روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء، فصدقه، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ) (^٢)، رواه أبو داود.
وللأربعة والحاكم -وقال: صحيح على شرطهما- عن أبي هريرة: "من أتى عرافًا أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ) (^٣).
ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفًا (^٤).
وعن عمران بن حصين ﵁ مرفوعًا: "ليس منا من تطير أو تُطير له، أو تَكهن أو تُكهن له، أو سحر أو سُحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ) (^٥)، رواه البزار، بإسناد جيد.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان برقم (٢٢٣٠).
(٢) أخرجه بنحوه ابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب النهي عن إتيان الحائض برقم (٦٣٩) والترمذي ت شاكر في أبواب الطهارة، باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض برقم (١٣٥) وأبو داود في كتاب الطب، باب في الكاهن برقم (٣٩٠٤) وصححه الألباني.
(٣) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب النهي عن إتيان الحائض برقم (٦٣٩) والترمذي ت شاكر في أبواب الطهارة، باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض برقم (١٣٥) وأبو داود في كتاب الطب، باب في الكاهن برقم (٣٩٠٤) والنسائي في سنن النسائي الكبرى برقم (٥٨٩٦٨) والحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم (١٥) وصححه الألباني.
(٤) مسند أبي يعلى الموصلي برقم (٥٤٠٨).
(٥) مسند البزار برقم (٣٥٧٨).
[ ١ / ٣٩٠ ]
ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن، من حديث ابن عباس دون قوله: "ومن أتى … " (^١)، إلى آخره. قال البغوي: "العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة، ونحو ذلك" (^٢). وقيل: هو الكاهن، والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.
وقال أبو العباس ابن تيمية: "العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم، ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق" (^٣).
وقال ابن عباس ﵄ في قوم يكتبون (أبا جاد) وينظرون في النجوم: "ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق (^٤).
الشرح:
قول المصنف ﵀: "باب: ما جاء في الكهان ونحوهم" أي: في النصوص من التغليظ، والوعيد، والتحذير. "ونحوهم" أي: ونحو الكهان: وهم الرمالون، والمنجمون، والعرافون.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن هؤلاء الأصناف يدعون علم الغيب، فدعواهم هذه منازعة لله ﷿ في شيء من خصائصه سبحانه وبحمده، فكان إتيانهم منافيًا للتوحيد. قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]
قوله: "روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ " هي حفصة ﵂-قوله: "من أتى عرافًا" " أي: قصده، لا مجرد لقيه صدفة، وربما دخل في ذلك قصده بالاتصال بالوسائط الحديثة؛ كالمهاتفة، ودخول المواقع
_________________
(١) المعجم الأوسط برقم (١٤٠٢).
(٢) شرح السنة للإمام البغوي (١٢/ ١٨٢).
(٣) مختصر الفتاوى المصرية (ص: ١٥٢)
(٤) السنن الكبرى للبيهقي برقم (١٦٥١٤٩).
[ ١ / ٣٩١ ]
الالكترونية، والقنوات الفضائية. والعراف كما قال البغوي، ﵀: هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة، ونحو ذلك، وقيل: هو الكاهن. والصحيح في معنى العراف: ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنه الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها (^١)، فيدخل فيها الكاهن، والرمال، والمنجم، ونحو هؤلاء.
قوله: "فسأله عن شيء" شيء: نكرة فتدل على العموم، أي: سأله عن شيء من الأشياء التي يقصدون من أجلها، كما يدل عليه قوله "من أتى"، لا مطلق السؤال.
قوله: "فصدقه" أي: في خبره، وجوابه عما سأله. ولكن هذه اللفظة (فصدقه) ليست في صحيح مسلم.
قوله: "لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" عقوبةً له، وليس معنى ذلك سقوط الصلاة عنه، فالصلاة واجبة عليه، لكنه لا يُثاب عليها. ولا يلزم من نفي القبول نفي الصحة والإجزاء.
مناسبة الحديث للباب:
ما تضمنه من الوعيد الشديد على من أتى الكهان.
فوائد الحديث:
١ - تحريم إتيان الكهان وسؤالهم، وتصديقهم.
٢ - تحريم الكهانة وما شابهها من ادعاء علم الغيب.
٣ - أن قبول العمل موقوف على توفر شروطه، وانتفاء موانعه.
ثم قال المصنف ﵀:
"عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ) الذي أنزل على محمد ﷺ هو قوله تعالى:
_________________
(١) النبوات (٣٠/ ٨).
