﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الزمر: ٦٧].
عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^١).
وفي رواية لمسلم: والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الله (^٢).
وفي رواية للبخاري: يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع (^٣)، أخرجاه.
ولمسلم: عن ابن عمر مرفوعًا: "يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ برقم (٤٨١١) ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار برقم (٢٧٨٦).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار برقم (٢٧٨٦) بلفظ: "أنا الملك، أنا الملك).
(٣) صحيح البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [برقم (٤٨١١).
[ ٢ / ٧٦٨ ]
أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون" (^١).
وروي عن ابن عباس قال: "ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم" (^٢).
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس" (^٣).
قال: وقال أبو ذر ﵁: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض" (^٤).
وعن ابن مسعود قال: "بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم" (^٥) أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار برقم (٢٧٨٨).
(٢) الإبانة الكبرى لابن بطة برقم (٢٣٧).
(٣) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر برقم (٥٧٩٤). وقال محققه: أثر أبي ذر، خرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ٣٢٨، ونسبه لأبي الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، وخرجه ابن كثير في تفسيره ٢: ١٣ وساق لفظ ابن مردويه وإسناده، من طريق محمد بن عبد التميمي، عن القاسم بن محمد الثقفي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر. تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (٥/ ٣٩٩). وقال محقق تفسير ابن كثير: وهو منقطع، وقد جاء موصولا فرواه ابن أبي شيبة في صفة العرش برقم (٥٨) من طريق المختار بن غسان، عن إسماعيل بن مسلم عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانَيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغفاري، ﵁، مرفوعا بنحوه. وسيأتي أيضا موصولا من طريق آخر وهو الذي يليه من رواية ابن مردويه. تفسير ابن كثير ت سلامة (١/ ٦٨٠).
(٤) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر برقم (٥٧٩٤).
(٥) العلو للعلي الغفار (ص: ٤٥).
[ ٢ / ٧٦٩ ]
ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله، قاله الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى-، قال: وله طرق (^١).
وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله ﷾ فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم" (^٢)، أخرجه أبو داود وغيره.
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن غاية التوحيد: أن يجل العبد ربه، ويعظمه غاية التعظيم؛ لاسيما ما يدل على علوه المطلق. فجعله المصنف مسك الختام لكتاب التوحيد.
قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: أن المشركين ما عظموا الله ﷿ حق تعظيمه. قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ جملة حالية تدل على عظمة الرب، حيث أن فمن هذه صفته، وقدرته، حقه التقدير، والتعظيم، والإجلال.
قوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهًا له عما وقع من
_________________
(١) العلو للعلي الغفار (ص: ٤٦).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب السنة أبواب تفسير القرآن، باب في الجهمية برقم (٤٧٢٣) والترمذي ت شاكر في أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة الحاقة برقم (٣٣٢٠) وابن ماجه في افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب فيما أنكرت الجهمية برقم (١٩٣) وأحمد ط الرسالة برقم (١٧٧٠) وضعفه الألباني.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
هؤلاء المشركين من عبادة الأصنام، فأشركوا معه غيره، فلم يقدروه حق قدره.
قوله: "عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حَبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ" الحَبر: هو العالم الراسخ من اليهود، وجمعه أحبار، ويصح بالكسر: حِبر، سُمي حبرًا من التحبير؛ وذلك لأن الحِبر يبقى؛ فلما كان العلم يرسخ في قلبه صار بمنزلة الحِبر. وقد كان اليهود مجاورين للنبي ﷺ في المدينة.
قوله: "إلى رسول الله ﷺ "فقال: يا محمد" لم يخاطبه بلفظ الرسالة؛ لأنه لم يُسلِّم له بذلك، مع أن رسالته، وصفته موجودة في كتبهم، وكانوا يستفتحون به على العرب، لكن الكبر منعهم من اتباعه. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]
قوله: "فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إِصبع" أي نجد في كتبنا. وقيل:
وَهَمْزُ أُنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثُهُ … وَالتِّسْعُ فِي أُصْبُعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعٍ (^١).
أي: أن همزة (أنملة) مثلثة تنطق بالفتح، والكسر، والضم، وكذلك حَرْفها الثالث، وهو الميم مثلثة، فتتكون تسع لغات، كلها فصيحة. ومثلها (أصبع) فالهمزة، والباء، تُستعمل معها الحركات الثلاثة: الفتحة، والكسرة، والضمة، تراوح بينها، ففيها تسع لغات، كلها فصيحة، وتزيد لغة عاشرة، وهي أن تقول: أصبوع. فمهما نطقتها أصبت.
