عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة" (^١)، أخرجاه.
ولهما: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله" (^٢).
ولهما: عن ابن عباس قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفْسًا يعذب بها في جهنم" (^٣).
ولهما: عنه مرفوعًا: "من صور صورة في الدنيا كُلِّف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ" (^٤)، ولمسلم: عن أبي الهياج قال: "قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرِفًا إلا سويته" (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب نقض الصور برقم (٥٩٥٣) ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان .. برقم (٢١١١).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب ما وطئ من التصاوير برقم (٥٩٥٤) ومسلم في كتاب اللباس والزينة باب تحريم تصوير الحيوان … وأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة برقم (٢١٠٧).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح، وما يكره من ذلك برقم (٢٢٢٥) ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة برقم (٢١١٠) واللفظ له.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب من صور صورة كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ برقم (٥٩٦٣) ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة برقم (٢١١٠).
(٥) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر برقم (٩٦٩).
[ ٢ / ٧١١ ]
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
من جهتين، لازمة، ومتعدية:
المتعدية: أن التصوير هو منشأ الشرك، كما تقدم في أول هذا الكتاب، في: "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم، وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين" بما يغني عن إعادته.
اللازمة: أن التصوير مضاهاة لخلق الله، فهو منازعة للربوبية؛ لأن الذي يأخذ أزميلًا ومطرقة، وينحت حجرًا أو خشبًا، ليشكل منه ما يشبه خلق الله من ذوات الأرواح، أو يأخذ قلمًا، أو ريشة، ويخطط ويرسم ما يشبه خلق الله، فكأنما يضاهي الله ﷿ في خلقه.
قوله: "عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله تعالى" " هذا حديث قدسي، أو إلهي؛ معناه من الله، ولفظه من النبي ﷺ.
قوله: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي" هذا استفهام للنفي والإنكار، أي: لا أحد أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي. وهذه الصيغة "ومن أظلم" وردت في القرآن في تسع مواضع:
- قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤].
- وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠].
- وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ في أربعة مواضع: [الأنعام: ٢١]، [الأنعام: ٩٣]، [هود: ١٨]، [العنكبوت: ٦٨].
- وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ في موضعين: [الكهف: ٥٧]، [السجدة: ٢٢]
- وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [الصف: ٧]
وفي السنة، في حديث الباب: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي". و(أظلم) على وزن (أفعل) التفضيل! والجمع بينها أن يقال هذا تفضيل باعتبار معين؛ ففي باب الصد عن سبيل الله لا أظلم ﴿مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا
[ ٢ / ٧١٢ ]
اسْمُهُ﴾، لأن المساجد هي محل ذكر الله. وفي باب الشرك لا أظلم ممن ذهب يخلق كخلق الله؛ لأن المصور يضاهي، ويحاكي خلق الله، وهكذا. يجري التفضيل باعتبار ما أضيف إليه.
قوله: "فليخلقوا ذرة" الأمر ليس على حقيقته، وإنما خرج مخرج التهديد، والتعجيز، والتحدي، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]. والذرة: هي النملة الصغيرة، مثَّل بأصغر المخلوقات التي يبصرونها، وهذا تحدٍ بالغ، فلم يأمرهم أن يخلقوا جملًا، أو فيلًا، أو نحو ذلك، ولن يستطيعوا.
قوله: "أو ليخلقوا حبة" واحدة الحب، وهو ما يخرج من النبات والزروع.
قوله: "أو ليخلقوا شعيرة" الشعير نوع آخر من الحبوب، فالحب غالبًا ما يطلق على الحنطة، مثَّل بهما لضآلتهما، مبالغةً في التحدي والتعجيز.
مسألة: حكم التصوير:
التصوير، من حيث الجملة، نوعان:
النوع الأول: تصوير ما له روح. ويُعبر عنها العلماء أحيانًا: بما له ظل، وله ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون له جُرم: وذلك ما يحصل بالنحت والتشكيل، كأن ينحت بمطرقة وأزميل حجرًا، أو خشبًا، أو يأتي بطين أو صلصال، ويجعله على صورةٍ من صور ذوات الأرواح. فهذا محرم بالإجماع (^١).
