وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٨٩].
عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب" (^١)، أخرجاه.
وعن سلمان: أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: أشيمط زانٍ، وعائلٍ مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه" (^٢)، رواه الطبراني بسند صحيح.
وفي الصحيح: عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثًا، "ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن" (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] برقم (٢٠٨٧) بلفظ: "الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة" ومسلم في كتاب المساقاة، باب النهي عن الحلف في البيع برقم (١٦٠٦) بلفظ: "الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للربح".
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير برقم (٨٢٢) والمعجم الأوسط برقم (٥٧٣٥) والمعجم الكبير برقم (٥٩٨٨) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٣٠٧٢).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب أصحاب النبي ﷺ، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ برقم (٣٦٥٠) ومسلم في كتاب فضائل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم برقم (٢٥٣٥).
[ ٢ / ٧٢١ ]
وفيه: عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" قال إبراهيم: "كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار" (^١).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
من كمال التوحيد: احترام اسم الله تعالى، فلا يصح أن يكون اسمه مبتذلًا بالأيمان، يجريه الإنسان على لسانه في كل صغيرة وكبيرة، أو لا يبالي أن يحنث في يمينه.
فقوله: "باب: ما جاء في كثرة الحلف" من الوعيد. أراد به أن يحترم الإنسان اسم الله تعالى فلا يجعله جاريًا مجرى الكلام المعتاد، بل يعظمه، ولا يتكلم به إلا في الأمور الجليلة.
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ " حفظ اليمين يكون في صور متعددة:
أولًا: عدم الإكثار من الحلف، فلا يجعل الإنسان اليمين يجري على لسانه في الأمور التافهة، كما يقع من بعض الناس، فمن حفْظ اليمين ألا يأتي الإنسان باليمين إلا فيما يستحق، أو إذا توجه إليه اليمين عند الحاكم الشرعي، أو إذا أراد التأكيد لأمر مهم.
ثانيًا: عدم الحِنث فيه إلا لمصلحة راجحة: فإذا حلف فليحفظ يمينه ولا يخرمه، بل يلتزم به، اللهم إلا أن يبدو له ما هو خير؛ لقول النبي ﷺ: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، فأتِ الذي هو خير، وكفر عن يمينك" (^٢)، وفي
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب أصحاب النبي ﷺ، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ برقم (٣٦٥١).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب من سأل الإمارة وكل إليها برقم (٧١٤٧) ومسلم في كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرًا منها، أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه برقم (١٦٥٢).
[ ٢ / ٧٢٢ ]
رواية: "فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه" (^١)، أي: أن له أن يقدم الكفارة، ثم يأت الذي هو خير، وله أن يأت الذي هو خير، ويكفر بعد ذلك.
ثالثًا: أن يكفر عن يمينه إذا وقع منه الحنث، ويتبرر منه بالكفارة. والكفارة: ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩].
واليمين التي تجب فيها الكفارة هي ما توفر فيه ثلاثة شروط:
الأول: أن تكون باسم من أسماء الله، أو بصفة من صفاته، بأن يقول: والله، وبالله، وتالله، أو: وعزة الله، وقدرة الله، ونحوه.
الثاني: أن تكون منعقدة، أي: يعقد قلبه عليها، فلو خرجت مخرج اللغو فلا يجب بها كفارة، كما يجري على ألسنة الناس قول: والله، وهو لا يريد اليمين، كما يقول الرجل لصاحبه: والله أن تدخل اولًا، وهو لا يريد اليمين، وإنما يريد التكريم.
الثالث: أن تكون على أمر مستقبل، كأن يقول الحالف: والله لا ألبس هذا الثوب، أو: لا آكل هذا الطعام، أو: لا أدخل هذا البيت، أو: لا أكلم فلانًا، فهذه كلها أمور مستقبلة. أما إذا حلف على أمر ماضٍ فلا تتعلق به كفارة؛ لأنه إما أن يكون صادقًا أو كاذبًا، فإن كان صادقًا فلا شيء عليه، وإن كان كاذبًا فهي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار. وقيل: إن اليمين المغموس هو ما اقتطع بها مال امرئ مسلم، كأن يترافع اثنان عند حاكم شرعي، فتطلب البينة من المدعي، فلا يكون عنده بينة، فيتوجه اليمين إلى المدعى عليه، فيبذل اليمين وهو كاذب؛ ليستبقي ما في يده، أو لينال ما لا حق له فيه.