قوله: "والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه" أي تبسم تبسمًا بليغًا، حتى ظهرت النواجذ. وهن الأضراس.
قوله: "تصديقًا لقول الحَبر، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وفي رواية لمسلم: "والجبال والشجر على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك أنا الله". ولمسلم عن ابن عمر مرفوعًا:
_________________
(١) البيت بلا نسبة لقائل في حاشية البجيرمي على شرح المنهج = التجريد لنفع العبيد (٤/ ١٤٦).
[ ٢ / ٧٧١ ]
"يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " يا لها من روايات تملأ القلب تعظيمًا لله ﷿، وهي حق على حقيقتها، لا تستلزم التمثيل، والتكييف، فإن بعض الناس إذا سمع مثل هذه الأحاديث استشنع، وأصابه رعدة! كما مر آنفًا عن ابْنَ عَبَّاسٍ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا، فَقَامَ رَجُلٌ فَانْتَقَضَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «مَا فَرَّقَ مِنْ هَؤُلَاءِ، يَجِدُونَ عِنْدَ مُحْكَمِهِ، وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ» (^١). وسبب ذلك أنه يتبادر إلى ذهنه لوثة التشبيه، لكن من عرف الله، علم أن ذلك اتفاق في الأسماء، لكن الحقائق والمسميات مختلفة، وأنه يدل على أن الله ﷾ له يدان حقيقيتان، تليقان بجلاله وعظمته، يقبض بهما ويطوي، كما أخبر، وله أصابع ﷾، لا ندرك كنهها، ولا كيفيتها، لكننا نثبت حقيقتها اللائقة به سبحانه، وليس من لازم إثبات حقيقتها، إدراك كيفيتها، فإذا قال الله ﷾: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قلنا ما قال ربنا: له صفة القبضة، والقبضة من صفات اليد الحقيقية. وإذا قال: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فنثبت له اليمين، والطي، فهو "يطوي"، و"يأخذهن" و"يهزهن" ويقول: "على أصبع" فنثبت ما أثبت النبي ﷺ لربه، ونقبل كلام الله وكلام نبيه ﷺ؛ ولا نتعرض له بتمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف. لأن شروط القبول قد اجتمعت في كلام الله، وكلام نبيه ﷺ، وهذه الشروط هي:
١ - العلم المنافي للجهل: فالله تعالى أعلم بنفسه من غيره، ونبيه ﷺ أعلم بربه.
٢ - الصدق المنافي للكذب: والله تعالى أصدق قيلًا، ونبيه ﷺ صادق مصدوق.
٣ - البيان: والله سبحانه أحسن حديثًا، ونبيه ﷺ أفصح الناس، ليس فيه فهاهة ولا عِيّ.
٤ - النصح: فالنبي ﷺ هو أنصح الأمة للأمة. فلما اجتمعت هذه
_________________
(١) (جامع معمر بن راشد (١١/ ٤٢٣)، رقم: (٢٠٨٩٥)
[ ٢ / ٧٧٢ ]
الأوصاف الأربعة لزم قبول الخبر، ولم يجز رده، ولا التجني عليه بأنواع التأويلات الباطلة التي سلكها أهل التأويل من المتكلمين، فنثبت ما أثبته الرب لنفسه، معتقدين أنه حق على حقيقته، ولا نشقى بها؛ كما شقي بها أهل التأويل، فقالوا: إن النبي ﷺ ضحك من قول الحبر استهجانًا له؛ لأن اليهود أهل تجسيم! فكيف يصح هذا التأويل، وقد صرح ابن مسعود ﵁ بقوله: "تصديقًا لقول الحبر"؟ هذا من شؤم المقدمات الفاسدة، وإلا فلا مانع من إثباته، ما دام قد صح به الخبر، فنعتقد أنه حق على حقيقته، وإن لم تطق عقولنا إدراك كيفيته.
