وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وعن أبي هريرة مرفوعًا: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" (^١). رواه مسلم.
وعن أبي سعيد مرفوعًا: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته؛ لما يرى من نظر رجل" (^٢)، رواه أحمد.
الشرح:
الرياء: مصدر راءى، يرائي، مراءاة، أو رياءً، وذلك أن يُري الناس خلاف ما هو عليه في الباطن، هذا إذا كان متعلقًا بفعل، وأما إذا كان متعلقًا بقول، فيقال: تسميع؛ ولهذا جاء في الحديث: "من سمَّع، سمَّع الله به، ومن راءى، راءى الله به" (^٣). وإذا ذكر الرياء منفردًا، شمل النوعين، وإذا ذكر مقرونًا بالتسميع اختص بالأفعال.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
ظاهرة، لأن الرياء ينافي التوحيد والإخلاص، فقليله شرك أصغر، وكثيره شرك أكبر.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله برقم (٢٩٨٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة برقم (٤٢٠٤) وأحمد ط. الرسالة برقم (١١٢٥٢) وحسنه الألباني.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب الرياء والسمعة برقم (٦٤٩٩) ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله (تحريم الرياء) برقم (٢٩٨٦).
[ ٢ / ٥٠١ ]
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ و﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر. أي: إنني بشر يلحقني ما يلحقكم من الصحة والمرض، والسرور والحزن، والغنى والفقر، والحياة والموت، وسائر الأعراض البشرية.
قوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ الوحي هو الميزة العظيمة التي ميزه الله تعالى، وإخوانه من الأنبياء، عن سائر البشر. والوحي لغةً: الإعلام على وجه السرعة والخفاء. ويستعمل بمعنى الإلهام، والإشارة، والوسوسة. واصطلاحًا: كلام الله المنزل عل نبي من أنبيائه. فهو مصدر يراد به اسم المفعول، أي الموحى. وهو أحد ثلاث طرق لتكليم الله لأنبيائه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١]
قوله: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: أن معبودكم المستحق للعبادة واحد، لا شريك له، لا يجوز التأله لسواه. والشاهد من الآية للباب تمامها:
قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ فيها قولان: يخاف، قاله ابن قتيبة، ويأمل، قاله الزجاج. (^١)
قوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أي يجمع بين وصفين:
الأول: العمل الصالح؛ لقوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ وهو ما كان موفقًا للسنة.
الثاني: الإخلاص لله؛ لقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
سُئل الفضيل بن عياض ﵀ عن قول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] ما أحسن عملًا؟ قال: "أخلصه وأصوبه" (^٢)، فإنه إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا كان بدعة، وإذا كان موافقًا للسنة، ولم يكن خالصًا كان رياءً أو شركًا، فلا يحسن العمل، ولا يكون مقبولًا عند الله، إلا بالجمع بين هذين الشرطين: الإخلاص لله ﷿، والمتابعة للنبي ﷺ. والشاهد قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أي: لا يرائي بعمله كائنًا من كان، لأن (أحدًا) نكرة في سياق النهي، فتفيد العموم.
_________________
(١) (انظر: زاد المسير: (٥/ ٢٠٣).
(٢) تفسير البغوي - طيبة (٨/ ١٧٦).
[ ٢ / ٥٠٢ ]
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لما تضمنته من الأمر بإخلاص العمل لله ﷿، والنهي عن الشرك.
فوائد الآية:
١ - أنّ أصل الدين هو الإخلاص لله ﷿.
٢ - أن الرياء نوع من الشرك؛ فيسيره من الشرك الأصغر، وكثيره من الشرك الأكبر.
٣ - أن شرطي قبول العبادة هما: الإخلاص لله تعالى، والمتابعة للنبي ﷺ.
قوله: "عن أبي هريرة مرفوعًا: "قال الله تعالى" " هذا الحديث قدسي، إلهي؛ لأن النبي ﷺ حدّث به عن ربه، بغير القرآن. وفرّقوا بين الحديث القدسي والقرآن بعدة فروق، منها:
١ - أنّ القرآن لفظه ومعناه من الله تعالى، بينما الحديث القدسي قد اختلف العلماء في لفظه، هل هو كلام الله، أو أن الله تعالى أوحى إلى رسوله ﷺ معناه، واللفظ لفظ الرسول ﷺ؟ على قولين:
الأول: أن الحديث القدسي من عند الله لفظه ومعناه؛ لأن النبي ﷺ أضافه إلى الله تعالى، ومن المعلوم أن الأصل في القول المضاف أن يكون بلفظ قائله لا ناقله، لا سيما أن النبي ﷺ أقوى الناس أمانة، وأوثقهم رواية.