وكثير من الناس يتساهل في الأيمان، فيحلف على أمر مضى أنه قد وقع، وهو لم يقع، ويشتد الأمر لو وثقه بأن حلف على المصحف؛ يقال له: احلف
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها برقم (١٦٥٠).
[ ٢ / ٧٢٣ ]
على المصحف، فيضع يده على المصحف ويحلف. فينبغي للمؤمن العاقل ألا يكثر الحلف، ولا يحنث لغير حاجة، وإذا حنث، فلا يدعها من غير تكفير.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لما تضمنته من الأمر بحفظ الأيمان.
فوائد الآية:
١ - وجوب حفظ اليمين، وعدم ابتذاله.
٢ - أن حفظ اليمين احترام لجناب المحلوف به، وهو الله تعالى.
قوله: "عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "الحلف مَنفقة للسلعة" " (منفقة) بفتح الميم، والمراد: ترويج للسلعة؛ لأن البائع الذي ينادي على سلعته ويقول: والله أعطيت فيها كذا وكذا، ولم يعطَ، يُنَفِّق سلعته بالحلف الكاذب.
قوله: "ممحقة للكسب" المحق: الإتلاف والإهدار. عوقب بنقيض قصده. فهو، وإن استطاع أن يروج سلعته، إلا إن العاقبة وخيمة، فقد يسلط الله تعالى عليه آفة تمحق هذا الكسب، كما قال الله ﷿: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦].
فوائد الحديث والآية:
١ - التحذير من ترويج السلع بالأيمان.
٣ - شؤم عاقبة من نفَّق سلعته بالحلف الكاذب.
٤ - أن العبرة ليست بترويج السلعة وبيعها، بل بما يجعله الله تعالى من بركة. وهذا أمر يجب أن يكون نصب عيني الإنسان، فلا يكون همه جمع الأموال؛ فلو جمع أموال الناس بالباطل، ثم لم يبارك له فيه، كان زادًا له إلى النار، وخسر الدنيا والآخرة. فقليل مبارك خير من كثير منزوع البركة.
قوله: "وعن سلمان" هو سلمان الفارسي، أبو عبد الله، صحابي مشهور، هاجر من فارس إلى المدينة، ليلقى رسول الله ﷺ في قصة مشهورة، أشار بحفر الخندق. مات سنة ست وثلاثين. قوله: "أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله" " أي: لا يكلمهم الله
[ ٢ / ٧٢٤ ]
تعالى تكليم تكريمٍ، وإلا فقد يكلمهم تكليم تأنيب، كما يقول لأهل النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وهذا على سبيل التبكيت.
قوله: "ولا يزكيهم" أي: لا يطهرهم ولا يوفقهم إلى التوبة بسبب هذه الأعمال التي اقترفوها. قوله: "ولهم عذاب أليم" أي: شديد الألم، موجع؛ وذلك في الآخرة.
