وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة النحل: ٩١].
وعن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا، فقال: "اغزوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، واغزوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكونوا لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تَخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله، أم لا" (^١)، رواه مسلم.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها برقم (١٧٣١).
[ ٢ / ٧٣٣ ]
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
رعاية ذمة الله وذمة نبيه ﷺ من تعظيم حق الله ورسوله، كما أن إخفار ذمة الله وذمة نبيه ﷺ ضد ذلك. فحماية ما يتعلق باسمه وذكره، من التوحيد الواجب.
قوله: "باب: ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه" أي: من التعظيم، ووجوب الوفاء بها، ورعايتها. والمقصود بالذمة: العهد، وهو ما يكون بين المتعاقدِين أو بين المتعاقدَين، من صلح، أو شرط.
قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ الإيفاء: هو إعطاء الحق تامًا. وعهد الله له صور متعددة، منها:
- البيعة: فإذا أعطى الإنسان صفقة يده، وثمرة فؤاده، لسلطان، فإنه لا يجوز أن ينقض عهده، ويخرج عليه. وقد جاء في لزوم ذلك نصوص كثيرة.
- العقود والصلح: الذي يجري بين المسلمين وأعدائهم، فيجب الوفاء به، ويحرم نقضه.
- اليمين: فإذا بذل اليمين لأحد موثِّقًا عهده، بذكر اسم الله ﷿، فإنه لا يجوز له أن يخفر ذلك، ويحنث في يمينه، كما تقدم في باب: (ما جاء في كثرة الحلف).
قوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ﴾ أي: لا تحلوا عقدة اليمين والعهود المبرمة، سواء كان ذلك في بيعة أو في أي يمين، أو كان في بيع وشراء.
قوله: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ تُوكيدها بذكر اسم من أسماء الله تعالى. وتتمة الآية: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ وهي جملة حالية، أي: لا يليق بكم ذلك. وأتبعها بما يشعر بالوعيد، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ أي: ما تفعلونه من نقض العهود والأيمان.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لما في الآية من المر بالوفاء بعهد الله، والنهي عن نقض الأيمان المؤكدة باسمه.
فوائد الآية:
١ - وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق؛ وهذا أصل عظيم من أصول الأخلاق؛ ولهذا قال النبي ﷺ: "إني لا أخيس بالعهد" أي: لا أنقضه "ولا أحبس البرد" (^١) أي: صاحب البريد؛ لأنه دخل بأمان، فهذا من أخلاق الإسلام المعتبرة.
٢ - تحريم نقض العهود؛ ويتناول ذلك كل عهد وميثاق أبرمه المؤمن مع غيره، سواء كان مع مؤمن مثله، أو مع كافر، فإن الأمر لا يختلف.
فأهل الإسلام فإنهم يرعون العهود والمواثيق، حتى أن الله تعالى قال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] فمن شدة رعاية العهود والمواثيق أنه إذا قامت قرائن على الخيانة، وخاف أهل الإسلام أن يغدر بهم عدوهم، فإنهم لا يبادؤونهم بالغدر، بل ينبذون إليهم عهدهم على سواء، علانية، ويقولون: ليس بيننا وبينكم عهد ولا ميثاق، أي: نحن وأنتم في حل. وذلك إلا إذا بدت قرائن ومقدمات، وإلا فإنهم أحفظ الناس للعهود.
٣ - الوعيد على من نقض العهود والمواثيق.
قوله: "عن بريدة ﵁" هو بريدة بن الحُصَيب، أبو سهل الأسلمي، أسلم قبل بدر. مات سنة ثلاث وستين ﵁.
