيشمل ما نص عليه المصنف من الرقى والتمائم.
_________________
(١) الجامع الصغير من حديث البشير النذير (٢/ ٣٢٢).
(٢) غاية المرام (ص: ١٨١) (٢٩٧).
[ ١ / ١٥١ ]
فوائد الحديث فوائد:
١ - النهي عن التعلق بغير الله.
٢ - وجوب التعلق بالله.
٣ - شؤم الشرك، وسوء عاقبته؛ لقوله: "وُكِلَ إليه" ومن وكل إلى غير الله فقد وكل إلى مضيعة؛ ولهذا يدعو العبد ربه: ألا يكله إلى نفسه، ولا إلى أحد من خلقه، فيهلك، بل يكله إليه وحده.
٤ - أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه لما تعلق بغيره وَكَله إليه، جزاءً وفاقًا.
ثم قال المصنف ﵀:
"وروى الإمام أحمد عن رويفع": وهو رويفع بن ثابت بن السكن، فخذ من الأنصار، من بني النجار، كان من المجاهدين في سبيل الله في بلاد المغرب، وقد ولي ولاية برقة وطرابلس، وكان له فتوح في إفريقية، وتوفي ﵀ سنة (٥٦ هـ).
قوله: "قال لي رسول الله ﷺ: "يا رويفع، لعل الحياة ستطول بك" (لعل) للترجي، والترجي من النبي ﷺ يشعر بالوقوع، فقد مد الله في عمره إلى سنة (٥٦ هـ). فهذا علم من أعلام النبوة؛ لأن النبي ﷺ أخبره بأن الحياة ستطول به، فوقع كما أخبر.
قوله: "فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم، فإن محمدًا بريء منه" والحديث رواه الإمام أحمد، وأبو داود، كما تقدم، والطبراني (^١)، وهو حديث صحيح. وقد تضمن وعيدًا شديدًا، وهو تبرؤ النبي ﷺ من فاعل هذه الخصال الثلاث، وهي:
الأولى: عقد اللحية؛ لقوله: "من عقد لحيته" حيث كانوا في الجاهلية يعقدون لحاهم، ويجعلونها ضفائر مجدولة، واختُلف في علة النهي عن عقد اللحية:
- فقيل: إن العلة في ذلك التشبه بالأعاجم، ولا يصح أن نشابه الكفرة في عاداتهم.
_________________
(١) المعجم الكبير برقم (٤٣٦٤).
[ ١ / ١٥٢ ]
- وقيل: إن عقد اللحية يراد به تجعيدها، وهذا نوع من التأنث والتخنث، لا يليق بالرجال.
- وقيل: إن ذلك من أفعال المتكبرين.
- وقيل: إن هذا نهي عن عقد اللحية في الصلاة خاصة؛ فقد ورد في الأحاديث النهي عن كفت الشعر، والثوب، فكذلك عقد اللحية، ولكن لفظ الحديث أعم، فإنه قال: "من عقد لحيته"، ولم يقيد ذلك بالصلاة.
فهذه تعليلات عدة، مفادها جميعًا: أنه لا يجوز عقد اللحى، فمن كانت له لحية مسترسلة طويلة، فليس له أن يعقدها بأي شكل من الأشكال؛ لبراءة النبي ﷺ من فاعل ذلك، لكن لا بأس أن يمشطها، وينظفها، كما هو معلوم في كتاب الطهارة.
الثانية: تقلد الأوتار؛ لقوله: "أو تقلد وترًا" وهذا هو موضع الشاهد، وسبب إيراد المصنف لهذا الحديث في هذا الباب، والمراد بتقلد الوتر أي: جعله قلادة في العنق، سواء كان في عنق الشخص، أو في عنق الدابة، أو في عنق الصبي، وقاية من العين، فمن فعل ذلك، فإن النبي ﷺ بريء منه.