قوله: "ثم يأخذهن بشماله" قال بعض الشراح إن هذه اللفظة: شاذة، غير محفوظة، واستدل بقول النبي ﷺ: "وكلتا يديه يمين" (^١)، والصحيح: أنها لفظة ثابتة، مروية بسند صحيح؛ والمراد أن الله تعالى له يدان كريمتان، ميمونتان؛ يمين، وشمال، لكن شماله ليست كشمال المخلوقين؛ فالمخلوقون في الغالب تكون الشمال أنقص، وأضعف من اليمين، فلما خشي النبي ﷺ أن يتوهم متوهم هذا النقص، نزه الله عن ذلك، وقال: "وكلتا يديه يمين".
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة جلية، لما تضمنه من بيان قدرة الرب العظيمة الباهرة، التي توجب قدره حق قدره.
فوائد الحديث:
١ - اعتقاد يهود صدق نبوته ﷺ في قرارة نفوسهم، وجحودهم لها ظاهرًا، بسبب كبرهم.
٢ - أن ما جاء به النبي ﷺ مصدق لما بين يديه من الكتاب، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
٣ - عظيم قدرة الله وسلطانه.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم برقم (١٨٢٧).
[ ٢ / ٧٧٣ ]
٤ - أن من الضحك ما يقع تصديقًا وإقرارًا.
٥ - فساد مذهب أهل التأويل، ومصادمته للنصوص.
٧ - الاستشهاد بالقرآن في المواضع المناسبة.
٨ - إثبات اسم الله (الملك)، وما تضمنه من صفة الملك.
٩ - إثبات الصفات الخبرية: الأصبع، القبضة، اليمين، الشمال، على حقيقتها اللائقة به تعالى.
١٠ - إثبات الصفات الفعلية: الهز، والطي، والأخذ، على حقيقتها اللائقة به تعالى.
١١ - إثبات القيامة والمعاد، وما يقع فيها من أحداث جسام.
١٢ - شؤم عاقبة التجبر والكبر، وانفراد الله بهما.
قوله: وروي عن ابن عباس قال: "ما السماوات السبع، والأرضون السبع، في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم" الخردل: نبت له حب صغير أسود، واحدته خردلة، يعبر به عن الشيء المتناهي في الدقة والصغر. وقد ذكره المصنف بصيغة التمريض؛ "روي"، ومثل هذا، إن صح، له حكم الرفع، لأنه لا مساغ للاجتهاد فيه.
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لما يشعره من عظمة الله، وقدرته، الموجبة لقدره حق قدره.
فوائد الأثر:
١ - إثبات صفة "الكف" لله تعالى، حقيقةً على ما يليق بجلاله.
٢ - عظم الرب سبحانه، وقدرته.
٣ - إثبات السبع في عدد السماوات والأرض.
قوله: وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة، ألقيت في ترس". قال: وقال أبو ذر ﵁: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض" تقدم الكلام على تخريج هذا الحديث والأثر، أول الباب. وهما يدلان
[ ٢ / ٧٧٤ ]
على صغر السماوات السبع منسوبةً للكرسي، وصغر الكرسي منسوبًا للعرش.
مناسبة الحديث والأثر للباب:
ظاهرة جلية، لما يشعران من صغر هذه المخلوقات العظيمة في ملك الله، مما يوجب تعظيمه.
فوائد الحديث والأثر:
١ - إثبات الكرسي والعرش.
٢ - عظم ملكوت الله، ووجوب قدره حق قدره، سبحانه.
٣ - أن العرش غير الكرسي، خلافًا لمن فسره به.
قوله: "وعن ابن مسعود قال: "بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم" أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله. ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله. قاله الحافظ الذهبي ﵀، قال: وله طرق" وممن رواه أيضًا: الدارمي (^١)، وابن خزيمة (^٢)، والطبراني (^٣)، والبيهقي (^٤)، والخطيب البغدادي (^٥)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (^٦)، وصححه الذهبي (^٧). وله حكم الرفع.
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من سعة أقطار السماوات، وذكر الكرسي، والماء،
_________________
(١) الرد على الجهمية - الدارمي (ص: ٥٥) ونقض الإمام عثمان الدارمي على المريسي الجهمي (١/ ٤٧١).
(٢) التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٨٨٥).
(٣) المعجم الكبير - الطبراني برقم (٨٨٩٤).
(٤) الأسماء والصفات - البيهقي برقم (٨٢٠).
(٥) موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ١٨).
(٦) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد برقم (٢٨٤).
(٧) العلو للعلي الغفار (ص: ٧٩).
[ ٢ / ٧٧٥ ]
والعرش، مما لا يحيط به خيال، ولا يدخل تحت قياس، وعلو الرب فوق جميع خلقه، وعلمه بهم.