قوله: "قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه بتقوى الله" كان النبي ﷺ يسعى في نشر دين الله، وتبليغ رسالات ربه، بما وسعه، ومن ذلك الجهاد في سبيل الله. وفي هذا رد على بعض المتخاذلين الذين يعتذرون إلى الكفار، فيزعمون أن الجهاد في الإسلام للدفاع فقط! والحق أن
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في الإمام يستجن به في العهود برقم (٢٧٥٨) وصححه الألباني.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
الجهاد في للإسلام يكون للدفع، ويكون للطلب. فمن مقاصد الشريعة أن تكون كلمة الله هي العليا، وهذا لا يتأتى، أحيانًا، إلا بالسيف والسنان. والجهاد أوسع من القتال، فالجهاد يتناول الجهاد باللسان، والبيان، كما يتناول الجهاد بالجوارح؛ وهو القتال، ولا يجوز إخراج القتال من الجهاد كما يفعل بعض المعتذرين المسكونين بالتهمة، فيحاولون أن يبرؤوا الإسلام -زعموا- من أن يكون قد انتشر بالجهاد في سبيل الله،، فنقول: نعم قد انتشر الإسلام بالجهاد في سبيل الله، والنبي ﷺ يقول: "وجعل رزقي تحت ظل رمحي" (^١)، وأخبر بأنه: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة" (^٢)، وهم الطائفة المنصورة. وأهل الإسلام هم أرحم الخلق بالخلق؛ يسوقونهم إلى الجنة سوقًا، ويدلونهم على الخير دلاًّ، وهم كما قال المنصفون من الباحثين الغربيين: أرحم الفاتحين، فلا يُعلم فاتح، أو متغلب، رفق بالمغلوب، كما رفق أهل الإسلام بغيرهم؛ لأن مقاصدهم ليست مقاصد دنيوية، وإن جرى لهم مغانم تبعًا، وإنما إدخال الناس في دين الله. لهذا كان النبي ﷺ يجهز الجيوش والسرايا. أما الجيش: فهو كثير العدد، وأما السرية: فإنها تبلغ نحو أربعمائة فرد. والسرية، ربما خرجت من البلد ابتداءً لمهمة خاصة، وربما تنفصل عن الجيش لأداء مهمة استطلاعية، وربما تنفرد للحراسة، وحفظ مؤخرة الجيش. وقد رتبت الشريعة على هذه الأحوال أحكامًا متعددة في أبواب الجهاد، فجعلت لمن يخرج في السرية إن خرج من البلد الخمس، وإذا كانوا قد انفصلوا من الجيش في مبتدأ أمرهم فإن لهم: الربع بعد الخمس، وإذا كانوا بعد رجوعه يحرسون مؤخرتهم فلهم الثلث بعد الخمس؛ لأن الخطر فيه أشد، على تفاصيل معروفة في كتاب الجهاد، من أبواب الفقه.
ودل قوله: "إذا أَمَّر أميرًا" على أنه لا بد من إمارة؛ فلا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، لا سيما في هذه الأمور الخطيرة التي تتطلب اتخاذ قرار؛
_________________
(١) أخرجه البخاري معلقًا في كتاب الجهاد والسير، باب ما قيل في الرماح (٤/ ٤٠) وأخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٥١١٥) وقال محققو المسند: "إسناده ضعيف".
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد ﷺ برقم (١٥٦).
[ ٢ / ٧٣٦ ]
ولهذا أمر النبي ﷺ إذا كان ثلاثة في سفر، أن يؤمروا عليهم أميرًا، فقال: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" (^١)، حتى يحسم الخلاف، وليس من شأن الأمير أن يتشهى في حكمه، وإنما يتحرى الصواب والأصلح لمن تحت إمرته، بعد أن يشاورهم في الأمر. قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]
قوله: "أوصاه" الوصية: هي العهد بالشيء على وجه الاهتمام.
قوله: "بتقوى الله تعالى" هذه أعظم وصية، وقد وصّى الله تعالى بها الأولين والآخرين، فقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، لا سيما لهؤلاء الذين استقبلوا الجهاد في سبيل الله، ومواجهة العدو، والدعوة إلى الإسلام. والتقوى: أن يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية؛ بفعل أوامره، وترك مناهيه.
قوله: "وبمن معه من المسلمين خيرًا" أي: وأوصاه أن يرفق بهم، ويحتاط لهم، ولا يشق عليهم، ولا يعرضهم للتهلكة، وأن يشاورهم في الأمر. فإن الأمير يحتاج إلى الوصية بذلك، فإذا كان الأمير مستبدًا، أو فظًا غليظ القلب، فإنه يعنت على من معه، وقد كان النبي ﷺ شديد الرفق بأمته، كما وصفه ربه بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧] وهكذا ينبغي أن يكون خلفاؤه من بعده، سواء كانت خلافة عامة، أو خاصة، فيستوصوا بمن معهم من المسلمين خيرًا.