[ ١ / ٣٩٢ ]
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]
قوله: "رواه أبو داود" ورواه والنسائي، وابن ماجه كما تقدم، وأحمد (^١)، والبيهقي (^٢)، وغيرهم، إلا أنه قد اختلف في ثبوته، فضعفه غير واحد من أهل العلم، وأصح منه ما بعده.
قوله: "وللأربعة والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، عن النبي ﷺ: "من أتى عرافًا، أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ) " الأربعة هم أصحاب السنن الأربع، "والحاكم، وقد تقدم، وغيرهم، وصححه العراقي ﵀ (^٣)، وجوّد إسناده الذهبي (^٤)، فهذا من حيث الثبوت أصح مما قبله، أما لفظهما، فمتقارب. فعبّر في الأول: بكاهن، وفي الثاني: بعراف أو كاهن، فدل هذا على العموم.
قوله: "ولأبي يعلى بسند جيد، عن ابن مسعود، مثله موقوفًا" أبو يعلى، أحمد بن علي بن المثنى، التميمي، الموصلي. ولد سنة عشر ومائتين، محدث، ثقة، مشهور، روى عن الإمام أحمد، ويحي بن معين، وعلي بن المديني. عُمِّر حتى ناهز المائة ﵀، وصنف المسند، والمعجم. وكونه موقوفَا، أي: أن منتهى إسناده إلى ابن مسعود، وهو صحيح إليه.
مناسبة الحديثين للباب:
ظاهرة، لما تضمناه من الوعيد، والزجر الشديد، والوصف بالكفر لمن أتى الكهان.
فوائد الحديثين:
١ - تحريم إتيان الكهنة والعرافين، وسؤالهم، وتصديقهم.
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٩٥٣٦) وقال محققو المسند: "حديث حسن".
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم (١٤١٢٤).
(٣) قال في فيض القدير (٦/ ٢٣): "وقال الحافظ العراقي في أماليه: حديث صحيح". ولم نجده في (أمالي الحافظ العراقي = أو المستخرج على المستدرك).
(٤) المهذب في اختصار السنن الكبير للبيهقي - للذهبي (٦/ ٣٢٢٩).
[ ١ / ٣٩٣ ]
٢ - وجوب تكذيب الكهان والعرافين؛ لأن التحذير من تصديقهم يتضمن وجوب تكذيبهم.
٣ - كفر من أتاهم، وسألهم، وصدقهم؛ لأن الله ﷾ قد أخبر في كتابه بانفراده بعلم الغيب، فمن صدق الكاهن، والعراف، والمنجم، والرمَّال، وقارئ الفنجان، وقارئ الكف، ونحوهم،، فقد كفر بما أنزل على محمد.
فهذه مراتب: إتيانهم، وسؤالهم، وتصديقهم. وقد دل حديث أم المؤمنين حفصة، ﵂، في صحيح مسلم، على أن من أتى العراف أو الكاهن لم تقبل له صلاة أربعين يومًا، ودل حديث أبي هريرة، ﵁، في السنن وغيرها، على أنه كفر بما أنزل على محمد! والجمع بينهما أن يقال: من أتاه فسأله فقط، ولم يصدقه؛ لم تقبل له صلاة أربعين يومًا؛ كما في رواية مسلم، وليس فيها قيد التصديق، ومن أتاه فسأله، وصدقه فقد كفر كفرًا أكبرًا؛ لحديث أبي هريرة: "فقد كفر بما أنزل على محمد". وقد روى ابن حبان من حديث أنس بن مالك، ﵁، مرفوعًا: (مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَمَنْ أَتَاهُ غَيْرُ مُصَدِّقٍ بِهِ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا) (^١)، لكنه حديث ضعيف، لأن في إسناده رشدين بن سعد المهري، يقلب المناكير في أخباره على مستقيم حديثه، كما نقل ابن حبان.
