﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [سورة فصلت: ٥٠].
قال مجاهد: هذا بعملي وأنا محقوق به (^١). وقال ابن عباس: يريد من عندي (^٢).
وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب (^٣). وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل (^٤). وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف (^٥).
عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكًا، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، يذهب عني الذي قد قذرني الناس به، قال: فمسحه، فذهب عنه قذره، فأعطي لونًا حسنًا، وجلدًا حسنًا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر" شك إسحاق "فأعطي ناقة عشراء، وقال: بارك الله لك فيها، قال: فأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب
_________________
(١) التفسير الوسيط للواحدي (٤/ ٤٠).
(٢) بنحوه في تفسير القرطبي (١٥/ ٣٧٣).
(٣) تفسير القرطبي (١٥/ ٢٦٦).
(٤) تفسير البغوي - إحياء التراث (٤/ ٩٣) وتفسير الخازن - دار الفكر (٦/ ٧٩).
(٥) تفسير الطبري = جامع البيان (٢١/ ٣٠٤).
[ ٢ / ٦٢٤ ]
عني الذي قذرني الناس به، فمسحه، فذهب عنه، وأعطي شعر حسن، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل، فأعطي بقرة حاملًا، قال: بارك الله لك فيها، فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إليّ بصري، فأبصر به الناس، فمسحه، فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدًا، فأنتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم، قال: ثم أنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلوغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرًا أتبلغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرصَ يقذرك الناس، فقيرًا فأعطاك الله ﷿ المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر، فقال: إن كنتَ كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت، وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت، قال: وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين، وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاةً أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنتُ أعمى فرد الله إلى بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك" (^١) أخرجاه.
الشرح:
قال المصنف ﵀: "باب ما جاء في قول الله تعالى" أي من الوعيد، كما في تتمة الآية: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠]
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل برقم (٣٤٦٤) ومسلم في أوائل كتاب الزهد والرقائق برقم (٢٩٦٤).
[ ٢ / ٦٢٥ ]
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
نسبة النعم إلى النفس وادعاء الاستحقاق دون الثناء بها على الله مناف للتوحيد.
قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾ اللام لام القسم، والضمير يرجع: إلى الإنسان، إما جنس الإنسان، وإما إلى الكافر، المنكر للبعث، أو الشاك فيه، خاصة، كما يدل عليه قوله إثرها: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]
قوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ المراد بالرحمة: الغنى، والصحة، والعز، وما أشبه من أنواع النعم الدنيوية. قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ المراد بالضراء: الفقر، والمرض، والذل، ونحوها من صنوف المصائب الدنيوية.
قوله: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أي: أني مستحق له، جدير به، أوتيته على علم، كما قال قارون. قوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ هذا كفر الجحود والتكذيب.
قوله: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ هذا كفر الشك والتردد، كما قال صاحب الجنتين: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]
قوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ عاقبة جحوده، وتكذيبه بالبعث، وكفره بالنعم.
ثم ذكر المصنف ﵀ أقوال السلف في تفسير هذه الآية:
- قول مجاهد بن جبر ﵀: "هذا بعملي وأنا محقوق به " أي: هذا الذي نلته من العز، والتمكين بعملي، وكدِّ يميني، وعرق جبيني، وجهدي، وحذقي، وأنا مستحق له، كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] فلم يثنِ بالخير على مسديه ونسب الفضل إلى نفسه.
- قول ابن عباس: "يريد من عندي" أي: من عندي وليس من عند الله تعالى.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
- قول قتادة: "على علم مني بوجوه المكاسب" هذه كلمة يقولها كثير من التجار الذين بسط الله لهم في الرزق؛ فتجد أحدهم إذا جلس في مجلس، أو في مقابلة إعلامية، أخذ يذكر أمجاده الشخصية، وحذقه، وإقدامه، وصحة توقعاته، وكيف تمكن من كسب هذه الأموال؟ وينسى أن الله ﷾ هو الذي يسر له، وفتح له أبواب الرزق، وأنقذه من أزمات، كان فيها على شفير الفقر والإفلاس، كل ذلك يطويه، وينهمك بالثناء على نفسه، وحذقه، وتجاربه.