قوله: "فقال: اغزوا" فعل أمر من الغزو، أي اشرعوا في الغزو، وهو الجهاد في سبيل الله. قوله: "بسم الله" الباء يحتمل أن تكون للاستعانة، أي: مستعينين بالله، وتحتمل أن تكون للابتداء، أي: ليكن أول ما تقولونه: "بسم الله"، كما يقول الإنسان هذه الكلمة الطيبة عند ابتداء الطعام، والشراب، ودخول المسجد،
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم برقم (٢٦٠٨) وقال الألباني: "حسن صحيح".
[ ٢ / ٧٣٧ ]
ودخول المنزل، ونحو ذلك، فإن هذا الاسم الشريف ما قارن شيئًا إلا حلت فيه البركة، ولا نُسي في شيء إلا نُزعت منه البركة، وشواهد هذا كثيرة. ولا مانع من حملها على الأمرين معًا.
قوله: "في سبيل الله" هذه جملة عظيمة، أي: اعقدوا نياتكم على أن يكون غزوكم في سبيل الله؛ لأن القتال ربما وقع حمية، أو شجاعة، أو لغرض الغنيمة؛ ولهذا لما سُئل النبي ﷺ: "فإن أحدنا يقاتل غضبًا، ويقاتل حمية، قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله ﷿" (^١). فيجب أن يكون هذا هو الدافع للغزو، لا دوافع وطنية، ولا قومية، ولا حزبية، ولا دنيوية، يجب أن يكون الغزو في سبيل الله، أي: لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا هدف واضح بيّن، ومقصد شرعي، وأما ما سواه فلا، إلا ما يدخل في ذلك تبعًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣] وقال: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠].
قوله: "قاتلوا من كفر بالله" كما قال في آية أخرى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. لكن هذا يختلف من زمن إلى زمن، ويجب أن يكون وفق السياسة الشرعية التي يقدرها أهل الحل والعقد، وولاة الأمور من المسلمين، فلا ينفرد بهذا آحاد وأفراد، وإلا صارت الأمور فوضى. فهذا أصل عظيم أن يكون الجهاد في سبيل الله، وأن يقاتل من كفر بالله.
قوله: "اغزوا ولا تغُلُّوا" الغلول: هو اقتطاع شيء من الغنيمة قبل قسمتها، وهو من الكبائر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]. ولما قال بعض الصحابة: فلان شهيد، قال ﷺ: "كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها، أو عباءة" (^٢)، وسُئل عن رجل، فقال: "بل، والذي نفسي بيده، إن
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من سأل، وهو قائم، عالمًا جالسًا برقم (١٢٣) ومسلم في الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا برقم (١٩٠٤).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم الغلول، وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون برقم (١١٤).
[ ٢ / ٧٣٨ ]
الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا" (^١)، نسأل الله العافية.
قوله: "ولا تغدروا" الغدر: هو الخيانة في موضع الائتمان، وهو من الصفات الخبيثة التي برّأ الله تعالى منها نبيه والمسلمين، فليس من شأن أهل الإسلام الغدر بحال. ومن الغدر نقض العهد، وهذا أحد أوجه مناسبة هذا الحديث للباب، فالغدر مذموم، ولا يقره الشرع، سواء على مستوى الأفراد، أو على مستوى الغزاة أو الجيش.
قوله: "ولا تمثّلوا" التمثيل: تشويه القتيل بقطع بعض أعضائه، فقد كان الناس في الحروب يتشفون من خصومهم بجز نواصيهم، وقطع أنوفهم، وآذانهم، وأطرافهم، ونحو ذلك، يفعلون ذلك بدافع الغيظ، والحنق. حتى إن المشركين فعلوا ذلك في أصحاب النبي ﷺ يوم أحد، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لنُربينَّ عليهم، فلما كان فتح مكة، أنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] (^٢)، ثم قال ﷺ: "ولا تمثّلوا".
قوله: "ولا تقتلوا وليدًا" الوليد: الصبي الصغير، وقد يطلق على العبد الرقيق، وقد جاء في رواية: "لا تقتلوا صبيًا، ولا امرأة، ولا شيخًا كبيرًا، ولا مريضًا، ولا راهبًا" (^٣)، وعن ابن عمر ﵄ قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ، فنهى عن قتل النساء والصبيان (^٤)، فهذه أخلاق عالية لم ترتق إليها المعاهدات الدولية.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر برقم (٤٢٣٤) ومسلم في الإيمان، باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون برقم (١١٥).
(٢) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة النحل برقم (٣١٢٩) والنسائي في الكبرى في سورة الإسراء برقم (١١٢٧٩) وقال الألباني: "حسن صحيح الإسناد".
