عن جابر أن رسول الله ﷺ سُئل عن النشرة، فقال: "هي من عمل الشيطان" رواه أحمد، بسند جيد (^١)، وأبو داود (^٢)، وقال: سُئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله (^٣).
وفي البخاري: عن قتادة: قلتُ لابن المسيب: رجل به طب، أو يُؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه (^٤).
وروي عن الحسن: أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر (^٥).
قال ابن القيم: النشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان:
الأول: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (١٤١٣٥) وقال محققو المسند: "إسناده صحيح:.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطب، باب في النشرة برقم (٣٨٦٨) وصححه الألباني.
(٣) ظاهر قول الشيخ ﵀: "وقال" أن هذا يعود إلى أبي داود، ولأبي داود سؤالات للإمام أحمد، وهو كتاب مطبوع، وليس ما ذكره المصنف منها، ولا في مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله، ولا برواية الكوسج، وغيرها. وقد نقله بعض أهل العلم عن الإمام أحمد، كابن مفلح، فإنه قال في الآداب الشرعية والمنح المرعية (٣/ ٧٧): "قال جعفر: سمعتُ أبا عبد الله سئل عن النشرة فقال: ابن مسعود يكره هذا كله".
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب هل يستخرج السحر؟ (٧/ ١٣٧).
(٥) في فتح الباري لابن حجر (١٠/ ٢٣٣) بلفظ: "وكان الحسن يكره ذلك يقول: لا يعلم ذلك إلا ساحر". وفي الآداب الشرعية والمنح المرعية (٣/ ٧٧) بلفظ: "وقد قال الحسن: لا يطلق السحر إلا ساحر".
[ ٢ / ٤٠١ ]
والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز (^١).
الشرح:
قوله: "باب: ما جاء في النشرة" أي: باب ما جاء في حكمها وأنواعها؛ وذلك أن الأمر يحتمل الجواز، والمنع. فلما كان بعض أنواع النشرة منافيًا للتوحيد، لما فيه من الاستعانة بالشياطين؛ وذلك بالوقوع في السحر نفسه، ناسب إدخال هذا الباب في كتاب التوحيد؛ لأن النشرة قد تكون من فعل الشياطين.
والنشرة في اللغة: مأخوذة من النشر وهو التفريق؛ والنشر عكس الطي، فالنشر يدل على السعة، ضد الضيق والحرج؛ ولهذا قال عن أصحاب الكهف: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الكهف: ١٦]؛ وذلك أن المصاب يكون في كرب وضيق، فإذا تداوى فكأنما فُرِّق ذلك عنه فانتشر بعد أن كان مضيقًا عليه. فالنشرة: نوع من العلاج؛ يكون بالرقية، ويكون بغيرها، فمنه: ما يكون مباحًا، ومنه: ما يكون محرمًا.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما ذكر المصنف ﵀ ما يتعلق بالسحر، وبيّن شيئًا من أنواعه، وذكر الكهان وما يصدر منهم، أتبع ذلك بهذا الباب المتعلق بالنشرة، فإن الناس إذا أصابهم السحر، طفقوا يبحثون عن حَلِّه، والخلاص من شره، فربما وقعوا في النشرة الشركية.
قوله: "عن جابر: أن النبي ﷺ سُئل عن النشرة، فقال: "هي من عمل الشيطان" رواه أحمد، بسند جيد" (أل) في (النشرة) عهدية، فلهذا بادر النبي ﷺ بالقول: بأنها من عمل الشيطان؛ لأن النشرة المسئول عنها هي ما كان معهودًا في الجاهلية من حل السحر بسحر مثله، فيحصل بالاستعانة بالشياطين، واستجدائهم، وتقديم النذور والقرابين لهم، فيقعون في الشرك الأعظم، الذي
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٤/ ٣٠١).
[ ٢ / ٤٠٢ ]
حرمه الله تعالى. فكان جواب النبي ﷺ منصبًا على نوع من النشرة، وهي التي كانت معروفة في الجاهلية.