- "وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل" كما قال الله ﷿: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: ١٥] أي: أن ذلك دليل كرامة عند الله، وهو ابتلاء وامتحان.
- "وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف" أي: أني جدير به؛ لشرفي ومنزلتي، وغير ذلك، وهذه من آفات النفوس المزهوة، غير المخبتة، التي تتكبر، وتنسى فضل المنعم سبحانه.
وقد خلَّد الله في القرآن العظيم مثلًا، وعبرة، لهذا الصنف من المغرورين، في قصة قارون، فقال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴿(٧٨) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: ٧٦ - ٨٢]
[ ٢ / ٦٢٧ ]
فوائد الآية والآثار:
١ - وجوب شكر النعمة، والثناء بها على مسديها، وهو الله سبحانه. والشكر يكون بثلاثة أمور: بالقلب، واللسان، والجوارح، كما قال الناظم:
أَفَادَتْكُمْ النَّعْمَاء مِني ثَلَاثَة … يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِير المحَجَبا (^١).
فيجب أن يشكر العبد ربه بقلبه: فيغتبط بنعمة الله، ويستشعر أن الفضل لله، وبلسانه: فيلهج دومًا بالثناء على الله، وشكره، وبجوارحه: فيسخرها في طاعة الله، وامتثال أمره.
٢ - تحريم الفخر، والخيلاء، والعجب بالنفس، وذمه.
٣ - وجوب الإيمان بالساعة والقيامة.
٤ - الافتتان بالدنيا سبب لإنكار البعث، لقوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦].
٤ - وعيد من كفر بنعمة الله تعالى؛ لقوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠].
ثم ذكر المصنف ﵀ حديث أبي هريرة الطويل، المتفق عليه، فقال: "عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول" وهذا يدل على أن أبا هريرة قد تلقاه مباشرة من النبي ﷺ؛ لأنه صرح بالسماع، فإن أبا هريرة ﵁ إنما هاجر عام خيبر، ومع ذلك، فهو من أكثر أصحاب النبي ﷺ رواية، بل قد روى أحاديث كثيرة، في حوادث جرت قبل هجرته، وهذا يدل على أنه كان يأخذ عن كبار الصحابة، ويتلقى منهم، ولا يضر أن يسقط الصحابيُّ من سمع منه من الصحابة، فمرسل الصحابي له حكم الاتصال. أما هذا الحديث، فقد صرح فيه بالسماع.
قوله: "إن ثلاثة من بني إسرائيل" بنو إسرائيل يطلق على اليهود والنصارى، وإسرائيل هو يعقوب ﵇، فتنسب إليه هاتان الأمتان، والتحديث عن بني
_________________
(١) البيت بلا نسبة في نهاية الأرب في فنون الأدب ت قمحية (٣/ ٢٣٣) والمستطرف في كل فن مستطرف (ص: ٢٤٤) ونفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب (٦/ ٢٧٤).
[ ٢ / ٦٢٨ ]
إسرائيل جائز، وربما قيل: إنه مشروع؛ لقول النبي ﷺ: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (^١)، وهو ما يسميه العلماء "الإسرائيليات"، والمراد بها ما يُؤثر عن أنبياء بني إسرائيل. وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وغيره من العلماء، أن الموقف من الإسرائيليات لا يخرج عن ثلاثة أحوال:
الأولى: أن تكون موافقةً لما في القرآن والسنة، فنقبلها ونصدقها؛ لأن شرعنا شهد لها بالصدق. مثال ذلك: ما ورد في العهد القديم، في سفر (التكوين) من ذكر خلق آدم وحواء، وإسكانهما الجنة، وإهباطهما إلى الأرض، وذكر الطوفان، وقصة إبراهيم، ويوسف، وأمثال ذلك، فهذه أخبار قد شهد لها كتابنا بالصحة، فنقبلها ونصدقها من حيث الجملة.