فوائد الأثر:
١ - سعة خلق الله، وعظم ملكوته.
٢ - أن السماوات سبع طباق، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣]
٣ - إثبات الكرسي، والماء، والعرش، وأنها فوق السماوات.
٤ - أن العرش غير الكرسي، خلافًا لمن فسره به.
٥ - إثبات علو الذات.
٦ - إثبات معية الله بعلمه، وأن علوه لا ينافي معيته، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]
قوله: "وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله ﷾ فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم" أخرجه أبو داود، وغيره".
هذا الحديث يُسمى: "حديث الأوعال"، ولكن المصنف أسقط ذكر الأوعال مع ثبوته في حديث أبي داود، فقال بعد ذكر كثف البحر: "ثم فَوقَ ذلكَ ثمانيةُ أوعالٍ، بين أظلافِهِم ورُكبِهِم مثلُ ما بين سماءٍ إلى سماءٍ، ثم على ظُهورهم العرشُ، بين أسفلِه وأعلاهُ مثلُ ما بينَ سماءٍ إلى سماءٍ"، والمقصود بالأوعال: حملة العرش الثمانية. وهو حديث مختلف فيه، فقد رواه، كما تقدم تخريجه، أبو داود، والإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم، وأقره الذهبي (^١)، وقال ابن العربي في شرح الترمذي: حسن
_________________
(١) المستدرك على الصحيحين للحاكم برقم (٣٤٢٨).
[ ٢ / ٧٧٦ ]
صحيح (^١)، واحتج به ابن خزيمة (^٢)، وصححه الجوزقاني (^٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، وابن القيم (^٥).
فسلف الأمة، وأئمتها، احتملوا هذا الحديث، واحتجوا به. وفيه ذكر المسافات بين السماوات، وكثف كل سماء، فيجب علينا أن نعتقد ما دلت عليه هذه الأحاديث، من عظم خلق السماوات والأرض، وأعظم من ذلك: إثبات علو الله ﷿ بذاته فوق مخلوقاته، فإن قارئ هذا الحديث يفهم منه إثبات العلو المطلق لله ﷿، فكما أنه عليٌ بصفاته هو عليٌ ﷾ بذاته، فذاته فوق كل شيء، كما قال عن نفسه: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] وفسّره نبيه ﷺ بقوله: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" (^٦)، فله العلو المطلق في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، كالأحاديث والآثار السابقة، الدالة على عظيم خلق الله، وعلوه على خلقه.
فوائد الحديث:
١ - التعليم بطريقة السؤال والجواب، لاستثارة الأذهان.
٢ - عظم الأجرام السماوية، الدالة على عظم خالقها ومدبرها سبحانه.
٣ - الرد على الملاحدة القائلين أن الكون لا خالق له، وأنه ليس ثّم إلا فضاء، ومجرات تقاس بالسنين الضوئية، وجدت صدفة! أو أوجدتها الطبيعة! فرارًا من إثبات الخالق الحكيم. قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ
_________________
(١) عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي (٦/ ١٥٦).
(٢) التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٣٥).
(٣) الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير (٧٩/ ١).
(٤) منهاج السنة النبوية (٨/ ٣٧٨) ومجموع الفتاوى (١٩٢/ ٣).
(٥) تهذيب السنن (٩٤/ ٧) واجتماع الجيوش الإسلامية (٢/ ١٦٢) والتبيان في أقسام القرآن (ص: ٢٦٧).
(٦) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع برقم (٢٧١٣).
[ ٢ / ٧٧٧ ]
(٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥، ٣٦]
٤ - إثبات البحر، وهو الماء المذكور في قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧].
٥ - إثبات حملة العرش الثمانية.
٦ - إثبات العرش، وأنه سقف العالم.
٧ - إثبات العلو المطلق لله تعالى، علوًا ذاتيًا، وفوقيته على العرش
٨ - الرد على نفاة العلو، من الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، ومن سار على طريقتهم، فإن منهم من يقول: بحلول الله في كل مكان، تعالى الله عما يقولون، ومنهم من ينفي الجهات الست. والشرع، والعقل، والفطرة، والإجماع، تدل على علو الله فوق سماواته، حتى قال بعض علماء الشافعية: إن في القرآن العظيم أكثر من ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله تعالى عالٍ على الخلق، وأنه فوق عباده (^١).
٩ - إحاطة علم الله بكل شيء.