الثانية: أن يكون بالتخطيط والتلوين: بأن يأخذ قلمًا أو ريشة فيرسم صورةً من صور ذوات الأرواح؛ من آدمي، أو طير، أو حيوان، أو ينصب أمامه إنسانًا، فيرسمه على لوحة أو ورقة، فهذا أيضًا محرم؛ لأن المضاهاة فيه ظاهرة، والدليل عليه حديث النمرقة، في حديث عائشة ﵂ لأن الرسم على النمرقة يكون سطحيًا، ليس له ظل، فأمر النبي ﷺ فقطعت، فجعلت وسادتين (^٢).
_________________
(١) ينظر: فتح الباري (١٠/ ٣٨٨) وإكمال المعلم (٦/ ٦٣٥).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب ما وطئ من التصاوير برقم (٥٩٥٤) ومسلم في اللباس والزينة باب تحريم تصوير الحيوان … وأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة برقم (٢١٠٧).
[ ٢ / ٧١٣ ]
الثالثة: أن يكون بآلة التصوير التي تُسمى (الكاميرا): فهذه لم تكن في زمن النبي ﷺ، ولا عند السلف المتقدمين، وإنما وجدت في العصور الأخيرة. وقد اختلف العلماء المعاصرون في حكمها، وهل يُعد التقاطها تصويرًا، يدخل في عمومات النصوص أم لا؟
- فذهب جمع من العلماء إلى أن ذلك من التصوير المحرم، وفاعله يسمى مصورًا، وبالتالي فإنه مشمول بالأحاديث الواردة في تحريم التصوير، ووعيد المصورين (^١).
- وذهب بعض العلماء المعاصرين (^٢): إلى أن ذلك وإن سُمي تصويرًا اصطلاحًا، لكنه ليس تصويرًا في الحقيقة؛ لأن الذي يلتقط الصورة عن طريق الآلة ليس له دور في تشكيلها وتصويرها، بل الصورة الملتقطة هي الصورة التي خلقها الله، كما لو وقف الإنسان أمام مرآة، فبدت صورته عليها، فالصورة المنعكسة في المرآة ليس لأحد دخل في تصويرها؛ لأنها الصورة التي خلقها الله انعكست على المرآة؛ وكذا لو وقف الإنسان على حافة بركة ساكنة لانعكست صورته على الماء، فهذه الصورة هي الصورة التي خلقها الله، قالوا: كذلك هذه الآلة، إنما تحبس الصورة التي خلقها الله ﷿؛ ولهذا لو ضغط زر الآلة كبيرٌ أو صغير، ذكرٌ أو أنثى، مبصرٌ أو أعمى، لخرجت ذات الصورة، فهذا العمل ليس تصويرًا؛ لأن هذا الصورة هي التي خلقها الله ﷿ تمامًا، كما لو كتبت نصًا، ثم وضعته على آلة التصوير، وسحبت منه صورة، فيقال عن هذا الخط: هذا خط فلان الكاتب، الذي كتب الأصل، كذلك يقال: هذه الصورة التي نتجت من التقاط الآلة هي الصورة التي خلقها الله، ولا شأن لهذا الإنسان بها. فأصحاب هذا القول سهلوا الأمر، وقالوا: إن التصوير "الفوتوغرافي" لا يدخل في مضاهاة خلق الله ﷿.
لكن يبقى أن الناتج في الحالين، يُسمى "صورة"، فيتطرق المنع، لا من
_________________
(١) من العلماء المعاصرين الذين ذهبوا إلى تحريم التصوير الفوتوغرافي: الشيخ ابن باز ﵀، والشيخ صالح الفوزان وغيرهم، يرون تحريمه إلا لضرورة أو حاجة.
(٢) من العلماء المعاصرين الذين ذهبوا إلى جواز التصوير الفوتوغرافي: الشيخ محمد الصالح العثيمين ﵀.