قوله: "وأبو داود"، وقال: سُئل أحمد عنها، فقال: ابن مسعود يكره هذا كله": أبو داود السجستاني، ﵀ من تلاميذ أحمد، فسنده إليه متصل. فأخبر الإمام أحمد، بما بلغه من العلم، أن ابن مسعود ﵁ يكره ذلك. وقد تقدم أنه يكره التمائم التي تكون من القرآن، لكن هذه الكلية التي ذكرها الإمام أحمد ﵀ تُحمل على النوع الممنوع فقط، ولا يدخل فيها الرقى، والأدعية الشرعية، قطعًا. وقد سُئل الإمام أحمد ﵀ عن رجل يزعم أنه يحل السحر، فقال: قد رخص فيه بعض الناس، قيل: إنه يجعل في الطنجير ماءً، ويغيب فيه، ويفعل كذا، فنفض يده كالمنكر، وقال: ما أدري ما هذا؟ قيل له: فترى أن يُؤتى مثل هذا يحل السحر؟ قال: ما أدري ما هذا (^١)، فتبرأ أحمد، ﵀، من هذا الصنيع، ولم يقره؛ لأن فيه شعوذة. ومثل هذا كان موجودًا في هذه البلاد، وربما لا يزال، ويسمونه "صب الرصاص"، فإذا أصيب الإنسان بعين، يأتون إلى هذا المصاب ويضعون فوق رأسه إناءً، ويصبون فيه رصاصًا ذائبًا، ويزعمون أن صورة العائن تتشكل فيه! فهذا لا يحل، وهو ضرب من الشعوذة والسحر والاستعانة بالشياطين.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، حيث تضمن تحريم النشرة، وأنها من عمل الشيطان، فهي منافية للتوحيد.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن النشرة الجاهلية.
٢ - أن للشيطان عملًا، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ
وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، وقال: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥]
_________________
(١) الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٦٦) والمغني لأبن قدامة المقدسي (١٠/ ١١٣).
[ ٢ / ٤٠٣ ]
٢ - مشروعية سؤال العلماء في النوازل.
٣ - عزو المفتي الجواب إلى من هو أعلم منه.
ثم قال ﵀: "وفي البخاري عن قتادة" هو قتادة بن دعامة السدوسي، ثقة من حفاظ التابعين، كانت وفاته سنة (١١٨ هـ)
قوله: "قلتُ لابن المسيب: رجلٌ به طب" أي: سحر، ولكن يسمونه طبًا من باب التفاؤل، كما جاء في حديث سحْر النبي ﷺ: "فقال أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب" (^١)، أي مسحور، فكانوا يسمون من به سحر مطبوب، أو به طب، كما كانوا يسمون اللديغ سليمًا، تفاؤلًا بالسلامة.
قوله: "أو يُؤَخَّذُ عن امرأته" (يُؤَخَّذُ) بالتضعيف، وضُبط بالتخفيف، والمعنى واحد، أي: أنه يصرف عن امرأته،، وهذا من أعمال السحرة، فيجعلون الزوجة تتعلق بزوجها، أو يجعلون الزوج يتعلق بزوجته تعلقًا غير طبيعي، ويسمى "العطف"، أو يجعلون الزوجة تنفر من زوجها، أو يجعلون الزوج ينفر من زوجته نفرة عجيبة، بحيث لا يطيق أحدهما قرب الآخر، ولا رائحته، ولا مسه، ويلحقه من جراء ذلك ألم عظيم، ويسمى "الصرف"، قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] وهذا كله من أعمال السحر الشائعة قديمًا وحديثًا. ومن الإشاعات التي تقولها العامة، ولا دليل عليها: أن من عقد شيئًا عند عقد النكاح، فإنه يؤدي إلى صرف الزوج عن زوجته، حتى إنهم يكرهون أن يشبك الإنسان أصابعه أثناء عقد النكاح، لكن هذا لا دليل عليه.