الثانية: أن تكون مخالفةً لما في القرآن والسنة، مما يتضمن إساءةً إلى جناب الرب ﷾، أو إساءة إلى أنبيائه الكرام، كزعمهم -قبحهم الله- أن الله تعالى عما يقولون، ندم على إغراق أهل الأرض، وبكى، حتى رمدت عيناه، وأن لوطًا ﵇ شرب الخمر وزنى بابنتيه، وأن سليمان ﵇ عبد الأصنام، وأمثال ذلك، مما هو موجود في كتبهم التي بين أيديهم، فهذه نردها ونكذبها، ونعلم أنها مما امتدت إليه يد التحريف.
الثالثة: ما ليس في القرآن والسنة ما يصدقه ولا يكذبه، وهذا كثير جدًا، فموقفنا منه التوقف، فلا نصدقه، ولا نكذبه؛ لقول النبي ﷺ: "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله ورسله، فإن كان باطلًا لم تصدقوه، وإن كان حقًا لم تكذبوه" (^٢)، فإذا عُرض على أهل العلم والدراية فرأوا أنه لا يوافق، ولا يخالف، فلا بأس بروايته؛ لعموم قول النبي ﷺ: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، وفي شرعنا غنية وكفاية، ولله الحمد، ولا محوج للاشتغال بالإسرائيليات.
قوله: "أبرصَ وأقرعَ وأعمى" نصبت هذه الثلاثة لأنها بدل من (ثلاثة) وهي
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل برقم (٣٤٦١).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب العلم، باب رواية حديث أهل الكتاب برقم (٣٦٤٤) وضعفه الألباني.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
اسم (إن) والبرص، والقرع، والعمى، آفات معلومة، فالأبرص: من كان في جلده شيء من البياض، وهو مرض جلدي معروف، يتقذره الناس. والأقرع: الذي سقط شعر رأسه، وغالبًا ما يصيب الصبيان، وربما أصاب الكبار، فيكون في الرأس قروح ينشأ عنها تساقط الشعر، وهو أيضًا مما يستقذره الناس. والأعمى: من سُلب حاسة البصر، إما من أصل الخلقة، أو طرأ عليه.
قوله: "فأراد الله أن يبتليهم" أي: يختبرهم، ولا ريب أن الله ﷾ يبتلي جميع عباده، كما قال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] فلا يظن أحد أنه بمنجاة من الابتلاء، قال الله ﷿: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢، ٣] ولا ينبغي للإنسان أن يسأل الله البلاء، بل ينبغي أن يسأل العافية؛ كما قال النبي ﷺ مرة لأصحابه، وقد حالت الشمس بينهم وبين عدوهم أن يقتتلوا، فقالوا: "وددنا يا رسول الله ﷺ لو أن لقينا أعداءنا" أي: وحاربناهم، فقال النبي ﷺ: "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم، فاصبروا" (^١). فربما قرأ طالب العلم في سير بعض العلماء والصالحين، الذين جرى لهم ابتلاء، فتاقت نفسه إلى أن يجري له كما جرى لهم، فهذه التمني ليس صوابًا، فإنه لا يعلم ما يكون حاله إذا أصابه البلاء، فلربما فُتن. بل ينبغي له أن يسأل الله العافية. قوله: "فبعث الله إليهم ملكًا" الملك: واحد الملائكة، وهم خلق كريم من خلق الله، خلقهم الله تعالى من نور، وأعطاهم القدرة على التشكل بهيئة البشر، كالملك الذي أتى مريم، ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، والملائكة الذين أتوا إبراهيم ثم لوط ﵉ على هيئة شبان صباح الوجوه، وكما كان جبريل يأتي النبي ﷺ على صورة دحية الكلبي. فهذا الملك أتى إليهم على صورة آدمي؛ لأنه لو أتى على صورته التي خلقه الله عليها لاستنكروه. قوله: "فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ " مراده من مطالب الدنيا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب كان النبي ﷺ إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس برقم (٢٩٦٦) ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء برقم (١٧٤٢).
[ ٢ / ٦٣٠ ]
قوله: "لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به" تبادر إلى ذهنه الشيء الذي يقلقه دومًا، ويعاني منه، فتمنى ذهابه.
قوله: "فمسحه فذهب عنه قذره، فأعطي لونًا حسنًا، وجلدًا حسنًا" أي: نال ما تمنى بقدرة الله الذي بعث إليه ذلك الملك.