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم (١٨١٥٢).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب قتل النساء في الحرب برقم (٣٠١٥) ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب برقم (١٧٤٤).
[ ٢ / ٧٣٩ ]
قوله: "وإذا لقيتَ عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خلال، أو خصال" شك من الراوي، ولا يضر، هما بمعنى واحد. ودلت الجملة على هدف الجهاد في الإسلام.
قوله: "فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم" (فأيتهن) مرفوعة بالابتداء، وخبره: (أجابوك).
قوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام" (ثم) ربما كانت مقحمة في السياق؛ لأنها تدل على ترتيب غير مقصود، فالصواب إسقاطها بأن يقال: فاقبل منهم، وكف عنهم، وادعهم إلى الإسلام. فأول ما يبادأ به العدو من المشركين أن يُدعى إلى الإسلام، فيقال لهم: قولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. قوله: "فإن أجابوك فاقبل منهم" أي: لا يحملنك طمع أن ترد إسلامهم لغرض دنيوي؛ من مغنم، أو غيره، فالمسلمون دعاة لا جباة.
قوله: "ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين" دار المهاجرين إذ ذاك هي المدينة، وقد كان هذا مطلوبًا في ذلك الوقت؛ لأن من كان يؤمن من قبائل العرب يُدعى إلى أن يعزز سواد المسلمين في المدينة بالهجرة إليها، والدفاع عن بيضة الإسلام، والتهيؤ للنفير في سبيل الله. ولكن هذه الهجرة تابعة للسياسة الشرعية؛ ولهذا لم يجعلها شرطًا في قبول إسلامهم. قوله: "وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين" أي: إن هاجروا فإنه يحصل لهم من الأعطيات، ما يحصل للمهاجرين؛ لأنهم حبسوا أنفسهم، واستعدوا للنفير في سبيل الله متى ما طُلب منهم، فلذلك كان لهم حظ من بيت المال من الغنيمة، والفيء، كما أن عليهم ما على المهاجرين من النصرة.
قوله: "فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين" لم يجعل الهجرة شرطًا في قبول إسلامهم، بل أقرهم على أن يبقوا إن شاؤوا في دارهم وموطنهم، لكن عليهم أن يعلموا بأن حكمهم كأعراب المسلمين، الذين يقيمون في بواديهم، ولا ينتقلون إلى دار الهجرة، يجري عليهم حكم المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
قوله: "إلا أن يجاهدوا مع المسلمين" فإن جاهدوا مع المسلمين فهم شركاء في الغنيمة.
قوله: "فإن هم أبوا" أبوا الدخول في عقد الإسلام، وأصروا على كفرهم.
قوله: "فاسألهم الجزية" أي: افرض عليهم الجزية عن يد وهم صاغرون. والجزية: هو رسم مالي يكون على آحاد المشركين القادرين على بذله، فلا يحتسب طفل، ولا شيخ فانٍ، ولا عجوز فانية، وإنما يكون ذلك على الغني، والقوي المكتسب.
قوله: "فإن هم أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم" وهدف الجزية أن تكون كلمة الله هي العليا؛ لأن بذلهم للجزية دليل الصغار، والخضوع لحكم أهل الإسلام، فيقرون على البقاء على ما هم عليه، ويسمون أهل ذمة.
وهذه المسألة وقع فيها الخلاف:
١ - فذهب الإمام الشافعي (^١) وأحمد (^٢) إلى أن أحكام الذمة تتعلق باليهود والنصارى فقط.
٢ - وذهب الإمام مالك (^٣) إلى أنها تتناول كل مشرك، وكتابي، عربي أو أعجمي. وحديث بريدة يؤيد ما ذهب إليه مالك ﵀؛ لأنه قال: "إذا لقيتَ عدوك من المشركين" ولم يقيد هذا بمشركي أهل الكتاب.
٣ - إلا أن أبا حنيفة (^٤) ﵀ استثنى مجوس العرب ومشركيهم، فقال: مجوس العرب ومشركيهم لا يقبل منهم جزية. فصارت الأقوال في هذه المسألة ثلاثة.
قوله: "فإن هم أبوا، فاستعن بالله وقاتلهم" تلك هي الخصلة الثالثة، إذا أبوا الإسلام، وأبوا الجزية، فما بقي إلا القتال. ونبَّه على أمر الاستعانة بالله
_________________
(١) الأم للشافعي (٤/ ٢٥٤) والحاوي الكبير (١٤/ ٢٨٤).