قوله: "أشيمطٌ زانٍ" تصغير أشمط، وصغره للتحقير، والمقصود به من كان به شيب، فهو كناية عن تقدمه في السن؛ وذلك أنه جمع بين وصفين، اجتماعهما سبة له: أن أنه بلغ من الكبر أن شاب شعره، ومع ذلك يقارف الزنا، فالذنب في حقه مضاعف؛ لأنه وقع مع ضعف الداعي، فهو أعظم جرمًا مما لو وقع ذلك من شاب شديد الشهوة
قوله: "وعائل مستكبر" وهذا اجتمع فيه وصفان لا يجتمعان في العادة، الفقر، والكبر، والكبر مذموم مطلقًا، لكن لو وقع من غني لقيل: غره ماله، وما بين يديه من الخدم والحشم، وتعلق الناس به، لكن كيف يتكبر عائل صعلوك؟
قوله: "ورجل جعل الله بضاعته" أي: جعل اسم الله وسيلة لتسويق بضاعته، ومركبًا لنيل لعاعة من الدنيا؛ لا يشتري ولا يبيع إلا بيمينه؛ إذا أراد أن يشتري، يقول: والله! قد وجدته بأقل، وإذا أراد إن يبيع قال: والله! قد عُرض عليّ أكثر. أو نحو هذه العبارات. ويعتبر هذا نوعًا من المهارة، والحذق، في ترويج السلع، كما يقع لكثير من الباعة، ويغفلون، في حمى الطمع، والجشع عن العواقب، فاستحق هؤلاء المتبجحون الثلاثة هذا الوعيد الشديد: "لا يكلمهم الله، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم".
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من الوعيد الشديد على من استهان بالأيمان، واتخذها سلمًا لعرض دنيوي.
فوائد الحديث:
١ - تحريم الزنا، وشدة قبحه من الكبير.
٢ - تحريم الكبر، وشدة قبحه من الفقير.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
٣ - التحذير من استعمال الحلف في البيع والشراء.
٤ - وجوب احترام اسم الله وإجلاله.
٥ - إثبات صفة الكلام لله ﷿؛ لقوله: "لا يكلمهم الله" لأنه يكلم سواهم.
٦ - أن التزكية تكون من الله؛ ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ: "اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" (^١)، فلا تزكو النفوس إلا بتزكية الله ﷿-ومن الناس من يجتهد في الرياضات، والمجاهدات، دون أن يستحضر هذا المعنى، فلا يصل إلى مبتغاة، فقد يحمل نفسه على الأمور الشديدة، ويدع الملاذ والشهوات، يريد بذلك أن يتسامى بنفسه؛ لكنه لا يبلغ مراده، حتى يستعين بمعبوده، ويسأله أن يزكي نفسه، فييسر الله له أسباب الهدى، وطهارة النفس، بجهد أقل.
قوله: "وفي الصحيح" المراد ها هنا: الصحيحان.
قوله: "عن عمران بن حصين" صاحب رسول الله ﷺ، وقد تقدمت ترجمته.
قوله: "قال: قال رسول الله ﷺ: "خير أمتي قرني" " القرن المراد به: الطبقة المقارنين من الناس، فمن قارنك وعاصرك فهم قرنك، وأصحاب النبي ﷺ هم قرنه. والمراد بالأمة هنا: أمة الإجابة، لوصفهم بالخيرية، فهم الذين سبقت لهم من الله الحسنى، بأن استجابوا له ﷺ ودخلوا في عقد الإسلام. وأما أمة الدعوة: فتشمل كل من وجد بعد بعثة النبي ﷺ إلى قيام الساعة، لأن الدعوة موجهة إليهم، وعليه قول النبي ﷺ فيما رواه أبو هريرة في صحيح مسلم: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار" (^٢). وقرن النبي ﷺ الصحابة الكرام، والصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به في حياته، ومات على ذلك.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل برقم (٢٧٢٢).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته برقم (١٥٣).
[ ٢ / ٧٢٦ ]
قوله: "ثم الذين يلونهم" وهم التابعون الكرام، الذين أدركوا الصحابة.
قوله: "ثم الذين يلونهم" أي: أتباع التابعين.
قوله: "ثم الذين يلونهم" أي: أتباع أتباع التابعين.
قوله: "قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثًا" شك عمران، لكن الحديث الذي يليه يرجح أنه ذكر بعد قرنه مرتين؛ ولهذا يُعبّر العلماء بالقرون الثلاثة الفاضلة، وهم الصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين. وهم خير أمة محمد ﷺ، وهم أهل الرواية والدراية، وهم الذين حفظ الله بهم الدين، وفيهم المحدثون الكبار، والفقهاء الراسخون في العلم، والعباد الصالحون. فهم، من حيث الجملة، أفضل ممن جاء بعدهم.