قوله: "أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع، فلم ينه
عنه": هذا يدل على أن ابن المسيب ﵀ لا يرى بأسًا بالنشرة، لكن يظهر من جوابه أنه لحظ أن النشرة نوعان: منها ما ينفع، ومنها ما يضر، فسوغ ما ينفع؛ وذلك أن الله تعالى قد قال في آية السحر: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢].
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده برقم (٣٢٦٨) ومسلم في كتاب السلام، باب السحر برقم (٢١٨٩).
[ ٢ / ٤٠٤ ]
وأما قول بعض الفقهاء: لا بأس بحل السحر بسحر مثله! فلا يسلم، ففي الحديث: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِي حَرَامٍ) (^١)، وعن ابن مسعود موقوفًا: (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) (^٢) قال ابن قدامة، ﵀: (فأما الذي يحل بالسحر؛ فان كان بشيء من القرآن، أو شيء من الذكر، والأقسام، والكلام المباح، فلا بأس به. فإن كان بشيء من السحر، فقد توقف أحمد عنه، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل عن رجل يزعم انه يحل السحر، فقال: قد رخص فيه بعض الناس، قيل لأبي عبد الله: انه يجعل في الطنجير ماءً، ويغيب فيه، ويعمل كذا، فنفض يده كالمنكر، وقال: ما أدري ما هذا، قيل له: فترى ان يؤتى مثل هذا يحل السحر؟ فقال: ما أدري ما هذا. وروي عن محمد بن سيرين، أنه سئل عن امرأة تعذبها السحرة، فقال رجل: أخط خطًا عليها، وأغرز السكين عند مجمع الخط، واقرأ القرآن. فقال محمد: ما أعلم بقراءة القرآن بأسًا على حال، ولا أدري ما الخط والسكين. وروي عن سعيد بن المسيب، في الرجل يؤخذ عن امرأته، فيلتمس من يداويه، فقال: إنما نهى الله عما يضر، ولم ينه عما ينفع. وقال أيضًا: إن استطعت أن تنفع أخاك فافعل. فهذا من قولهم يدل على أن المعزم ونحوه، لم يدخلوا في حكم السحرة، لأنهم لا يسمون به، وهو مما ينفع ولا يضر) (^٣). فهذه ثلاثة آثار عن السلف:
- فأما المروي عن أحمد، ﵀، فليس في السؤال أنه يحل السحر بالسحر! وليس فيه ما يدل على التوقف، بل فيه ما يدل على الإنكار والتبرؤ: (فنفض يده كالمنكر، وقال: ما أدري ما هذا، قيل له: فترى ان يؤتى مثل هذا يحل السحر؟ فقال: ما أدري ما هذا).
- وأما المروي عن ابن سيرين، فإنه أبى أن يقر غير القرآن، وبرأ من الخط والسكين.
- وأما المروي عن ابن المسيب، فإنه يدل على رفض السحر، لأنه يضر ولا ينفع، كما قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ
_________________
(١) أخرجه ابن حبان برقم (١٣٩١)، وحسنه الألباني في غاية المرام: (٣٠، ٦٦)
(٢) أخرجه البخاري في باب شراب الحلواء والعسل: ٧/ ١١٠
(٣) الشرح الكبير على متن المقنع (١٠/ ١١٧)
[ ٢ / ٤٠٥ ]
بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وإنما سوغ ما ينفع. واختلاف الاصطلاحات لا يغير الحقائق، فلو سمي الساحر "معزِّمًا" أو غير ذلك، فالحكم واحد.
لكن قد يطلق بعضهم النشرة على ما لا يدخل في حدها، فإن النشرة: حل السحر بسحر مثله، فلو قصد من يدله على موضع السحر، أو يستخرجه له، دون أن يحله بسحر، فإن ذلك لا يدخل، بالضرورة، في النشرة الشيطانية، وإنما يلتحق بمسألة الاستعانة بالجن، وهل يمكن أن تقع على وجه غير شركي، أم لا.
