عن عبد الله بن الشخِير ﵁ قال: انطلقتُ في وفد بني عامر إلى رسول ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: "السيد الله ﵎" قلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا، فقال: "قُولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينَّكم الشَّيطانُ" (^١) رواه أبو داود، بسند جيد.
وعن أنس ﵁ أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: "يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿" (^٢) رواه النسائي، بسند جيد.
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كان التوحيد لا يتم إلا بتحقيق أركانه، وصيانة جنابه مما يفضي إلى ثلمه وانتقاصه، من معاول الشرك، القولية والعملية، عقد المصنف هذا الباب.
وقد تقدم نظير هذه الترجمة، وهو "باب: ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك" وأعادها المصنف اهتمامًا بالمقام، والفرق بين البابين أن الأول فيه حماية التوحيد بسد الطرق الفعلية،
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في كراهية التمادح برقم (٤٨٠٦) وصححه الألباني.
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى في كتاب عمل اليوم والليلة، ذكر اختلاف الأخبار في قول القائل: سيدنا وسيدي برقم (١٠٠٠٦).
[ ٢ / ٧٦٠ ]
وهذا الباب فيه حمايته بسد الطرق القولية؛ فكل قول يفضي إلى الغلو يخشى منه الوقوع في الشرك، ويتعين اجتنابه، ولا يتم التوحيد إلا بتركه.
قوله: "باب: ما جاء في حماية المصطفى" لا شك أن النبي ﷺ حَمى (حِمى التوحيد) وسد جميع الطرق المفضية إلى الشرك، وهكذا سائر إخوانه من النبيين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ووصفه بالمصطفى وصف مطابق، فإن الله تعالى اصطفاه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] فأنبياء الله مصطفون أخيار. والحماية هي الصيانة عن كل ما يثلمه ويفسده، إما في أصله، أو في كماله الواجب، أو في كماله المستحب.
قوله: "عن عبد الله بن الشخِّير" هو عبد الله بن الشخير بن عوف العامري، أسلم يوم الفتح، قوله: "قال: انطلقتُ في وفد بني عامر، إلى رسول الله ﷺ، فقلنا: أنت سيدنا" استهلوا خطابهم بالتبجيل، والثناء، والمدح، كما تفعل الوفود حينما تقدم على الكبراء، وهكذا تعودوا في جاهليتهم، ووصفوه بالسيادة.
قوله: "السيد الله ﵎" فأراد النبي ﷺ أن يعلم هذا الوفد، حديثي العهد بالإسلام، الاقتصاد في الكلام، وأن لا يدب فيهم الغلو، فبيّن أن السيادة المطلقة لله تعالى.
وقد اختلف العلماء في إطلاق اسم "السيد" على غير الله ﷿:
- فقال قوم بالجواز، واستشهدوا بقصة سعد بن معاذ ﵁ حين أقبل بعد غزوة بني قريظة محمولًا على حمار؛ لكونه أصيب في أكحله، فقال النبي ﷺ للأنصار: "قوموا إلى سيدكم" (^١).
- ومنع ذلك آخرون: مستدلين بحديث الباب، وروي ذلك عن مالك (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب إذا نزل العدو على حكم رجل برقم (٣٠٤٣) ومسلم في الجهاد والسير، باب جواز قتال من نقض العهد برقم (١٧٦٨).
(٢) نقله عنه ابن القيم في بدائع الفوائد ت العمران (٣/ ١١٧٥) ولم نجده في كتب المالكية.
[ ٢ / ٧٦١ ]
- والصحيح: أنه إذا قُصد بالسيادة، السيادة المطلقة فلا شك أن هذا لا يجوز إلا لله تعالى، فإن معنى السيد: من له السؤدد والشرف. وغاية السيادة إنما تكون لله ﷿.
وفي هذه الأزمنة المتأخرة، صار لفظ السيد مبتذلًا، فكل خطاب يصدر من أي جهة يدبج بعبارة: السيد فلان، وقد يكون صعلوكًا، ليس له سيادة على أحد. فلم يعد هذا الاسم يعطي معنى السيادة، بخلاف ما مضى؛ إذا قيل: السيد، فإنه ينصرف إلى الكبراء والأمراء، ومن له وجاهة في قومه. فلما انتفى هذا المحذور، وهو اعتقاد السيادة المطلقة للمخاطب، فلا بأس باستعماله. لأن الأصل أنه يجوز أن يسمى المخلوق بما يسمى به الخالق على اعتبار أن ما للمخلوق يليق به، وما للخالق يليق به. ولعل النبي ﷺ لحظ هذا المعنى في قوم حديثي عهد بإسلام، وفدوا عليه، فخشي أن يتجارى بهم الأمر، فيغلوا فيه ﷺ.