ولا يمتنع أن يأتي أفراد في قرون متأخرة، أفضل من أفراد في قرون متقدمة. ولا يمتنع أن يوجد في القرون الثلاثة الفاضلة أقوام من أهل البدع والأهواء، كما هو معلوم مشهور؛ كالخوارج، والرافضة، والقدرية. لكن البدعة، كلما بعد زمنها عن عهد النبوة، غلظت واشتدت. وكذلك المبتدعة أنفسهم، يكثرون في الأزمنة المتأخرة، ويقلون في الأزمنة المتقدمة.
وأصحاب القرون الثلاثة يسمون في الاصطلاح: السلف الصالح، لكن مصطلح السلف ينسحب على من سار على طريقتهم، ولو تأخر زمانه. فقد يقال عن عالم ما: سلفي، وهو في القرن الخامس عشر الهجري، والمراد بوصفه بالسلفية: أنه سار على طريقة السلف الصالح، وقد يوصف شخص بأنه: خلفي، وهو في القرون الأولى؛ لأنه لم يسر على طريقتهم.
قوله: "ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون" أي: أنهم يبذلون الشهادة دون طلب؛ لفسقهم، وعدم اكتراثهم، واستخفافهم بأمر الشهادة، وعدم تثبتهم وتحريهم للصدق.
قوله: "ويخونون ولا يؤتمنون" الخيانة: هي الخداع في موضع الائتمان، فهم مخادعون، لا يأمنهم الناس على أموالهم، ولا مصالحهم.
قوله: "وينذرون ولا يوفون" أي: يلزمون أنفسهم بأمور، ثم لا يفون بهذه النذور.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
قوله: "ويظهر فيهم السِمَن" السمن: هو كثرة اللحم والشحم، وكأن المراد: إقبالهم على ملاذ الدنيا، واشتغالهم بالمآكل والمشارب، حتى ظهر فيهم السمن، وصارت سمة عامة لقرنهم، خلاف القرون الفاضلة. وقد وجد هذا بالفعل في التاريخ الإسلامي. وهذا وصف طردي، لا يراد به أن السمنة حرام، فتلك أمور قدرية، ترجع إلى أسباب عضوية، كما قال النبي ﷺ في الخوارج: "سيماهم التحليق" (^١)، مع أن حلق شعر الرأس في المناسك أفضل من تقصيره؛ لكنه ذكر وصفًا طرديًا، لا يريد به ﷺ تحريم الحلق، وإنما من باب الإخبار، بهذه العلامة الفارقة التي تكثر فيهم. ولهذا لما قام صبيغ بن عسل في مسجد رسول الله ﷺ وقال قولًا، نزل عمر ﵁ من المنبر، وأتى إليه، وكشف رأسه، قال: "لو وجدتك محلوقًا لضربت رأسك" (^٢)؛ ظن أنه من الخوارج.
مناسبة الحديث للباب:
خفية، تستنبط من قوله: "يشهدون ولا يستشهدون" لأن اليمين تقارن الشهادة عادة.
فوائد الحديث:
١ - فضل القرون الثلاثة الفاضلة، أو الأربعة، وهم: الصحابة، والتابعون، وتابعوهم بإحسان.
٢ - ذم التساهل والمسارعة في الشهادة.
٣ - أن الشهادة واليمين لا تتعين ولا تتوجه إلا عند حاكم شرعي. وكثير من الناس يحرجه غيره، ويقول له: احلف على كذا! يتنازع الزوجان؛ فيقول الزوج لزوجته: احلفي على كذا، أو تقول الزوجة لزوجها: احلف على كذا، أو يقول الصاحب لصاحبه: احلف على كذا! فلا يجب عليه بذل اليمين، فله أن يقول: أنا لست ملزمًا بالحلف.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قراءة الفاجر والمنافق، وأصواتهم وتلاوتهم لا تجاوز حناجرهم برقم (٧٥٦٢).