[ ٢ / ٧١٤ ]
جهة كونها مضاهاة لخلق الله، وإنما لكون ذلك صورة، تتعلق بها أحكام الصور. فيقال: هذا الناتج لا يجوز اقتناؤه إلا لحاجة أو ضرورة، لأن النبي ﷺ قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة" (^١)، فالصور التي تتخذ لإثبات الهُوية، أو لضبط المسائل الجنائية، أو الطبية، أو غير ذلك مما فيه ضرورة أو مصلحة راجحة، يباح اتخاذها، واقتناؤها، من باب أن ذلك ليس تصويرًا، وإنما هو حبس للظل، لا أقل ولا أكثر، هذا ما يتعلق بالقسم الأول، وهو تصوير ما له روح، وهذا جائز.
النوع الثاني: تصوير ما لا روح فيه: فله ثلاث حالات:
الأولى: تصوير ما يصنعه الآدمي: كالطاولة، والكرسي، والسيارة، مما لا تحلها الروح، فهذا جائز باتفاق العلماء (^٢).
الثانية: تصوير ما هو من صنع الله مما يكون ناميًا: كالشجر، أو الزرع، أو نحو هذا مما لا روح فيه، ولكن فيه نمو، فهو خلق من خلق الله ينمو، فقد نقل عن بعض السلف، كمجاهد بن جبر ﵀ أنه يكرهه (^٣)، وقيل: مباح، وهذا الثاني أقرب؛ ولهذا قال ابن عباس للمصور: "إن كنت لا بد فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفس له" (^٤)، فلا بأس أن يصور الإنسان الأشجار، والأنهار، والحبوب، والثمار، ونحو ذلك.
الثالثة: تصوير ما ليس بنامٍ: كالجبال، والبحار، والأنهار، ونحو ذلك، فهذا جائز بالاتفاق.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، لما فيه من الوعيد على فاعليه، وصفه بأظلم الظلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء، آمين … برقم (٣٢٢٥) ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان … برقم (٢١٠٦).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٩١).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٩١).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة برقم (٢١١٠).
[ ٢ / ٧١٥ ]
فوائد الحديث:
١ - تحريم التصوير.
٢ - أن المصور من أظلم الظالمين بشهادة رسول رب العالمين.
٣ - إثبات صفة الكلام لله ﷿؛ لقوله: "قال الله تعالى" فالقول هو الكلام، فالله تعالى يتكلم بكلام حقيقي، مسموع، يليق بجلاله، ولا يشبه كلام المخلوقين.
٤ - أن التصوير مضاهاة لخلق الله ﷿؛ لقوله: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي" فالكاف للتشبيه، ولا يلزم أن تكون المشابهة من جميع الوجوه.
٥ - اختصاص الله ﷿ بالخلق؛ لاستحالة أن يخلق أحد سواه: الذرة والشعيرة والحبة.
قوله: "ولهما" أي: للشيخين؛ لأنه قال في الحديث السابق: "أخرجاه" "عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله" " أي: يشابهون صنع الله ﷿، فهؤلاء هم أشد الناس عذابًا يوم القيامة.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، لما فيه من الوعيد على المصورين.
فوائد الحديث:
١ - تحريم التصوير.
٢ - أن التصوير مضاهاة لخلق الله.
٣ - تفاوت العذاب يوم القيامة بحسب الجرم؛ لقوله: "أشد".
٤ - أن التصوير من كبائر الإثم، وعظائم الذنوب.
٥ - وجوب احترام جناب الربوبية؛ لقوله: "يضاهون بخلق الله".
قوله: "ولهما" هكذا قال ﵀، والواقع أن الحديث بهذا اللفظ في مسلم، فقط.
قوله: "عن ابن عباس ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كل مصور
[ ٢ / ٧١٦ ]
في النار" " وهذا العموم أريد به الخصوص، أي: كل مصور لذات روح. وفيه تخويف بليغ؛ فقد حكم بأن كل مصور في النار، وهو من نصوص الوعيد التي تجري على ظاهرها. قوله: "يجعل له بكل صورة صورها نفْسًا يعذب بها في جهنم" أي: كل صورة صورها، تنقلب نفسًا تعذبه في جهنم، فبقدر ما استكثر من الصور، يكثر من يعذبه في جهنم.