الثاني: أن الحديث القدسي معناه من عند الله، ولفظه لفظ النبي ﷺ؛ وذلك لوجهين:
الأول: لو كان الحديث القدسي من عند الله لفظًا ومعنىً لكان أعلى سندًا من القرآن؛ لأنه ﷺ يرويه عن ربه بدون واسطة؛ وأما القرآن فبواسطة جبريل ﵇
الثاني: أنه لو كان لفظ الحديث القدسي من عند الله لم يكن بينه وبين القرآن فرق؛ لأن كليهما على هذا التقدير كلام الله، والحكمة تقتضي تساويهما في الحكم حين اتفقا في الأصل.
٢ - أنّ القرآن معجز، تحدى الله ﷿ الناس أن يأتوا بمثله، أو آية منه، ولم يرد مثل ذلك في الأحاديث القدسية.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
٣ - أنّ القرآن محفوظ من التغيير والتبديل، بخلاف الحديث القدسي، ففيه الصحيح والضعيف والموضوع.
٤ - أنّ القرآن يحرم مسه إلا طاهر على الأصح، بخلاف الحديث القدسي.
٥ - أنّ القرآن لا يقرؤه الجنب حتى يغتسل على القول الراجح، بخلاف الأحاديث القدسية.
٦ - أنّ القرآن لا تجوز قراءته بالمعنى، وأما الأحاديث القدسية فعلى الخلاف في جواز نقل الحديث النبوي بالمعنى، والأكثرون على جوازه.
٧ - أنّ القرآن تسمى الجملة منه: آية وسورة، بخلاف الحديث القدسي.
٨ - أنّ القرآن متعبد بتلاوته، والحديث القدسي لا يُتعبد بتلاوته.
٩ - أنّ القرآن يُعطى قارؤه بكل حرف عشر حسنات، بخلاف الحديث القدسي.
١٠ - أنّ الصلاة لا تكون إلا بالقرآن، ولا تصح بالحديث القدسي.
١١ - أنّ القرآن لا بد فيه من كون جبريل ﵇ واسطة بين النبي ﷺ وبين الله تعالى، بخلاف الحديث القدسي.
١٢ - أنّ القرآن ثابت بالتواتر القطعي المفيد للعلم اليقيني، فلو أنكر منه حرفًا أجمع القراء عليه لكان كافرًا، بخلاف الأحاديث القدسية؛ فإنه لو أنكر شيئًا منها مدعيًا أنه لم يثبت لم يكفر، أما لو أنكره مع علمه أن النبي ﷺ قاله؛ لكان كافرًا؛ لتكذيبه النبي ﷺ.
قوله: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك" لأن الشركاء عادة يقع بينهم تنافس، وأثرة، بدافع الشح، وحب الاستئثار، فيتنزه الله ﷿ عن ذلك، لكمال غناه.
قوله: "من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري" أي: لم يكن خالصًا له وحده سبحانه، فإن الله تعالى يطَّرح عمله، ولا يتقبله، فلا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا صوابًا.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لأن الرياء فيه شرك بالله ﷿، فيكون سبب في حبوط العمل.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
فوائد الحديث:
١ - التحذير من الشرك بجميع صوره.
٢ - وجوب إخلاص العمل لله وتجريده.
٣ - وصف الله تعالى بصفة الغنى.
٤ - وصف الله بصفة الكلام، لأن القول كلام.
قوله: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي" (ألا) أداة تنبيه، و(أخوف) أفعل تفضيل، أي: أشد خوفًا.
قوله: "من المسيح الدجال؟ " المسيح الدجال خلق عظيم، جاء في الحديث: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال" (^١)؛ وذلك أن الله تعالى يجري على يد هذا المخلوق من الخوارق العجيبة ما ينبهر له الناس، فعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً، فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَقَالَ: «غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ، فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ، عَيْنُهُ طَافِئَةٌ، كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ، فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللهِ فَاثْبُتُوا» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: " كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ، أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في بقية من أحاديث الدجال برقم (٢٩٤٦).
[ ٢ / ٥٠٥ ]
الْقَوْمَ، فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ، فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ، يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ" (^١).