الثالثة: الاستنجاء برجيع دابة، أو عظم؛ لقوله: "أو استنجى برجيع دابة أو عظم" الاستنجاء: مأخوذ من النجو، وهي الحجارة، لجواز استعمالها في إزالة الخبث. قال ابن الأثير: الرجيع: العذرة والروث، سمي رجيعًا لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا) (^١). وهذا النهي من النبي ﷺ قد ورد في أحاديث أخر. فلا يجوز الاستنجاء بالروث والعظم:
- أما الروث: فلقذارته؛ ولأنه ربما زاد في تلويث البدن.
- وأما العظم: فلأنه طعام إخواننا من الجن؛ كما قال النبي ﷺ حين سألوه الزاد: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم"، ثم قال رسول الله ﷺ: "فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم" (^٢)، فمن استنجى بالعظم، فقد أفسده على إخوانه الجن، ومن
_________________
(١) (النهاية في غريب الحديث والأثر: ٢: ٢٠٣
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن برقم (٤٥٠).
[ ١ / ١٥٣ ]
استنجى بالروث فقد أفسده على دوابهم. فلذلك لا يجوز الاستنجاء بالرجيع، ولا بالعظم.
قوله: "فإن محمدًا" يعني نفسه ﷺ "بريء منه" هذا من صيغ الوعيد، وقد قال بعض الشراح: إن معنى قوله: "بريء منه" أي: بريء من فعله، وهذا نوع تأويل، بل النبي ﷺ بريء من الفعل والفاعل معًا، وهذه البراءة لا تستلزم إخراجه عن الملة، وإنما هو من ألفاظ الوعيد.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لقوله: "أو تقلد وترًا"، وبراءته ﷺ من فاعله.
فوائد الحديث:
١ - علم من أعلام النبوة، بإخباره ﷺ رويفعًا بأن حياته ستطول، وقد كان ذلك.
٢ - وجوب نشر العلم والدعوة إلى الله ﷿، وتعليم الناس؛ لقوله: "فأخبر الناس" فهذه هي وظيفة الأنبياء والمرسلين، فعلى كل مؤمن أصاب طرفًا من علم، أن يسعى في نشره، وألا يحرم نفسه وإخوانه الخير.
٣ - إكرام اللحية؛ لأن عقدها إهانة لها، والمشروع في اللحية توفيرها وإكرامها، وعدم الأخذ منها، لا بحلق، ولا بقص، ولا بنتف، فقد كان لرسول الله ﷺ لحية عظيمة، تملأ ما بين منكبيه. وقد كان السلف ﵏ يحرصون على أن توفير لحاهم. ويذكر أن عبد الله بن الزبير ﵀ لم يكن تنبت له لحية، فقال: "عالجتُ لحيتي لتتصل، إلى أن بلغت ستين سنة، فلما أكملتها يئست منها" (^١).
٤ - تحريم تقلد الأوتار، وأن ذلك من الشرك.
٥ - تحريم الاستنجاء بالروث والعظم.
٦ - أن هذه الخصال الثلاثة المذكورة من الكبائر؛ ويستفاد ذلك من لفظ (التبري) لأنه قد قيل في تعريف الكبيرة: "ما ترتب عليه حد في الدنيا، أو وعيد
_________________
(١) إكمال تهذيب الكمال (٧/ ٣٥١).
[ ١ / ١٥٤ ]
في الآخرة، أو قرن به لعن، أو غضب، أو براءة (^١)، وأما الصغيرة فتعريفها: ما لم يبلغ حد الكبيرة.
ثم قال المصنف ﵀:
"وعن سعيد بن جبير قال: "من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة" رواه وكيع": هو وكيع بن الجراح، إمام، عالم، مشهور، ورع، ثبت، ثقة، له كتاب في الزهد، وكانت وفاته سنة (١٩٧ هـ) وهو الذي جاء ذكره في بيت الشافعي المشهور:
شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي … فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصِي
وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ … وَنُورُ اللهِ لَا يُهْدَى لِعَاصِي (^٢).