١٠ - أن علوه تعالى لا ينافي معيته، فهو قريب في علوه، علي في دنوه.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧].
أي: يقبضها بيده حقيقة، على ما يليق بجلاله، كما دل عليه الآية، والحديث الصحيح.
الثانية: أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه ﷺ، لم ينكروها، ولم يتأولوها.
أي: العلوم التي تتضمن إثبات علو الله ﷿ وصفاته، مما بقي في كتبهم،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٢١).
[ ٢ / ٧٧٨ ]
يجدونها عندهم؛ وأقرهم عليها النبي ﷺ لم ينكروها ولم يؤولوها، كما صنع المتكلمون من المعتزلة والجهمية والأشاعرة.
الثالثة: أن الحَبر لما ذكر للنبي ﷺ صدَّقه ونزل القرآن بتقرير ذلك.
لقول ابن مسعود ﵁: "فضحك النبي ﷺ، حتى بدت نواجذه؛ تصديقًا لما قال الحَبر" ثم استشهد النبي ﷺ بالآية.
الرابعة: وقوع الضحك من رسول الله ﷺ لما ذكر الحَبر هذا العلم العظيم.
وهذا الضحك منه ﷺ تعجبًا وتصديقًا لموافقة ما قاله هذا اليهودي لما جاء به القرآن، كما صرح به ابن مسعود، لا كما يزعم النفاة؛ أنه وقع استهجانًا وإنكارًا.
الخامسة: التصريح بذكر اليدين، وأن السماوات في اليد اليمنى، والأرضين في الأخرى.
كما في الصحيحين، أو انفرد به أحدهما، فلله تعالى يدان كريمتان حقيقيتان.
السادسة: التصريح بتسميتها الشمال.
لقوله في رواية مسلم: "بشماله" وهي محفوظة، وإنما قال النبي ﷺ: "وكلتا يديه يمين" لدفع توهم من توهم أن الشمال في حق الخالق كالشمال في حق المخلوق؛ أنقص من اليمين.
السابعة: ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك.
لقوله: "أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " فهؤلاء الذين يخرجون عن طورهم ويظنون في أنفسهم ما ليس لهم، يظهر خزيهم، وحقارتهم، حتى إنه لا يجيبه
[ ٢ / ٧٧٩ ]
أحد منهم، فما أعظمها من موعظة لمن وقع في نفسه شيء من ذلك.
الثامنة: قوله: "كخردلة في كف أحدكم".
هذا التشبيه لبيان صِغَر وحقارة المخلوقات بالنسبة إلى الكرسي أو العرش.
التاسعة: عظم الكرسي بالنسبة إلى السماء.
لوصفه في رواية ابن جرير: "كدراهم سبعة ألقيت في ترس".
العاشرة: عظم العرش بالنسبة إلى الكرسي.
لوصفه في حديث أبي ذر بأنه: "كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة".
الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي والماء.
أي لقوله: "بين الكرسي والماء خمسمائة عام والعرش فوق الماء" فقد جمع بينها، فلا تكون شيئًا واحدًا، ولا يفسر بعضها ببعض.
الثانية عشرة: كم بين كل سماء إلى سماء.
بيّنه النبي ﷺ بأنه خمسمائة عام.
الثالثة عشرة: كم بين السماء السابعة والكرسي.
بيّنه النبي ﷺ بأنه خمسمائة عام.
الرابعة عشرة: كم بين الكرسي والماء.
بيّنه النبي ﷺ بأنه خمسمائة عام.
الخامسة عشرة: أن العرش فوق الماء.
لقوله في أثر ابن مسعود: "والعرش فوق الماء".
[ ٢ / ٧٨٠ ]
السادسة عشرة: أن الله فوق العرش.
أي: لقوله في أثر ابن مسعود: "والله فوق العرش"، حديث العباس: "والله فوق ذلك".
السابعة عشرة: كم بين السماء والأرض.
بيّنه النبي ﷺ بأنه خمسمائة عام.
الثامنة عشرة: كثف كل سماء خمسمائة سنة.
بيّنه النبي ﷺ بأنه خمسمائة عام.
التاسعة عشرة: أن البحر الذي فوق السماوات أسفله وأعلاه خمسمائة سنة. والله أعلم.
أي: لقوله في حديث العباس بن عبد المطلب ﵁: "وبين السماء السابعة والعرش، بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض".
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
انتهى الشرح.
[ ٢ / ٧٨١ ]