(٢) المغني (١٠/ ٥٥٨).
(٣) المدونة (١/ ٥٢٩) والنوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات (٢/ ٢١٤).
(٤) النتف في الفتاوى للسغدي (١/ ١٩٠).
[ ٢ / ٧٤١ ]
بين يدي القتال، لأن النصر من الله تعالى، كما قال: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠].
قوله: "وإذا حاصرت أهل حصن" الحصن: البناء المنيع، الرفيع، الذي يتحصن بها المحاربون.
قوله: "فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله، وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك" هذا هو موضع الشاهد من هذا الحديث للباب؛ فحينما يحاصر الجيش أو السرية حصنًا من حصون المشركين، فينقطع عنهم المدد، والطعام، والشراب، وغير ذلك، يرضخون، ويلجؤون إلى الصلح، فربما قالوا: اجعل لنا ذمة الله وذمة نبيه، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، صونًا لهما، وأحاله إلى ذمته وذمة أصحابه.
قوله: "فإنكم أن تخفروا ذممكم، وذمة أصحابكم، أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه" لأنه ربما وقع من الجيش، أو من بعض إفراده نقض للذمة، بسبب ظلم أو جهل، فحينئذٍ يعظم الجرم؛ لأنهم أعطوهم بالله، فلهذا نهاهم النبي ﷺ عن ذلك.
قوله: "وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله" هذه صورة أخرى: بأن يقولوا: أنزلنا على حكم الله، أي: شرع الله. وهذا لا يتأتى إلا لرسول الله ﷺ.
قوله: "فلا تنزلهم على حكم الله" ليس هذا صرفًا لهم عن حكم الله، وإنما أراد النبي ﷺ أنهم قد يصيبون حكم الله، وقد لا يصيبونه.
قوله: " "ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله فيهم أم لا؟ " أمره أن ينزلهم على حكمه الذي يتحرى فيه حكم الله، وقد يصيب، وقد يخطئ في إصابته، وفرق بين المقامين.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، فقد تضمن النهي عن جعل ذمة الله، وذمة نبيه في المعاهدات، خشية إخفارها.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
فوائد الحديث:
١ - مشروعية الجهاد في سبيل الله، والرد على من زعم نسخ الجهاد.
٢ - مشروعية بعث السرايا والجيوش لهذا الغرض، وأن هذه من مهام الإمام.
٣ - مشروعية التأمير، وأن لا يُترك الناس فوضى.
٤ - مشروعية الوصية بتقوى الله ﷿ في جميع الأمور.
٥ - أن على الإمام أو الأمير بأن يرفق بمن معه من المسلمين.
٦ - أن الجهاد يجب أن يكون في سبيل الله، لتكون كلمة الله هي العليا.
٧ - تحريم الغلول، والغدر، والتمثيل، وقتل الأولاد.
٨ - وجوب البداءة بدعوة المشركين إلى الإسلام أولًا، وقبول ذلك منهم.
٩ - الدعوة إلى الهجرة إلى دار الإسلام إذا اقتضى الأمر ذلك.
١٠ - أن من هاجر إلى دار الإسلام استحق من الغنيمة والفيء، ومن لم يهاجر لم يستحق.
١١ - أن الجزية بديل عن الإسلام لمن أباه، لتكون كلمة الله هي العليا.
١٢ - أن الجزية شريعة ثابتة. وكثير من الإسلاميين العصرانيين، نتيجة لضغط الواقع، والتفوق المادي، والتقني، والعسكري، للأمم الأخرى على أهل الإسلام، وطغيان الأفكار الليبرالية، صاروا يعتذرون عن الشريعة، ويستحون من الإقرار بشريعة الجهاد في سبيل الله، ووجود الجزية في الإسلام، وكأنهم موكولون بالاعتذار عن الشرع، وهذا ليس إليهم؛ الدين دين الله، والله ﷾ أعلم بما حكم وشرع. وهذه الإجراءات ترجع إلى باب السياسة الشرعية، فأمر الجهاد، والجزية، تقدر بحسب الأحوال؛ فحينما تكون الأمة في حال ضعف، ولا تقوى على القتال في سبيل الله، تفعل ما هو أصلح لها، وهو المهادنة والصبر، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧]. بل لو اقتضى الأمر أن يبذل أهل الإسلام ما يستدفعون به شر المعتدين، فلا مانع من ذلك، وقد جرى ذلك حينما أحاطت الأحزاب بالمدينة، فهمّ النبي ﷺ أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة، ويرجعوا عنهم. واستشار سعد بن معاذ،
[ ٢ / ٧٤٣ ]
وسعد بن عبادة في ذلك، فقالا له: يا رسول الله أمرًا نحبه فنصنعه، أم شيئًا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؟ قال: "بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله، وعبادة الأوثان، لا نعبد الله، ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة، إلا قرىً أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟! والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله ﷺ: "فأنت وذاك" (^١).