قوله: "وأفضلنا فضلًا " الفضل: الخير والزيادة، أي فأنت أكثرنا خيرًا.
قوله: "وأعظمنا طولًا" أي: عطاءً وبذلًا، ولا شك أن النبي ﷺ كما قالوا، وزيادة.
قوله: "قولوا بقولكم، أو بعض قولكم" أي: قولوا بما يخاطب به بعضكم بعضًا، عادةً، أو بعض قولكم الذي ذكرتموه الآن، لا كله، وإن كان حقيقًا به، تأديبًا لهم وتعليمًا.
قوله: "ولا يستجرينكم الشيطان" أي: لا يتخذنكم الشيطان جريًا، والجري: هو الرسول والمندوب الذي يُبعث لإبلاغ الخبر، كما يقال: لا تكن بريدًا للشيطان.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما فيه من التحفظ في الأقوال، وسد باب الغلو المفضي إلى الشرك.
فوائد الحديث:
١ - تواضعه ﷺ، وأدبه مع ربه، ولهذا لما خير النبي ﷺ بين أن يكون
[ ٢ / ٧٦٢ ]
ملكًا رسولًا، أو عبدًا رسولًا، أشار إليه جبريل أن تواضع، فقال: "بل عبدًا رسولًا" (^١)، وقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة في التواضع الكريم الشريف، الذي لا دناءة فيه؛ فلما أتاه رجل، فكلمه، جعل ترعد فرائصه، فقال له: "هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد" (^٢)، والقديد: هو اللحم المجفف، أي: أني كسائر الناس. فلم يكن النبي ﷺ يتعالى أو يتباهى، أو يتخذ الخدم، والحشم، والأبهة بين يديه، بل كان على سجيته. ومع ذلك، جمع الله تعالى له بين المحبة والمهابة، فمن رآه هابه، ومن جالسه أحبه.
٢ - التحذير من الغلو في المديح، والتكلف في الألفاظ؛ وهذا يقع كثيرًا من الشعراء، فإن الشعراء يستزلهم الشيطان، ويستهويهم، فيجري على ألسنتهم من وحيه ووسواسه ونفخه ونفثه، ما يجعلهم يرفعون المحقرين إلى أعلى المراتب، ولهذا قال النبي ﷺ: "إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب" (^٣).
٣ - أن السؤدد المطلق لا يكون إلا لله تعالى؛ لقوله ﷺ: "السيد الله".
٤ - أن من أسماء الله الحسنى: السيد.
٥ - الحذر من مزالق الشيطان؛ لقوله: "ولا يستجرينكم الشيطان".
٦ - أنه لا بأس بشيء يسير من المِدحة، من غير كذب ولا غلو؛ لقوله: "قولوا بقولكم أو بعض قولكم" فالشيء اليسير، الذي يتضمن التعريف، لا بأس به؛ ولهذا كتب النبي ﷺ: "من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم" (^٤)، فهذا فيه مدحة، وهو إخبار بالواقع، أما الأسجاع المتكلفة، والألقاب المفخمة، فإنها مذمومة.
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٧١٦٠) وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب الأطعمة، باب القديد برقم (٣٣١٢) وصححه الألباني.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح، إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة على الممدوح برقم (٣٠٠٢).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٦٤] برقم (٤٥٥٣) ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام برقم (١٧٧٣).
[ ٢ / ٧٦٣ ]
ثم قال المصنف ﵀: "وعن أنس ﵁ أن ناسًا قالوا: يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا" لا شك أن النبي ﷺ خير البرية، وهو سيد ولد آدم، ولا ريب، كما أنه من خيار سلالة قريش سؤددًا وشرفًا، لكنه ﷺ لم يقرهم على ذلك.
قوله: "يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان" أي: بما جرت به عادتكم في مخاطبة بعضكم بعضًا، ولا يوقعنكم الشيطان في الهوى، ويذهب بعقولكم.
قوله: "أنا محمد" هكذا ذكر اسمه الصريح دون مقدمات وألقاب.
قوله: "عبد الله ورسوله" هذان الوصفان الكريمان اللذان يوصف بهما النبي ﷺ، كما قال في الحديث الآخر: "لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله" (^١)، وفي هذين الوصفين ردٌ على أهل الجفاء، وأهل الغلو؛ فقوله: "عبد الله" رد على أهل الغلو الذين يرفعونه فوق منزلته، وفي قوله: "ورسوله" رد على أهل الجفاء الذين لا ينزلونه منزلته التي تليق به، وهي الرسالة، فلهذا كان الجمع بين الوصفين هو التعبير المناسب.
قوله: "ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي" فربما توهموا أنه يعجبه ذلك، فبيّن لهم أنه لا يحب ذلك، وأن نفسه الطيبة الكريمة المتواضعة تستنكف، وتنفر من هذه الأساليب.