قوله: "قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل، أو البقر، والشك من إسحاق" هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أحد رواة الحديث، وليس الشك من النبي ﷺ قطعًا. وهو شك غير مؤثر سندًا، ولا متنًا، فالعبرة حاصلة على كلا الاحتمالين.
قوله: "فأعطي ناقة عشراء، وقال: بارك الله لك فيها" هذا يدل على أنه تمنى الإبل وليس البقر، فقد أعطي ناقة عشراء، والعشراء: هي التي بلغت شهرها العاشر، وصارت على وشك الولادة، وهي أثمن ما يكون من النوق؛ لأنه ينتفع من نتاجها، ودعا له بالبركة، ثم انصرف.
قوله: "فأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به، فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعرًا حسنًا" مسح على رأسه، فنما شعره بإذن الله، وصار شعرًا حسنًا، ونال ما تمنى.
قوله: "فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل" والشك من الراوي، كما تقدم.
قوله: "فأعطي بقرة حاملًا، قال: بارك الله لك فيها" وهذا يدل على أن من أعطى عطيةً، ينبغي أن يدعو بالبركة ليتم الإحسان؛ لأنه قد يُؤتى الإنسان الشيء ولا يُبارك له فيه، وربما عاد وبالًا عليه. وكثير من الناس يملك الدخول العالية، والرواتب المجزية، لكن ماله يضمحل بسبب نزع البركة. ومن الناس من يُؤتى مالًا قليلًا، لكن يبارك له فيه، حتى يفضل عن حاجته. فينبغي أن يتنبه المؤمن للدعاء بالبركة، فإن الله ﷾ هو الذي يُبارك الأشياء.
قوله: "قال: "فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إليّ بصري، فأبصر به الناس" هذا الأعمى سليم القلب، فقد أسند الرد إلى الله، أما الأولان فلم يسندا المسألة إلى الله ﷿، بل قال كل منهما: "ويذهب عني الذي
[ ٢ / ٦٣١ ]
قد قذرني الناس به" ولم يقولا: ويذهب الله. بخلاف الأعمى فقد كان من أول أمره مقرَا بنعمة ربه، فدل على صلاح. قوله: "فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدًا" أسند النبي ﷺ رد بصره إلى ربه لأنها نعمة في حقه، بينما لم يضف الإذهاب في حق صاحبيه إلى الله، لأنه ليست كرامة لهما بل ابتلاء، حيث قالا: ويذهب عني. جزاءً وفاقًا.
قوله: "قال: فأُنتج هذان" " الأفصح في هذه اللفظة أن تكون بصيغة المبني للمجهول "فأُنتج" أي: حصل لهما نتاج من إبلهما، وبقرهما، واللفظ يستخدم في الإبل والبقر.
قوله: "وولد هذا" أي: صاحب الغنم، وهذا اللفظ يستخدم في الغنم.
قوله: "فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم" ابتلاءً من الله. قوله: "ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته" أي: أتى إلى الأبرص بصورة إنسان أبرص، وليس المقصود في صورته وهيئته الملائكية، ويحتمل أنه أتاه على الصفة التي أتاه بها أول مرة، لكن الأقرب -والله أعلم- أنه أتاه في صورة أبرص؛ لكي يصدق الابتلاء.
قوله: "فقال: رجل مسكين، قد انقطعت بي الحبال في سفري" أي: أنا رجل مسكين، والأسباب، جمع سبب وهو الحبل، كما قال الله ﷿: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥]، ومراده وسائل البلغة، والنفقة. قوله: "فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرًا أتبلغ به في سفري" طلب منه بعيرًا واحدًا، وهو يمتلك واديًا، وذكَّره بنعمة الله عليه بالصحة والمال والجمال.
قوله: "فقال: الحقوق كثيرة" هكذا يتعلل أهل الشح والطمع حينما يُطلب منهم شيء؛ بكثرة الالتزامات والحقوق، والأمر ليس كذلك، وهذا يقع لكثير من أغنياء الأموال، فقراء القلوب؛ تجد عنده المال الطائل، لكنه بخيل، يقتر على
[ ٢ / ٦٣٢ ]
نفسه، وأهله، فضلًا عن الآخرين، ولا ينتفع بهذا المال الذي أعطاه الله إياه، ولو بلغ رصيده المليارات! فهو في الواقع فقير.