فهذه الأمور تتعلق بباب السياسة الشرعية، والذي يقدر الجهاد، والجزية، والصلح، هم ولاة الأمر، وأهل الحل والعقد، وليس متروكًا إلى الأفراد أن يجتهدوا فيه ما شاؤوا، ويتخذوا من الأفعال، والتصرفات ما شاؤوا، وإلا أصبح الأمر فوضى، وجرى على أهل الإسلام من المصائب والتبعات ما لا يخفى، فيجب على أهل الإسلام أن يكونوا يدًا واحدة، وأن يأتمروا بأمر أمرائهم.
١٣ - وجوب الاستعانة بالله في جميع الأمور؛ لقوله: "فاستعن بالله، وقاتلهم"، وقال لمعاذ: "أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك" (^٢)، فلا غنى للمؤمن عن الاستعانة بالله.
إِذَا لَمْ يَكُنْ عَونٌ مِنْ اللهِ لِلفَتى … فأوَّلُ مَا يَجني عَلَيْهِ اجْتِهادُهُ (^٣).
١٤ - احترام ذمة الله وذمة نبيه ﷺ، والتفريق بينها وبين ذمة المسلمين.
١٥ - وجوب احترام حكم الله وحكم نبيه ﷺ، والتفريق بينه وبين الاجتهاد الشخصي.
١٦ - عدم التعبير في المسائل الاجتهادية بعبارة "حكم الإسلام في كذا
_________________
(١) سيرة ابن هشام ت السقا (٢/ ٢٢٣).
(٢) أخرجه أبو داود في باب تفريع أبواب الوتر، باب في الاستغفار برقم (١٥٢٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٢٢٦) وصححه الألباني.
(٣) هذا البيت نسبه في الفرج بعد الشدة للتنوخي (١/ ١٧٧) للإمام علي، ولم نجده في ديوانه.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
وكذا" سواء من السائل أو المجيب، إلا في الأمور القطعية التي قام عليها الدليل الصحيح الصريح. ولكن يجيب المجتهد بما يرى، ولا يقطع بأن هذا حكم الله، وحكم رسوله ﷺ
١٧ - جواز نزول أهل الحصن على حكم أمير الجيش، ومن معه.
١٨ - ارتكاب أخف المفسدتين دفعًا لأشدهما؛ لقوله: "اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك". فقد ينشأ عن هذا مفسدة، لكنها أخف من مفسدة خفر ذمة الله وذمة نبيه، وكذلك بالنسبة للحكم، قال: "فأنزلهم على حكمك وحكم أصحابك" لأنه إن لم يصب حكم الله تكون المفسدة في ذلك أهون. وفوائد هذا الحديث كثيرة جمة، وفيما ذكر كفاية.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه ﷺ وذمة المسلمين.
ذمة الله وذمة نبيه لها من الرعاية والاحترام القدر العظيم، وأما ذمة المسلمين فدون ذلك، مع وجوب رعايتها، والوفاء بها.
الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرًا.
لقوله: "فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه".
الثالثة: قوله: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله".
بأن يقع ذلك لله تعالى، وفي سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله.
الرابعة: قوله: "قاتلوا من كفر بالله".
وهذا نص في مشروعية الجهاد بالقتال والسيف.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
الخامسة: قوله: "استعن بالله وقاتلهم".
وجوب الاستعانة بالله ﷿ في جميع الأمور.
السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء.
حكم الله تعالى قطعي الصحة والمصلحة، وحكم العلماء اجتهادي ظني، قد يصيب وقد يخطئ.
السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا؟
أي: لقوله: "ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله فيهم أم لا؟ " وهذا ليس خاصًا بالصحابة، بل من بعدهم من باب أولى.
[ ٢ / ٧٤٦ ]