قوله: "ولهما: عنه مرفوعًا: "من صوّر صورةً في الدنيا، كُلِّف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ" " هذا أيضًا تعجيز بالغ، فيُؤتى له بتلك الصورة ويقال له: أحي ما خلقت، وأنى له أن يحييها؟! لأن الأحياء بيد الله ﷿.
مناسبة الحديثين للباب:
مطابقة للترجمة، لأن فيهما الوعيد الشديد على المصورين.
فوائد الحديثين:
١ - تحريم التصوير، وأنه من كبائر الذنوب لترتب الوعيد الشديد عليه.
٢ - أن التصوير يتناول كل ما فيه مضاهاة لخلق الله، سواء كان نحتًا، أو تشكيلًا، أو تخطيطًا.
٣ - طول عذاب المصورين؛ لأنه يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، ولا يمكن أن يقع منهم ذلك ولو طال الزمن.
٤ - شدة عذاب المصورين؛ وتفاوته قلةً وكثرة.
٥ - اختصاص الله ﷿ بالخلق، فلا يشاركه أحد في ذلك.
قوله: "ولمسلم: عن أبي الهياج قال: قال لي علي ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ، ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته"، أبو الهياج، حيان بن حصين الأسدي، الكوفي، تابعي، ثقة.
قوله: "ألا أبعثك" ألا: أداة تنبيه وتحضيض، أبعثك: أي: أوجهك، والبعث بمعنى: الإرسال. قوله: "على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ " إذًا اكتسب بذلك حكم الرفع؛
[ ٢ / ٧١٧ ]
لأن الحديث المرفوع قد يكون مرفوعًا حقيقة، وقد يكون مرفوعًا حكمًا. وفي هذا الأسلوب إغراء ظاهر.
قوله: "ألا تدع صورة إلا طمستها" أي: ألا تترك صورة إلا أزلتها ومحوتها. فهذا موضع الشاهد. فدل ذلك على أن النبي ﷺ كان يأمر أصحابه بطمس الصور، ودل على أن الصور شر، ومدعاة للشرك؛ لما فيها من مضاهاة خلق الله. ومما يُؤسف له في الآونة الأخيرة كثرة انتشار الصور، لا سيما في الملبوسات، فيجد الناس مشقة بالغة أن يجدوا ملابس لأبنائهم وبناتهم خالية من الصور. ويجب على الإنسان إذا ابتلي بشيء من هذه الصور أن يطمس الرأس؛ لحديث: "الصورة الرأس، فإذا قطع الرأس فليس بصورة" (^١). فإذا تم طمس الرأس إما بلون غامق يذهبه، أو بأن يخيط عليه شيئًا يخفيه، فقد زال المحذور. فإذا قطع الرأس، ولو كان تمثالًا، وبقي سائر البدن فليس بصورة. وأما ما يفعله بعض الناس برسم خطٍ بين الرأس والبدن، فهذا لا يغني شيئًا، ولا يحصل به الطمس، وأما الصور التي ليست على شيء من خلق الله ﷿، ولا يوجد لها نظير في خلق الله تعالى، فلا تعد صورة، ولا فعلها تصويرًا. كما يفعل بعضهم، يرسم فاكهة أو خضرة، أو منزلًا، أو سيارة، ويجعل لها عينين، وأنفًا ونحو ذلك، فليس ذلك مضاهاةً لخلق الله، لأنه لا يوجد في خلق الله ما هو على هذه الشاكلة، لكنه نوع من العبث.
قوله: "ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" أي: مرتفعًا، بارزًا، إلا جعلته مساويًا للأرض. ولا بأس بأن يسنم قدر شبر، فإن هذا التسنيم يحفظ القبر من أن تجرفه السيول، ولأنه ينخسف مع الوقت، ولكي يميزه فلا يُقعَد عليه، أو تُقضى عليه الحاجة، وما أشبه.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لتضمنه ما يدل على تحريم الصور، ووجوب طمسها وإتلافها.