قوله: "فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرصَ، يقذرك الناس، فقيرًا، فأعطاك الله ﷿ المال" قرره بذلك ليراجع نفسه، ويتذكر نعمة الله عليه، ويُعذر إليه.
قوله: "قال: إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر" أي: أن هذا المال تحدر إليّ من أبي عن جدي عن جده، قد حزته حيازة قدرية، ونسى ما كان عليه، ولم يثنِ بالنعمة على ربه.
قوله: "فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت" أي: ردك إلى حالك الأولى، من الفقر والآفة. والظاهر أنه عاد إلى حاله الأولى.
قوله: "قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت، قال: وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين، وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: "قد كنتُ أعمى، فرد الله إليّ بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فو الله لا أجهدك شيئًا أخذته لله" أي: لا أتعقبك، ولا ألومك على شيء أخذته لله، وذلك شكرًا لله ﷿، واعترافًا له بالنعمة. " "فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك" أخرجاه" أي: البخاري ومسلم. فالجزاء من جنس العمل.
فما أحسن أن تتلى هذه القصة البليغة في المجالس، والمجامع، والمنابر؛ ليعتبر الناس بها، ويعلم كل أحد أن النعم بيد الله ﷿، وأنه هو المعطي والمانع، وأنه يبلو عباده بالسراء والضراء، فلا يغتر بنعيم الدنيا، وينسى المنعم -سبحانه وبحمده-.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما فيه من بيان معنى الآية التي ترجم بها، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ وأن زعم الإنسان استحقاقه لما أنعم الله به عليه منافٍ للتوحيد الواجب.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
ويُستفاد من هذه القصة:
١ - وجوب شكر النعم، ونسبتها إلى الله.
٢ - التحذير من كفر النعم؛ وأنه سبب لسلبها.
٣ - جواز التحديث عن بني إسرائيل فيما لم يخالف الكتاب والسنة.
٤ - حكمة الله تعالى في الابتلاء.
٥ - الإتيان ب (ثُم) كما في قوله: "فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك" فإن (ثم) يحصل بها تحقيق التوحيد والسلامة من الشرك.
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآية.
وقد نقل المصنف تفسيرها عن ابن عباس، ومجاهد، وقتاده، وآخرين.
الثانية: ما معنى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾؟
اللام في قوله: ﴿لِي﴾ للاستحقاق، والمعنى: إني حقيق وجدير به.
الثالثة: ما معنى قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾.
أي مستحق له بسبب عملي، وعلمي بوجوه المكاسب، وشرفي عند الله.
الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة.
تقدم ذكر بعض هذه العبر من القصة، ومنها:
- بيان خطورة كفر النعم، وأنها سبب لزوالها.
- إن الأوَّليْن (الأقرع والأبرص) جحدا نعمة الله، فحل بهما سخط الله.
- أن الثالث (الأعمى) اعترف بنعمة الله وشكرها، فرضي الله عنه.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
- أن الأعمى كان أكرمهم وأجودهم؛ لقول: "خذ ما شئت" فدل هذا على جوده.
- أن الأعمى كان مخلصًا أيضًا لأنه قال: "فو الله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله.
- ذم البخل؛ لأنه حمل صاحبه على الكذب، وجحد نعمة الله.
- الرفق بالضعفاء وإكرامهم، وتبليغهم مما يطلبون مما يمكن، والحذر من كسر قلوبهم واحتقارهم.
- اختبار الله لعباده، وامتحانه لهم.
- مشروعية ذكر قصص بني إسرائيل وغيرهم فيما صح عن رسول الله.
- قدرة الملائكة على التصور بصور الآدميين، مه أنهم خلق عظيم.
- بيان قدرة الله بإبراء الأبرص، والأقرع، والأعمى، ورَزقهم.
- جواز المعاريض، والتمثيل لمصلحة؛ لقول الملك: "رَجُلٌ مِسْكِينٌ الخ".
[ ٢ / ٦٣٥ ]