حكم من لا يأتيهم برجله، ولكن يتواصل معهم عبر البريد أو القنوات الفضائية ونحوها: وضع هؤلاء الكهان والسحرة قنوات للسحر والشعوذة، يلبسونها ثوب الدين، وقراءة الأوراد، ويغرون السذج بفك السحر، وجلب الحبيب، ويلقبون أنفسهم بالمشايخ، والشيخات، وهم سحرة وساحرات، ليأكلوا أموال الناس بالباطل. فلو أن إنسانًا قال: سأشاهد القناة الفلانية لأتفرج فقط! هل يحل ذلك؟ الجواب: لا يحل، بل يقاس على من أتى كاهنًا أو عرافًا، فإن صدقهم انتقل إلى الوعيد الآخر، وهو الكفر بما أنزل على محمد؛ إذ ليس المقصود في تحريم النبي ﷺ لإتيانهم ذات النقلة والسفر، وإنما المقصود إتيانهم بأي طريق كان، وسؤالهم، وتصديق كلامهم. فلو وقع ذلك على أي صفة من الصفات؛ كأن يراسلهم عن طريق البريد الإلكتروني، ليستطلع ما عندهم، أو
_________________
(١) (المجروحين لابن حبان (١/ ٣٠٣)
[ ١ / ٣٩٤ ]
كتب إليهم، أو اتصل بهم هاتفيًا، فكل ذلك يدخل في الوعيد. وهؤلاء الأفاكون أخس طبقات الخلق قاتلهم الله؛ لأنهم يموهون على الناس، ويلبسون عليهم، ويزيدونهم رهقًا. ومما وقع في السنوات الأخيرة، وسمعناه من عديد من الناس؛ رجالًا ونساءً: أنه يتصل بهم أشخاص مجهولون من بلاد إفريقية، بطريقة عشوائية، فيقول قائلهم: أنا ولي الله فلان! وقد ساقني الله إليك لأنقذك، أنت مسحور منذ عدة سنوات، وأنت لا تعلم، ألست تعاني من كذا وكذا، ويذكر أمورًا مما يشترك فيها البشر من المعاناة، وضيق الصدر، والاكتئاب، وحصول بعض الأعراض الصحية، فيصدق هذا المسكين ويقول: صحيح، كيف علمت؟ فيقول: لي أصحاب من الجن الصالحين يخبرونني، وسحرك مدفون في مكان أعرفه، وربما قال: في قبر من القبور، أو ملقى في البحر، وخدمي من الجن، يمكن أن يستخرجوه، ويتلفوه، وينقذوك من شره. فحول لي مبلغ كذا وكذا على هذا الحساب، إن أردت السلامة. وبعض ضعاف النفوس يصدقهم، وينساق خلفهم، ويدعو لهم، ويذهب يحدث أهله، بأنه عرف علته، وينفذ شرطه، فلا يزال يبتزه، ويأكل ماله بالباطل، ولا يغني عنه شيئًا. فيجب تحذير الناس من هؤلاء الأفاكين، المتسلطين على ضعاف العقول والدين.
ومن ذلك: ما يوجد في بعض المجلات ما يُسمى بالبروج، فيقولون: المولود في برج كذا وكذا، يحصل له حادث سعيد، أو غير سعيد، على سبيل التخمين، والرجم بالغيب. فلا تجوز مطالعة هذه الصفحات، والمواقع، فضلًا على أن يعتقد صحة ما فيها. فدين الإسلام قائم على البينة، لا على الظنون والأوهام، ولا مجال فيه لمغرض أن يفسد العقول، والقلوب، ويسلب الأموال.
قوله: "وعن عمران بن حصين ﵁ مرفوعًا: "ليس منا" " هذا التعبير النبوي المراد به: أنه لا يفعل هذا من كان على سنتنا وطريقتنا، فهو من الألفاظ الدالة على التبرؤ من فاعله، وأن فعله من الكبائر.
قوله: "من تطير" أي: فعل الطيرة، وسيفرد المصنف بابًا عن التطير والطيرة. والمقصود بالتطير بوجه عام: التشاؤم، وأصله من التشاؤم بالطير، ثم صار أوسع من ذلك.
[ ١ / ٣٩٥ ]
قوله: "أو تُطِير له، أو تَكَهن أو تُكِهن له" أي: طلب من يتطير له، كأن يقول لأحد: أريد السفر إلى المكان الفلاني فازجر الطير، ليتبين لي النفع أو الضر.
"أو تَكَهن، أو تُكِهن له" أي: استشرف الغيب بنفسه، أو طلب من يستشرفه له.
قوله: "أو سَحَر، أو سُحِر له" أي: باشر السحر بنفسه، أو أمر من يسحر له. وهذا يقع من الحاقدين إذا أراد مضارة آخر، بذل مالًا لساحر، وطلب منه أن يفعل به شرًا.
قوله: " "ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ) رواه البزار بإسناد جيد" وقد تقدم مثله من رواية أبي هريرة، بقيد التصديق، كما هاهنا.
قوله: "ورواه الطبراني، بإسناد حسن، من حديث ابن عباس دون قوله: "ومن أتى إلى آخره" " فالحديث ثابت بجميع جمله، والحمد لله.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، حيث تبرأ النبي ﷺ من الكهان، ونحوهم من السحرة، ومدعي علم الغيب.
فوائد الحديث:
١ - تحريم الطيرة، والتطير، والبراءة من فاعليها.
٢ - تحريم الكهانة والتكهن والبراءة من فاعليها.
٣ - تحريم السحر، وطلبه، ولبراءة من فاعليه.