(٢) الشريعة للآجري (١/ ٤٨٢) والإبانة الكبرى لابن بطة (١/ ٤١٤) وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٧٠٢).
[ ٢ / ٧٢٨ ]
٤ - ذم الخيانة، وفضل الأمانة.
٥ - ذم عدم الوفاء بالنذور ووجوب الوفاء بها؛ لقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧].
٦ - ذم الترف والتوسع في المآكل والمشارب التي تورث السمن.
٧ - علم من أعلام النبوة، حيث أخبر النبي ﷺ بأمور مستقبلة، ووقعت كما أخبر،
قوله: "وفيه: عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" هذا يدل على المسارعة في بذل الأيمان، والشهادات، فلا يدري يحلف أولًا أو يشهد أولًا، أي: يقدم الشهادة أو الحلف؛ لسهولة الأمر عليه. بخلاف أهل الورع والتقى؛ فإذا أراد أحدهم أن يقول كلمة وزنها، وفكر في آثارها، ومقتضياتها، فلا يقول إلا حقًا، يحتاط لدينه، ويحترز لنفسه، ولا يبذل اليمين إلا في موضعه، هذا هو الواجب على المؤمن. أما هؤلاء المذمومون فقد هانت عليهم الشهادة، وهان عليهم اليمين، وهان عليهم اسم الله ﷿، حتى صار من أرخص الأشياء، يبذلونه بطلب وغير طلب.
قوله: "قال إبراهيم: " هو النخعي ﵀
قوله: "كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار" أي: كان السلف يؤدبون صبيانهم على الشهادة، بألا يحلفوا، ولا يشهدوا، إلا بحق. وإذا حنثوا أدبوهم على ذلك.
وهكذا ينبغي لأهل الإسلام أن يُنشِّؤا ناشئتهم؛ صبيانهم وبناتهم على تعظيم اسم الله ﷿، وشعائر الدين، فهذا أمر يستنبت في القلوب منذ الصغر. فعلى المربين؛ من الآباء، والأمهات، والمعلمين، تعظيم شعائر الله؛ لأن الطفل كالمرآة الصقيلة، يظهر وينطبع فيه كل شيء؛ فإذا ربى الإنسان صغاره على تعظيم جناب الله ﷿، وعدم المساس بالحرمات، نشأ معظمًا لذلك، مجلًا له، وإذا رأى أنه يحلف بالله، ويخفر العهد، ثم لا يجد من يوبخه ويؤنبه، تساهل بذلك.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
مناسبة الحديث والأثر للباب:
ظاهرة، لما فيه من التحذير من المسارعة في بذل الأيمان، والتربية على احترامه.
ويُستفاد منه:
١ - أن القرون الفاضلة هي الثلاثة الأولى اتفاقًا، فلم يقع فيه شك كما في حديث عمران.
٢ - ذم التسرع في الشهادة واليمين.
٣ - علم من أعلام النبوة، حيث أخبر النبي ﷺ بأمر مستقبل، فوقع كما أخبر.
٤ - حرص السلف الصالح على تربية أولادهم على تعظيم جناب الله.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: الوصية بحفظ الأيمان.
لقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾.
الثانية: الإخبار بأن الحلف: "منفقة للسلعة، ممحقة للبركة".
كما أخبر النبي ﷺ، فهو ينفِّق السلعة ويروجها، لكن العاقبة وخيمة، فإنه يمحق البركة.
الثالثة: الوعيد الشديد في من لا يبيع إلا بيمينه، ولا يشتري إلا بيمينه.
وقد جاء ثلاثة أنواع من الوعيد: "لا يكلمهم الله، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم".
[ ٢ / ٧٣٠ ]
الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي.
جرى التنبيه بمثالين: أحدهما: "أشيمط زانٍ" فداعي الشهوة عنده ضعيف،
ثانيهما: "عائل مستكبر" فالفقر لا يوجب الكبر، بل ضد ذلك.
الخامسة: ذم الذين يحلفون، ولا يُستحلفون.