قوله: "التي أنزلني الله ﷿" وهي منزلة العبودية، والرسالة والنبوة.
قوله: "رواه النسائي بسند جيد" وهو حديث صحيح.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، كسابقه، لما فيه من النهي عن التوسع في المدح حماية منه ﷺ لجناب التوحيد، وسد طرائق الشرك.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦] [مريم: ١٦] برقم (٦٨٣٠) وفي كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت برقم (٦٨٣٠).
[ ٢ / ٧٦٤ ]
فوائد الحديث:
١ - النهي عن الغلو في شخص النبي ﷺ، وترك الألفاظ المتكلفة.
٢ - حمايته ﷺ لجناب التوحيد، وسده جميع الطرق المفضية إلى الشرك.
٣ - أن أجل وصفين يوصف بهما النبي ﷺ: العبودية والرسالة.
٤ - الرد على أهل الغلو، وأهل الجفاء.
٥ - التحذير من استزلال الشيطان وإيقاعه في الهوى؛ وذلك أن الشيطان يتفنن في جر الناس إلى الوقوع في الشرك، فيأتي الصالحين، والعبَّاد من باب تعظيم النبي ﷺ، فيوقعهم في المحظور، كالذين يغلون في النبي ﷺ بإقامة الموالد، ويدبجون المدائح والقصائد، ويأتون بأوصاف لا تليق إلا بالله ﷿، كما مثلنا بقصيدة البوصيري، التي يخاطب فيها النبي ﷺ:
يا أكرَمَ الخلقِ ما لي مَنْ ألوذُ به … سِوَاكَ عِنْدَ حُلولِ الحادِثِ العَمِمِ
اِنْ لم تكُن في مَعَادِي آخِذًَا بِيَدِي … فَضْلًا وإلا فَقُلْ: يا زَلَّةَ القَدَمِ
فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَتِهَا … وَمِنْ عُلُومِكَ عِلَمَ اللوحِ وَالقَلمِ (^١).
فجعل الدنيا والآخرة من جود النبي ﷺ وجعل علم اللوح والقلم من علوم النبي ﷺ. سبحان الله! ماذا أبقى لله؟ فلا شك أن هذا من استهواء الشيطان بدعوى محبة النبي ﷺ
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تحذير الناس من الغلو.
أي: لقوله: "قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان".
_________________
(١) من بردة البوصيري. ينظر: ثلاثية البردة بردة الرسول ﷺ (ص: ٨١ - ٨٢).
[ ٢ / ٧٦٥ ]
الثانية: ما ينبغي أن يقول من قيل له: أنت سيدنا.
يقول: (السيد الله).
الثالثة: قوله: "لا يستجرينكم الشيطان" مع أنهم لم يقولوا إلا الحق.
وهذا ملحظ مهم، فليس كل كلام حق يقر، بل يجب أن ينظر إلى بواعثه، ومآلاته، فإنهم قالوا قولًا يستحقه، لكنه أنكر عليهم خوفًا من أن يتجارى بهم الغلو، وينزلوه فوق منزلته.
الرابعة: قوله: "ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي".
أي: أن النبي ﷺ قد أحله ربه منزلة كريمة، وهي منزلة العبودية والرسالة، فلا يزاد عليها. وقد وصفه ربه بالعبودية التامة؛ لأن العبودية درجات، فهناك العبودية الكونية التي يخضع لها كل أحد، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] فتشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والإنسان والحيوان، والطير والهوام، وهناك عبودية خاصة، وهي العبودية الشرعية التي يقوم بها المؤمنون الممتثلون لأوامر الله، المنتهون عن نواهيه، وهناك عبودية خاصة الخاصة، وهي عبودية الأنبياء والمرسلين، وأكملها عبودية الخليلين: إبراهيم، ومحمد -صلوات الله وسلامه عليهما-، فهذه هي العبودية التامة. وقد وصفه الله تعالى بها في أشرف منازله، في أشرف ليلة مرت به؛ ليلة الإسراء والمعراج، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، وفي أشرف أحواله، وهو حال تنزل القرآن، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، في أشرف أعماله، وهو الدعوة إلى الله، فقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]. فوصف العبودية وصف شريف كامل، كما قال الشاعر:
[ ٢ / ٧٦٦ ]
وَمِما زَادَنِي شَرَفًَا وَتَيْهًَا … وَكِدْتُ بَأَخْمُصِي أَطَأ الثُّريا
دُخُولِي تَحتَ قَوْلِكَ: يَا عِبَادِي … وَأَنْ صَيّرتَ أَحمدَ لِي نَبيّا (^١).
_________________
(١) نسب البيتين في المفاخرة بين الماء والهواء (ص: ٤٦) للقاضي عياض ﵀.
[ ٢ / ٧٦٧ ]