٤ - تحريم إتيان الكهان وسؤالهم وتصديقهم، وأن ذلك من موارد الكفر.
٥ - وجوب إجراء نصوص الوعيد على ظاهرها.
٦ - حماية الشريعة للعقول، والنفوس، والأموال.
قوله: "قال البغوي" هو الإمام الحافظ، المحدث، الفقيه، محيي السنة، أبو محمد، الحسين بن مسعود الفراء، البغوي، الشافعي. ولد سنة ثلاث وثلاثين
[ ١ / ٣٩٦ ]
وأربعمائة، وتوفي سنة ست عشرة وخمسمائة، ﵀. له مصنفات واسعة نافعة، في التفسير والفقه والسنة.
قوله: "العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة، ونحو ذلك" هذه المقدمات لا علاقة لها بمحل المسروق والضالة. أما إذا كانت هذه المقدمات ذات علاقة، فهذا لا يُعد عرافة، بل يسمى "فراسة" و"قيافة"، ومثله ما يُسمى الآن بأدلة "البحث الجنائي"، فيستدل بها على مكان المسروق، أو المختطف، أو الضال، بناءً على تتبع الأثر، أو البصمات، فما كان بمقدمات حسية، حقيقية، متعقلة، فليس من العرافة التي نهى عنها النبي ﷺ، وأكفر فاعلها.
قوله: "والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل" وقيل: الذي يخبر عما في الضمير، وذلك أن قرينه من الجن يتصل بقرين الإنسان، فربما أخبر عما خبأ في ضميره. فالكاهن يخبر بأمور مغيبة، أما حاضرة، وإما مستقبلة، وإما في النفس، وما أخبر به من الأمور المستقبلة، فوقع، فهو مما ناله من مسترقي السمع، كما تقدم.
قوله: "وقال أبو العباس ابن تيمية شيخ الإسلام: العرَّاف اسم للكاهن، والمنجِّم، والرمَّال، ونحوهم، ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق" (^١)، قال ﵀ في الفتاوى: ("الْعَرَّافُ" قَدْ قِيلَ إنَّهُ اسْمٌ عَامٌّ لِلْكَاهِنِ، وَالْمُنَجِّمِ، وَالرِّمَالِ، وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِي تَقَدُّمِ الْمَعْرِفَةِ، بِهَذِهِ الطُّرُقِ. وَلَوْ قِيلَ: إنَّهُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِبَعْضِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، فَسَائِرُهَا يَدْخُلُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ) (^٢). فوسع شيخ الإسلام ﵀ مدلول كلمة (العراف) بحيث شملت كل من ادعى المعرفة بواسطة هذه الطرق المزعومة، سواء كان عن طريق التنجيم؛ بحركات النجوم، والأفلاك، والأجرام العلوية، فيستدل بها على الحوادث الأرضية، أو الرمَّال الذي يضرب في الرمل، فيقول: يقع كذا، ويقع كذا، أو غيرهم من الأفاكين؛ كقارئ الكف، والفنجان، فإن هؤلاء جميعًا داخلون في لفظ العراف.
_________________
(١) بنحوه في النبوات (٣٠/ ٨).
(٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٣)
[ ١ / ٣٩٧ ]
وقال ابن الأثير: (الكاهِنُ: الَّذِي يَتَعاطَى الخَبَر عَنِ الكائِنات فِي مُسْتَقْبَل الزَّمَانِ، ويَدَّعي مَعْرِفَةَ الأسْرار. وَقَدْ كَانَ فِي الْعَرَبِ كَهَنة، كَشِقّ، وسَطِيح، وغيرِهما، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَزْعمُ أَنَّ لَهُ تابِعًا مِنَ الجِنّ، وَرَئِيًّا يُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَارَ، وَمِنْهُمْ من كَانَ يَزْعمُ أَنَّهُ يَعْرِف الْأُمُورَ بمُقَدِّمات أسْباب يَسْتَدلُّ بِهَا عَلَى مَواقِعها مِنْ كَلَامِ مَنْ يَسأله، أَوْ فِعْلِه، أَوْ حَالِهِ، وَهَذَا يَخُصُّونه بِاسْمِ العَرَاف، كَالَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ المَسْروق، وَمَكَانِ الضَّالَّة وَنَحْوِهِمَا. وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ «مَنْ أتَى كاهِنا» قَدْ يَشْتَمِل عَلَى إتْيان الكاهِن، والعَرّاف، والمُنَجِّم) (^١)
قوله: "وقال ابن عباس" هكذا أطلقه المصنف، ولم يعزُه، وقد أخرجه عبد الرزاق (^٢)، والبيهقي (^٣)، وإسناده صحيح.