فوائد الحديث:
١ - وجوب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ فها
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم (٤٦٩٥) موقوفًا على ابن عباس.
[ ٢ / ٧١٨ ]
هم أصحاب رسول الله ﷺ يرثون منه ذلك، وينقلونه إلى التابعين، فيأمرونهم بإزالة المنكر؛ بطمس الصور، وتسوية القبور المشرفة.
٢ - تحريم التصوير، ووجوب إزالة الصور بطمسها أو ومحوها.
٣ - تحريم رفع القبور، ووجوب تسويتها بالأرض، ومن رفْع القبور البناء عليها، كما يقع في كثير من البلدان، فإذا مات فيهم من يعظمونه بنوا على قبره بناءً، وجعلوا عليه قبة، فهذا من أعظم أسباب الشرك؛ لأن النفوس تتعلق بهذا المقبور الذي جعل عليه هذا البناء.
وهذا البناء والتزويق الذي يكون على القبر لا ينفع الميت شيئًا، فإن كان رجلًا صالحًا سيتأذى من جراء ما يقع عنده من شرك، ودعاء غير الله تعالى، بل الذي ينفع الميت هو السلام عليه، والدعاء له، وحسب. وأشرف القبور قبر النبي ﷺ، لا يزيد الإنسان إذا زاره أن يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويمضي؛ ولما رأى علي بن الحسين من يدخل في خوخة عند قبر النبي ﷺ قال له: "ما أنت ورجل بالأندلس إلا سواء" (^١)، ثم قال: "إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (^٢)، وقد مر في أول الكتاب.
٤ - وجوب هدم هذه القباب المبنية على القبور، عند الاستطاعة. فيجب على من بسط الله يده، وقدر على إزالة المنكر أن يزيل البناء الذي على القبور، حتى تحسم مادة الشرك والغلو.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: التغليظ الشديد في المصورين.
وهذا بيّن من النصوص، ومنها قوله: "أشد الناس عذابًا" وقوله: "ومن أظلم
_________________
(١) هذه العبارة ذكرها شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٨٣).
(٢) الأحاديث المختارة للضياء المقدسي برقم (٤٢٨) وقال الألباني في موسوعة الألباني في العقيدة (٢/ ٤٩٨): "وفي إسناده رجل من أهل البيت مستور، وبقية رجاله ثقات".
[ ٢ / ٧١٩ ]
ممن ذهب يخلق كخلقي" وقوله: "يجعل له بكل صورة صورها نفسًا يعذب بها في النار" فهذا الوعيد لم يأتِ مثله في كثير من الكبائر، مما يدل على التغليظ فيه.
الثانية: التنبيه على العلة وهي ترك الأدب مع الله؛ لقوله: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي".
هذا أدب واجب متعين؛ لأن في مضاهاة خلق الله ﷿ منافاة لحقه سبحانه، لأنه سبحانه هو الخالق البارئ المصور، فلا يليق بغيره أن يفعل مثل ذلك.
الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم؛ لقوله: "فليخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة".
وتقدم أن هذا الأسلوب يراد به التعجيز، والتحدي.
الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذابًا.
أي: لقوله: "أشد الناس عذابًا الذين يضاهئون بخلق الله".
الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسًا يعذب بها المصور في جهنم.
بأن تستحيل هذه الصور إلى نفوس يخلقها الله ﷿، فتتولى تعذيبه في نار جهنم.
السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح.
وهذا تكليف لا يتمكن من فعله، لكن فائدته: إطالة العذاب؛ لأنه لا يمكنه أن يخرج من النار حتى يأتي بهذا الأمر، ولا يمكن أن يأتي به، فدل على طول مكثه.
السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت.
كما أمر النبي ﷺ عليًا، وكما أمر علي أبا الهياج.
[ ٢ / ٧٢٠ ]