قوله: "وروي عن الحسن قال: "لا يحُل السحر إلا ساحر" هذا من الحسن حكم بمنع النشرة، إذا وقعت على سبيل السحر؛ إذ السحر محرم، منهي عنه، ومن موارد الشرك بالله، فلا يقدر على حل السحر إلا ساحر، والساحر لا يمكن أن يؤدي عمله إلا بالاستعانة بالشياطين، وذلك ممنوع.
فأراد المصنف ﵀ من نقل هذه النصوص أن يُبيّن اختلاف المنقول عن السلف في جواز النشرة، التي هي حل السحر عن المسحور، فظاهر كلام سعيد بن المسيب: الجواز، وظاهر كلام الحسن: المنع، ثم عقّب على ذلك بكلام جامع مبين، لابن القيم ﵀ يرفع هذا الإشكال، حيث قال ابن القيم: "النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان:
الأول: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.
والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز" (^١).
وهذا هو فصل الخطاب في هذه المسألة، فيقال النشرة نوعان:
أحدهما: ما وقع على سبيل الشرك بالله، والتقرب للشيطان، من قبل الناشر والمنتشر، فهذا لا يحل بحال؛ لقوله: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٤/ ٣٠١).
[ ٢ / ٤٠٦ ]
عليكم" (^١)، وهؤلاء السحرة يطالبون من أتاهم بأمور تكشف عن خبث طويتهم، فأحيانًا يطالبونه -والعياذ بالله- بتلويث المصحف، ووضعه في القاذورات، أو ذبح شاة أو تيس أو ديك أسود، ولا يذكر اسم الله عليه، فيقع الذبح لهذا الجني، الذي يستعينون به، أو يطالبونه بإحراق البخور تعظيمًا للجني المعظم عندهم، لكي ينفذ له ما أراد، فكل هذا من الشرك الأكبر.
ثم إنه يترتب على تسويغ حل السحر بالسحر، مفاسد عديدة، منها:
١ - مصادمة النصوص الصحيحة، الواردة في تحريم إتيان السحرة، كما تقدم، ومنها ما جاء في حديث معاوية بن الحكم: "وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: "فَلَا تَأْتِهِمْ" (^٢)
٢ - ما ورد بخصوص النشرة، وأنها (من عمل الشيطان) بإطلاق.
٣ - رواج سوق السحر والشعوذة، وتعلق العامة بهم، وانصرافهم عن الطرق الشرعية.
٤ - أكل أموال الناس بالباطل.
٥ - استزلال المصاب إلى الوقوع في الشرك، بذبح، أو نذر، أو قول، أو فعل، منافٍ للإيمان.
٦ - سوء العاقبة، في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩].
الثانية: ما وقع بالعوذ الشرعية، والحروز الإيمانية، فهذا مشروع، والله تعالى لم يدع عباده دون مخرج، بل أمرهم بالأسباب الشرعية، والأدوية الحسية، وقد جاء في الحديث: "ما أنزل الله داء، إلا قد أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله" (^٣)، وقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأشربة، باب شراب الحلواء والعسل (١٧/ ٣٢٨) موقوفًا على ابن مسعود. وأخرجه مرفوعًا البيهقي في السنن الكبرى برقم (١٩٧١١) وصحح وقفه الألباني في غاية المرام (ص: ٣٦) (٣٠).
(٢) (أخرجه مسلم في باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، برقم (٥٣٧)
(٣) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٣٥٧٨) وقال محققو المسند: "صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن".
[ ٢ / ٤٠٧ ]
هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]؛ أيًا كان ذلك الضر؛ لأن (ضر) نكرة جاءت في سياق الشرط، فتدل على العموم. فإذا قوي اليقين عند العبد المبتلى بالعين أو بالسحر، بأن الله ﷾ هو الذي يجيب الدعوات، ويكشف الكربات، فإن الله ﷾ يستجيب له، فهو المدبر سبحانه، ولو شاء أتلف مادة السحر أيًا كانت، وأينما كانت، ولو كانت مدفونة في قبر، أو ملقاة في قعر البحر، أو غير ذلك. فعلى العبد أن يفعل الأسباب الشرعية؛ كالرقى والدعاء، والأسباب الحسية؛ كالأدوية المباحة، كما قال ابن القيم ﵀، فيرقي نفسه، أو يرقيه غيره، ويحافظ على الأوراد. وإذا كان الأمر يتعلق بمعاناة عضوية، فيتناول الأدوية المناسبة.