قوله: "في قوم يكتبون (أبا جاد) " أي: حروف "أبجد هوز حطي كلمن"، ويقال عنها: أبا جاد، وتُسمى الحروف الأبجدية. أما الحروف الهجائية فهي: أ ب ت ث ج ح …، إلى الياء. وليس معنى: "يكتبون أبا جاد" مجرد الخط باليد، فإن هذا مباح، بل مستحب، لكونه وسيلة لحفظ العلم، وتوثيق العقود، والوصايا، والأوقاف، وغيرها، ولا يدخل فيه أيضًا تعلمها لحساب الجمل، فقد كانوا يُؤرخون لبعض الحوادث بكلمات أو عبارات دالة على التأريخ؛ فيجعلون الأحرف الأولى تقابل الأعداد الفردية، والأحرف التي تليها تقابل العقود العشرية، والتي تليها تقابل المئوية. مثال ذلك: أرخوا لتجديد عمارة الجامع الكبير في عنيزة، زمن الشيخ عبد الرحمن السعدي، ﵀، سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وألف (١٣٦٢ هـ) بعبارة (اغفر لنا).
وإنما أراد ابن عباس ﵄ أمرًا كان جاريًا عندهم، وهو أنهم يُقطِّعون حروف (أبا جاد)، ويتعلمونها لاستكناه علم الغيب، فهذا الذي أنكره ابن عباس، بدليل الجملة التالية.
قوله: "وينظرون في النجوم" فهم منجمون، وليس المقصود النظر المجرد، فإنه مباح، قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقد
_________________
(١) (النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢١٥)
(٢) مصنف عبد الرزاق برقم (١٩٨٠٥).
(٣) سبق تخريجه.
[ ١ / ٣٩٨ ]
يكون مستحبًا، كما لو قصد التفكر والاعتبار، قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦]. والنظر المنهي عنه هنا، نظر خاص، وهو الاستدلال بحركة النجوم، ومطالعها على الحوادث الأرضية، فيزعمون أنه إذا طلع النجم الفلاني، واقترن بالنجم الفلاني، ستقع حرب مثلًا! والمنجمون موجودون قديمًا، وحديثًا، وسيفرد المصنف بابًا عن التنجيم.
قوله: "ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق" (ما أرى) بفتح الهمزة، وتصح بضمها، أي: ما أعلم، وبالضم أي: ما أظن. و(خلاق) أي: نصيب. وهذا تكفير من ابن عباس ﵄ لهؤلاء؛ وكأنه قاسهم على السحرة، كما قال الله ﷿: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢].
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من كفر من ادعى الغيب بكتابة (أبا جاد)، والنظر في النجوم، كحال الكهان، وأنهم لا خلاق لهم في الآخرة ..
فوائد الأثر:
١ - تحريم تعلم (أبا جاد) بدعوى التوصل إلى الأخبار المغيبة.
٢ - تحريم التنجيم.
٣ - كفر من فعل ذلك، لنفي الخلاق عنه في الآخرة.
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن.
إذ كيف يُصدق الكاهن الذي يدعي علم الغيب، من يؤمن بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]؟!
[ ١ / ٣٩٩ ]
الثانية: التصريح بأنه كفر.
لقوله: "فقد كفر بما أُنزل على محمد"، فتجرى على ظاهرها.
الثالثة: ذكر من تُكِهن له.
أراد المصنف ﵀ التأكيد على أن الطالب كالفاعل، فلو تورع فزعم بأنه لا يريد أن يتكهن هو بنفسه، لكن أوصى غيره فإنه يدخل في الوعيد أيضًا. لقوله: "أو تُكهن له".
الرابعة: ذكر من تُطير له.
كذلك، لقوله (٠ أو تُطير له)، والراضي كالفاعل، فكيف بالآمر.
الخامسة: ذكر من سُحر له.
كذلك، "أو سحر له"، فكأنه فعل ذلك بنفسه.
السادسة: ذكر من تعلم (أبا جاد).
أي على هذا الوجه المذموم شرعًا، وهو أن يستدل بتقطيع الحروف على الأمور المغيبة، فقد وقع في الرجم بالغيب.
السابعة: ذكر الفرق بين الكاهن والعراف.
كما قال البغوي، ﵀، فيكون الكاهن: من يخبر عن المغيبات في المستقبل، والعراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات غير متعقلة، يستدل بها، وإما أن العراف اسم يشمل الكاهن، فيكون من باب العام والخاص، وقيل: إنهما بمعنى واحد، والله أعلم.
[ ١ / ٤٠٠ ]