وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢].
وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [سورة النساء: ٥١].
قال عمر: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان (^١).
وقال جابر: الطواغيت: كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد (^٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" (^٣).
وعن جندب مرفوعًا: "حد الساحر ضربه بالسيف" رواه الترمذي، وقال: "الصحيح أنه موقوف" (^٤). وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة، قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر (^٥).
_________________
(١) تفسير البغوي - طيبة (٢/ ٢٣٤).
(٢) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (٥/ ٤١٨) بلفظ: "كان في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد، وهي كهان ينزل عليها الشيطان".
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا، إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] برقم (٢٧٦٦) ومسلم في الإيمان، باب بيان الكبائر، وأكبرها برقم (٨٩).
(٤) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الحدود، باب ما جاء في حد الساحر برقم (١٤٦٠) وضعفه الألباني. والذي عند الترمذي (ضربة) بالتاء.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الجزية، باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب برقم (٣١٥٦)، لكنه لم يذكر قتل السحرة. وأخرجه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في أخذ الجزية من المجوس برقم (٣٠٤٣) بذكر قتل الساحر دون ذكر لفظ الساحرة. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم (١٦٤٩٨) باللفظ المذكور.
[ ١ / ٣٧١ ]
وصح عن حفصة ﵂ أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت (^١).
وكذلك صح عن جندب (^٢). قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ (^٣).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كان السحر منافيًا لأصل التوحيد لما يتضمنه من ادعاء علم الغيب؛ ومن الاستعانة بالشياطين، ولكثرة شيوعه، وعظيم خطره، وشديد أذاه على الناس، عقد المصنف هذا الباب مبينًا حكمه، وحكم مرتكبه، وآثاره الخطيرة.
وقد ابتلى الله الناس بالسحر قديمًا، فقال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] لقد أنزل الله تعالى ملكين كريمين،؛ هاروت وماروت، وهما ملكان كسائر الملائكة الكرام، لا نقول فيهما إلا ما نقول في سائر ملائكة الله ﷿، ولا نلتفت إلى الروايات الإسرائيلية الخيالية، التي ليس لها خطام ولا زمام، أنزلهما الله تعالى في حاضرة من حواضر العالم القديمة وهي "بابل"، فكانا يعلمان الناس السحر؛ فتنة وابتلاء، فإذا قصدهما قاصد ليتعلم منهما السحر قالا له بصريح العبارة: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، مما يدل على أن استعمال السحر كفر، وأنه يُؤدي إلى أضرار بليغة: نفسية واجتماعية، فيقتل، ويمرض، ويفرق بين المرء
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ - رواية يحيى الليثي برقم (١٥٦٢)، وعبد الله بن أحمد في مسائل أبيه برقم (١٥٤٣).
(٢) التاريخ الكبير للبخاري بحواشي المطبوع (٢/ ٢٢٢).
(٣) تفسير ابن كثير، ت: سلامة، (١/ ٣٦٥).
[ ١ / ٣٧٢ ]
وزوجه، فكان هذا من أسباب حصوله في بني آدم. ولم يزل السحر موجودًا في بني آدم، وآثاره مشهودة.
قوله: "باب: ما جاء في السحر" أي: باب ما جاء من النصوص من الوعيد في السحر. والسحر في اللغة: ما خفي ولطف سببه، أي: أن له تأثيرًا خفيًا دقيقًا؛ ولهذا جاء في الحديث: "إن من البيان لسحرًا" (^١)؛ وذلك لأن البيان يُؤثر في النفوس، فالكلام كما قيل: مغناطيس القلوب؛ ولهذا يطلق السحر على الهواء، فيقال: فلان انتفخ سحره -اي: رئته- بالهواء.
وأما في الاصطلاح: فهو عبارة عن عزائم، ورقى، وتدخينات، وأدوية، تُؤثر في القلوب والأبدان، فتقتل تارة، وتمرض تارة، وتفرق بين المرء وزوجه.
قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: قد علمت اليهود؛ إذ السياق في الرد على اليهود وبيان مخازيهم التي منها: اشتغالهم بالسحر. وقد سحروا رسول الله ﷺ؛ سحره لبيد بن الأعصم اليهودي، فصار النبي ﷺ يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، لكن ذلك لم يُؤثر على البلاغ، فإن الوحي معصوم -بحمد الله-، حتى قال لعائشة ﵂: "أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي، أتاني رجلان: فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال: فيما ذا؟ قال: في مشط ومشاقة، وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان". فخرج إليها النبي ﷺ، ثم رجع، فقال لعائشة حين رجع: "نخلها كأنه رؤوس الشياطين"، فقلت: استخرجته؟ فقال: "لا، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شرًا" ثم دفنت البئر (^٢). فترك النبي ﷺ معاقبة الساحر اليهودي، مراعاة لهذه المصلحة، وهي خشية إثارة الفتنة بين الناس. فاليهود دهاقنة السحر قديمًا وحديثًا، فلهذا ذمهم الله تعالى بتعاطيه.
قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ أي: من رضي به، واستعمله.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الخطبة برقم (٥١٤٦) ومسلم في كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة برقم (٨٦٩).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده برقم (٣٢٦٨) ومسلم في كتاب السلام، باب السحر برقم (٢١٨٩).
[ ١ / ٣٧٣ ]
قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: من نصيب، وهذا وعيد شديد يقتضي تخليده في النار، ويدل على كفر الساحر.
قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ هذه في صفة أهل الكتاب الذين تقدم ذكرهم في الباب السابق. وتقدم أن: كلمة الجبت: تقع على الساحر، والكاهن، والصنم. والمقصود بها هنا: الساحر، كما فسرها عمر، ﵁.
قوله: "قال عمر: الجبت: السحر والطاغوت: الشيطان" هذا من تفسير الشيء بأحد أنواعه. والمعنى العام للطاغوت: ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع.
قوله: "قال جابر: الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد" فهؤلاء طواغيت ولا ريب، ولم يرد جابر الحصر، بل هم نوع من أنواع الطواغيت. والكهان: جمع كاهن، وهو من يدعي معرفة الأمور المستقبلة، أو الإخبار عن الأشياء المغيبة. وكانت العرب في جاهليتها تحتفي بشخصين: الكاهن، والشاعر، فلكل قبيلة كاهن له رِئي من الجن، يتكهن لها وشاعر يفتخر لها، ويذب عنها.
مناسبة الآيتين للباب:
ظاهرة، لما فيهما من ذم السحر، ووعيد السحرة.
فوائد الآيتين:
١ - تحريم السحر، بل إن الآية الأولى تدل على كفر الساحر؛ لقوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] وهذا الوصف لا يقع إلا على كافر -والعياذ بالله-.
٢ - الوعيد البليغ على من استغنى عن كتاب الله ﷿ وشرعه، وسنة نبيه ﷺ، بالسحر؛ إذ أن هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب آمنوا بالجبت والطاغوت، وهجروا ما أنزل الله عليهم من التوراة، ففيه ذم بليغ لكل من نحا نحوهم، ولو كان من هذه الأمة، فاستشفى بغير ما جعله الله سببًا للشفاء من الأدوية الشرعية والحسية، كما يقع من بعض الجهال والسفهاء الذين يقصدون
[ ١ / ٣٧٤ ]
السحرة لطلب الشفاء، ويظنون أنه لا يكشف الضر إلا ساحر، فيستغنون بالسحر عن كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ، وما تضمناه من الرقى الشرعية، والعوذ الإيمانية.
قوله: "عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا" " فعل أمر، بمعنى: اتركوا، كأنما قال: كونوا في جانب وهي في جانب، فالمجانبة تقتضي التخلي والبعد.
قوله: "السبع الموبقات" أي: المهلكات، وإنما سُميت كذلك لأنها تهلك فاعلها في الآخرة. قوله: "قالوا: وما هن يا رسول الله؟ " هذا ليس من السؤال المذموم الذي عليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١]، لأن سياق كلام النبي ﷺ يشعر بالإغراء بالسؤال، وطلب العلم، بخلاف ابتدار المسألة في أمر مسكوت عنه.
قوله: "الشرك بالله" " هذا أعظم الموبقات بلا ريب، ولذلك قدمه بالذكر، فإن الشرك بالله أعظم الذنوب على الإطلاق، كما سُئل في الحديث الآخر: أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًا، وهو خلقك" (^١)، فالشرك أظلم الظلم، وأقبح القبيح، وأمحل المحال، فما عصي الله بذنب أعظم من الشرك، ولا أطيع بحسنة أعظم من التوحيد.
قوله: "والسحر" هذا هو موضع الشاهد من الحديث، وقد تقدم تعريف السحر.