لكن هذا ليس على إطلاقه، فقد حلف النبي ﷺ ولم يستحلف في مواضع عدة، بل أمره الله سبحانه أن يحلف في ثلاثة مواضع من القرآن بدون أن يستحلف، في قوله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ [يونس: ٥٣]، وقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] وفي قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]، وذلك لغرض التأكيد.
السادسة: ثناؤه ﷺ على القرون الثلاثة أو الأربعة، وذكر ما يحدث بعدهم.
لقوله: "خير الناس" أو "خير أمتي" فهذا التخيير شهادة نبوية لأهل تلك القرون، ولا شك أن السلف خير من الخَلَف، وإنما ظهرت البدع وانتشرت في الخَلَف، وبذلك يتبين بطلان عبارة المتكلمين: "مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم" فيقال: هذه كلمة متناقضة، لأن السلامة ثمرة للعلم والحكمة، فكيف تصفون السلف بالسلامة، ولا تصفونهم بالعلم والحكمة، وأنى للخلف أن يوصفوا بالعلم والحكمة، ولا يوصفون بالسلامة؟ فلو كان عندهم علم وحكمة لسلموا، لكنهم وقعوا في مزالق خطيرة، حيث رغبوا عن طريقة السلف الصالح، واختاروا لأنفسهم طرق دخيلة. فمذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم.
السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون.
لدلالته على المسارعة، وهذا إذا لم يحتج إلى شهادتهم، فإذا دعوا للشهادة لزم القيام بها، وحرم كتمانها، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]
[ ٢ / ٧٣١ ]
الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد.
وهذا ضرب تأديب، وهو يدل على أن الضرب أسلوب تربوي، خلافًا لما يروجه بعض أدعياء التربية في العصور الأخيرة، فإنهم يذمون الضرب بإطلاق، ويعتبرون أنه منافٍ لحقوق الإنسان، وحقوق الطفل، وحقوق المرأة، كيف والله ﷾ قد قال في آية النشوز: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] وإنما أراد الله ﷾ الضرب غير المبرح، لا الضرب الذي يُسمى في عرف المتأخرين: "العنف الأسري"، لكنه ضرب تأديب يطامن النشوز، والترفع على الزوج؛ فإن وجود ألم بدني يطفئ فوعة الكبر والترفع لدى الزوجة، هذا إذا لم تجد الوسيلتان الأوليان، وهما: الموعظة والهجر، فهو أسلوب تربوي قرآني معتمد، فلا يستحي منه الإنسان، أو يحاول أن يعتذر عنه، وهو شرع الله ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. وكذلك في تربية الأبناء والبنات قال النبي ﷺ: "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين" (^١)، فهذا الضرب ضرب تأديب وتهذيب؛ لأن الإيلام الجسدي، ينبه الصبي والجارية على الالتزام. لكن لا يكون الضرب بدافع التشفي والحنق، كما يقع من بعض الآباء والأمهات، حيث يضربون أبناءهم ضربًا مبرحًا، فهذا لا يجوز شرعًا. فالولد إذا لم يجدِ معه الكلام الرفيق، والترغيب والترهيب، فلا حرج حينئذٍ أن يمسه بشيء من ألم؛ لكي يحصل ما فيه مصلحة له. والإيلام له صور متعددة، فالطفل يُوخز أحيانًا، بالإبرة، ولا يرى الناس في ذلك بأسًا! لأن له فيها مصلحة وهو العلاج، وربما استعمل بعض الناس الكي، وربما حصل منهم تأنيب بالكلام المقذع أشد من الضرب. فالمقصود: أن التربية لها صور متعددة، لكن على المربي دومًا أن يستصحب روح الشفقة والنصح على من تحت يده من زوج، أو ولد، ولا يتخذ من هذه الأساليب سبيلًا للتشفي، والانتقام، وإنفاذ الغيظ.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم (٣٢٣٤) وأحمد ط الرسالة برقم (٦٧٥٦) وقال محققو المسند: "إسناده حسن".
[ ٢ / ٧٣٢ ]