وجاء من خبره مع الرجل المؤمن أنه "يؤمر به فيؤشر بالمئشار (^٢) من مفرقه حتى يفرق بين رجليه، قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم، فيستوي قائمًا، قال: ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة" (^٣)، فيفتتن الناس به فتنة عظيمة، حتى أن النبي ﷺ قال: "من سمع بالدجال فلينأ عنه، فو الله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه، مما يبعث به من الشبهات"، أو "لما يبعث به من الشبهات" (^٤). ومع شدة فتنته تخوف النبي ﷺ على أمته بما هو أخوف منه.
قوله: "قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الشرك الخفي؛ يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته؛ لما يرى من نظر رجل" رواه أحمد" هذا هو الرياء، وهو أن يزين الإنسان عبادته ليحمده الناس. والرياء إذا خالط العمل فلا يخلو من حالين:
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه برقم (٢٩٣٧).
(٢) (فيؤشر بالمئشار) هكذا الرواية بالهمزة فيهما وهو الأفصح، ويجوز تخفيف الهمزة فيهما فتجعل في الأول واوًا، وفي الثاني ياء، ويجوز المنشار بالنون يقال نشرت الخشبة، وعلى الأول يقال: أشرتها. ينظر: شرح النووي على مسلم (١٨/ ٧٣ - ٧٤).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في صفة الدجال، وتحريم المدينة عليه وقتله المؤمن وإحيائه برقم (٢٩٣٨).
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم، باب خروج الدجال برقم (٤٣١٩) وصححه الألباني.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
الأولى: أن يدافعه ويجاهده فيذهب، فحينئذٍ لا يضره، وعمله صحيح ومقبول.
الثانية: أن يسترسل معه، وحينئذٍ يُنظر:
١ - إن كان هذا الرياء في أصل العمل، أي: منذ مبدئه ومنشئه، فالعمل حابط من أصله؛ لأنه لم ينعقد، لفقد شرط الإخلاص.
٢ - وإن كان في أصله خالصًا، ثم طرأ الرياء عليه أثناءه، فله حالان أيضًا:
- إن كانت العبادة واحدة، ينبني بعضها على بعض، كالصلاة، حبطت جميعها.
- وإن كانت ذات أجزاء مفرقة، يستقل كل جزء بنفسه، كالصدقات، فلا يحبط إلا ما قارنه.
ونضرب لذلك مثالًا: رجل قام يصلي مخلصًا لله ﷿، ثم شعر بأن فلان يرمقه، فأخذ يزين صلاته، ويمد ركوعه وسجوده، فتبطل الصلاة كلها؛ لأن الصلاة عبادة ينبني بعضها على بعض، ولا يمكن أن يصح بعض أجزائها ويبطل بعض. ولو أن إنسانًا أراد أن يتصدق بمائة ريال، وقسمها خمسين، خمسين، وتصدق بالخمسين الأولى مخلصًا لله، ثم دخله الرياء في إخراج الخمسين الثانية، حبطت الثانية دون الأولى؛ لأنه قارنها الرياء، ولا تلازم بينهما.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من التخويف من الرياء، وتفسيره.
فوائد الحديث:
١ - شدة شفقة النبي ﷺ وخوفه على أمته؛ كما وصفه ربه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]
٢ - أن أخوف ما يُخَاف على الصالحين: الرياء، لما يقع لهم من محبة التزين بالدين، عكس الفساق، فإن ذلك لا يعنيهم.
٣ - ذم الشرك مطلقًا.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
ثم قال المصنف ﵀:
وفيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الكهف.
وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أي: أن العمل لا يقبل إلا إذا خالصًا لله، ليس له فيه شرك لأحد، والرياء ينافي الإخلاص.
الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله.
وهو الشرك؛ لقوله: "تركته وشركه" وعُدّ عظيمًا؛ لأنه ضاع على العامل فصار هباءً منثورًا، والتعبير بالترك يدل على غضب الله من صاحب هذا العمل.
الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك وهو كمال الغنى.
لقوله: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك".
الرابعة: أن من الأسباب: أنه تعالى خير الشركاء.
فلا ينازعِ من جعل شريكًا له فيه، بخلاف سواه من الشركاء والخلطاء الذين يتشاحون، ويبغي بعضهم على بعض، طلبًا للاستئثار.
الخامسة: خوف النبي ﷺ على أصحابه من الرياء.
فكيف بمن دونهم من أطباق الأمة؟!
السادسة: أنه فسّر ذلك بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه.
وهذه حقيقة الرياء، وكيفيته. وهذا من تفسير الشيء ببعض أنواعه وأمثلته.
[ ٢ / ٥٠٨ ]