قوله: "وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق" قتل النفس من أعظم الموبقات، وقد توعد الله تعالى قاتل النفس بعظيم العقوبة، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، وقال ﷺ: "لن يزال المؤمن في فسحة من دينه
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] برقم (٤٤٧٧) ومسلم في الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده برقم (٨٦).
[ ١ / ٣٧٥ ]
ما لم يصب دمًا حرامًا" (^١)، ولما رأى رسول الله ﷺ الكعبة يومًا، قال: "ما أعظمك، وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك؛ ماله ودمه" (^٢)، وقوله: "إلا بالحق" استثناء واحتراز لمن قتل بالحق، وقد بينه ﷺ بقوله: "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (^٣).
قوله: "وأكل الربا" وهو من أعظم الفساد المالي، وقد توعد الله أكلة الربا بأبشع العقوبات، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
قوله: "وأكل مال اليتيم" قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، وفي الحديث: (إِنِّي أُحَرِّجُ عَلَيْكُمْ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ) (^٤)
قوله: "والتولي يوم الزحف" قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦] فإذا التقى الصفان لم يجز التولي، إلا من باب الكر والفر، إلى موضع آخر، متحرفًا لقتال، أو متحيزًا إلى فئة.
قوله: "وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" أي: قذفهن بالزنا، وعبّر بالقذف لأن التهمة بالزنا كالقذيفة، في شدتها وأليم وقعها على المحصنة،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الديات برقم (٦٨٦٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب حرمة دم المؤمن وماله برقم (٣٩٣٢) وضعفه الألباني.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الديات، باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] برقم (٦٨٧٨) ومسلم في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ما يباح به دم المسلم برقم (١٦٧٦).
(٤) (أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم (٢١١) وقال الذهبي: على شرط مسلم: (١/ ١٣١)، والبيهقي في السنن الكبرى، برقم (٢٠٢٥٤).
[ ١ / ٣٧٦ ]
الشريفة، العفيفة. فلذلك غلظت عقوبته، ومذمته، في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٣ - ٢٥].
فالحذر الحذر من هذه السبع.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما فيه من عد السحر من السبع الموبقات، وذكره بعد الشرك مباشرة.
فوائد الحديث:
١ - تحريم هذه السبع المهلكات، واجتنابها.
٢ - غلظ أمر السحر وعمله.
قوله "وعن جندب مرفوعًا" هو جندب الخير الأزدي، يُكنى بأبي عبد الله، وهو قاتل الساحر، في القصة المشهورة (^١)؛ وذلك أنه رأى رجلًا يدخل من فم الدابة ويخرج من دبرها، يفعل هذا والناس حوله يتعجبون، فاخترط جندب سيفه، فلما رآه فيما يبدو للناظر قد دخل في جوف الدابة، ضرب الدابة فشقها نصفين، وهلك الساحر، فأخذه أمير تلك الناحية، وحبسه، لكن الحارس أطلقه، وقال: والله لا يسألني الله عنك. وقد اختلف في صحبته، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين (^٢)، وقال أبو عبيد: إنه قتل في صفين (^٣).
قوله: "حد الساحر ضربه بالسيف" ضربه بالهاء، وضُبطت (ضربة) بالسيف. وهو يدل على حكم الساحر، فتبين أن حده هو الضرب بالسيف، لكن اختلف العلماء هل يقتل ردة أم يقتل حدًا؟ فمنهم: من قال: يقتل ردة، أي: كفرًا.
_________________
(١) التاريخ الكبير للبخاري (٢/ ٢٢٢).
(٢) الثقات - ابن حبان (٤/ ١١٠).
(٣) تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٥/ ١٤٢).
[ ١ / ٣٧٧ ]
ومنهم: من قال: يقتل حدًا. وهو قول الشافعي ﵀ (^١)، وخلافهم في هذا راجع إلى تحرير محل النزاع في نوع السحر:
١ - فإن كان السحر الذي استعمله أدوية تُؤثر في البدن، فهذا لا يقتل ردة، وإنما يقتل حدًا.
٢ - وإن كان سحره فيه استعانة بالشياطين، كما هو الغالب على السحرة، فيقتل ردة.
قوله: "رواه الترمذي، وقال: الصحيح أنه موقوف" بناء على الخلاف في جندب.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما فيه من ذكر حد الساحر، وأنه يضرب بالسيف.
فوائد الحديث:
١ - تحريم السحر.
٢ - أن حد الساحر ضربه بالسيف، إن كان ممن يستعين بالشياطين، لشركه.