ومعنى: "كعدل رقبة" أي: أن له ثوابًا كثواب من أعتق رقبة؛ لأنه أعتقه من الشرك، وإعتاقه من الشرك أعظم من إعتاقه من الرق؛ لأن الرق إعتاق له من ملك إنسان، لكن الشرك إعتاق له من عبادة غير الله، وإعتاق له من النار.
قوله: "وله عن إبراهيم" هو إبراهيم النخعي، أحد أصحاب ابن مسعود، من كبار الفقهاء قوله: "كانوا" أي: أصحاب عبد الله بن مسعود، فقهاء الكوفة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا يستريب عالم في مثل أصحاب عبد الله بن مسعود؛ كعلقمة، والأسود، وعبيدة السلمانى، والحارث التيمي، وشريح القاضي، ثم مثل إبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وأمثالهم من أوثق الناس وأحفظهم" (^٣).
قوله: "يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن" هذا يؤيد القول الذي أشرنا إليه ورجحناه، وهو أن التمائم من القرآن، وغير القرآن ممنوعة، وهو قول ابن مسعود، وعبد الله بن عباس، ومن تبعهم.
_________________
(١) ينظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء (ص: ١٢٦).
(٢) ديوان الإمام الشافعي (ص: ٦١).
(٣) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه (٢٠/ ٣١٧).
[ ١ / ١٥٥ ]
مناسبة الأثرين للباب:
ظاهرة، لأن فيها المنع من تعليق التمائم مطلقًا.
فوائد الأثرين:
١ - فضل قطع التمائم، فينبغي لمن رأى في عنق أحد تميمة أن يبادر إلى قطعها، إلا أن يخشى مفسدة أكبر، وهذا يختلف باختلاف البيئات، فإن من البيئات ما يفشو فيها هذا الشيء، حتى لو أنكر الإنسان ذلك لربما وقع له أذى عظيم، لكن إن لم يتمكن من إنكارها بيده فلينكر بلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.
٢ - تحريم التمائم مطلقًا.
٣ - حرص السلف على صون جناب العقيدة في الأمور العلمية والعملية.
ثم قال المصنف ﵀:
وفيه مسائل:
الأولى: تفسير الرقى والتمائم.
وقد تقدم بيانها من كلام المصنف.
الثانية: تفسير التولة.
وقد تقدم بيانها أيضًا من كلام المصنف.
الثالثة: أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء.
الثلاث التي هي: الرقى، والتمائم، والتولة، ومراده بالرقية الرقية الشركية. وإلا فلا يُظن به، ﵀، أنه يمنع من الرقية مطلقًا، وقد ثبت عنه ﵊ إباحتها، ما لم تكن شركا، وأنه رقى، ورُقي. والدليل أنه استثنى الرقية بالكلام الحق، كما في الفائدة التالية، كما حكى الخلاف بين السلف في جواز التمائم التي من القرآن.
[ ١ / ١٥٦ ]
الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك.
وقد قال: "إلا ما استثناه الدليل، وهو ما خلا من الشرك" وللأدلة الأخرى، كقول النبي ﷺ: "اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك".
الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن؛ فقد اختلف العلماء هل هي من ذلك أو لا؟
أي: من الشرك أم لا؟، وقد تقدم الكلام في ذلك.
السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك.
لأنه أثبت سببًا لم يثبته الله تعالى سببًا.
السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترًا.
وهو براءة النبي ﷺ منه.
الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
ثوابه: كأنه أعتق رقبة.
التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف؛ لأن مراده: أصحاب عبد الله بن مسعود.
قول إبراهيم: "كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن" يقصد بذلك أصحاب ابن مسعود، وأما من عداهم فالخلاف بينهم محفوظ، فلا يعد ذلك منافيًا لما ذكر من الاختلاف.
[ ١ / ١٥٧ ]