فالواجب: التوكل على الله ﷿، وألا يدب اليأس إلى النفس، وكثير من الناس إذا اضطرب مزاجه، أو أصابه أدنى عارض نفسي أو عضوي، تبادر إلى ذهنه: أنه قد عمل له عمل، أو أصابته عين. والعين حق، والسحر حق، لكن لا يجوز للإنسان أن يعتمد على الظنون بلا بينة، بل عليه أن يفعل ما في وسعه، وما أتاح الله له من الأسباب. وأما القطع بشيء من هذه الأشياء دون دليل وبينة، فلا؛ لأنه يفتح على الإنسان باب التوهم، وسوء الظن بالمسلمين.
وبعض الرقاة الجهلة -وللأسف- يصنع هذه الأوهام؛ فيأتيه الرجل أو المرأة، يعاني مرضًا ما، فيقول له: وقع لك كذا وكذا، ويأتي بالعجائب؛ يقول: دخل بك اثنان من الجن، أو ثلاثة، حتى قال أحدهم: دخلت فيك قبيلة! فيخرج من أتى هؤلاء بعلة، بألف علة! ويصاب بالانهيار والتوتر البالغ. فمن اشتغل بالرقية، فليس مطلوبًا منه أن يقدم تشخيصًا لما جرى؛ لأن هذا أمر غيبي، لا يعلمه إلا الله، وإنما عليه أن يقرأ على المريض، وينفث، كما قال النبي ﷺ: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل" (^١)، ويوصيه بالأوراد الشرعية، والتوكل على الله، ويطمئن قلبه، ويذكره بأنه لا يصيبه إلا ما كتبه الله له.
ولا يجوز للراقي أن يتباهى بإخبار المرقي بما جرى له، وما وقع منه، بل إن هذا مدعاة إلى الشك في هذا المعالج، فربما كان يستعين بالجن. فلا يقال: هذه عين، وهذا سحر، إلا بيقين، أو بقرينة قوية. ومن شأن ابن آدم أن يصاب
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
بهذه الأعراض، فليس كل ما يقع من الآفات والأعراض مرده إلى العين أو السحر، وإن كانت العين حقًا، والسحر كذلك، لكن لا بد من دليل؛ ولهذا لما جرى لبعض أصحاب النبي ﷺ أنه عرض، قال النبي ﷺ: "هل تتهمون له أحدًا؟ " قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، فدعا رسول الله ﷺ عامرًا، فتغيظ عليه، قال: "علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركّت؟! فاغتسل له" فغسَّل له عامر وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره، في قدح، ثم صب عليه، من ورائه، فراح سهل مع الناس ليس به بأس (^١). فالواجب الحذر من الوقوع في الوهم والشك، وتوزيع التهم على المسلمين، فإن هذا باب لو دخل فيه الإنسان لن يخرج منه سالمًا، وسيقع في دوامة من الظنون، وربما أصابه من الهم والغم، أكثر مما لو أصابه سحر حقيقي، أو عين حقيقية.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن النشرة.
لقول النبي ﷺ: "هي من عمل الشيطان" والمراد بها نشرة الجاهلية.
الثانية: الفرق بين المنهي عنه والمرخص فيه عما يزيل الإشكال.
أن المنهي عنه هو ما كان فيه استعانة بالشياطين، والمرخص فيه هو ما وقع على وجه شرعي، من الأدوية المباحة، والرقى والتعويذات الشرعية.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطب، باب العين برقم (٣٥٠٩) والنسائي في السنن الكبرى في وضوء العائن برقم (٧٦١٩) وصححه الألباني.
[ ٢ / ٤٠٩ ]