قوله: "وفي صحيح البخاري: عن بجالة بن عبدة ﵁، قال: كتب عمر بن الخطاب: "أن اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلنا ثلاث سواحر" هذا قضاء راشدي من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بقتل السحرة، وهو في حكم المرفوع.
قوله: "وصح عن حفصة ﵂: أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها: فقتلت، وكذلك صح عن جندب. فلهذا قال الإمام أحمد ﵀: عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ" وهم، عمر، وحفصة، وجندب، على القول بصحبته، ﵃ أجمعين. وفي قتل السحرة درء لشر عظيم.
_________________
(١) قال في الأم (١/ ٢٥٦): "فيقال للساحر صف السحر الذي تسحر به! فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح استتيب منه، فإن تاب وإلا قتل، وأخذ ماله فيئًا، وإن كان ما يسحر به كلامًا لا يكون كفرًا، وكان غير معروف، ولم يضر به أحدًا، نهى عنه، فإن عاد عُزر، وإن كان يعلم أنه يضر به أحدًا من غير قتل، فعمد أن يعمله عُزر، وإن كان يعمل عملًا إذا عمله قتل المعمول به، وقال: عمدت قتله، قُتل به قودًا، إلا أن يشاء أولياؤه أن يأخذوا ديته حالة في ماله. "
[ ١ / ٣٧٨ ]
مناسبة الآثار للباب:
ظاهرة، لما تضمنته من بيان حد الساحر، وعظم جرمه.
فوائد الآثار:
١ - أن حد الساحر القتل، وأنه لا يستتاب.
٢ - أن تعاطي السحر كان موجودًا زمن الصحابة الكرام، فمن بعدهم من باب أولى.
وقد نبّه شيخ الإسلام في بعض كلامه (^١): أن السحرة والاستعانة بالشياطين تقل في أهل الإسلام، وتكثر في أهل الكتاب، وتكثر أكثر وأكثر عند أهل الأوثان، فكل ما ابتعد الناس عن نور النبوة زاد فيهم السحر. وقد راج سوق السحرة والمشعوذين في هذه الأزمنة الأخيرة، فيوجد من يتعاطى السحر في المجتمعات الإسلامية، ولكنه عند أهل الكتاب أكثر، حتى إن بعض الدول الغربية لديهم وظيفة مصنفة، تُسمى: "ساحر"، وعند الأمم الشرقية الوثنية الأمر أعظم وأطم، فحيثما عظم نور النبوة انقشع ظلام الشياطين، وإذا ضعف نشطوا.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة.
وهي قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، حيث ذم اليهود على الرضا بالسحر واستعماله، وأثبت خسارهم في الآخرة، بما يقتضي تخليدهم في النار.
الثانية: تفسير آية النساء.
وهي قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ فالجبت من أنواعه السحر، فذمهم به.
_________________
(١) الصفدية (١/ ٢٣٣، ٢٣٦) والرد على المنطقيين (ص ١٨٧).
[ ١ / ٣٧٩ ]
الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت، والفرق بينهما.
كما روي ذلك عن عمر، وجابر ﵄، وتفسير الصحابة مقدم.
الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن، وقد يكون من الإنس.
قد يكون من الجن شيطانًا، كما في الأثر عن عروة، وقد يكون من الآدميين، كما في قول جابر: "الطواغيت كهان تنزل عليهم الشياطين في كل حي منهم واحد".
الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي.
كما عدها النبي ﷺ، ولا تدل على الحصر، لكنها أبلغ من غيرها في التحريم، وفي الأثر.
السادسة: أن الساحر يكفر.
لقوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
السابعة: أنه يقتل، ولا يستتاب.
لقوله: "حد الساحر ضربه بالسيف"، ولم يقل: يستتاب، وكما أمر أمير المؤمنين عمر ﵁: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، ولم يتح لهم الاستتابة. فإن قال قائل: هل للساحر توبة؟ نقول: فيما بينه وبين الله له توبة، فالتوبة لا يغلق بابها إلا إذا بلغت الروح الحلقوم، أو طلعت الشمس من مغربها، لكن إذا بلغت الحدود السلطان فلا بد من إمضائها وإجرائها، لكن لو تاب فيما بينه وبين ربه فإن الله تعالى يقبل توبته.
الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر فكيف بعده؟!
يكون فيمن بعده من باب أولى وأحرى، وهو الواقع.
[ ١ / ٣٨٠ ]